تأويلات أهل السنة — أبو منصور المَاتُرِيدي
عن الكتاب
الآية ١٩١ وقوله تعالى :( واقتلوهم حيث ثقفتموهم ) قيل : لفظ : حيث(١) يعبر عن المكان، ففيه إذن بقتلهم في جميع الأمكنة، وفي تعميم الأمكنة تعميم الأوقات، فهو على عموم المكان إلا فيما استثنى من المسجد الحرام مطلقا. وأما قوله :( يسألونك عن الشهر الحرام ) [البقرة: ٢١٧] فالاستثناء فيه مقيد، فلا يخرج عن ذلك العام، والله أعلم. ثم منهم من جعل لهم القتال في الحرم وفي أشهر الحج بظاهر هذه الآية، ومنهم من قال : لا يقتل فيهما جميعا.
وقال أصحابنا، رحمهم الله تعالى : نقاتل(٢) في الأشهر الحرم، ولا نقاتل في الحرم إلا أن [ يبدأ العدو ](٣) بالقتال، فحينئذ نقاتل(٤). وكذلك يقولون في من قتل آخر، ثم التجأ إلى الحرم : لم يقتل فيه، ولكن لا يؤاكل، ولا يشارب، ولا يجالس حتى يضطر، فيخرج، فيقتل، وإذا قتل في الحرم يقتل. فعلى ذلك لا يقاتل في الحرم إلا أن [ يبدأ العدو ](٥) به، وإن كان(٦) ظاهر قوله :( واقتلوهم حيث ثقفتموهم ) يبيح القتل في الأمكنة كلها، بقوله :( ولا تقتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه ) استثنى الحرم دون غيره من الأماكن. وأما قوله :( يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير ) ظاهر هذه الآية يحرم القتال في أشهر الحج، لكن فيه دليل حل القتال بقوله :( والفتنة أكبر من القتل ) [البقرة: ٢١٧] يعني بالفتنة الشرك ؛ جعل القتل فيه كبيرا، ثم أخبر أن الشرك فيه أكبر وأعظم من القتل.
فالأصل عندنا أن الابتلاء، إذا كان، من وجهين : يختار الأيسر منهما والأخف ؛ فلذلك قلنا : إنه يختار القتل في الحرم على بقاء الفتنة، وهو الشرك، إذ هو أكبر وأعظم، والله أعلم.
وقوله :( وأخرجوهم من حيث أخرجوكم ) ؛ يحتمل قوله :( وأخرجوهم ) من مكة كما أخرجوكم عام الحديبية، ويحتمل أن أمرهم بأن يضيفوا عليهم، ويضطروهم إلى الخروج كما فعل أهل مكة بهم، ويحتمل الإخراج على ما جاء : " ألا لا يحجن مشرك بعد عامي هذا " [ البخاري : ٣٦٩ ]، ويحتمل أن يمنعوهم عن الدخول فيه. كقوله تعالى :( إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا ) [التوبة: ٢٨]، وكقوله :( يخرجهم من الظلمات إلى النور ) [البقرة: ٢٥٧] : المنع عن الشرك إخراجا.
وقوله :( والفتنة أشد من القتل ) أي الشرك أعظم جرما عند الله من القتل فيه.
وقوله :( ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه فإن قاتلوكم فاقتلوهم ) كما ذكرنا أن هذا وقوله :( واقتلوهم ) [ البقرة : ١٩١ و النساء : ٨٩ ] كله يخرج على المجازاة لهم. وفيه لغة أخرى : ولا تقتلوهم(٧) عند المسجد الحرام حتى يقتلوكم فيه فإن قتلوكم فاقتلوهم. [ وقيل ](٨) : فإن قتلونا، لا سبيل لنا أن نقتلهم، فما معنى هذا قيل : يحتمل قوله : ولا تقتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقتلوكم. أي إذا قتلوا واحدا منكم فحينئذ تقتلونهم، أو لا تقتلوهم حتى يبدؤوا هم(٩) بقتلكم، أو أن يقول : لا تقتلوهم حتى يقتلوا بعضكم، فإذا فعلوا ذلك فحينئذ تقتلونهم والله أعلم.
وقوله :( كذلك جزاء الكافرين ) أي هكذا جزاء من لم يقبل نعم الله، ولم يستقبلها بالشكر، ويحتمل ( كذلك جزاء ) من بدأ بالقتال في الحرم أن يقتل.
وقال أصحابنا، رحمهم الله تعالى : نقاتل(٢) في الأشهر الحرم، ولا نقاتل في الحرم إلا أن [ يبدأ العدو ](٣) بالقتال، فحينئذ نقاتل(٤). وكذلك يقولون في من قتل آخر، ثم التجأ إلى الحرم : لم يقتل فيه، ولكن لا يؤاكل، ولا يشارب، ولا يجالس حتى يضطر، فيخرج، فيقتل، وإذا قتل في الحرم يقتل. فعلى ذلك لا يقاتل في الحرم إلا أن [ يبدأ العدو ](٥) به، وإن كان(٦) ظاهر قوله :( واقتلوهم حيث ثقفتموهم ) يبيح القتل في الأمكنة كلها، بقوله :( ولا تقتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه ) استثنى الحرم دون غيره من الأماكن. وأما قوله :( يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير ) ظاهر هذه الآية يحرم القتال في أشهر الحج، لكن فيه دليل حل القتال بقوله :( والفتنة أكبر من القتل ) [البقرة: ٢١٧] يعني بالفتنة الشرك ؛ جعل القتل فيه كبيرا، ثم أخبر أن الشرك فيه أكبر وأعظم من القتل.
فالأصل عندنا أن الابتلاء، إذا كان، من وجهين : يختار الأيسر منهما والأخف ؛ فلذلك قلنا : إنه يختار القتل في الحرم على بقاء الفتنة، وهو الشرك، إذ هو أكبر وأعظم، والله أعلم.
وقوله :( وأخرجوهم من حيث أخرجوكم ) ؛ يحتمل قوله :( وأخرجوهم ) من مكة كما أخرجوكم عام الحديبية، ويحتمل أن أمرهم بأن يضيفوا عليهم، ويضطروهم إلى الخروج كما فعل أهل مكة بهم، ويحتمل الإخراج على ما جاء : " ألا لا يحجن مشرك بعد عامي هذا " [ البخاري : ٣٦٩ ]، ويحتمل أن يمنعوهم عن الدخول فيه. كقوله تعالى :( إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا ) [التوبة: ٢٨]، وكقوله :( يخرجهم من الظلمات إلى النور ) [البقرة: ٢٥٧] : المنع عن الشرك إخراجا.
وقوله :( والفتنة أشد من القتل ) أي الشرك أعظم جرما عند الله من القتل فيه.
وقوله :( ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه فإن قاتلوكم فاقتلوهم ) كما ذكرنا أن هذا وقوله :( واقتلوهم ) [ البقرة : ١٩١ و النساء : ٨٩ ] كله يخرج على المجازاة لهم. وفيه لغة أخرى : ولا تقتلوهم(٧) عند المسجد الحرام حتى يقتلوكم فيه فإن قتلوكم فاقتلوهم. [ وقيل ](٨) : فإن قتلونا، لا سبيل لنا أن نقتلهم، فما معنى هذا قيل : يحتمل قوله : ولا تقتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقتلوكم. أي إذا قتلوا واحدا منكم فحينئذ تقتلونهم، أو لا تقتلوهم حتى يبدؤوا هم(٩) بقتلكم، أو أن يقول : لا تقتلوهم حتى يقتلوا بعضكم، فإذا فعلوا ذلك فحينئذ تقتلونهم والله أعلم.
وقوله :( كذلك جزاء الكافرين ) أي هكذا جزاء من لم يقبل نعم الله، ولم يستقبلها بالشكر، ويحتمل ( كذلك جزاء ) من بدأ بالقتال في الحرم أن يقتل.
١ - من ط ع، في الأصل و م: الحيث..
٢ - في النسخ الثلاث: يقتل..
٣ - في النسخ الثلاث: يبدأهم..
٤ - في النسخ الثلاث: يقتلهم..
٥ - من م و ط ع، في الأصل: يبداؤهم..
٦ - في ط ع: كل.
٧ - هذه قراءة حمزة والكسائي، انظر حجة القراءات ص ١٢٧..
٨ - من ط ع..
٩ - ساقطة من ط ع..
٢ - في النسخ الثلاث: يقتل..
٣ - في النسخ الثلاث: يبدأهم..
٤ - في النسخ الثلاث: يقتلهم..
٥ - من م و ط ع، في الأصل: يبداؤهم..
٦ - في ط ع: كل.
٧ - هذه قراءة حمزة والكسائي، انظر حجة القراءات ص ١٢٧..
٨ - من ط ع..
٩ - ساقطة من ط ع..