تفسير القرآن الكريم — ابن عثيمين
عن الكتاب
{ )وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ وَلا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِين َ ) ( البقرة : ١٩١ )
التفسير :
قوله تعالى :﴿واقتلوهم﴾ : الضمير الهاء يعود على الكفار الذين يقاتلوننا ؛ لقوله تعالى :﴿وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم﴾ [البقرة: ١٩٠].
قوله تعالى :﴿حيث﴾ : ظرف مكان مبني على الضم في محل نصب - أي اقتلوهم في أي مكان ﴿ثقفتموهم﴾ أي ظفرتم بهم - ؛ أولاً قال تعالى :﴿قاتلوا﴾ [آل عمران: ١٦٧]، ثم قال تعالى :﴿واقتلوا﴾ ؛ والقتل أشد ؛ يعني متى وجدنا هذا المحارب الذي يقاتلنا حقيقة أو حكماً، فإننا نقتله في أي مكان ؛ لكنه يستثنى من ذلك المسجد الحرام ؛ لقوله تعالى :﴿ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه﴾.
قوله تعالى :﴿أخرجوهم من حيث أخرجوكم﴾ ؛ الإخراج يكون من شيء إلى شيء ؛ أما القتال فيكون في شيء ؛ القتال يكون في مكان ؛ والإخراج يكون من المكان ؛ ولهذا قال تعالى :﴿أخرجوهم من حيث أخرجوكم﴾ أي من المكان الذي أخرجوكم منه، فمثلاً إذا قدر أن الكفار غلبوا على هذه البلاد، وأخرجوا المسلمين منها فإن المسلمين يجب عليهم أن يقاتلوهم ؛ فإذا قاتلوهم يخرجونهم من البلاد من حيث أخرجوهم ؛ فهم الذين اعتدوا علينا، واحتلوا بلادنا ؛ فنخرجهم من حيث أخرجونا.
قوله تعالى :﴿والفتنة أشد من القتل﴾ ؛ «الفتنة » هي صدّ الناس عن دينهم، كما قال تعالى :﴿إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات ثم لم يتوبوا فلهم عذاب جهنم﴾ [البروج: ١٠] ؛ فصد الناس عن دينهم فتنة أشد من قتلهم ؛ لأن قتلهم غاية ما فيه أن نقطعهم من ملذات الدنيا ؛ لكن الفتنة تقطعهم من الدنيا، والآخرة، كما قال تعالى :﴿وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه خسر الدنيا والآخرة﴾ [الحج: ١١].
قوله تعالى :﴿ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام﴾ أي في مكة ؛ لأن ﴿المسجد الحرام﴾ هو المسجد نفسه ؛ وما «عنده » فهو البلد أي لا تقاتلوهم في مكة ﴿حتى يقاتلوكم فيه﴾ ؛ و «في » هنا الظاهر أنها للظرفية.
قوله تعالى :﴿فإن قاتلوكم فاقتلوهم﴾ أي إن قاتلوكم عند المسجد الحرام فاقتلوهم ؛ وتأمل كيف قال تعالى :﴿فاقتلوهم﴾ ؛ لأن مقاتلتهم إياكم عند المسجد الحرام توجب قتلهم على كل حال.
قوله تعالى :﴿كذلك جزاء الكافرين﴾ أي مثلَ هذا الجزاء - وهو قتل من قاتل عند المسجد الحرام - جزاء الكافرين ؛ أي عقوبتهم التي يكافَؤون بها.
وقوله تعالى :﴿ولا تقاتلوهم...﴾ ؛ ﴿حتى يقاتلوكم...﴾ ؛ ﴿فإن قاتلوكم﴾ ؛ ﴿فاقتلوهم﴾ : الجمل هنا الأربع كلها بصيغة المفاعلة إلا واحدة وهي الأخيرة ؛ وهناك قراءة أخرى ؛ وهي :﴿ولا تقتلوهم﴾ ؛ ﴿حتى يقتلوكم﴾ ؛ ﴿فإن قتلوكم﴾ ؛ ﴿فاقتلوهم﴾ ؛ وعلى هذا فتكون الأربع كلها بغير صيغة المفاعلة.
الفوائد :
١ من فوائد الآية : وجوب قتال الكفار أينما وجِدوا ؛ لقوله تعالى :﴿واقتلوهم حيث ثقفتموهم﴾ ؛ ووجوب قتالهم أينما وجدوا يستلزم وجوب قتالهم في أي زمان ؛ لأن عموم المكان يستلزم عموم الزمان ؛ ويستثنى من ذلك القتال في الأشهر الحرم : فإنه لا قتال فيها ؛ لقوله تعالى :﴿يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير﴾ ؛ وقال بعض أهل العلم : لا استثناء، وأن تحريم القتال في الأشهر الحرم منسوخ ؛ لكن لوجوب قتالهم شروط ؛ من أهمها القدرة على ذلك.
٢ ومنها : أن نخرج هؤلاء الكفار، كما أخرجونا ؛ المعاملة بالمثل ؛ لقوله تعالى :﴿وأخرجوهم من حيث أخرجوكم﴾ ؛ ولهذا قال العلماء : إذا مثّلوا بنا مثّلنا بهم ؛ وإذا قطعوا نخيلنا قطعنا نخيلهم مثلاً بمثل سواءً بسواء.
٣ ومنها : الإشارة إلى أن المسلمين أحق الناس بأرض الله ؛ لقوله تعالى :﴿وأخرجوهم من حيث أخرجوكم﴾، وقال تعالى :﴿ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون * إن في هذا لبلاغاً لقوم عابدين﴾ [الأنبياء: ١٠٥، ١٠٦]، وقال موسى لقومه :﴿استعينوا بالله واصبروا إن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين﴾ [الأعراف: ١٢٨].
٤ ومنها : أن الفتنة بالكفر، والصد عن سبيل الله أعظم من القتل.
فيتفرع على هذه الفائدة : أن استعمار الأفكار أعظم من استعمار الديار ؛ لأن استعمار الأفكار فتنة ؛ واستعمار الديار أقصى ما فيها إما القتل، أو سلب الخيرات، أو الاقتصاد، أو ما أشبه ذلك ؛ فالفتنة أشد ؛ لأنها هي القتل الحقيقي الذي به خسارة الدين، والدنيا، والآخرة.
٥ ومنها : تعظيم حرمة المسجد الحرام ؛ لقوله تعالى :﴿ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه﴾.
٦ ومنها : جواز القتال عند المسجد الحرام إذا بدأَنا بذلك أهله ؛ لقوله تعالى :﴿حتى يقاتلوكم فيه﴾ ؛ ولا يعارض هذا قول رسول الله ( ص ) :«فإن أحد ترخص بقتال رسول الله ( ص ) فقولوا : إن الله أذن لرسوله ولم يأذن لكم »(١) ؛ الممنوع هو ابتداء القتال لندخل مكة ؛ فهذا حرام، ولا يجوز مهما كان الأمر ؛ وأما إذا قاتلونا في مكة فإننا نقاتلهم من باب المدافعة.
٧ ومن فوائد الآية : المبالغة في قتال الأعداء إذا قاتلونا في المسجد الحرام ؛ لقوله تعالى :﴿فإن قاتلوكم فاقتلوهم﴾.
٨ ومنها : وجوب مقاتلة الكفار حتى لا تكون فتنة، ويكون الدين لله ؛ وقتال الكفار في الأصل فرض كفاية ؛ وقد يكون مستحباً ؛ وقد يكون فرض عين وذلك في أربعة مواضع :
الموضع الأول : إذا حضر صف القتال فإنه يكون فرض عين ؛ ولا يجوز أن ينصرف ؛ لقوله تعالى :﴿يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفاً فلا تولوهم الأدبار * ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفاً لقتال أو متحيزاً إلى فئة فقد باء بغضب من الله ومأواه جهنم وبئس المصير﴾ [الأنفال: ١٥، ١٦].
الموضع الثاني : إذا حصر بلده العدو فإنه يتعين القتال من أجل فكّ الحصار عن البلد ؛ ولأنه يشبه من حضر صف القتال.
الموضع الثالث : إذا احتيج إليه ؛ إذا كان هذا الرجل يحتاج الناس إليه إمّا لرأيه، أو لقوته، أو لأيّ عمل يكون ؛ فإنه يتعين عليه.
الموضع الرابع : إذا استنفر الإمام الناس وجب عليهم أن يخرجوا، ولا يتخلف أحد ؛ لقوله تعالى :﴿يا أيها الذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى الأرض أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة...﴾ [ التوبة : ٣٨ إلى قوله تعالى :﴿إلا تنفروا يعذبكم عذاباً أليماً ويستبدل قوماً غيركم...﴾ [التوبة: ٣٩] الآية.
وما سوى هذه المواضع فهو فرض كفاية ؛ واعلم أن الفرض سواء قلنا فرض عين، أو فرض كفاية لا يكون فرضاً إلا إذا كان هناك قدرة ؛ أما مع عدم القدرة فلا فرض ؛ لعموم الأدلة الدالة على أن الله لا يكلف نفساً إلا وسعها، ولقوله تعالى :﴿ليس على الضعفاء ولا على المرضى ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج إذا نصحوا لله ورسوله﴾ [التوبة: ٩١] ؛ فإذا كنا لا نستطيع أن نقاتل هؤلاء لم يجب علينا ؛ وإلا لأثَّمْنا جميع الناس مع عدم القدرة ؛ ولكنه مع ذلك يجب أن يكون عندنا العزم على أننا إذا قدرنا فسنقاتل ؛ ولهذا قيدها الله عز وجل بقوله تعالى :﴿إذا نصحوا لله ورسوله﴾ [التوبة: ٩١] ؛ ليس على هؤلاء الثلاثة حرج بشرط أن ينصحوا لله ورسوله ؛ فأما مع عدم النصح لله ورسوله، فعليهم الحرج حتى وإن وجدت الأعذار في حقهم.
فالحاصل أننا نقول إن القتال فرض كفاية ؛ ويتعين في مواضع ؛ وهذا الفرض كغيره من المفروضات من شرطه القدرة ؛ أما مع العجز فلا يجب ؛ لكن يجب أن يكون العزم معقوداً على أنه إذا حصلت القوة جاهدنا في سبيل الله ؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم :«من مات ولم يغز، ولم يحدث به نفسه، مات على شعبة من النفاق »(٢).
٩ ومن فوائد الآية : إثبات العدل لله عز وجل ؛ لقوله تعالى :﴿كذلك جزاء الكافرين﴾ ؛ والجزاء من جنس العمل.
التفسير :
قوله تعالى :﴿واقتلوهم﴾ : الضمير الهاء يعود على الكفار الذين يقاتلوننا ؛ لقوله تعالى :﴿وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم﴾ [البقرة: ١٩٠].
قوله تعالى :﴿حيث﴾ : ظرف مكان مبني على الضم في محل نصب - أي اقتلوهم في أي مكان ﴿ثقفتموهم﴾ أي ظفرتم بهم - ؛ أولاً قال تعالى :﴿قاتلوا﴾ [آل عمران: ١٦٧]، ثم قال تعالى :﴿واقتلوا﴾ ؛ والقتل أشد ؛ يعني متى وجدنا هذا المحارب الذي يقاتلنا حقيقة أو حكماً، فإننا نقتله في أي مكان ؛ لكنه يستثنى من ذلك المسجد الحرام ؛ لقوله تعالى :﴿ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه﴾.
قوله تعالى :﴿أخرجوهم من حيث أخرجوكم﴾ ؛ الإخراج يكون من شيء إلى شيء ؛ أما القتال فيكون في شيء ؛ القتال يكون في مكان ؛ والإخراج يكون من المكان ؛ ولهذا قال تعالى :﴿أخرجوهم من حيث أخرجوكم﴾ أي من المكان الذي أخرجوكم منه، فمثلاً إذا قدر أن الكفار غلبوا على هذه البلاد، وأخرجوا المسلمين منها فإن المسلمين يجب عليهم أن يقاتلوهم ؛ فإذا قاتلوهم يخرجونهم من البلاد من حيث أخرجوهم ؛ فهم الذين اعتدوا علينا، واحتلوا بلادنا ؛ فنخرجهم من حيث أخرجونا.
قوله تعالى :﴿والفتنة أشد من القتل﴾ ؛ «الفتنة » هي صدّ الناس عن دينهم، كما قال تعالى :﴿إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات ثم لم يتوبوا فلهم عذاب جهنم﴾ [البروج: ١٠] ؛ فصد الناس عن دينهم فتنة أشد من قتلهم ؛ لأن قتلهم غاية ما فيه أن نقطعهم من ملذات الدنيا ؛ لكن الفتنة تقطعهم من الدنيا، والآخرة، كما قال تعالى :﴿وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه خسر الدنيا والآخرة﴾ [الحج: ١١].
قوله تعالى :﴿ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام﴾ أي في مكة ؛ لأن ﴿المسجد الحرام﴾ هو المسجد نفسه ؛ وما «عنده » فهو البلد أي لا تقاتلوهم في مكة ﴿حتى يقاتلوكم فيه﴾ ؛ و «في » هنا الظاهر أنها للظرفية.
قوله تعالى :﴿فإن قاتلوكم فاقتلوهم﴾ أي إن قاتلوكم عند المسجد الحرام فاقتلوهم ؛ وتأمل كيف قال تعالى :﴿فاقتلوهم﴾ ؛ لأن مقاتلتهم إياكم عند المسجد الحرام توجب قتلهم على كل حال.
قوله تعالى :﴿كذلك جزاء الكافرين﴾ أي مثلَ هذا الجزاء - وهو قتل من قاتل عند المسجد الحرام - جزاء الكافرين ؛ أي عقوبتهم التي يكافَؤون بها.
وقوله تعالى :﴿ولا تقاتلوهم...﴾ ؛ ﴿حتى يقاتلوكم...﴾ ؛ ﴿فإن قاتلوكم﴾ ؛ ﴿فاقتلوهم﴾ : الجمل هنا الأربع كلها بصيغة المفاعلة إلا واحدة وهي الأخيرة ؛ وهناك قراءة أخرى ؛ وهي :﴿ولا تقتلوهم﴾ ؛ ﴿حتى يقتلوكم﴾ ؛ ﴿فإن قتلوكم﴾ ؛ ﴿فاقتلوهم﴾ ؛ وعلى هذا فتكون الأربع كلها بغير صيغة المفاعلة.
الفوائد :
١ من فوائد الآية : وجوب قتال الكفار أينما وجِدوا ؛ لقوله تعالى :﴿واقتلوهم حيث ثقفتموهم﴾ ؛ ووجوب قتالهم أينما وجدوا يستلزم وجوب قتالهم في أي زمان ؛ لأن عموم المكان يستلزم عموم الزمان ؛ ويستثنى من ذلك القتال في الأشهر الحرم : فإنه لا قتال فيها ؛ لقوله تعالى :﴿يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير﴾ ؛ وقال بعض أهل العلم : لا استثناء، وأن تحريم القتال في الأشهر الحرم منسوخ ؛ لكن لوجوب قتالهم شروط ؛ من أهمها القدرة على ذلك.
٢ ومنها : أن نخرج هؤلاء الكفار، كما أخرجونا ؛ المعاملة بالمثل ؛ لقوله تعالى :﴿وأخرجوهم من حيث أخرجوكم﴾ ؛ ولهذا قال العلماء : إذا مثّلوا بنا مثّلنا بهم ؛ وإذا قطعوا نخيلنا قطعنا نخيلهم مثلاً بمثل سواءً بسواء.
٣ ومنها : الإشارة إلى أن المسلمين أحق الناس بأرض الله ؛ لقوله تعالى :﴿وأخرجوهم من حيث أخرجوكم﴾، وقال تعالى :﴿ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون * إن في هذا لبلاغاً لقوم عابدين﴾ [الأنبياء: ١٠٥، ١٠٦]، وقال موسى لقومه :﴿استعينوا بالله واصبروا إن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين﴾ [الأعراف: ١٢٨].
٤ ومنها : أن الفتنة بالكفر، والصد عن سبيل الله أعظم من القتل.
فيتفرع على هذه الفائدة : أن استعمار الأفكار أعظم من استعمار الديار ؛ لأن استعمار الأفكار فتنة ؛ واستعمار الديار أقصى ما فيها إما القتل، أو سلب الخيرات، أو الاقتصاد، أو ما أشبه ذلك ؛ فالفتنة أشد ؛ لأنها هي القتل الحقيقي الذي به خسارة الدين، والدنيا، والآخرة.
٥ ومنها : تعظيم حرمة المسجد الحرام ؛ لقوله تعالى :﴿ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه﴾.
٦ ومنها : جواز القتال عند المسجد الحرام إذا بدأَنا بذلك أهله ؛ لقوله تعالى :﴿حتى يقاتلوكم فيه﴾ ؛ ولا يعارض هذا قول رسول الله ( ص ) :«فإن أحد ترخص بقتال رسول الله ( ص ) فقولوا : إن الله أذن لرسوله ولم يأذن لكم »(١) ؛ الممنوع هو ابتداء القتال لندخل مكة ؛ فهذا حرام، ولا يجوز مهما كان الأمر ؛ وأما إذا قاتلونا في مكة فإننا نقاتلهم من باب المدافعة.
٧ ومن فوائد الآية : المبالغة في قتال الأعداء إذا قاتلونا في المسجد الحرام ؛ لقوله تعالى :﴿فإن قاتلوكم فاقتلوهم﴾.
٨ ومنها : وجوب مقاتلة الكفار حتى لا تكون فتنة، ويكون الدين لله ؛ وقتال الكفار في الأصل فرض كفاية ؛ وقد يكون مستحباً ؛ وقد يكون فرض عين وذلك في أربعة مواضع :
الموضع الأول : إذا حضر صف القتال فإنه يكون فرض عين ؛ ولا يجوز أن ينصرف ؛ لقوله تعالى :﴿يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفاً فلا تولوهم الأدبار * ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفاً لقتال أو متحيزاً إلى فئة فقد باء بغضب من الله ومأواه جهنم وبئس المصير﴾ [الأنفال: ١٥، ١٦].
الموضع الثاني : إذا حصر بلده العدو فإنه يتعين القتال من أجل فكّ الحصار عن البلد ؛ ولأنه يشبه من حضر صف القتال.
الموضع الثالث : إذا احتيج إليه ؛ إذا كان هذا الرجل يحتاج الناس إليه إمّا لرأيه، أو لقوته، أو لأيّ عمل يكون ؛ فإنه يتعين عليه.
الموضع الرابع : إذا استنفر الإمام الناس وجب عليهم أن يخرجوا، ولا يتخلف أحد ؛ لقوله تعالى :﴿يا أيها الذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى الأرض أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة...﴾ [ التوبة : ٣٨ إلى قوله تعالى :﴿إلا تنفروا يعذبكم عذاباً أليماً ويستبدل قوماً غيركم...﴾ [التوبة: ٣٩] الآية.
وما سوى هذه المواضع فهو فرض كفاية ؛ واعلم أن الفرض سواء قلنا فرض عين، أو فرض كفاية لا يكون فرضاً إلا إذا كان هناك قدرة ؛ أما مع عدم القدرة فلا فرض ؛ لعموم الأدلة الدالة على أن الله لا يكلف نفساً إلا وسعها، ولقوله تعالى :﴿ليس على الضعفاء ولا على المرضى ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج إذا نصحوا لله ورسوله﴾ [التوبة: ٩١] ؛ فإذا كنا لا نستطيع أن نقاتل هؤلاء لم يجب علينا ؛ وإلا لأثَّمْنا جميع الناس مع عدم القدرة ؛ ولكنه مع ذلك يجب أن يكون عندنا العزم على أننا إذا قدرنا فسنقاتل ؛ ولهذا قيدها الله عز وجل بقوله تعالى :﴿إذا نصحوا لله ورسوله﴾ [التوبة: ٩١] ؛ ليس على هؤلاء الثلاثة حرج بشرط أن ينصحوا لله ورسوله ؛ فأما مع عدم النصح لله ورسوله، فعليهم الحرج حتى وإن وجدت الأعذار في حقهم.
فالحاصل أننا نقول إن القتال فرض كفاية ؛ ويتعين في مواضع ؛ وهذا الفرض كغيره من المفروضات من شرطه القدرة ؛ أما مع العجز فلا يجب ؛ لكن يجب أن يكون العزم معقوداً على أنه إذا حصلت القوة جاهدنا في سبيل الله ؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم :«من مات ولم يغز، ولم يحدث به نفسه، مات على شعبة من النفاق »(٢).
٩ ومن فوائد الآية : إثبات العدل لله عز وجل ؛ لقوله تعالى :﴿كذلك جزاء الكافرين﴾ ؛ والجزاء من جنس العمل.
١ سبق تخريجه ٢/٤٧..
٢ أخرجه مسلم ص١٠١٩، كتاب الإمارة، باب ٤٧ ذم من مات ولم يغز... ، حديث رقم ٤٩٣١ [١٥٨] ١٩١٠..
٢ أخرجه مسلم ص١٠١٩، كتاب الإمارة، باب ٤٧ ذم من مات ولم يغز... ، حديث رقم ٤٩٣١ [١٥٨] ١٩١٠..