البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي
عن الكتاب
﴿ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس﴾ صح عن عائشة قالت : كان الحمس هم الذين أنزل الله تعالى فيهم :﴿ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس﴾ رجعوا إلى عرفات، وفي ( الجامع ) للترمذي عن عائشة قالت : كانت قريش ومن على دينها، وهم الحمس، يقفون بالمزدلفة، يقولون : نحن قطان الله، وكان من سواهم يقفون بعرفة، فأنزل الله :﴿ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس﴾ قال أبو عيسى : هذا حديث حسن صحيح.
وروى محمد بن جبير بن مطعم، عن أبيه، قال : خرجت في طلب بعير بعرفة، فرأيت رسول الله ﷺ قائماً بعرفة مع الناس قبل أن يبعث، فقلت : والله إن هذا من الحمس، فما شأنه واقفاً هاهنا مع الناس ؟ وكان وقوف رسول الله ﷺ بعرفة إلهاماً من الله تعالى وتوفيقاً إلى ما هو شرع الله ومراده، وكانت قريش قد ابتدعت أشياء : لا يأقطون الأقط، ولا يسلون السمن وهم محرمون، ولا يدخلون بيتاً من شعر، ولا يستظلون إلاّ في بيوت الأدم، ولا يأكلون حتى يخرجوا إلى الحل وهم حرم، ولا يطوف القادم إلى البيت إلاّ في ثياب الحمس، ومن لم يجد ذلك طاف عرياناً، فإن طاف بثيابه ألقاها فلا يأخذها أبداً، لا هو ولا غيره، وتسمي العرب تلك الثياب : اللقى، وسمحوا للمرأة أن تطوف وعليها درعها، وكانت قبل تطوف عريانة، وعلى فرجها نسعة، حتى قالت امرأة منهم :
اليوم يبدو بعضه أو كله***
وما بدا منه فلا أحله
فلما أنزل الله ﴿ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس﴾ وأنزل :﴿خذوا زينتكم عند كل مسجد وكلوا واشربوا ولا تسرفوا﴾ أباح لهم ما حرموا على أنفسهم من الوقوف بعرفة، ومن الأكل والشرب واللباس، فعلى هذا الذي نقل من سبب النزول، فيكون المخاطبون بالإفاضة هنا قريشاً وحلفاءها، ومن دان بدينها، وهم الحمس.
وهذا قول الجمهور.
وقيل : الخطاب عام لقريش وغيرها.
والإفاضة المأمور بها هي من عرفات، إلاَّ أن : ثم، على هذا، تخرج عن أصل موضوعها العربي من أنها تقتضي التراخي في زمان الفعل السابق، وقد قال :﴿فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله عند المسجد الحرام واذكروه كما هداكم ثم أفيضوا﴾ الإفاضة قد تقدمّت، وأمروا بالذكر إذا أفاضوا، فكيف يؤمر بها بعد ذلك بثم التي تقتضي التراخي في الزمان ؟ وأجيب عن هذا بوجوه.
أحدهما : أن ذلك من الترتيب الذي في الذكر، لا من الترتيب في الزمان الواقع فيه الأفعال، وحسن هذا أن الإفاضة السابقة لم يكن مأموراً بها، إنما كان المأمور به ذكر الله إذا فعلت، والأمر بالذكر عند فعلها لا يدل على الأمر بها، ألا ترى أنك تقول : إذ ضربك زيد فاضربه ؟ فلا يكون زيداً مأموراً بالضرب، فكأنه قيل : ثم لتكن تلك الإفاضة من عرفات لا من المزدلفة كما تفعله الحمس، وزعم بعضهم أن : ثم، هنا بمعنى الواو، لا تدل على ترتيب، كأنه قال : وأفيضوا من حيث أفاض الناس، فهي لعطف كلام على كلام مقتطع من الأول، وقد جوّز بعض النحويين أن : ثم، تأتي بمعنى الواو، فلا ترتيب.
وقد حمل بعض الناس : ثم، هنا على أصلها من الترتيب بأن جعل في الكلام تقديماً وتأخيراً، فجعل :﴿ثم أفيضوا﴾ معطوفاً على قوله :﴿واتقون يا أولي الألباب﴾ كأنه قيل : ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس، واستغفروا الله إن الله غفور رحيم، ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلاً من ربكم، فإذا أفضتم من عرفات، وعلى هذا تكون هذه الإفاضة المشروط بها، تلك الإفاضة المأمور بها، لكن التقديم والتأخير هو مما يختص بالضرورة، وننزه القرآن عن حمله عليه، وقد أمكن ذلك بجعل : ثم، للترتيب في الذكر لا في الفعل الواقع بالنسبة للزمان، أو بجعل الإفاضة المأمور بها هنا غير الإفاضة المشروط بها، وتكون هذه الإفاضة من جمع إلى منى، والمخاطبون بقوله ﴿ثم أفيضوا﴾ جميع المسلمين، وقد قال بهذا : الضحاك، وقوم معه، ورجحه الطبري، وهو يقتضيه ظاهر القرآن.
وقال الزمخشري فإن قلت : فكيف موقع : ثم ؟ قلت : نحو موقعها في قولك : أحسن إلى الناس ثم لا تحسن إلى غير كريم، يأتي : ثم، لتفاوت ما بين الإحسان إلى الكريم، والإحسان إلى غيره وبعد ما بينهما، فكذلك حين أمرهم بالذكر عند الإفاضة من عرفات، قال : ثم أفيضوا، التفاوت ما بين الإفاضتين، وأن احدهما صواب والثانية خطأ.
انتهى كلامه.
وليست الآية كالمثال الذي مثله، وحاصل ما ذكر أن : ثم، تسلب الترتيب، وأنها لها معنى غيره سماه بالتفاوت والبعد لما بعدها مما قبلها، ولم يجز في الآية أيضاً ذكر الإفاضة الخطأ فيكون : ثم، في قوله : ثم أفيضوا، جاءت لبعد ما بين الإفاضتين وتفاوتهما، ولا نعلم أحداً سبقه إلى اثبات هذا المعنى لثم.
و : مِنْ حيث، متعلق : بأفيضوا، و : مِنْ، لابتداء الغاية، و : حيث، هنا على أصلها من كونها ظرف مكان، وقال القفال : من حيث أفاض الناس، عبارة عن زمان الإفاضة من عرفة، ولا حاجة إلى إخراج حيث عن موضوعها الأصلي، وكأنه رام أن يغاير بذلك بين الإفاضتين، لأن الأولى في المكان، والثانية في الزمان، ولا تغاير، لأن كلاًّ منهما يقتضي الآخر ويدل عليه، فهما متلازمان.
أعني : مكان الإفاضة من عرفات، وزمانها.
فلا يحصل بذلك جواب عن مجيء العطف بثم.
و : الناس، ظاهره العموم في المفيضين، ومعناه أنه الأمر القديم الذي عليه الناس، كما تقول : هذا مما يفعله الناس، أي عادتهم ذلك، وقيل : الناس أهل اليمن وربيعة، وقيل : جميع العرب دون الحمس، وقيل : الناس إبراهيم ومن أفاض معه من أبنائه والمؤمنين به، وقيل : إبراهيم وحده، وقيل : آدم وحده، وهو قول الزهري لأنه أبو الناس وهم أولاده وأتباعه، والعرب تخاطب الرجل العظيم الذي له أتباع مخاطبة الجمع، وكذلك من له صفات كثيرة، ومنه قوله :
فأنت الناس إذ فيك الذي قد***
حواه الناس من وصف جميل
ويؤيده قراءة ابن جبير : من حيث أفاض الناس، بالياء من قوله :﴿ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي﴾ وإطلاق الناس على : واحد من الناس هو خلاف الأصل، وقد رجح هذا بأن قوله :﴿من حيث أفاض الناس﴾ هو فعل ماض يدل على فاعل متقدم، والإفاضة إنما صدرت من آدم وإبراهيم، ولا يلزم هذا الترجيح، لأن : حيث، إذا أضيفت إلى جملة مصدرة بماض جاز أن يراد بالماضي حقيقته، كقوله تعالى :﴿فأتوهنّ من حيث أمركم الله﴾ وتارة يراد به المستقبل، كقوله تعالى ﴿ومن حيث خرجت فول وجهك﴾ وهذا معروف في حيث، فلا يلزم ما ذكره.
وعلى تسليم أنه فعل ماض، وأنه يدل على فاعل متقدم لا يلزم من ذلك أن يكون فاعله واحداً لأنه قبل صدور هذا الأمر بالإضافة كان إما جميع من أفاض قبل تغيير قريش ذلك، وإما غير قريش بعد تغييرهم من سائر من حج من العرب، فالأولى حمل الناس على جنس المفيضين العام، أو على جنسهم الخاص.
وقد رجح قول من قال بأنهم أهل اليمن وربيعة بحج أبي بكر بالناس، حين أمره رسول الله ﷺ، وأمره أن يخرج بالناس إلى عرفات فيقف بها، فإذا غربت الشمس أفاض بالناس حتى يأتى بهم جميعاً، فيبيت بها، فتوجه أبو بكر إلى عرفات، فمر بالحمس وهم وقوف بجمع، فلما ذهب ليجاوزهم قالت له الحمس : يا أبا بكر : أين تجاوزنا إلى غيرنا ؟ هذا موقف آبائك ! فمضى أبو بكر كما أمره رسول الله ﷺ حتى أتى عرفات، وبها أهل اليمن وربيعة.
وهذا تأويل قوله :﴿من حيث أفاض الناس﴾ فوقف بها حتى غربت الشمس، ثم أفاض بالناس إلى المشعر الحرام، فوقف بها، فلما كان عند طلوع الشمس أفاض منه.
وقراءة ابن جبير : من حيث أفاض الناسي، بالياء، قراءة شاذة، وفيها تنبيه على أن الإفاضة من عرفات شرع قديم، وفيها تذكير يذكر عهد الله وأن لا ينسى، وقد ذكرنا أنه يؤول على أن المراد بالناسي آدم عليه السلام، ويحتمل أن يكون الناسي في قراءة سعيد معناه التارك، أي : للوقوف بمزدلفة، أو لا، ويكون يراد به الجنس، إذ الناسي يراد به التارك للشيء، فكأن المعنى، والله أعلم : أنهم أمروا بأن يفيضوا من الجهة التي يفيض منها من ترك الإفاضة من المزدلفة، وأفاض من عرفات، ويكون الناسي يراد به الجنس، فيكون موافقاً من حيث المعنى لقراءة الجمهور، لأن الناس الذين أمرنا بالإفاضة من حيث أفاضوا، هم التاركون للوقوف بمزدلفة، والجاعلون الإفاضة من عرفات على سنن من سن الحج، وهو إبراهيم عليه السلام، بخلاف قريش، فإنهم جعلوا الإفاضة من المزدلفة، ولم يكونوا ليقفوا بعرفات فيفيضوا منها.
قال ابن عطية : ويجوز عند بعضهم حذف الياء، فيقول : الناسِ، كالقاضِ والهادِ، قال : أما جوازه في العربية فذكره سيبويه، وأما كون جوازه مقروءاً به فلا أحفظه.
انتهى كلامه.
فقوله : أما جوازه في العربية فذكره سيبويه، ظاهر كلام ابن عطية أن ذلك جائز مطلقاً، ولم يجزه سيبويه إلاّ في الشعر، وأجازه الفرّاء في الكلام.
وأما قوله : وأما جوازه مقروءاً به فلا أحفظه، فكونه لا يحفظه قد حفظه غيره.
قال أبو العباس المهدوي : أفاض الناسي بسعيد بن جبير، وعنه أيضاً : الناسِ بالكسر من غير ياء.
انتهى قول أبي العباس المهدوي.
﴿واستغفروا الله﴾ أمرهم بالاستغفار في مواطن مظنة القبول، وأماكن الرحمة، وهو طلب الغفران من الله باللسان مع التوبة بالقلب، إذ الاستغفار باللسان دون التوبة بالقلب غير نافع، وأمروا بالاستغفار، وإن كان فيهم من لم يذنب، كمن بلغ قبيل الإحرام ولم يقارف ذنباً وأحرم، فيكون الاستغفار من مثل هذا لأجل أنه ربما صدر منه تقصير في أداء الواجبات والاحتراز من المحظورات، وظاهر هذا الأمر أنه ليس طلب غفران من ذنب خاص، بل طلب غفران الذنوب، وقيل : إنه أمر بطلب غفران خاص، والتقدير : واستغفروا الله مما كان من مخالفتكم في الوقوف والإفاضة، فإنه غفور لكم، رحيم فيما فرطتم فيه في حلكم وإحرامكم، وفي سفركم ومقامكم.
وفي الأمر بالاستغفار عقب الإفاضة، أو معها، دليل على أن ذلك الوقت، وذلك المكان المفاض منه، والمذهوب إليه من أزمان الإجابة وأماكنها، والرحمة والمغفرة.
وقد روي أنه ﷺ خطب عشية عرفة فقال :« أيها الناس ! إن الله تعالى تطاول عليكم في مقامكم، فقبل من محسنكم ووهب مسيئكم لمحسنكم، إلاَّ التبعات فيما بينكم، فامضوا على اسم الله »
فلما كان غداة جمع خطب فقال :« أيها الناس ! إن الله قد تطاول عليكم، فعوّض التبعات من عنده »
وأخرج أبو عمرو بن عبد البر في ( التمهيد ) ثلاثة أحاديث تدل على أن الله تعالى يباهي بحجاج بيته ملائكته، وأنه يغفر لهم ما سلف من ذنوبهم، وأنه ضمن عنهم التبعات.
و : استغفر، يتعدى لاثنين، الثاني منهما بحرف الجر، وهو من : فعول، استغفرت الله من الذنب، وهو الأصل، ويجوز أن تحذف : من، كما قال الشاعر :
أستغفر الله ذنباً لست محصيه***
رب العباد إليه الوجه والعمل
تقديره : من ذنب، وذهب أبو الحسن بن الطراوة إلى أن : استغفر، يتعدى بنفسها إلى مفعولين صريحين، وأن قولهم : استغفر الله من الذنب، إنما جاء على سبيل التضمين، كأنه قال : تبت إلى الله من الذنب، وهو محجوج بقول سيبويه، ونقله ع
وروى محمد بن جبير بن مطعم، عن أبيه، قال : خرجت في طلب بعير بعرفة، فرأيت رسول الله ﷺ قائماً بعرفة مع الناس قبل أن يبعث، فقلت : والله إن هذا من الحمس، فما شأنه واقفاً هاهنا مع الناس ؟ وكان وقوف رسول الله ﷺ بعرفة إلهاماً من الله تعالى وتوفيقاً إلى ما هو شرع الله ومراده، وكانت قريش قد ابتدعت أشياء : لا يأقطون الأقط، ولا يسلون السمن وهم محرمون، ولا يدخلون بيتاً من شعر، ولا يستظلون إلاّ في بيوت الأدم، ولا يأكلون حتى يخرجوا إلى الحل وهم حرم، ولا يطوف القادم إلى البيت إلاّ في ثياب الحمس، ومن لم يجد ذلك طاف عرياناً، فإن طاف بثيابه ألقاها فلا يأخذها أبداً، لا هو ولا غيره، وتسمي العرب تلك الثياب : اللقى، وسمحوا للمرأة أن تطوف وعليها درعها، وكانت قبل تطوف عريانة، وعلى فرجها نسعة، حتى قالت امرأة منهم :
اليوم يبدو بعضه أو كله***
وما بدا منه فلا أحله
فلما أنزل الله ﴿ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس﴾ وأنزل :﴿خذوا زينتكم عند كل مسجد وكلوا واشربوا ولا تسرفوا﴾ أباح لهم ما حرموا على أنفسهم من الوقوف بعرفة، ومن الأكل والشرب واللباس، فعلى هذا الذي نقل من سبب النزول، فيكون المخاطبون بالإفاضة هنا قريشاً وحلفاءها، ومن دان بدينها، وهم الحمس.
وهذا قول الجمهور.
وقيل : الخطاب عام لقريش وغيرها.
والإفاضة المأمور بها هي من عرفات، إلاَّ أن : ثم، على هذا، تخرج عن أصل موضوعها العربي من أنها تقتضي التراخي في زمان الفعل السابق، وقد قال :﴿فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله عند المسجد الحرام واذكروه كما هداكم ثم أفيضوا﴾ الإفاضة قد تقدمّت، وأمروا بالذكر إذا أفاضوا، فكيف يؤمر بها بعد ذلك بثم التي تقتضي التراخي في الزمان ؟ وأجيب عن هذا بوجوه.
أحدهما : أن ذلك من الترتيب الذي في الذكر، لا من الترتيب في الزمان الواقع فيه الأفعال، وحسن هذا أن الإفاضة السابقة لم يكن مأموراً بها، إنما كان المأمور به ذكر الله إذا فعلت، والأمر بالذكر عند فعلها لا يدل على الأمر بها، ألا ترى أنك تقول : إذ ضربك زيد فاضربه ؟ فلا يكون زيداً مأموراً بالضرب، فكأنه قيل : ثم لتكن تلك الإفاضة من عرفات لا من المزدلفة كما تفعله الحمس، وزعم بعضهم أن : ثم، هنا بمعنى الواو، لا تدل على ترتيب، كأنه قال : وأفيضوا من حيث أفاض الناس، فهي لعطف كلام على كلام مقتطع من الأول، وقد جوّز بعض النحويين أن : ثم، تأتي بمعنى الواو، فلا ترتيب.
وقد حمل بعض الناس : ثم، هنا على أصلها من الترتيب بأن جعل في الكلام تقديماً وتأخيراً، فجعل :﴿ثم أفيضوا﴾ معطوفاً على قوله :﴿واتقون يا أولي الألباب﴾ كأنه قيل : ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس، واستغفروا الله إن الله غفور رحيم، ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلاً من ربكم، فإذا أفضتم من عرفات، وعلى هذا تكون هذه الإفاضة المشروط بها، تلك الإفاضة المأمور بها، لكن التقديم والتأخير هو مما يختص بالضرورة، وننزه القرآن عن حمله عليه، وقد أمكن ذلك بجعل : ثم، للترتيب في الذكر لا في الفعل الواقع بالنسبة للزمان، أو بجعل الإفاضة المأمور بها هنا غير الإفاضة المشروط بها، وتكون هذه الإفاضة من جمع إلى منى، والمخاطبون بقوله ﴿ثم أفيضوا﴾ جميع المسلمين، وقد قال بهذا : الضحاك، وقوم معه، ورجحه الطبري، وهو يقتضيه ظاهر القرآن.
وقال الزمخشري فإن قلت : فكيف موقع : ثم ؟ قلت : نحو موقعها في قولك : أحسن إلى الناس ثم لا تحسن إلى غير كريم، يأتي : ثم، لتفاوت ما بين الإحسان إلى الكريم، والإحسان إلى غيره وبعد ما بينهما، فكذلك حين أمرهم بالذكر عند الإفاضة من عرفات، قال : ثم أفيضوا، التفاوت ما بين الإفاضتين، وأن احدهما صواب والثانية خطأ.
انتهى كلامه.
وليست الآية كالمثال الذي مثله، وحاصل ما ذكر أن : ثم، تسلب الترتيب، وأنها لها معنى غيره سماه بالتفاوت والبعد لما بعدها مما قبلها، ولم يجز في الآية أيضاً ذكر الإفاضة الخطأ فيكون : ثم، في قوله : ثم أفيضوا، جاءت لبعد ما بين الإفاضتين وتفاوتهما، ولا نعلم أحداً سبقه إلى اثبات هذا المعنى لثم.
و : مِنْ حيث، متعلق : بأفيضوا، و : مِنْ، لابتداء الغاية، و : حيث، هنا على أصلها من كونها ظرف مكان، وقال القفال : من حيث أفاض الناس، عبارة عن زمان الإفاضة من عرفة، ولا حاجة إلى إخراج حيث عن موضوعها الأصلي، وكأنه رام أن يغاير بذلك بين الإفاضتين، لأن الأولى في المكان، والثانية في الزمان، ولا تغاير، لأن كلاًّ منهما يقتضي الآخر ويدل عليه، فهما متلازمان.
أعني : مكان الإفاضة من عرفات، وزمانها.
فلا يحصل بذلك جواب عن مجيء العطف بثم.
و : الناس، ظاهره العموم في المفيضين، ومعناه أنه الأمر القديم الذي عليه الناس، كما تقول : هذا مما يفعله الناس، أي عادتهم ذلك، وقيل : الناس أهل اليمن وربيعة، وقيل : جميع العرب دون الحمس، وقيل : الناس إبراهيم ومن أفاض معه من أبنائه والمؤمنين به، وقيل : إبراهيم وحده، وقيل : آدم وحده، وهو قول الزهري لأنه أبو الناس وهم أولاده وأتباعه، والعرب تخاطب الرجل العظيم الذي له أتباع مخاطبة الجمع، وكذلك من له صفات كثيرة، ومنه قوله :
فأنت الناس إذ فيك الذي قد***
حواه الناس من وصف جميل
ويؤيده قراءة ابن جبير : من حيث أفاض الناس، بالياء من قوله :﴿ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي﴾ وإطلاق الناس على : واحد من الناس هو خلاف الأصل، وقد رجح هذا بأن قوله :﴿من حيث أفاض الناس﴾ هو فعل ماض يدل على فاعل متقدم، والإفاضة إنما صدرت من آدم وإبراهيم، ولا يلزم هذا الترجيح، لأن : حيث، إذا أضيفت إلى جملة مصدرة بماض جاز أن يراد بالماضي حقيقته، كقوله تعالى :﴿فأتوهنّ من حيث أمركم الله﴾ وتارة يراد به المستقبل، كقوله تعالى ﴿ومن حيث خرجت فول وجهك﴾ وهذا معروف في حيث، فلا يلزم ما ذكره.
وعلى تسليم أنه فعل ماض، وأنه يدل على فاعل متقدم لا يلزم من ذلك أن يكون فاعله واحداً لأنه قبل صدور هذا الأمر بالإضافة كان إما جميع من أفاض قبل تغيير قريش ذلك، وإما غير قريش بعد تغييرهم من سائر من حج من العرب، فالأولى حمل الناس على جنس المفيضين العام، أو على جنسهم الخاص.
وقد رجح قول من قال بأنهم أهل اليمن وربيعة بحج أبي بكر بالناس، حين أمره رسول الله ﷺ، وأمره أن يخرج بالناس إلى عرفات فيقف بها، فإذا غربت الشمس أفاض بالناس حتى يأتى بهم جميعاً، فيبيت بها، فتوجه أبو بكر إلى عرفات، فمر بالحمس وهم وقوف بجمع، فلما ذهب ليجاوزهم قالت له الحمس : يا أبا بكر : أين تجاوزنا إلى غيرنا ؟ هذا موقف آبائك ! فمضى أبو بكر كما أمره رسول الله ﷺ حتى أتى عرفات، وبها أهل اليمن وربيعة.
وهذا تأويل قوله :﴿من حيث أفاض الناس﴾ فوقف بها حتى غربت الشمس، ثم أفاض بالناس إلى المشعر الحرام، فوقف بها، فلما كان عند طلوع الشمس أفاض منه.
وقراءة ابن جبير : من حيث أفاض الناسي، بالياء، قراءة شاذة، وفيها تنبيه على أن الإفاضة من عرفات شرع قديم، وفيها تذكير يذكر عهد الله وأن لا ينسى، وقد ذكرنا أنه يؤول على أن المراد بالناسي آدم عليه السلام، ويحتمل أن يكون الناسي في قراءة سعيد معناه التارك، أي : للوقوف بمزدلفة، أو لا، ويكون يراد به الجنس، إذ الناسي يراد به التارك للشيء، فكأن المعنى، والله أعلم : أنهم أمروا بأن يفيضوا من الجهة التي يفيض منها من ترك الإفاضة من المزدلفة، وأفاض من عرفات، ويكون الناسي يراد به الجنس، فيكون موافقاً من حيث المعنى لقراءة الجمهور، لأن الناس الذين أمرنا بالإفاضة من حيث أفاضوا، هم التاركون للوقوف بمزدلفة، والجاعلون الإفاضة من عرفات على سنن من سن الحج، وهو إبراهيم عليه السلام، بخلاف قريش، فإنهم جعلوا الإفاضة من المزدلفة، ولم يكونوا ليقفوا بعرفات فيفيضوا منها.
قال ابن عطية : ويجوز عند بعضهم حذف الياء، فيقول : الناسِ، كالقاضِ والهادِ، قال : أما جوازه في العربية فذكره سيبويه، وأما كون جوازه مقروءاً به فلا أحفظه.
انتهى كلامه.
فقوله : أما جوازه في العربية فذكره سيبويه، ظاهر كلام ابن عطية أن ذلك جائز مطلقاً، ولم يجزه سيبويه إلاّ في الشعر، وأجازه الفرّاء في الكلام.
وأما قوله : وأما جوازه مقروءاً به فلا أحفظه، فكونه لا يحفظه قد حفظه غيره.
قال أبو العباس المهدوي : أفاض الناسي بسعيد بن جبير، وعنه أيضاً : الناسِ بالكسر من غير ياء.
انتهى قول أبي العباس المهدوي.
﴿واستغفروا الله﴾ أمرهم بالاستغفار في مواطن مظنة القبول، وأماكن الرحمة، وهو طلب الغفران من الله باللسان مع التوبة بالقلب، إذ الاستغفار باللسان دون التوبة بالقلب غير نافع، وأمروا بالاستغفار، وإن كان فيهم من لم يذنب، كمن بلغ قبيل الإحرام ولم يقارف ذنباً وأحرم، فيكون الاستغفار من مثل هذا لأجل أنه ربما صدر منه تقصير في أداء الواجبات والاحتراز من المحظورات، وظاهر هذا الأمر أنه ليس طلب غفران من ذنب خاص، بل طلب غفران الذنوب، وقيل : إنه أمر بطلب غفران خاص، والتقدير : واستغفروا الله مما كان من مخالفتكم في الوقوف والإفاضة، فإنه غفور لكم، رحيم فيما فرطتم فيه في حلكم وإحرامكم، وفي سفركم ومقامكم.
وفي الأمر بالاستغفار عقب الإفاضة، أو معها، دليل على أن ذلك الوقت، وذلك المكان المفاض منه، والمذهوب إليه من أزمان الإجابة وأماكنها، والرحمة والمغفرة.
وقد روي أنه ﷺ خطب عشية عرفة فقال :« أيها الناس ! إن الله تعالى تطاول عليكم في مقامكم، فقبل من محسنكم ووهب مسيئكم لمحسنكم، إلاَّ التبعات فيما بينكم، فامضوا على اسم الله »
فلما كان غداة جمع خطب فقال :« أيها الناس ! إن الله قد تطاول عليكم، فعوّض التبعات من عنده »
وأخرج أبو عمرو بن عبد البر في ( التمهيد ) ثلاثة أحاديث تدل على أن الله تعالى يباهي بحجاج بيته ملائكته، وأنه يغفر لهم ما سلف من ذنوبهم، وأنه ضمن عنهم التبعات.
و : استغفر، يتعدى لاثنين، الثاني منهما بحرف الجر، وهو من : فعول، استغفرت الله من الذنب، وهو الأصل، ويجوز أن تحذف : من، كما قال الشاعر :
أستغفر الله ذنباً لست محصيه***
رب العباد إليه الوجه والعمل
تقديره : من ذنب، وذهب أبو الحسن بن الطراوة إلى أن : استغفر، يتعدى بنفسها إلى مفعولين صريحين، وأن قولهم : استغفر الله من الذنب، إنما جاء على سبيل التضمين، كأنه قال : تبت إلى الله من الذنب، وهو محجوج بقول سيبويه، ونقله ع