زاد المسير في علم التفسير — ابن الجوزي

عن الكتاب
قوله تعالى :﴿ثُمَّ أَفِيضُواْ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ قالت عائشة : كانت قريش ومن يدين بدينها، وهم الحمس، يقفون عشية عرفة بالمزدلفة، يقولون : نحن قطن البيت، وكان بقية العرب والناس يقفون بعرفات، فنزلت هذه الآية. قال الزجاج : سموا الحمس لأنهم تحمسوا في دينهم، أي : تشددوا. والحماسة : الشدة في كل شيء.
وفي المراد بالناس هاهنا أربعة أقوال : أحدها : أنهم جميع العرب غير الحمس، ويدل عليه حديث عائشة، وهو قول عروة، ومجاهد، وقتادة. والثاني : أن المراد بالناس هاهنا : إبراهيم الخليل، عليه السلام، قاله الضحاك بن مزاحم. والثالث : أن المراد بالناس آدم، قاله الزهري. وقد قرأ أبو المتوكل، وأبو نهيك، ومورق : العجلي :" الناسي " بإثبات الياء. والرابع : أنهم أهل اليمن وربيعة، فإنهم كانوا يفيضون من عرفات، قاله مقاتل.
وفي المخاطبين بذلك قولان : أحدهما : أنه خطاب لقريش، وهو قول الجمهور. والثاني : أنه خطاب لجميع المسلمين، وهو يخرج على قول من قال : الناس آدم، أو إبراهيم. والإفاضة هاهنا على ما يقتضيه ظاهر اللفظ : هي الإفاضة من المزدلفة إلى منى صبيحة النحر، إلا أن جمهور المفسرين على أنها الإفاضة من عرفات، فظاهر الكلام لا يقتضي ذلك، كيف يقال :﴿فَإِذَا أَفَضْتُم مّنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُواْ اللَّهَ﴾ ثم أفيضوا من عرفات ؟ ! غير أني أقول : وجه الكلام على ما قال أهل التفسير : أن فيه تقديما وتأخيرا، تقديره : ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس، فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله.
و﴿الغفور﴾ : من أسماء الله، عز وجل وهو من قولك : غفرت الشيء : إذا غطيته، فكأن الغفور هو الساتر لعبده برحمته، أو الساتر لذنوب عباده. والغفور : هو الذي يكثر المغفرة، لأن بناء المفعول للمبالغة من الكثرة، كقولك : صبور، وضروب، وأكول.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى