أنوار التنزيل وأسرار التأويل — البيضاوي

عن الكتاب
﴿صم بكم عمي﴾ لما سدوا مسامعهم عن الإصاخة إلى الحق وأبوا أن ينطقوا به ألسنتهم ويتبصروا الآيات بأبصارهم، جعلوا كأنما أيفت مشاعرهم وانتفت قواهم كقوله :
صم إذا سمعوا خيرا ذكرت بهوإن ذكرت بسوء عندهم أذنوا
وكقوله :
أصم عن الشيء الذي لا أريدهوأسمع خلق الله حين أريد
وإطلاقها عليهم على طريقة التمثيل، لا الاستعارة إذ من شرطها أن يطوي ذكر المستعار له، بحيث يمكن حمل الكلام على المستعار منه لولا القرينة كقول زهير :
لدى أسد شاكي السلاح مقذفله لبد أظفاره لم تقلم
ومن ثم ترى المفلقين السحرة يضربون عن توهم التشبيه صفحا كما قال أبو تمام الطائي :
ويصعد حتى يظن الجهولبأن له حاجة في السماء
وههنا وإن طوى ذكره بحذف المبتدأ لكنه في حكم المنطوق به، ونظيره :
أسد علي وفي الحروب نعامةفتخاء تنفر من صفير الصافر
هذا إذا جعلت الضمير للمنافقين على أن الآية فذلكة التمثيل ونتيجته، وإن جعلته للمستوقدين، فهي على حقيقتها. والمعنى : أنهم لما أوقدوا نارا فذهب الله بنورهم، وتركهم في ظلمات هائلة أدهشتهم بحيث اختلت حواسهم وانتقصت قواهم. وثلاثتها قرئت بالنصب على الحال من مفعول تركهم. والصمم : أصله صلابة من اكتناز الأجزاء، ومنه قيل حجر أصم وقناة صماء، وصمام القارورة، سمي به فقدان حاسة السمع لأن سببه أن يكون باطن الصماخ مكتنزا لا تجويف فيه، فيشتمل على هواء يسمع الصوت بتموجه والبكم الخرس. والعمى : عدم البصر عما من شأنه أن يبصر وقد يقال لعدم البصيرة.
﴿فهم لا يرجعون﴾ لا يعودون إلى الهدى الذي باعوه وضيعوه. أو عن الضلالة التي اشتروها، أو فهم متحيرون لا يدرون أيتقدمون أم يتأخرون، وإلى حيث ابتدأوا منه كيف يرجعون، والفاء للدلالة على أن اتصافهم بالأحكام السابقة سبب لتحيرهم واحتباسهم.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى