بحر العلوم — أبو الليث السمرقندي

عن الكتاب
فسار رسول الله ﷺ وأصحابه حتى دخلوا مكة، وطافوا بالبيت، ونحروا الهدي، وأقاموا بمكة ثلاثة أيام ثم انصرفوا فنزلت هذه الآية :﴿الشهر الحرام بالشهر الحرام﴾، يعني الشهر الحرام الذي دخلت فيه الحرم بالشهر الحرام الذي صدوكم عنه العام الأول وهو ذو القعدة ﴿والحرمات قِصَاصٌ﴾ أي ما اقتصصت لكم في ذي القعدة كما صدوكم.
ويقال : إذا قاتلوكم في الشهر الحرام فقاتلوهم في الشهر الحرام ﴿والحرمات قِصَاصٌ﴾، يعني قتالكم يكون لِقتالهم قصاصاً، فكما تركوا الحرمة فأنتم تتركون أيضاً ذلك.
ويقال : إن سبب نزول هذه الآية أن المشركين سألوا المسلمين فقالوا : في أي شهر يحرم عليكم القتال ؟ وأرادوا أن يقفوا على ذلك، حتى يقاتلوهم في الشهر الذي حرم القتال على المؤمنين، فنزل قوله :﴿وَلاَ تقاتلوهم عِندَ المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فِيهِ﴾، أي في وقت قاتلكم المشركون حل لكم قتالهم. ثم قال تعالى :﴿فَمَنِ اعتدى عَلَيْكُمْ﴾، أي قاتلكم في الشهر الحرام ﴿فاعتدوا عَلَيْهِ﴾، أي قاتلوهم فيه وإنما سمي الثاني اعتداء، لأنه مجازاة الاعتداء فسمي بمثل اسمه. وهذا كقوله عز وجل :﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ للصابرين﴾ [النحل: ١٢٦] ؛ ثم صارت هذه الآية حكماً في جميع الجنايات. إن من جنى على إنسان أو في ماله، فله أن يجازيه بمثل ذلك بظاهر هذه الآية :﴿فَمَنِ اعتدى عَلَيْكُمْ فاعتدوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعتدى عَلَيْكُمْ﴾. ثم قال ﴿واتقوا الله﴾ عن الاعتداء قبل أن يعتدوا عليكم ﴿واعلموا أَنَّ الله مَعَ المتقين﴾، يعني يعين من اتقى الاعتداء.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى