التفسير الوسيط — محمد سيد طنطاوي

عن الكتاب
ثم قال - تعالى - :﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ﴾.
قال القرطبي : والصمم في كلام العرب : الانسداد، يقال : قناة صماء إذا لم تكن مجوفة، وصممت القارورة إذا سددتها، فالأصم من انسدت خروق مسامعه. والأبكم الذي لا ينطق ولا يفهم، والعمى ذهاب البصر. وليس الغرض مما ذكرناه نفي الإِدراكات عن حواسهم جملة، وإنما الغرض نفيها من جهة ما.
والآية الكريمة خبر لضمير مقدر يعود على المنافقين، أي : هم صم بكم عمى.
ووصف المنافقون بهذه الصفات لأنهم وإن كانت لهم آذان تسمع، وألسنة تنطق، وأعين تبصر، إلا أنهم لا يسمعون خيراً. ولا يتكلمون بما ينفعهم ولا يبصرون سملكا من مسالك الهداية، ومن كان كذلك كان هو ومن فقد حواسه سواء، فقد صرف الله عنهم عنايته ووكلهم إلى أنفسهم.
ووردت هذه الصفات مجردة من حرف العطف، فلم يقل : صم وبكم وعمى، لما عرف من استعمالات البلغاء. أن تجريد أمثال هذه الأوصاف من حرف العطف يفيد تأكيدها، حيث إن المتكلم قد قصد إلى تقرير كل صفة منها على حدة.
ومعنى ﴿فَهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ﴾ لا يعودون إلى الهدى بعد أن باعوه، أو لا يرجعون عن الضلالة بعد أن اشتروها.
والفاء في قوله - تعالى - ﴿فَهُمْ﴾ للتفريع أو التسبيب، لأنها توحى بأن عدم رجوعهم عما هم فيه من النفاق متفرع على تلك الآفات، ومسبب عن هذه العاهات.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:
هذا، ويرى فضيلة المرحوم الدكتور محمد عبد الله دراز أن المثلين لطائفتي الكافرين والمنافقين، فالمثل الأول وهو قوله تعالى ﴿مثلهم كمثل الذين استوقد ناراً﴾ ينطبق تمام الانطباق على الأوصاف التي ذكرها الله للكافرين وأن الذي ينطبق على صفات المنافقين إنما هو المثل الثاني وحده وهو قوله تعالى ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِّنَ السمآء فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ...﴾ فقد ضرب الله لكلتا الطائفتين مثلا يناسبها. قال فضيلته : فضرب مثلا للمصرّين المختوم على قلوبهم بقوم كانوا يسيرون في ظلام الليل فيهم رجل استوقد لهم ناراً يهتدون بضوئها، فلما أضاءت ما حوله لم يفتح بعض القوم أعينهم لهذا الضوء الباهر، بل لأمر ما سلبوا نور أبصارهم، وتعطلت سائر حواسهم عند هذه المفاجأة، فذلك مثل النور الذي طلع به محمد ﷺ في تلك الأمة على فترة من الرسل، فتفتحت له البصائر المستنيرة هنا وهناك، لكنه لم يوافق أهواء المستكبرين الذين ألفوا العيش في ظلام الجاهلية، فلم يرفعوا له رأسا بل نكسوا على رؤسهم، ولم يفتحو له عيناً بل خروا عليه صما وعمياناً.
وضرب مثلا للمترددين المخادعين بقوم جامتهم السماء بغيث منهمر في ليلة ذات رعد وبرق، فأما الغيث فلم يلقوا له بالا ولم ينالوا منه نيلا، فلا شربوا منه قطرة، ولا استنبتوا به ثمرة.. وأما تلك التقلبات الجوية من الظلمات والرعد والبرق فكانت هي مثار اهتمامهم، ومناط تفكيرهم، ولذلك جعلوا يترصدونها، ويدبرون أمورهم على وفقها، لابسين لكل حال لبوسهها : سيراً تارة، ووقوفاً تارة، واختفاء تارة أخرى.
فكانوا إذا رأوا عرضاً قريباً وسفراً قاصداً وبرقت لهم ( بروق ) الأمل في الغنيمة ساروا مع المؤمنين جنباً إلى جنب، وإذا دارت رحا الحرب وانقضت صواعقها منذرة بالموت والهزيمة أخذوا حذرهم وفروا من وجه العدو قائلين " إن بيوتنا عورة " حتى إذا كانت الثالثة فلم يلمحوا من الآمال بارقة ولم يتوقعوا من الآلام صاعقة، بل اشتبهت عليهم الأمور فهناك يقفون متربصين لا يتقدمون ولا يتأخرون، ولكن يلزمون شقة الحياد ريثما تنقشع سحابة الشك ﴿فَإِن كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِّنَ الله قالوا أَلَمْ نَكُنْ مَّعَكُمْ وَإِن كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قالوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِّنَ المؤمنين فالله يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ القيامة وَلَن يَجْعَلَ الله لِلْكَافِرِينَ عَلَى المؤمنين﴾ ذلك دأب المنافقين في كل أمرهم، إن توقعوا ربحاً عاجلاً التمسوه في أي صف وجدوه، وإن توقعوا أذى كذلك تنكروا للفئة التي ينالهم في سبيلها شيء مكروه ؛ وإذا أظلم عليهم الأمر قاموا بعيداً لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء ؛ أما الذي يؤمن بالله واليوم الآخر فإن له قبله واحدة يولى وجهه شطرها، هي قبلة الحق لا يخشى فيها لومة لائم : وليس يبالي حين يقتل مسلما... على أي جنب كان في الله مصرعه
هذا هو رأي فضيلة الدكتور دراز، وهو رأي مستساغ يتمشى مع روح الآيات وأهداف السورة، وأياما كان فالمثلان يصوران أحوال المبطلين بصورة حسية واضحة تتجلى فيها بلاغة القرآن الكريم في إبراز المعاني المعقولة في صورة محسة واضحة من شأنها أن تهدي الناس إلى طريق الحق والرشاد.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى