تفسير ابن عرفة — ابن عرفة

عن الكتاب
قوله تعالى :﴿واقتلوهم حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ. . .﴾(١).
هذا ( احتراز )(٢) لأنه لمّا تقدم الأمر بقتال من قاتل أمكن أن يتوهم أنّه لا يقاتل إلاّ من قاتل، فهذا إما نسخ له أو تخصيص.
ابن عطية عن الطبري : الخطاب للمهاجرين والضمير لكفار قريش. واختار ابن عطية أنّ الخطاب لجميع المؤمنين، أي أَخرِجوهم إذا أخرجوا بعضكم(٣).
قال ابن عرفة : يلزمه استعمال اللّفظ في حقيقته ومجازه.
قيل لابن عرفة : في ظاهر الآية تناف لأن « اقتلوهم حيث ثقفتموهم » يقتضي الأمر باستِئْصالِهِم وعدم إحياًء أحد ( منهم )(٤) فلا يبق للإخراج محل.
وقوله :« وَأَخْرِجُوهُم » يقتضي إحياء بعضهم حتى يتناوله الإخراج.
فأجاب بوجهين : الأول منهما : أنّ الاستيلاء عليهم تارة يكون عاما بحيث لا تبقى لهم ممانعة بوجه، فهنا يقتلون وتارة يكون ( دون )(٥) ذلك بحيث يتولّى المسلمون على وطنهم ( ويمتنعون )(٦) هم منهم في حصن ونحوه، حتى لا يكون لهم قوة على المسلمين ولا للمسلمين قدرة على قتلهم فهنا يصالحونهم على أن يخرجوا لينجوا بأنفسهم خاصة. انتهى.
الثاني : أنهم يخرجون أولا ثم يقتلون بعد الإخراج والواو لا تفيد رتبة ففي الآية التقديم والتأخير.
قال ابن عرفة : في الآية عندي إيماء إلى كون فعل الطاعة إذا ( وافق )(٧) غرضا دنيويا فلا يقدح ذلك فيه ولا ينقص ثوابه لقوله :﴿مِّنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ﴾.
قلت : وتقدم لنا في الختمة الأخرى عن ابن عرفة أنه تقرر أن الإمام مخير في الجهاد بين ثلاثة أشياء : إما القتل، وإما الفدية وإما الأسر، والآية تقتضي تحتم القتل من غير تخيير. وأجاب بأنه قد يكون تخصيصا.
قوله تعالى :﴿فَإِن قَاتَلُوكُمْ فاقتلوهم. . .﴾(٨).
وقرىء « فَإِن قَتَلُوكُمْ » أي فإن قتلوا بعضكم أو فإن أرادوا قتلكم، وقول الله جلّ جلاله :﴿كَذَلِكَ جَزَآءُ الكافرين﴾ بعد أن قال ﴿وَلاَ تُقَاتِلُوهُمْ عِندَ المسجد الحرام حتى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ﴾ فظاهره أن الكافرين ليس لهم ( جزاء إلا هذا، مع أن جزاءهم )(٩) أن يقاتلوهم حيث ( ثقفوهم )(١٠) حتى يُسلموا، فيجاب بهذا إما منسوخ أو مخصوص.
١ - وقال البسيلي أيضا: ﴿واقتلوهم حيث ثقفتموهم﴾ يخصصه تخيير الإمام في الوجوه المعلومة..
٢ - ج د هـ: احتراس..
٣ - المحرر الوجيز ٢/١٠١..
٤ - أ ب: أحدهم..
٥ - أ: نقص..
٦ - أ: يتمنعونهم..
٧ - ج: وافى..
٨ - ذكر البسيلي في تفسير هذه الآية كلاما عن ابن العربي فقال:
﴿ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام﴾: ابن العربي – في كتابه تلخيص التحصيل. كنت بالبيت المقدس في مدرسة ابن عقبة في مجلس القاضي الزنجاني من أئمة الحنفية فبينما نحن في أثناء التدريس والشيخ مستند وصفه لا يوازيه أحد من الطلبة كعادته طلع على المجلس رجل عليه أخلاق صوف قدم ثم تخطى إلى أن وازى الشيخ فجلس بجنبه فلمحه الحاضرون إنكارا – فسأله الشيخ عن حاله أحسن سؤال ثم قال له: من الشيخ؟ على عادتهم في تعظيم المخاطبة. فقال: رجل من الطلبة قصد زيارة الخليل فسلب في القافلة.
وقد كانت سلبت بالأمس قافلة بالموضع المذكور-
فقال الشيخ للطلبة: سلوه برأيه؟ - على عادتهم في مبادرة القادم بالسؤال على طريق العبرة والإجلال – فقال له بعض الطلبة: ما يقول الشيخ الإمام في الكافر إذا التجأ إلى الحرم هل يعصمه أم لا؟
فقال: يعصمه. فقال له القاضي – وكان الشيخ حنفيا – هذه معرة!
فقال له السائل: ما الدليل؟ فقال له: قوله تعالى:﴿ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه﴾ قرء ﴿ولا تقتلوهم﴾ وقرء: ﴿ولا تقاتلوهم﴾ فإن كان الاستدلال بقراءة ﴿ولا تقتلوهم﴾ فهو نص في المسألة وإذا كان بقراءة ﴿ولا تقاتلوهم﴾ كان تنبيها جليا لأنه إذا نهى عن القتال المفضي إلى القتل فأولى عن القتل. فأبهت الحاضرون حسن مقاله، وصارت الجبة الدسمة في أعينهم كالحلة الدسمة. وعجز السائل وذهب القاضي على العادة فقال لا حجة في الآية لأنها منسوخة بقوله: ﴿فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم﴾ فقال لهم المستدل المذكور: أنا أجل مرتبة القاضي الإمام عن أن يفوه بمثل هذا الكلام، كيف ينسخ العام الخاص والخاص هو الذي يقضي على العام، فبهت القاضي ولم يقل شيئا.
وهذا هو الشيخ الإمام أبو علي حسن الصاغاتي.
وحكى أبو الوليد الباجي عن أبي حنيفة أن العام ينسخ الخاص ولم يذكر هذا غيره.
والجواب عن تعليق أبي حنيفة بهذه الآية أن المراد بها قريشا فزال حكمها بزوالهم يدل على ذلك صدر الآية.
"كذلك جزاء": مختصر أبي حيان "جزاء" مبتدأ لأنه المعرفة ويريد أن الكاف بمعنى – مثل – وإضافته غير محضة..

٩ - ج: نقص..
١٠ - ب ج: ثقفتموه..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى