البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي

عن الكتاب
ثقف الشيء : إذا ظفر به ووجده على جهة الأخذ والغلبة، ومنه : رجل ثقف سريع الأخذ لأقرانه، ومنه : فأما تثقفهم في الحرب وقول الشاعر :
فأما تثقفوني فاقتلوني***
فمن أثقف فليس إلى خلود
وقال ابن عطية :﴿ثقفتموهم﴾ أحكمتم غلبتهم، يقال : رجل ثقف لقف إذا كان محكماً لما يتناوله من الأمور. انتهى.
ويقال : ثقف الشيء ثقافة إذا حذقه، ومنه أخذت الثقافة بالسيف، والثقافة أيضاً حديدة تكون للقوَّاس والرمَّاح يقوم بها المعوج، وثقف الشيء : لزمه، وهو ثقف إذا كان سريع العلم، وثقفته : قوّمته، ومنه الرماح المثقفة، أي : المقومة وقال الشاعر :
ذكرتك والخطِّيُّ يخطر بيننا***
وقد نهلت منا المثقَّفَةُ السمرُ
يعنى الرماح المقومة.
﴿واقتلوهم حيث ثقفتموهم﴾ ضمير المفعول عائد على : الذين يقاتلونكم، وهذا أمر بقتلهم، و : حيث ثقفتموهم، عام في كل مكان حل أو حرم، ويلزم منه عموم الأزمان، في شهر الحرام وفي غيره، وفي ( المنتخب ) أمر في الآية : الأولى بالجهاد بشرط إقدام الكفار على المقاتلة، وفي هذه الآية زاد في التكليف.
فأمر بالجهاد معهم سواء قاتلوا أم لم يقاتلوا، واستثنى منه المقاتلة عند المسجد الحرام. انتهى.
وليس كما قال : إنه زاد في التكليف فأمر بالجهاد سواء قاتلوا أم لم يقاتلوا، لأن الضمير عائد على : الذين يقاتلونكم، فالوصف باقٍ إذْ المعنى : واقتلوا الذين يقاتلونكم حيث ثقفتموهم، فليس أمراً بالجهاد سواء قاتلوا أم لم يقاتلوا.
قال ابن إسحاق : نزلت هذه الآية في شأن عمرو بن الحضرمي حين قتله وافد بن عبد الله التميمي، وذلك في سرية عبد الله بن جحش.
﴿وأخرجوهم من حيث أخرجوكم﴾ أي : من المكان الذي أخرجوكم منه، يعني مكة، وهو أمر بالإخراج أمر تمكين، فكأنه وعد من الله بفتح مكة، وقد أنجز ما وعد، وقد فعل ذلك رسول الله ﷺ يوم فتح مكة بمن لم يسلم معهم، و : مِنْ حيثُ، متعلق بقوله : وأخرجوهم، وقد تصرف في : حيث، بدخول حرف الجر عليها : كمن، والباء، وفي، وبإضافة لدى إليها.
وضمير النصب في : أخرجوكم، عائد على المأمورين بالقتل، والإخراج، وهو في الحقيقة عائد على بعضهم، جعل إخراج بعضهم، وهو أجلهم قدراً رسول الله ﷺ والمهاجرون، إخراجاً لكلهم.
﴿والفتنة أشدّ من القتل﴾ في الفتنة هنا أقوال.
أحدها : الرجوع إلى الكفر أشدّ من أن يقتل المؤمن، قاله مجاهد.
وكانوا قد عذبوا نفراً من المؤمنين ليرجعوا إلى الكفر، فعصمهم الله.
والكفر بالله يقتضي العذاب دائماً، والقتل ليس كذلك، وكان بعض الصحابة قتل في الشهر الحرام، فاستعظم المسلمون ذلك.
الثاني : الشرك، أيّ : شركهم بالله أشدّ حرماً من القتل الذي عيروكم به في شأن ابن الحضرمي.
الثالث : هتك حرمات الله منهم أشدّ من القتل الذي أبيح لكم أيها المؤمنون أن توقعوه بهم.
الرابع : عذاب الآخرة لهم أشدّ من قتلهم المسلمين في الحرم ومنه :﴿ذوقوا فتنتكم﴾ ﴿إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات﴾ أي : عذبوهم.
الخامس : الإخراج من الوطن لما فيه من مفارقة المألوف والأحباب، وتنغيص العيش دائماً، ومنه قول الشاعر :
لموت بحدّ السيف أهون موقعاً***
على النفس من قتلٍ بحدِّ فراقِ
السادس : أن يراد فتنتهم إياكم بصدّكم عن المسجد الحرام، أشدّ من قتلكم إياهم في الحرم، أو من قتلهم إياكم، إن قتلوكم، فلا تبالوا بقتالهم، قاله الزمخشري، وهو راجع لمعنى القول الثالث.
السابع : تعذيبهم المسلمين ليرتدوا، قاله الكسائي.
وأصل الفتنة عرض الذهب على النار لاستخلاصه من الغش، ثم صار يستعمل في الامتحان، وإطلاقه على ما فسر به في هذه الاقوال شائع، والفتنة والقتل مصدران لم يذكر فاعلهما، ولا مفعولهما، وإنما أقرَّ أن ماهية الفتنة أشدّ من ماهية القتل، فكل مكان تتحقق فيه هذه النسبة كان داخلاً في عموم هذه الأخبار سوآء كان المصدر فاعله أو مفعوله : المؤمنون أم الكافرون، وتعيين نوع مّا من أفراد العموم يحتاج إلى دليل.
﴿ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه﴾ هو أن يبدأهم بالقتال في هذا الموطن حتى يقع ذلك منهم فيه، قال مجاهد : وهذه الآية محكمة لا يجوز قتال أحد في المسجد الحرام إلاَّ بعد أن يقاتل.
وبه قال طاووس، وأبو حنيفة ؛ وقال الربيع : منسوخة بقوله :﴿وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة﴾
وقال قتادة بقوله :﴿فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين﴾ والنسخ قول الجمهور، وقد تقدم طرف من الكلام في هذا النسخ، في هذه الآية.
وقرأ حمزة، والكسائي والأعمش : ولا تقتلوهم، وكذلك حتى يقتلوكم فإن قتلوكم، من القتل، فيحتمل المجاز في الفعل، أي : ولا تأخذوا في قتلهم حتى يأخذوا في قتلكم، ويحتمل المجاز في المفعول، أي : ولا تقتلوا بعضهم حتى يقتلوا بعضكم، فإن قتلوا بعضكم، يقال : قتلنا بنو فلان، يريد قتل بعضنا وقال :
فإن تقتلونا نقتلكم***
وان تقصدوا الذم نقصد
ونظيره : قتل ﴿معه ربيون كثير﴾ فأوهنوا أي : قتل معهم أناس من الربيين، فاوهن الباقون، والعامل في عند : ولا تقاتلوهم، و : حتى، هنا للغاية، وفيه متعلق بيقاتلوكم، والضمير عائد على عند، تعدى الفعل إلى ضمير الظرف فاحتيج في الوصول إليه إلى : في، هذا، ولم يتسع فتعدى الفعل إلى ضمير الظرف تعديته للمفعول به الصريح، لا يقال : إن الظرف إذا كان غير متصرف لا يجوز أن يتعدى الفعل إلى ضميره بالاتساع، لأن ظاهره لا يجوز فيه ذلك، بل الاتساع جائز إذ ذاك.
ألا ترى أنه يخالفه في جره بغي وإن كان الظاهر لا يجوز فيه ذلك ؟ فكذلك يخالفه في الاتساع.
فحكم الضمير إذ ذاك ليس كحكم الظاهر.
﴿فإن قاتلوكم فاقتلوهم﴾ هذا تصريح بمفهوم الغاية، وفيه محذوف.
أي : فإن قاتلوكم فيه فاقتلوهم فيه، ودل على إرادته سياق الكلام.
ولم يختلف في قوله : فاقتلوهم، أنه أمر بقتلهم على ذلك التقدير، وفيه بشارة عظيمة بالغلبة عليهم، أي : هم من الخذلان وعدم النصرة بحيث أمرتم بقتلهم لا بقتالهم، فأنتم متمكنون منهم بحيث لا يحتاجون إلاّ إلى إيقاع القتل بهم، إذا ناشبوكم القتال لا إلى قتالهم.
﴿كذلك جزاء الكافرين﴾ الكاف في موضع رفع لأنها خبر عن المبتدأ الذي هو خبر الكافرين.
المعنى : جزاء الكافرين مثل ذلك الجزاء، وهو القتل، أي : من كفر بالله تعالى فجزاؤه القتل، وفي إضافة الجزاء إلى الكافرين إشعار بعلية القتل.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقد تضمنت هذه الآيات الكريمة أنهم يسألون رسول الله ﷺ عن حال الأهلة، وفائدتها في تنقلها من الصغر إلى الكبر، وكان من الإخبار بالمغيب، فوقع السؤال عن ذلك، وأجيبوا بأن حكمة ذلك كونها جعلت مواقيت لمصالح العباد ومعاملاتهم ودياناتهم، ومن أعظم فائدتها كونها مواقيت للحج، ثم ذكر شيئاً مما كان يفعله من أحرم بالحج، وكانوا يرون ذلك براً، فرد عليهم فيه، وأمروا بأن يأتوا البيوت من أبوابها، وأخبروا أن البر هو في تقوى الله، ثم أمروا بالتقوى راجين للفلاح عند حصولها.
ثم أمروا بالقتال في نصرة الدين من قاتلهم، ونهوا عن الاعتداء، وأخبر أن الله تعالى لا يحب من اعتدى.
ثم أمروا بقتل من ظفروا به، وبإخراج من أخرجهم من المكان الذي أخرجوه منه، ثم أخبر أن الفتنة في الدين أو بالإخراج من الوطن، أو بالتعذيب أشد من القتل، لأن في القتل راحة من هذا كله، ثم لما تضمن الأمر بالإخراج أن يخرجوا من المكان الذي أخرجوا منه، وكان ذلك من جملته المسجد الحرام نهوا عن مقاتلتهم فيه إلاَّ إن قاتلوكم، وذلك لحرمة المسجد الحرام جاهلية واسلاماً، ثم أمر تعالى بقتلهم إذا ناشبوا القتال، وكان فيه بشارة بأنا نقتلهم، إذ أمرنا بقتلهم لا بقتالهم، ولا يقتل الإنسان إلاَّ من كان متمكناً من قتله، ثم ذكر أن من كفر بالله فمثل هذا الجزاء جزاؤه من مقاتلته وإخراجه من وطنه وقتله.
ثم أخبر تعالى أنه غفور رحيم لمن انتهى عن الكفر ودخل في الإسلام، فإن الإسلام يجبُّ ما قبله
ولما كان الأمر بالقتال، فيما سبق، مقيداً مرة بمن قاتل، ومرة بمكان حتى يبدأ بالقتال فيه، أمرهم بالقتال على كل حال من قاتل ومن لم يقاتل، وعند المسجد الحرام وغيره، فنسخ هذا الأمر تلك القيود، وصار مغياً أو معللاً بانتفاء الفتنة وخلوص الدين لله.
وختم هذا الأمر بأن من انتهى ودخل في الإسلام فلا اعتداء عليه، وإنما الاعتداء على الظالمين، وهم الكافرون، كما ختم الأمر السابق بأن من انتهى عن الكفر ودخل في الإسلام غفر الله له ورحمه.
ثم أخبر تعالى أن هتك حرمة الشهر الحرام بسبب القتال فيه، وهو شهر ذي القعدة، وكانوا يكرهون القتال فيه حين خرجوا لعمرة القضاء جائز لكم بسبب هتكهم حرمته فيه حين قاتلوكم فيه عام الحديبية، وصدوكم عن البيت، ثم أكد ذلك بقوله :﴿والحرمات قصاص﴾ فاقتضى أن كل من هتك أي حرمة اقتص منه بأن تهتك له حرمة، فكما هتكوا حرمة شهركم لا تبالوا بهتك حرمته لهم، ثم أمر بالمجازاة لمن اعتدى علينا بعقوبة مثل عقوبته، تأكيد لما سبق، وأمر بالتقوى، فلا يوقع في المجازاة غير ما سوَّغه له، ثم قال إنه تعالى مع من اتقى، ومن كان الله معه فهو المنصور على عدوه.
