مدارك التنزيل وحقائق التأويل — أبو البركات النسفي
عن الكتاب
﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْىٌ﴾ أي هم صم، كانت حواسهم سليمة ولكن لما سدوا عن الإصاخة إلى الحق مسامعهم، وأبوا أن ينطقوا به ألسنتهم وأن ينظروا أو يتبصروا بعيونهم جعلوا كأنما أنفت مشارعهم. وطريقته عند علماء البيان طريقة قولهم : هم ليوث للشجعان وبحور للأَسخياء إلا أن هذا في الصفات وذلك في الأسماء، وما في الآية تشبيه بليغ في الأصح لا استعارة لأن المستعار له مذكور وهم المنافقون، والاستعارة إنما تطلق حيث يطوى ذكر المستعار له ويجعل الكلام خلواً عنه صالحاً لأن يراد به المنقول عنه والمنقول إليه لولا دلالة الحال أو فحوى الكلام ﴿فَهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ﴾ لا يعودون إلى الهدى بعد أن باعوه، أو عن الضلالة بعد أن اشتروها لتنوع الرجوع إلى الشيء. وعنه أو أراد أنهم بمنزلة المتحيرين الذين بقوا جامدين في مكانهم لا يبرحون ولا يدرون أيتقدمون أم يتأخرون.