تفسير القرآن الكريم — ابن عثيمين

عن الكتاب
)ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) ( البقرة : ١٩٩ )
التفسير :
قوله تعالى :﴿ثم أفيضوا﴾ أي من عرفات.
قوله تعالى :﴿من حيث أفاض الناس﴾ أي من المكان الذي يفيض الناس منه ؛ وكانت قريش في الجاهلية لا يقفون مع الناس في عرفة - يقولون : نحن أهل الحرم فلا نقف خارج الحرم - ؛ فأُمر المسلمون أن يفيضوا من حيث أفاض الناس - أي من عرفة - ؛ هذا هو ظاهر الآية الكريمة ؛ ولكنه مشكل حيث إنه ذُكر بعد قوله :﴿فإذا أفضتم من عرفات﴾ ؛ وأجيب عن هذا الإشكال أن الترتيب ذكري - لا ترتيب حكمي ؛ بمعنى أن الله تعالى لما ذكر إفاضتهم من عرفات أكد هذا بقوله تعالى :﴿ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس﴾ دون أن يكون المراد الترتيب الحكمي ؛ ويحتمل أن يكون قوله تعالى :﴿ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس﴾ أي أفيضوا من المشعر الحرام من حيث أفاض الناس ؛ فيكون المراد بالإفاضة هنا الإفاضة من مزدلفة ؛ وعلى هذا الاحتمال لا يبقى في الآية إشكال.
قوله تعالى :﴿واستغفروا الله﴾ أي اطلبوا المغفرة منه ؛ والمغفرة ستر الذنب، والتجاوز عنه ؛ لأنها مأخوذة من المغفر الذي يوضع على الرأس عند القتال لتوقي السهام ؛ وليست المغفرة مجرد الستر ؛ بل هي ستر، ووقاية.
قوله تعالى :﴿إن الله غفور رحيم﴾ ؛ هذه الجملة تعليل للأمر ؛ أي استغفروا الله ؛ لأنه أهل لأن يُستغفَر ؛ فإنه سبحانه وتعالى غفور رحيم.
وإعراب ﴿رحيم﴾ : خبر ثانٍ ل ﴿إن﴾ ؛ والخبر الأول :﴿غفور﴾.
وقوله تعالى :﴿غفور﴾ صيغة مبالغة ؛ وذلك لكثرة غفرانه تبارك وتعالى، وكثرة من يغفر لهم ؛ و «الغفور » أي ذو المغفرة، كما قال تعالى :﴿وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم﴾ [الرعد: ٦].
وقوله تعالى :﴿رحيم﴾ إما صفة مشبهة ؛ وإما صيغة مبالغة ؛ و «الرحيم » أي ذو الرحمة ؛ وهي صفة تقتضي جلب النعم، ودفع النقم، كما قال تعالى :﴿وما بكم من نعمة فمن الله ثم إذا مسكم الضر فإليه تجأرون﴾ [النحل: ٥٣].
الفوائد :
١ من فوائد الآية : وجوب المبيت بمزدلفة ؛ لقوله تعالى :﴿ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس﴾ على أحد التفسيرين، كما سبق ؛ ومتى أفاض الإنسان من حيث أفاض الناس فإنه يلزم من ذلك أن يكون قد بات بمزدلفة.
٢ ومنها : أن هذا النسك كان أمراً معلوماً يسير الناس عليه من قديم الزمان ؛ لقوله تعالى :﴿ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس﴾.
٣ ومنها : أن الناس في أحكام الله تعالى سواء ؛ فلا يخص أحد بحكم من الأحكام إلا لمعنًى يقتضي ذلك ؛ والمعنى المخصِّص يكون من قِبَل الشرع - لا من قبل الهوى، والعادة - ؛ لقوله تعالى :﴿ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس﴾ ؛ ولا يشكل على قولنا هذا ما ورد في قصة أبي بردة بن نيار أنه ذبح في عيد الأضحى أضحية قبل الصلاة ؛ ولما خطب النبي صلى الله عليه وسلم وقال :«إن من ذبح قبل الصلاة فلا نسك له، وأن شاته شاة لحم » قام أبو بردة فقال :«يا رسول الله، إن عندي عناقاً هي أحب إلي من شاتين أفتجزي عني ؟ قال : نعم ؛ ولن تجزئ عن أحد بعدك »(١) ؛ لأن المراد بقوله ( ص ) :«لن تجزئ عن أحد بعدك » أي بعد حالك ؛ بمعنى : أن من جرى له مثله فإنها تجزي عنه ؛ هكذا قرره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله - وهو ظاهر - ؛ وكذلك لا يشكل على هذا قصة سالم مولى أبي حذيفة الذي كان قد تبناه ؛ فلما أبطل الله التبني جاءت زوجة أبي حذيفة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم تستفتيه في سالم أنه كان يدخل عليها ؛ يعني : وكأنه أحد أبنائها ؛ فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم :«أرضعيه تحرمي عليه »(٢) ؛ فإنه ليس خاصاً به ؛ بل لو جرى لأحد مثل ما جرى لسالم لحكمنا له بمثل ما حكم به النبي صلى الله عليه وسلم لسالم ؛ لكن هذا لا يمكن بعد نسخ التبني ؛ إذ لا يمكن أحداً أن يتبنى ؛ وعلى هذا فالصورة التي تلحق بقصة سالم ممتنعة.
٤ ومنها : أنه يشرع أن يستغفر الله عزّ وجلّ في آخر العبادات ؛ لقوله تعالى :﴿واستغفروا الله﴾.
٥ ومنها : إثبات اسمين من أسماء الله ؛ وهما :«الغفور »، و «الرحيم » ؛ وإثبات ما تضمناه من الصفة ؛ وهي المغفرة، والرحمة ؛ وإثبات ما تضمناه من الحكم بمقتضاهما ؛ وهو أنه يغفر ويرحم كما قال تعالى :﴿يعذب من يشاء ويرحم من يشاء﴾ [العنكبوت: ٢١]، وقال تعالى :﴿ومن يغفر الذنوب إلا الله﴾ [آل عمران: ١٣٥].
٦ ومنها : قرن الحكم بالعلة ؛ لقوله تعالى :﴿واستغفروا الله إن الله غفور رحيم﴾ ؛ وقرن الحكم بالعلة في مثل هذا يفيد الإقدام، والنشاط على استغفار الله عزّ وجلّ.
١ أخرجه البخاري ص٧٥، كتاب العيدين، باب ٥: الأكل يوم النحر، حديث رقم ٩٥٥، وأخرجه مسلم ص١٠٢٧ – ١٠٢٨، كتاب الأضاحي، باب ١: وقتها، حديث رقم ٥٠٧٠ [٥] ١٩٦١..
٢ أخرجه مسلم ص٩٢٣، كتاب الرضاع، باب ٧: رضاعة الكبير، حديث رقم ٣٦٠٢ [٢٨] ١٤٥٣، وأصله في البخاري..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى