الهداية الى بلوغ النهاية — مكي بن أبي طالب

عن الكتاب
قوله(١) :( وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ ) [ ١٩٠ ] أي : في أي مكان تمكنتم بهم. ومعنى " الثقافة بالأمر " : الحذق به(٢) والبصر. ومعنى " التَّثْقِيفِ " : التقويم(٣).
ثم قال :( وَأَخْرِجُوهُم مِّنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ ) [ ١٩٠ ].
هذا خطاب للمهاجرين أُمروا أن يُخرجوا الكفار من مكة، وهو الموضع الذي هاجروا –هم(٤)- منه، وأُخرجوا.
( وَالفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ القَتْلِ ) [ ١٩٠ ].
أي الشرك والكفر. هذا قول قتادة(٥) ؛ أي(٦) أن يُقتل أحب إليه من أن يكفر وأصل الفتنة الاختبار(٧) والابتلاء(٨). فمعناه الاختبار(٩) الذي يؤدي إلى الكفر أشد من القتل.
قوله :( وَلاَ تُقَاتِلُوهُمْ عِندَ المَسْجِدِ الحَرَامِ ) الآية [ ١٩٠ ].
وجه قراءة حمزة(١٠) والكسائي : " وَلاَ تَقْتُلُوهُمْ " بغير ألف(١١)، من القتل حتى [ يقتلوكم مثله، فإن قتلوكم ](١٢) مثله، أنهم أمروا ألا يقتلوا(١٣) أحداً عند المسجد الحرام حتى يُقتلَ بعضهم فقال :[ ولا تقتلوهم حتى يقتلوكم ](١٤) أي يقتلوا بعضكم. والعرب تقول : " قد قُتل بنو فلان " ولم يُقتل غلا الأقل منهم. " ومات الناس " ولم يمت إلا الأقل منهم(١٥). فأما معنى قراءة الجماعة بالألف(١٦) في الثلاثة من القتال، فهو أنهم أمروا ألا يبدأوا(١٧) بالقتال في المسجد الحرام حتى يبدأواهم، فإن بدأوهم به، قاتلوهم وقتلوهم(١٨).
وقال قتادة : " أمروا ألا يقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يبدأوهم/ثم نسخ ذلك بقوله :( وَقَاتِلُوهُمْ ) ( حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ )(١٩) أي : لا يكون شرك ( وَيَكُونَ(٢٠) الدِّينُ لِلهِ ) أي يقال : لا إله إلا الله محمد رسول الله " (٢١).
وروي عن(٢٢) قتادة أيضاً أنها منسوخة بقوله :( فَإِذَا انسَلَخَ الاَشْهُرُ الحُرُمُ فَاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ )، [التوبة: ٥]. فأمروا بالقتال، ( حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ )(٢٣) عند [ انسلاخ الأشهر في الحل و ](٢٤) الحرم حتى يشهدوا [ أن لا إله إلا الله وأن ](٢٥) محمداً رسول الله " (٢٦).
وقال مجاهد : " الآية غير منسوخة، ولا يحل لأحد أن يقاتل في الحرم أحداً إلا أن يبدأه بذلك فيقاتله " (٢٧). واحتَجَّ بحديث(٢٨) النبي ﷺ يوم فتح مكة : " إِنَّ مَكَّةَ(٢٩) حَرَامٌ بِحُرْمَةِ الله لَمْ تَحِل لِأَحَدٍ قَبْلِي، وَلاَ تَحِلُّ لأَحَدٍ بَعْدِي " (٣٠).
وأكثر الناس على أنها منسوخة، وأن المشركين يُقاتلون في كل موضع بقوله :( فَاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ ) –وبراءة نزلت بعد البقرة- وبقوله :( وَقَاتِلُوا المُشْرِكِينَ كَافَّةً )(٣١)، والحجة بما ثبت نصه وتلاوته أولى من غيره(٣٢).
١ - في ع٣: وقوله..
٢ - سقط من ق..
٣ - في ق: كالتقويم. وانظر: هذا الشرح في اللسان ١/٣٦٤-٣٦٥..
٤ - سقط من ع٣..
٥ - انظر: جامع البيان ٣/٥٦٥. وهو أيضاً قول ابن مسعود في تفسيره ٢/٩٣، وابن قتيبة في تفسير الغريب ٧٦..
٦ - سقط من ع٣..
٧ - في ق: الاختيار. وهو تصحيف..
٨ - انظر: اللسان ٢/١٠٤٩..
٩ - في ق: الاختيار. وهو تصحيف..
١٠ - هو حمزة بن حبيب الزيات أبو عمارة الكوفي، أحد القراء السبعة. أخذ القراءة عرضاً عن سليمان الأعمش وعبد الرحمن بن أبي ليلى، وروى عنه ابن المبارك. وثقه ابن معين والنسائي (ت ١٥٦هـ). انظر: طبقات القراء ١/٢٦١-٢٦٣، وتقريب التهذيب ١/١٩٩، والخلاصة ١/٢٥٥..
١١ - وقرأ باقي السبعة بالألف. انظر: كتاب السبعة ١٧٩-١٨٠، والتبصرة ١٥٩، والكشف ١/٢٨٥، والتيسير ٨٠، والحجة ١٢٧-١٢٨، والنشر ٢/٢٢٧، والتحبير ٩١..
١٢ - في ع٣: يقاتلوكم مثله، فإن قاتلوكم..
١٣ - في ع٢، ع٣: يقاتلوا..
١٤ - في ع٣: تقاتلوهم حتى يقاتلوكم..
١٥ - انظر: معاني الفراء ١/١١٦، والحجة ١٢٧..
١٦ - وقرأ باقي السبعة بالألف. انظر: كتاب السبعة ١٧٩-١٨٠، والتبصرة ١٥٩، والكشف ١/٢٨٥، والتيسير ٨٠، والحجة ١٢٧-١٢٨، والنشر ٢/٢٢٧، والتحبير ٩١..
١٧ - في ق: يبدأ..
١٨ - سقط قوله: "قاتلوهم و" من ع٣..
١٩ - سقط من ع٣..
٢٠ - في ع٣: لا يكون..
٢١ - انظر: كتاب الناسخ ٣٣، وتفسير الغريب ٧٧، والإيضاح لناسخ القرآن ١٣١، ونواسخ القرآن ٧٢..
٢٢ - سقط من ع٣..
٢٣ - التوبة الآية ٥..
٢٤ - في ق: الأشهر..
٢٥ - في ع٣: لا إله إلا الله..
٢٦ - انظر: جامع البيان ٣/٥٦٧، والمحرر الوجيز ٢/١٠٢..
٢٧ - انظر: الإيضاح لناسخ القرآن ١٣٢، ونواسخ القرآن ٧٢-٧٣..
٢٨ - في ق: يحدث. وهو تحريف..
٢٩ - قوله: "إن مكة" ساقط من ع٢..
٣٠ - انظر: صحيح البخاري ٨/٣٨، وسنن الترمذي ٣/١٧٣-١٧٤..
٣١ - التوبة آية ٣٦..
٣٢ - انظر: هذا التوجيه في الإيضاح لناسخ القرآن ١٣٢، وتفسير القرطبي ٢/٣٥٢-٣٥٣..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى