اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي
عن الكتاب
قوله تعالى :﴿الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ﴾ مبتدأ، خبرُه الجارُّ بعده، ولا بُدَّ من حذفِ مضافٍ، تقديرُه : انتهاكُ حُرْمة الشَّهْر الحرامِ بانتهاكِ حرمةِ الشهرِ، والألفُ واللامُ في الشَّهْر الأوَّل والثَّاني لِلْعهَد ؛ لأنَّهما معلومان عند المخاطبين ؛ فإنَّ الأولَ ذُو القَعْدَةِ من سنة سَبْع، والثاني من سنة سَتٍّ.
وقرئ(١). " والحُرْمَات " بسكون الراء، ويُعْزَى للحسن وقد تقدَّم عند قوله ﴿فِي ظُلُمَاتٍ﴾ [البقرة: ١٧] أنَّ جمعَ " فُعْلَةٍ " بشروطِها يجوزُ فيه ثلاثةُ أوجه : هذان الاثنانِ، وفَتْحُ العين.
في سبب نزول الآية ثلاثة أوجه :
أحدها : قال ابنُ عبَّاس ومجاهدٌ، والضَّحَّاك - رضي الله عنهم - أنَّ رَسُول الله - ﷺ، وشَرَّف، وكَرَّم، ومَجَّد، وبَجَّل، وعَظَّم - خرج عام الحُديبية لِلْعُمرة، وذلك في ذي القعدة سنة ستٍّ مِنَ الهجرة، فصدَّه أهلُ مكة عَنْ ذلك ثُمَّ صالحُوه أنْ ينصرف، ويعودَ في العام القابل ؛ ويتركُوا له " مكَّةَ " ثلاثة أيَّام ؛ حتَّى يقضي عُمْرَتَهُ فانصرَفَ رسولُ الله - ﷺ وشَرَّف، وكَرَّم، ومَجَّد، وبَجَّل، وعَظَّم - عامهُ ذلك، ورجع في العام القابل في ذي القعدة سنَة سبعٍ، ودَخَل مَكَّة، واعتَمر ؛ فأنزل اللَّهُ تعالى هذه الآية الكريمة يعني إنَّك دخلت مكَّة في الشهر الحرام، والقومُ كانُوا صَدُّوكَ في السنةِ الماضية في هذا الشَّهر ؛ فهذا الشهر الحرامُ ؛ بذلك الشهرِ الحرامِ(٢).
وثانيها : قال الحسن : إنَّ الكُفَّار سَمِعُوا أنَّ الله تعالى نهى الرسُولَ - عليه الصَّلاة والسَّلام - عن المقاتلة في الأشهر الحُرُم ؛ وهو قوله تعالى :﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِندَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢١٧] فأرادوا مقاتلته، وظنُّوا أنَّهُ لا يُقاتلهم في الأشهر الحُرُم ؛ فأنزل اللَّهُ تعالى في هذه الآية ؛ لبيان الحُكم في هذه الواقعة فقال :﴿الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ﴾ أي من استحلَّ قتالكم من المشركين من الشَّهر الحرام، فاستحلّوه أنتم فيه(٣).
وثالثها : قال بعضُ المتكلِّمين(٤) : هو أنَّ الشهر الحرام لما لم يمنعكم عن الكفر بالله، فكيف يمنعنا عن قتالكم ؟ فالشهر الحرام من جانبنا مقابل الشهر الحرام جانبكم ؛ والحاصل في هذه الوجوه : أنَّ حرمة الشَّهر الحرام لما لم تمنعهُم عن الكفر، والأفعالِ القبيحة، فكيف جعلوه سبباً في منع القتالِ على الكفر والفساد ؟ !
قوله :" والحرمات قصاصٌ " الحرماتُ : جمع حرمة ؛ كظلمات جمع ظلمة، وحجرات جمع حجرة، الحرمة ما منع من انتهاكه، وجمعها ؛ لأنَّه أراد حُرمة الشَّهر الحرامِ والبلد الحرام، وحرمة الإحرام. و " القصاص " : المُساوَاةُ والمُمَاثلة.
والمعنى على الوجه الأوَّل في النُّزول لمَّا أضاعوا هذه الحُرمات في سنة ستٍّ، فقد قضيتموها على زعمكم في سنة سبع.
وأما على الثَّاني : فالمراد إن أقدمُوا على مقاتلتكم في الشَّهر الحرام، فقاتلوهم أنتم أيضاً فيه.
قال الزَّجَّاج(٥) : وعلم الله بهذه الآية : أنه ليس على المسلمين : أن ينتهكوا هذه الحرمات على سبيل الابتداء، بل على سبيل القصاص والمماثلة، وهذا القول أشبه بما قبل هذه الآية الكريمة، وهو قوله تعالى :﴿وَلاَ تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ﴾ وبما بعدها ؛ وهو قوله تعالى :﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾.
وأما على القول الثالث : فقوله " والحُرُمَاتُ قِصَاصٌ " يعني : حُرمَةُ كلِّ واحدٍ من الشهرين كحرْمة الآخر، وهما مثلان، والقِصاصُ هو المثلُ، ولَمَّا لم يمنعكُم حرمةُ الشَّهر من الكُفْر، والفِتنة، والقِتال، فكيف يمنعُنا عن القتال ؛ فعلى هذا، فقوله :" والحُرُمَاتُ قِصَاصٌ " متَّصلٌ بما قبله.
وقيل : هو مقطوعٌ منه، وهو ابتداء أمرٍ كان في أوَّل الإسلام : أن من انتهك حُرمتك، نِلتَ منه بمثل ما اعتدى عليك، ثم نُسِخً ذلك بالقتال.
وقالت(٦) طائفةٌ : ما تناولت الآية الكريمة من التعدِّي بين أمة محمَّد - عليه الصَّلاة والسَّلام - والجنايات ونحوها - لم يُنسَخْ، وجاز لمن تُعُدِّيَ عليه من مال، أو جرح أن يتعدَّى بمثل ما تُعُدِّي به عليه.
وقوله ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ يجوزُ في " مَنْ " وجهان :
أحدهما : أن تكون شرطيةً، وهو الظاهرُ ؛ فتكونَ الفاء جواباً.
والثاني : أن تكونَ موصولةً ؛ فتكونَ الفاءُ زائدةً في الخبر، وقد تقدَّم نظيره.
قوله :﴿بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى﴾ في الباء قولان :
أحدهما : أن تكون غير زائدةٍ، بل تكون معلِّقةً ب " اعْتَدُوا " والمعنى : بعقوبةٍ مثْل جنايةِ اعتدائه.
والثاني : أنها زائدةٌ، أي : مثل ما اعَْدى به ؛ فتكون : إمَّا نعتاً لمصدرٍ محذوف، أي : اعتداءً مماثلاً لاعتدائه، وإمَّا حالاً من المصدر المحذوف، كما هو مذهبُ سيبويه - رحمه الله تعالى - أي : فاعتدوا الاعتداء مُشبِهاً اعتداءُه، و " مَا " يجوزُ أن تكونَ مصدريةً، فلا تفتقر إلى عائدٍ، وأن تكون موصولةً ؛ فيكون العائدُ محذوفاً، أي : بمثل ما اعتدى عليكُم به، وجاز حذفه ؛ لأنَّ المُضاف إلى الموصول قد جُرَّ بحرفٍ قد جُرَّ به العائدُ، واتَّحد المتعلِّقان وقد تقدَّم معنى تسمية المجازاة بالاعتداء.
قال القرطبيُّ(٧) : اختلف النَّاس في المكافأة، هل تُسمَّى عدواناً، أم لا ؟ فمن قال : ليس في القرآن مجازٌ، قال : المقابلة عدوانٌ، وهو عدوانٌ مباحٌ، كما أنَّ المجاز في كلام العرب كذبٌ مباحٌ ؛ لأن قوله :[ الطويل ]
وقولَهُ :[ الرجز ]
٩٧٢ - إِمْتَلأَ الحَوْضُ وَقَالَ قَطْنِي(٩) ***. . .
وقوله :[ الرجز ]
٩٧٣ - شَكَا إِلَيَّ جَمَلِي طُولَ السُّرَى(١٠) ***. . .
ومعلوم أنَّ هذه الأشياء لا تنطق، وحدُ الكَذِب الإخبارُ عن الشَّيء بخلاف ما هو به.
ومن قال : في القُرآن مجازٌ : سمَّى هذا عُدواناً مجازاً على طريق المُقابلة كقول عمرو بن كلثومٍ :[ الوافر ]
وقول الآخر :[ الطويل ]
وَمَنْ رَامَ تَقْوِيمي فَإِنِّي مُقَوَّمٌ وَمَنْ رَامَ تَعْوِيجي فَإِنِّي مُعَوَّجُ(١٢)
يريد أُكافىءُ الجاهل والمُعوجَّ لا أنَّه امتدح بالجهل والاعوجاج.
قولُهُ " وَاتَّقُوا " قد تقدَّم معنى " التَّقْوَى ".
وقولُهُ :﴿وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾، أي : بالمعونَةِ، والنُّصرة، والحِفظ، وهذا من أقوى الدَّلائل على أنَّه ليس بجسمٍ، ولا في مكانٍ، إذ لو كان جسماً، لكان في مكانٍ معيَّن ؛ فكان إمَّا أن يكون مع أحدٍ منهم، ولم يكن مع الآخر، أو يكون مع كُلِّ واحدٍ من المُتَّقين جزءُ من أجزائهِ، تعالى الله عن ذلك عُلُوّاً كبيراً.
وقرئ(١). " والحُرْمَات " بسكون الراء، ويُعْزَى للحسن وقد تقدَّم عند قوله ﴿فِي ظُلُمَاتٍ﴾ [البقرة: ١٧] أنَّ جمعَ " فُعْلَةٍ " بشروطِها يجوزُ فيه ثلاثةُ أوجه : هذان الاثنانِ، وفَتْحُ العين.
فصل في بيان سبب النُّزول
في سبب نزول الآية ثلاثة أوجه :
أحدها : قال ابنُ عبَّاس ومجاهدٌ، والضَّحَّاك - رضي الله عنهم - أنَّ رَسُول الله - ﷺ، وشَرَّف، وكَرَّم، ومَجَّد، وبَجَّل، وعَظَّم - خرج عام الحُديبية لِلْعُمرة، وذلك في ذي القعدة سنة ستٍّ مِنَ الهجرة، فصدَّه أهلُ مكة عَنْ ذلك ثُمَّ صالحُوه أنْ ينصرف، ويعودَ في العام القابل ؛ ويتركُوا له " مكَّةَ " ثلاثة أيَّام ؛ حتَّى يقضي عُمْرَتَهُ فانصرَفَ رسولُ الله - ﷺ وشَرَّف، وكَرَّم، ومَجَّد، وبَجَّل، وعَظَّم - عامهُ ذلك، ورجع في العام القابل في ذي القعدة سنَة سبعٍ، ودَخَل مَكَّة، واعتَمر ؛ فأنزل اللَّهُ تعالى هذه الآية الكريمة يعني إنَّك دخلت مكَّة في الشهر الحرام، والقومُ كانُوا صَدُّوكَ في السنةِ الماضية في هذا الشَّهر ؛ فهذا الشهر الحرامُ ؛ بذلك الشهرِ الحرامِ(٢).
وثانيها : قال الحسن : إنَّ الكُفَّار سَمِعُوا أنَّ الله تعالى نهى الرسُولَ - عليه الصَّلاة والسَّلام - عن المقاتلة في الأشهر الحُرُم ؛ وهو قوله تعالى :﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِندَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢١٧] فأرادوا مقاتلته، وظنُّوا أنَّهُ لا يُقاتلهم في الأشهر الحُرُم ؛ فأنزل اللَّهُ تعالى في هذه الآية ؛ لبيان الحُكم في هذه الواقعة فقال :﴿الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ﴾ أي من استحلَّ قتالكم من المشركين من الشَّهر الحرام، فاستحلّوه أنتم فيه(٣).
وثالثها : قال بعضُ المتكلِّمين(٤) : هو أنَّ الشهر الحرام لما لم يمنعكم عن الكفر بالله، فكيف يمنعنا عن قتالكم ؟ فالشهر الحرام من جانبنا مقابل الشهر الحرام جانبكم ؛ والحاصل في هذه الوجوه : أنَّ حرمة الشَّهر الحرام لما لم تمنعهُم عن الكفر، والأفعالِ القبيحة، فكيف جعلوه سبباً في منع القتالِ على الكفر والفساد ؟ !
قوله :" والحرمات قصاصٌ " الحرماتُ : جمع حرمة ؛ كظلمات جمع ظلمة، وحجرات جمع حجرة، الحرمة ما منع من انتهاكه، وجمعها ؛ لأنَّه أراد حُرمة الشَّهر الحرامِ والبلد الحرام، وحرمة الإحرام. و " القصاص " : المُساوَاةُ والمُمَاثلة.
والمعنى على الوجه الأوَّل في النُّزول لمَّا أضاعوا هذه الحُرمات في سنة ستٍّ، فقد قضيتموها على زعمكم في سنة سبع.
وأما على الثَّاني : فالمراد إن أقدمُوا على مقاتلتكم في الشَّهر الحرام، فقاتلوهم أنتم أيضاً فيه.
قال الزَّجَّاج(٥) : وعلم الله بهذه الآية : أنه ليس على المسلمين : أن ينتهكوا هذه الحرمات على سبيل الابتداء، بل على سبيل القصاص والمماثلة، وهذا القول أشبه بما قبل هذه الآية الكريمة، وهو قوله تعالى :﴿وَلاَ تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ﴾ وبما بعدها ؛ وهو قوله تعالى :﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾.
وأما على القول الثالث : فقوله " والحُرُمَاتُ قِصَاصٌ " يعني : حُرمَةُ كلِّ واحدٍ من الشهرين كحرْمة الآخر، وهما مثلان، والقِصاصُ هو المثلُ، ولَمَّا لم يمنعكُم حرمةُ الشَّهر من الكُفْر، والفِتنة، والقِتال، فكيف يمنعُنا عن القتال ؛ فعلى هذا، فقوله :" والحُرُمَاتُ قِصَاصٌ " متَّصلٌ بما قبله.
وقيل : هو مقطوعٌ منه، وهو ابتداء أمرٍ كان في أوَّل الإسلام : أن من انتهك حُرمتك، نِلتَ منه بمثل ما اعتدى عليك، ثم نُسِخً ذلك بالقتال.
وقالت(٦) طائفةٌ : ما تناولت الآية الكريمة من التعدِّي بين أمة محمَّد - عليه الصَّلاة والسَّلام - والجنايات ونحوها - لم يُنسَخْ، وجاز لمن تُعُدِّيَ عليه من مال، أو جرح أن يتعدَّى بمثل ما تُعُدِّي به عليه.
وقوله ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ يجوزُ في " مَنْ " وجهان :
أحدهما : أن تكون شرطيةً، وهو الظاهرُ ؛ فتكونَ الفاء جواباً.
والثاني : أن تكونَ موصولةً ؛ فتكونَ الفاءُ زائدةً في الخبر، وقد تقدَّم نظيره.
قوله :﴿بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى﴾ في الباء قولان :
أحدهما : أن تكون غير زائدةٍ، بل تكون معلِّقةً ب " اعْتَدُوا " والمعنى : بعقوبةٍ مثْل جنايةِ اعتدائه.
والثاني : أنها زائدةٌ، أي : مثل ما اعَْدى به ؛ فتكون : إمَّا نعتاً لمصدرٍ محذوف، أي : اعتداءً مماثلاً لاعتدائه، وإمَّا حالاً من المصدر المحذوف، كما هو مذهبُ سيبويه - رحمه الله تعالى - أي : فاعتدوا الاعتداء مُشبِهاً اعتداءُه، و " مَا " يجوزُ أن تكونَ مصدريةً، فلا تفتقر إلى عائدٍ، وأن تكون موصولةً ؛ فيكون العائدُ محذوفاً، أي : بمثل ما اعتدى عليكُم به، وجاز حذفه ؛ لأنَّ المُضاف إلى الموصول قد جُرَّ بحرفٍ قد جُرَّ به العائدُ، واتَّحد المتعلِّقان وقد تقدَّم معنى تسمية المجازاة بالاعتداء.
فصل في اختلافهم في تسمية المكافأة عدواناً
قال القرطبيُّ(٧) : اختلف النَّاس في المكافأة، هل تُسمَّى عدواناً، أم لا ؟ فمن قال : ليس في القرآن مجازٌ، قال : المقابلة عدوانٌ، وهو عدوانٌ مباحٌ، كما أنَّ المجاز في كلام العرب كذبٌ مباحٌ ؛ لأن قوله :[ الطويل ]
| ٩٧١ - فَقَالَتْ لَهُ الْعَيْنَانِ سَمْعاً وَطَاعَةً | . . . (٨) |
٩٧٢ - إِمْتَلأَ الحَوْضُ وَقَالَ قَطْنِي(٩) ***. . .
وقوله :[ الرجز ]
٩٧٣ - شَكَا إِلَيَّ جَمَلِي طُولَ السُّرَى(١٠) ***. . .
ومعلوم أنَّ هذه الأشياء لا تنطق، وحدُ الكَذِب الإخبارُ عن الشَّيء بخلاف ما هو به.
ومن قال : في القُرآن مجازٌ : سمَّى هذا عُدواناً مجازاً على طريق المُقابلة كقول عمرو بن كلثومٍ :[ الوافر ]
| ٩٧٤ - أَلاَ لاَ يَجْهَلَنْ أَحدٌ عَلَيْنَا | فَنَجْهَلَ فَوْقَ جَهْلِ الجَاهِلِينَا(١١) |
| ٩٧٥ - ولِي فَرَسٌ لِلْحِلْمِ بِالْحِلْمِ مُلْجَمٌ | وَلِي فَرَسٌ لِلْجَهْلِ بِالجَهْلِ مُسْرَجُ |
يريد أُكافىءُ الجاهل والمُعوجَّ لا أنَّه امتدح بالجهل والاعوجاج.
قولُهُ " وَاتَّقُوا " قد تقدَّم معنى " التَّقْوَى ".
وقولُهُ :﴿وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾، أي : بالمعونَةِ، والنُّصرة، والحِفظ، وهذا من أقوى الدَّلائل على أنَّه ليس بجسمٍ، ولا في مكانٍ، إذ لو كان جسماً، لكان في مكانٍ معيَّن ؛ فكان إمَّا أن يكون مع أحدٍ منهم، ولم يكن مع الآخر، أو يكون مع كُلِّ واحدٍ من المُتَّقين جزءُ من أجزائهِ، تعالى الله عن ذلك عُلُوّاً كبيراً.
١ - قرأ بها الحسن. انظر: المحرر الوجيز ١/٢٦٤، والبحر المحيط ٢/٧٧، والدر المصون: ١/٤٨١، والشواذ ١٢، وإتحاف ١/٤٣٣..
٢ - تقدم..
٣ - ذكره الفخر الرازي في "التفسير الكبير" ٥/١١٤..
٤ - ينظر: تفسير الفخر الرازي ٥/١١٤..
٥ - ينظر: تفسير الفخر الرازي ٥/١١٥..
٦ - ينظر: تفسير القرطبي ٢/ ٢٣٧..
٧ - ينظر: تفسير القرطبي ٢/٢٣٧-٢٣٨..
٨ - ينظر: القرطبي ٢/ ٢٣٨..
٩ - البيت من الرجز الذي لا يعرف قائله وبعده:
مهلا رويدا قد ملأت بطني
ينظر: شرح المفصل ١/٨٢، ٢/١٣١، والخصائص ١/٢٣، ورصف المباني ص ٣٦٢، تخليص الشواهد ص ١١١، أمالي المرتضى ٢/٣٠٩، الإنصاف ص ١٣٠، إصلاح المنطق ص ٥٧، جواهر الأدب ص ١٥١، سمط اللآلي ص ٤٧٥، شرح الأشموني ١/٥٧، كتاب اللامات ص ١٤٠، والمقاصد النحوية ١/ ٣٦١، ولسان العرب (قطط)، (قطن)، والقرطبي ٢/ ٢٣٨..
١٠ - ينظر: القرطبي ٢/٢٣٨..
١١ - تقدم برقم ٢١٤..
١٢ - ينظر: القرطبي ٢/٢٣٨..
٢ - تقدم..
٣ - ذكره الفخر الرازي في "التفسير الكبير" ٥/١١٤..
٤ - ينظر: تفسير الفخر الرازي ٥/١١٤..
٥ - ينظر: تفسير الفخر الرازي ٥/١١٥..
٦ - ينظر: تفسير القرطبي ٢/ ٢٣٧..
٧ - ينظر: تفسير القرطبي ٢/٢٣٧-٢٣٨..
٨ - ينظر: القرطبي ٢/ ٢٣٨..
٩ - البيت من الرجز الذي لا يعرف قائله وبعده:
مهلا رويدا قد ملأت بطني
ينظر: شرح المفصل ١/٨٢، ٢/١٣١، والخصائص ١/٢٣، ورصف المباني ص ٣٦٢، تخليص الشواهد ص ١١١، أمالي المرتضى ٢/٣٠٩، الإنصاف ص ١٣٠، إصلاح المنطق ص ٥٧، جواهر الأدب ص ١٥١، سمط اللآلي ص ٤٧٥، شرح الأشموني ١/٥٧، كتاب اللامات ص ١٤٠، والمقاصد النحوية ١/ ٣٦١، ولسان العرب (قطط)، (قطن)، والقرطبي ٢/ ٢٣٨..
١٠ - ينظر: القرطبي ٢/٢٣٨..
١١ - تقدم برقم ٢١٤..
١٢ - ينظر: القرطبي ٢/٢٣٨..