جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري
يعني بقوله جل ثناؤه : الشّهْرُ الحَرَامُ بالشّهْرِ الحَرَامِ ذا القعدة، وهو الشهر الذي كان رسول الله ﷺ اعتمر فيه عمرة الحديبية، فصده مشركو أهل مكة عن البيت ودخول مكة، وكان ذلك سنة ستّ من هجرته، وصالح رسول الله ﷺ المشركين في تلك السنة، على أن يعود من العام المقبل، فيدخل مكة ويقيم ثلاثا، فلما كان العام المقبل، وذلك سنة سبع من هجرته خرج معتمرا وأصحابه في ذي القعدة، وهو الشهر الذي كان المشركون صدّوه عن البيت فيه في سنة ستّ، وأخلى له أهل مكة البلد، حتى دخلها رسول الله ﷺ، فقضى حاجته منها، وأتمّ عمرته، وأقام بها ثلاثا، ثم خرج منها منصرفا إلى المدينة، فقال الله جل ثناؤه لنبيه ﷺ وللمسلمين معه : الشّهْرُ الحَرَامُ يعني ذا القعدة الذي أوصلكم الله فيه إلى حرمه وبيته على كراهة مشركي قريش ذلك حتى قضيتم منه وطركم بالشّهْرِ الحَرَامِ الذي صدكم مشركو قريش العام الماضي قبله فيه، حتى انصرفتم عن كره منكم عن الحرم، فلم تدخلوه ولم تصلوا إلى بيت الله، فأقصكم الله أيها المؤمنون من المشركين بإدخالكم الحرم في الشهر الحرام على كره منهم لذلك، بما كان منهم إليكم في الشهر الحرام من الصدّ والمنع من الوصول إلى البيت. كما :
حدثني محمد بن عبد الله بن بزيع، قال : حدثنا يوسف، يعني ابن خالد السمتي، قال : حدثنا نافع بن مالك، عن عكرمة، عن ابن عباس في قوله : وَالحُرُماتُ قِصَاصٌ قال : هم المشركون حبسوا محمدا ﷺ في ذي القعدة، فرجعه الله في ذي القعدة، فأدخله البيت الحرام، فاقتصّ له منهم.
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله جل ثناؤه : الشّهْرُ الحَرَامُ بالشّهْرِ الحَرَامِ والحُرُماُت قِصَاصٌ قال : فخرَت قريش بردّها رسول الله ﷺ يوم الحديبية محرما في ذي القعدة عن البلد الحرام، فأدخله الله مكة في العام المقبل من ذي القعدة فقضى عمرته، وأقصّه بما حيل بينه وبينها يوم الحديبية.
حدثني المثنى، قال : حدثنا أبو حذيفة، قال : حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.
حدثنا بشر بن معاذ، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة قوله : الشّهْرُ الحَرَامُ بالشّهْرِ الحَرَامِ والحُرُماُت قِصَاصٌ، أقبل نبيّ الله ﷺ وأصحابه فاعتمروا في ذي القعدة ومعهم الهديُ، حتى إذا كانوا بالحديبية صدهم المشركون، فصالحهم نبيّ الله ﷺ على أن يرجع من عامه ذلك، حتى يرجع من العام المقبل، فيكون بمكة ثلاثة أيام، ولا يدخلها إلا بسلاح راكب ويخرج، ولا يخرج بأحد من أهل مكة، فنحروا الهدي بالحديبية، وحلقوا وقصروا. حتى إذا كان من العام المقبل أقبل نبيّ الله وأصحابه حتى دخلوا مكة، فاعتمروا في ذي القعدة، فأقاموا بها ثلاث ليال، فكان المشركون قد فخروا عليه حين ردّوه يوم الحديبية، فأقصه الله منهم، فأدخله مكة في ذلك الشهر الذي كانوا ردّوه فيه في ذي القعدة، فقال الله : الشّهْرُ الحَرَامُ بالشّهْرِ الحَرَامِ والحُرُماُت قِصَاصٌ.
حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا معمر، عن قتادة، وعن عثمان، عن مقسم في قوله : الشّهْرُ الحَرَامُ بالشّهْرِ الحَرَامِ والحُرُماُت قِصَاصٌ قالا : كان هذا في سفر الحديبية، صدّ المشركون النبيّ ﷺ وأصحابه عن البيت في الشهر الحرام، فقاضُوا المشركين يومئذٍ قضية «إن لكم أن تعتمروا في العام المقبل » في هذا الشهر الذي صدوهم فيه، فجعل الله تعالى ذكره لهم شهرا حراما يعتمرون فيه مكان شهرهم الذي صدوا، فلذلك قال : والحُرُماتُ قِصَاصٌ.
حدثني موسى بن هارون، قال : حدثنا عمرو بن حماد، قال : حدثنا أسباط، عن السدي : الشّهْرُ الحَرَامُ بالشّهْرِ الحَرَامِ والحُرُماُت قِصَاصٌ قال : لما اعتمر رسول الله ﷺ عمرة الحديبية في ذي القعدة سنة ستّ من مهاجره صدّه المشركون، وأبوا أن يتركوه، ثم إنهم صالحوه في صلحهم على أن يخلوا له مكة من عام قابل ثلاثة أيام يخرجون، ويتركونه فيها، فأتاهم رسول الله ﷺ بعد فتح خيبر من السنة السابعة، فخلوا له مكة ثلاثة أيام، فنكح في عمرته تلك ميمونة بنت الحارث الهلالية.
حدثني المثنى، قال : حدثنا إسحاق، قال : حدثنا أبو زهير عن جويبر، عن الضحاك في قوله : الشّهْرُ الحَرَامُ بالشّهْرِ الحَرَامِ والحُرُماُت قِصَاصٌ أحصروا النبيّ ﷺ في ذي القعدة عن البيت الحرام، فأدخله الله البيت الحرام العام المقبل، واقتصّ له منهم، فقال : الشّهْرُ الحَرَامُ بالشّهْرِ الحَرَامِ والحُرُماُت قِصَاصٌ.
حدثنا المثنى، قال : حدثنا إسحاق، قال : حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، قال : أقبل نبيّ الله ﷺ وأصحابه، فأحرموا بالعمرة في ذي القعدة ومعهم الهدي، حتى إذا كانوا بالحديبية صدّهم المشركون، فصالحهم رسول الله ﷺ أن يرجع ذلك العام حتى يرجع العام المقبل، فيقيم بمكة ثلاثة أيام، ولا يخرج معه بأحد من أهل مكة. فنحروا الهدي بالحديبية، وحلقوا وقصروا. حتى إذا كانوا من العام المقبل، أقبل النبيّ ﷺ وأصحابه حتى دخلوا مكة، فاعتمروا في ذي القعدة وأقاموا بها ثلاثة أيام، وكان المشركون قد فخروا عليه حين ردّوه يوم الحديبية، فقاصّ الله له منهم، وأدخله مكة في ذلك الشهر الذي كانوا ردّوه فيه في ذي القعدة. قال الله جل ثناؤه : الشّهْرُ الحَرَامُ بالشّهْرِ الحَرَامِ والحُرُماُت قِصَاصٌ.
حدثني محمد بن سعد، قال : ثني أبي، قال : ثني عمي، قال : ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله : والحُرُماتُ قِصَاصٌ فهم المشركون كانوا حبسوا محمدا ﷺ في ذي القعدة عن البيت، ففخروا عليه بذلك، فرجعه الله في ذي القعدة، فأدخله الله البيت الحرام واقتصّ له منهم.
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد في قوله : الشّهْرُ الحَرَامُ بالشّهْرِ الحَرَامِ حتى فرغ من الآية. قال : هذا كله قد نسخ، أمره أن يجاهد المشركين. وقرأ :( قاتِلُوا المُشْرِكِينَ كافّةً كمَا يُقاتِلُونَكُمْ كافّةً ) وقرأ :( قاِتلُوا الّذِين يَلُونَكُمْ مِنَ الكُفّارِ ) العرب، فلما فرغ منهم، قال الله جل ثناؤه :( قاتِلُوا الّذِينَ لا يُؤْمِنُونِ باللّهِ وَلا بالْيَوْمِ الآخر وَلا يُحَرّمونَ ما حَرمَ الله ورَسُولُهُ ) حتى بلغ قوله :( وَهُمْ صَاغِرُونَ ) قال : وهم الروم قال : فوجه إليهم رسول الله ﷺ.
حدثنا ابن بشار، قال : حدثنا عبد الوهاب الثقفي، قال : حدثنا أيوب، عن عكرمة، عن ابن عباس في هذه الآية : الشّهْرُ الحَرَامُ بالشّهْرِ الحَرَامِ والحُرُماُت قِصَاصٌ قال : أمركم الله بالقصاص، ويأخذ منكم العدوان.
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : حدثنا حجاج، عن ابن جريج، قال : قلت لعطاء وسألته عن قوله : الشّهْرُ الحَرَامُ بالشّهْرِ الحَرَامِ والحُرُماُت قِصَاصٌ قال : نزلت في الحديبية، منعوا في الشهر الحرام، فنزلت : الشّهْرُ الحَرَامُ بالشّهْرِ الحَرَامِ عمرة في شهر حرام بعمرة في شهر حرام.
وإنما سمى الله جل ثناؤه ذا القعدة الشهر الحرام، لأن العرب في الجاهلية كانت تحرّم فيه القتال والقتل وتضع فيه السلاح، ولا يقتل فيه أحد أحدا ولو لقي الرجل قاتل أبيه أو ابنه. وإنما كانوا سموه ذا القعدة لقعودهم فيه عن المغازي والحروب، فسماه الله بالاسم الذي كانت العرب تسميه به.
وأما الحرمات فإنها جمع حرمة كالظلمات جمع ظلمة، والحجرات جمع حجرة.
وإنما قال جل ثناؤه : والحُرُماتُ قِصَاصٌ فجمع، لأنه أراد الشهر الحرام والبلد الحرام وحرمة الإحرام، فقال جل ثناؤه لنبيه محمد والمؤمنين معه : دخولكم الحرم بإحرامكم هذا في شهركم هذا الحرام قصاص مما منعتم من مثله عامكم الماضي، وذلك هو الحرمات التي جعلها الله قصاصا.
وقد بينا أن القصاص هو المجازاة من جهة الفعل أو القول أو البدن، وهو في هذا الموضع من جهة الفعل.
القول في تأويل قوله تعالى :﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ ما اعْتَدَى عَلَيْكُمْ.﴾
اختلف أهل التأويل فيما نزل فيه قوله : فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ ما اعْتَدَى عَلَيْكُمْ. فقال بعضهم بما :
حدثني به المثنى، قال : حدثنا عبد الله بن صالح، قال : ثني معاوية بن صالح، عن عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله : فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ ما اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فهذا ونحوه نزل بمكة والمسلمون يومئذ قليل، وليس لهم سلطان يقهر المشركين، وكان المشركون يتعاطونهم بالشتم والأذى، فأمر الله المسلمين من يجازي منهم أن يجازي بمثل ما أوتي إليه أو يصبر أو يعفو فهو أمثل فلما هاجر رسول الله ﷺ إلى المدينة، وأعزّ الله سلطانه أمر المسلمين أن ينتهوا في مظالمهم إلى سلطانهم، وأن لا يعدو بعضهم على بعض كأهل الجاهلية.
وقال آخرون : بل معنى ذلك : فمن قاتلكم أيها المؤمنون من المشركين، فقاتلوهم كما قاتلوكم. وقالوا : نزلت هذه الآية على رسول الله ﷺ بالمدينة وبعد عمرة القضية. ذكر من قال ذلك :
حدثني القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج، قال : قال مجاهد : فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ ما اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فقاتلوهم فيه كما قاتلوكم.
وأشبه التأويلين بما دلّ عليه ظاهر الآية الذي حكي عن مجاهد، لأن الآيات قبلها إنما هي أمر من الله للمؤمنين بجهاد عدوّهم على صفة، وذلك قوله : وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللّهِ الّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ والآيات بعدها، وقوله : فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فاعْتَدُوا عَلَيْهِ إنما هو في سياق الاَيات التي فيها الأمر بالقتال والجهاد، والله جل ثناؤه إنما فرض القتال على المؤمنين بعد الهجرة فمعلوم بذلك أن قوله :( فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ ما اعْتَدَى عَلَيْكُمْ ) مدني لا مكي، إذ كان فرض قتال المشركين لم يكن وجب على المؤمنين بمكة، وأن قوله : فَمَن اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ ما اعْتَدَى عَلَيْكُمْ نظير قوله : وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللّهِ الّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ، وأن معناه : ف
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ﴾
قال أبو جعفر: يعني بقوله جل ثناؤه:"الشهر الحرام بالشهر الحرام" ذا القعدة، وهو الشهر الذي كان رسولُ الله ﷺ اعتمر فيه عُمرة الحديبية، فصدّه مشركو أهل مكة عن البيت ودخول مكة، سنة ست من هجرته، وصالح رسول الله ﷺ المشركين في تلك السنة، على أن يعود من العام المقبل، فيدخل مكة ويقيم ثلاثا، فلما كان العامُ المقبل، وذلك سنة سبع من هجرته، خرج معتمرا وأصحابه في ذي القَعدة - وهو الشهر الذي كان المشركون صدُّوه عن البيت فيه في سنة ست- وأخلى له أهل مكة البلد حتى دخلها رسولُ الله صلى الله عليه وسلم، فقضى حاجته منها، وأتم عمرته، وأقام بها ثلاثا، ثم خرج منها منصرفا إلى المدينة، فقال الله جل ثناؤه لنبيه ﷺ وللمسلمين مَعه"الشهرُ الحرام" = يعني ذا القَعدة، الذي أوصَلكم الله فيه إلى حَرمَه وبيته، على كراهة مشركي قُريش ذلك، حتى قضيتم منه وَطَركم ="بالشهر الحرام"، الذي صدكم مشركو قريش العامَ الماضيَ قَبله فيه حتى انصرفتم عن كره منكم عن الحرم، فلم تدخلوه، ولم تصلوا إلى بيت الله، فأقصَّكم الله أيها المؤمنون من المشركين بإدخالكم الحرم في الشهر الحرام على كره منهم لذلك، بما كان منهم إليكم في الشهر الحرام من الصدّ والمنْع من الوصول إلى البيت. كما:
٣١٣٠ - حدثني محمد بن عبد الله بن بزيع قال، حدثنا يوسف - يعني: ابن خالد السَّمْتيّ - قال، حدثنا نافع بن مالك، عن عكرمة، عن ابن عباس في قوله:"والحرمات قصاص" قال: هم المشركون، حبسوا محمدا صلى الله عليه وسلم
٣١٣١ - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله جل ثناؤه:"الشهرُ الحرامُ بالشهر الحرام والحُرماتُ قِصَاص" قال: فخرت قريش بردِّها رسولَ الله ﷺ يوم الحُديبية محرِما في ذي القَعدة عن البلد الحرام، فأدخله الله مكة في العام المقبل من ذي القَعدة، فقضى عُمرته، وأقصَّه بما حيل بينه وبينها يوم الحديبية.
٣١٣٢- حدثني المثنى قال، حدثني أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.
٣١٣٣ - حدثنا بشر بن معاذ، قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله:"الشهرُ الحرامُ بالشهر الحرام والحُرمات قِصَاص" أقبل نبيّ الله ﷺ وأصحابه فاعتمروا في ذي القَعدة ومعهم الهدي، حتى إذا كانوا بالحديبية صدّهم المشركون، فصالحهم نبيُّ الله ﷺ على أن يرجع من عامه ذلك، حتى يرجع من العام المقبل فيكون بمكة ثلاثة أيام ولا يدخلها إلا بسلاح راكب ويخرج، ولا يخرج بأحد من أهل مكة، فنحروا الهدْي بالحديبية، وحلَّقوا وَقصَّروا. حتى إذا كان من العام المقبل، أقبل نبيُّ الله وأصحابه حتى دخلوا مكة، فاعتمروا في ذي القَعدة، فأقاموا بها ثلاث ليال، فكان المشركون قد فخروا عليه حين ردُّوه يوم الحديبية، فأقصَّه الله منهم، فأدخله مكة في ذلك الشهر الذي كانوا ردُّوه فيه في ذي القَعدة، فقال الله:"الشهرُ الحرامُ بالشهر الحرام والحُرمات قصَاص".
يوسف بن خالد السمتي: ضعيف جدا كذاب، كما ذكرنا في ذاك الإسناد، ووقع في المطبوعة هنا"السهمي"، بدل"السمتي". وهو خطأ.
٣١٣٥ - حدثني موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو بن حماد قال، حدثنا أسباط، عن السدي:"الشهرُ الحرام بالشهر الحرام والحرمات قِصَاص" قال: لما اعتمر رسول الله ﷺ عُمرة الحديبية في ذي القعدة سنة ستٍّ من مُهاجَره، صدَّه المشركون وأبوا أن يتركوه، ثم إنهم صالحوه في صُلحهم على أن يُخْلوا له مكة من عام قابل ثلاثةَ أيام، يخرجون ويتركونه فيها، فأتاهم رسول الله ﷺ بعد فتح خَيْبر من السنة السابعة، فخَلَّوْا له مكة ثلاثة أيام، فنكح في عُمرته تلك مَيمونة بنت الحارث الهلالية.
٣١٣٦ - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا أبو زهير عن جويبر، عن الضحاك في قوله:"الشهرُ الحرَام بالشهر الحرام والحرماتُ قِصاص"، أحصَرُوا النبي ﷺ في ذي القَعدة عن البيت الحرام (٢) فأدخله الله البيت الحرامَ العامَ المقبلَ، واقتصَّ له منهم، فقال:"الشهرُ الحرامُ بالشهر الحرام والحُرمات قصاص".
٣١٣٧ - حدثنا المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر،
(٢) أحصره المرض وغيره: منعه وحبسه.
٣١٣٨- حدثني محمد بن سعد، قال، حدثني أبي، قال، حدثني عمي، قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله:"والحُرمات قصاص" فهم المشركون، كانوا حبسوا محمدا ﷺ في ذي القعدة عن البيت، ففخروا عليه بذلك، فرجعه الله في ذي القعدة، فأدخله الله البيت الحرام واقتصَّ له منهم.
٣١٣٩ - حدثني يونس، قال، أخبرنا ابن وهب، قال، قال ابن زيد في قوله:"الشهرُ الحرامُ بالشهر الحرام" حتى فرغ من الآية، قال: هذا كله قد نُسخ، أمرَه أن يجاهد المشركين. وقرأ: (وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً) [سورة التوبة: ٣٦] وقرأ: (قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ) [سورة التوبة: ١٢٣] العرب، فلما فرغ منهم، قال الله جل ثناؤه: (قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ) حتى بلغ قوله: (وَهُمْ صَاغِرُونَ) [سورة التوبة: ٢٩] قال: وهم الروم. قال: فوَجَّه إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم.
٣١٤٠ - حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الوهاب الثقفي قال، حدثنا أيوب، عن عكرمة، عن ابن عباس في هذه الآية:"الشهرُ الحرامُ بالشهر الحرام
٣١٤١ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا حجاج، عن ابن جريج، قال، قلت لعطاء، وسألته عن قوله:"الشهر الحرام بالشهر الحرام والحُرمات قصاص" قال: نزلت في الحديبية، مُنعوا في الشهر الحرام، فنزلت:"الشهر الحرام بالشهر الحرام": عمرة في شهر حرام، بعمرة في شهر حرام.
* * *
قال أبو جعفر: وإنما سمى الله جل ثناؤه ذا القَعدة"الشهرَ الحرام"، لأن العرب في الجاهلية كانت تحرِّم فيه القتال والقتل، وتضع فيه السلاح، ولا يقتل فيه أحدٌ أحدًا، ولو لقي الرجل قاتل أبيه أو ابنه. وإنما كانوا سموه"ذا القَعدة" لقعودهم فيه عن المغازي والحروب، فسماه الله بالاسم الذي كانت العرب تُسمِّيه به.
* * *
وأما"الحرمات" فإنها جمع"حُرْمة"،"كالظلمات" جمع"ظلمة"،"والحجرات" جمع"حُجرة". وإنما قال جل ثناؤه:"والحرمات قصاص" فجمع، لأنه أراد: الشهرَ الحرام، والبلد الحرام وحُرمة الإحرام.
* * *
فقال جل ثناؤه لنبيه محمد والمؤمنين معه: دخولكم الحرَم، بإحرامكم هذا، في شهركم هذا الحرام، قصاصُ مما مُنعتم من مثله عامَكم الماضي، وذلك هو"الحرمات" التي جعلها الله قصَاصًا.
* * *
وقد بينا أن"القصاص" هو المجازاة من جهة الفعل أو القول أو البَدن، وهو في هذا الموضع من جهة الفعل (٢).
* * *
(٢) انظر ما سلف في هذا الجزء ٣: ٣٥٧-٣٦٦.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾
قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل فيما نزل فيه قوله:"فمن اعتدَى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم".
فقال بعضهم بما:
٣١٤٢- حدثني به المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح، قال، حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله:"فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم" فهذا ونحوه نزل بمكة والمسلمون يومئذ قليل، وليس لهم سلطانٌ يقهرُ المشركين، وكان المشركون يتعاطونهم بالشتم والأذى، فأمر الله المسلمين، مَنْ يجازي منهم أن يجازِيَ بمثل ما أُتي إليه أو يصبر أو يعفوَ فَهو. أمثل فلما هاجر رسولُ الله ﷺ إلى المدينة، وأعزّ الله سلطانه أمرَ المسلمين أن ينتهوا في مظالمهم إلى سُلطانهم، وأن لا يعدوَ بعضهم على بعض كأهل الجاهلية.
* * *
وقال آخرون: بل معنى ذلك: فمن قاتلكم أيها المؤمنون من المشركين، فقاتلوهم كما قاتلوكم. وقالوا: أنزلت هذه الآية على رسول الله ﷺ بالمدينة، وبعد عُمرة القضيَّة.
* ذكر من قال ذلك:
٣١٤٣ - حدثني القاسم قال، حدثنا الحسين، قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، قال: قال مجاهد:"فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم" فقاتلوهم فيه كما قاتلوكم.
* * *
قال أبو جعفر: وأشبه التأويلين بما دلّ عليه ظاهر الآية، الذي حُكي عن
فمعلوم بذلك أن قوله:"فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم" مدنيّ لا مكيّ، إذ كان فرضُ قتال المشركين لم يكن وَجَب على المؤمنين بمكة، وأنّ قوله:"فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم" نظيرُ قوله:"وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم" وأن معناه: فمن اعتدى عليكم في الحَرم فقاتَلكم فاعتدوا عليه بالقتال نحو اعتدائه عليكم بقتاله إياكم، لأني قد جعلتُ الحُرمات قصاصًا، فمن استحلّ منكم أيها المؤمنون من المشركين حُرْمةً في حَرَمي، فاستحلوا منه مثله فيه.
وهذه الآية منسوخة بإذن الله لنبيه بقتال أهل الحرَم ابتداءً في الحرم وقوله: (وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً) [سورة التوبة: ٣٦]
* * *
... (١) على نحو ما ذكرنا، من أنه بمعنى: المجازاة وإتباع لفظٍ لفظًا، وإن
[وأما قوله: (فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ). ففي"الاعتداء" وجهان من التأويل:
أحدهما: أن يكون"الاعتداء" من"العُدْوَان"، وَهوَ مجاوزة الحدّ ظُلْمًا وَبغيًا. ويكون معنى الآية: فمن جاوز حدّه ظُلْمًا وَبغيًا، فقاتلكم في الشهر الحرام فكافِئُوه بمثل ما فعل بكم، على نحو ما ذكرنا من أنه..]
هذا ما استظهرته من تفسير الطبري فيما سلف ٢: ٣٠٧، وهذا الجزء ٣: ٣٧٥، ٣٧٦، ٥٦٤، ٥٧٣ ثم يبقى خرم قبل ذلك في كلامه عن الآية، منسوخة هي أم غير منسوخة.
* * *
والآخر: أن يكون بمعنى"العدو" الذي هو شدٌّ ووثوب. من قول القائل:"عدا الأسد على فَريسته". فيكون معنى الكلام: فمن عَدا عليكم - أي فمن شد عليكم وَوثب - بظلم، فاعدوا عليه - أي فشُدُّوا عليه وثبُوا نحوَه - قصاصًا لما فعل عليكم لا ظلمًا. ثم تُدخل"التاء""في عدا"، فتقال:"افتعل" مكان"فعل"، كما يقال:"اقترب هذا الأمر" بمعنى"قرب"، و"اجتلب كذلك" بمعنى"جَلب" وما أشبه ذلك.
* * *
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (١٩٤)﴾
قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بذلك: واتقوا الله أيها المؤمنون في حُرُماته وحدوده أن تعتَدُوا فيها، فتتجاوزوا فيها ما بيَّنه وحدَّه لكم، واعلموا أن الله يُحب المتقين، الذين يتقونه بأداء فَرائضه وتجنب محارمه.
* * *