ثم أمر تعالى بإنفاق المال في سبيله ونصرة دينه، وأن لا يخلد إلى الدعة والرغبة في إصلاح هذه الدنيا والإخلاد إليها، ونهانا عن الالتباس بالدعة والهوينا فنضعف عن أعدائنا، ويقوون هم علينا، فيؤول أمرنا معهم لضعفنا وقوتهم إلى هلاكنا، وفي هذا الأمر وهذا النهي من الحض على الجهاد ما لا يخفى، ثم أمرهم تعالى بالإحسان، وأنه تعالى يحب من أحسن.
ثم أمر تعالى بإتمام الحج والعمرة بأن يأتوا بهما تأمين كاملين بمناسكهما وشرائطهما، وأن يكون فعل ذلك لوجه الله تعالى لا يشوب فعلها رياء ولا سمعة، وكانوا في الجاهلية قد يحجون لبعض أصنامهم، فأمروا بإخلاص العمل في ذلك لله تعالى.
ثم ذكر أن من أحصر وحبس عن إتمام الحج أو العمرة فيجب عليه ما يسر من الهدي، والهدي يشمل : البعير، والبقرة، والشاة، ثم نهى عن حلق الرأس حتى يبلغ الهدي محله، والذي جرت العادة به في الهدي أنه محله هو الحرم، فخوطبوا بما كان سابقاً لهم علمه به، ولما غيا الحلق بوقوع هذه الغاية من بلوغ الهدي محله، وكان قد يعرض للإنسان ما يقتضي حلق رأسه لمرض أو أذى برأسه من قمل أو قرح أو غير ذلك، فأوجب تعالى عليه بسبب ذلك فدية من صيام، أو صدقة، أو نسك.
وبين رسول الله ﷺ ما انبهم من هذا الإطلاق في هذه الثلاثة في حديث كعب بن عجرة على ما مر تفسيره، واقتضى هذا التركيب التخيير بين هذه الثلاثة، ثم ذكر تعالى أنهم إذا كانوا آمنين، وتمتع أحدهم بالعمرة إلى وقت الإحرام بالحج فإنه يلزمه ما استيسر من الهدي، وقد فسرنا ما استيسر من الهدي، وأنه إذا لم يجد ذلك بتعذر ثمن الهدي، أو فقدان الهدي، فيلزمه صيام ثلاثة أيام في الحج، أي : في زمن وقوع الحج، وسبعة إذا رجع إلى أهله ووطنه.
ثم أخبر أن هذه الأيام، وإن اختلف زمان صيامها، فمنها ما يصومه وهو ملتبس بهذه الطاعة الشريفة، ومنها ما يصومه غير ملتبس بها، لكن الجميع كامل في الثواب والأجر، إذ هو ممثل ما أمر الله تعالى به، فلا فرق في الثواب بين ما أمر بإيقاعه في الحج، وما أمر بإيقاعه في غير الحج.
ثم ذكر أن هذا التمتع، ولازمه من الهدي أو الصوم، هو مشروع لغير المكي، ثم لما تقدّم منه تعالى في هذه الآيات أوامر ونواهي، كرر الأمر بالتقوى، وأعلم أنه تعالى شديد العقاب لمن خالف ما شرع تعالى.
وجاءت هذه الآية شديدة الالتئام، مستحكمة النظام، منسوقاً بعضها على بعض، ولا كنسق اللآلىء مشرقة الدلالة ولا كإشراق الشمس في برجها العالي.
سامية في الفصاحة إلى أعالي الذرى، معجزة أن يأتى بمثلها أحد من الورى.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى