محاسن التأويل — جمال الدين القاسمي

عن الكتاب
﴿ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس واستغفروا الله إن الله غفور رحيم ١٩٩﴾.
﴿ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس﴾ أي : من عرفة لا من المزدلفة. وفي الخطاب وجهان :
أحدهما : أنه قريش. وذلك لما كانوا عليه من الترفع على الناس والتعالي عليهم، وتعظّمهم عن أن يساووهم في الموقف، وقولهم : نحن أهل الله، وقطّان حرمه، فلا نخرج منه فيقفون بجمع، وسائر الناس بعرفات.
وقد روى البخاري(١) عن عائشة رضي الله عنها قالت :( كانت قريش ومن دان دينها يقفون بالمزدلفة، وكانوا يسمّون الحمس، وكان سائر العرب يقفون بعرفات ؛ فلما جاء الإسلام أمر الله نبيه ﷺ أن يأتي عرفات، ثم يقف بها، ثم يُفيض منها، فذلك قوله تعالى :﴿ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس﴾ ).
وثانيهما : أنه أمر لجميع الناس أن يفيضوا من حيث أفاض الناس يعني : إبراهيم عليه السلام.
قال الراغب : وسماه الناس لأن ( الناس ) يستعمل على ضربين : أحدهما للنوع من غير / اعتبار مدح وذم، والثاني المدح اعتبارا بوجود تمام الصورة المختصة بالإنسانية، وليس ذلك في هذه اللفظة، بل في اسم كل جنس ونوع نحو : هذه فرس وفلان رجل، وليس هذا بفرس ولا فلان برجل أي : ليس فيه معناه المختص بنوعه. وبهذا النظر نفي السمع والبصر عن الكفار ؛ فعلى هذا سُمّي إبراهيم ( الناس ) على سبيل المدح وهو أن الواحد يسمى باسم الجماعة تنبيها على أنه يقوم مقامهم في الحكم وعلى هذا قول الشاعر :
وليس على الله بمستنكرأن يجمع العالم في واحد.. !
وعلى هذا قال :﴿إن إبراهيم كان أمّة﴾ (٢) اه.
فإن قيل : ما معنى كلمة ﴿ثم﴾ فإنها تستلزم تراخي الشيء عن نفسه، سواء عطف على مجموع الشرط والجزاء، أو الجزاء فقط.. ؟
فالجواب : إن كلمة ﴿ثم﴾ ليست للتراخي، بل مستعارة للتفاوت بين الإفاضتين أي : الإفاضة من عرفات والإفاضة من مزدلفة والبعد بينهما بأن أحدهما صواب والآخر خطأ.
قال التفتازاني : لما كان المقصود من قوله تعالى :﴿ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس﴾ المعنى التعريضيّ، كان معناه : ثم لا تفيضوا من مزدلفة. والمقصود من إيراد كلمة ﴿ثم﴾ التفاوت بين الإفاضتين في الرتبة بأن إحداهما صواب والأخرى خطأ.
وأجاب بعضهم بأن ﴿ثم﴾ بمعنى الواو.
﴿واستغفروا الله﴾ عما سلف من المعاصي ﴿إن الله غفور رحيم﴾.
قال ابن كثير عليه الرحمة : كثيرا ما يأمر الله بذكره بعد قضاء العبادات. ولهذا ثبت في ( صحيح مسلم ) (٣) :( أن رسول الله ﷺ كان إذا فرغ من الصلاة يستغفر الله ثلاثا / وثلاثين ). وفي ( الصحيحين ) (٤) :( أنه ندب إلى التسبيح والتحميد والتكبير ثلاثا وثلاثين ). وقد روى ابن جرير ههنا حديث(٥) عباس بن مرداس السلمي في استغفاره ﷺ لأمته عشية عرفة.
١ أخرجه البخاري في: ٦٥- كتاب التفسير، ٢ ـ سورة البقرة، ٣٥ ـ باب ﴿ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس﴾، حديث ٨٦٧..
٢ [١٦/ النحل/ ١٢٠] ونصها: ﴿إن إبراهيم كان أمة قانتا لله حنيفا ولم يك من المشركين ١٢٠﴾..
٣ أخرجه مسلم في: ٥ ـ كتاب المساجد ومواضع الصلاة، حديث ١٣٥ (طبعتنا).
ونصه: عن ثوبان قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذا انصرف من صلاته، استغفر الله ثلاثا وقال: (اللهم! أنت السلام ومنك السلام. تباركت يا ذا الجلال والإكرام)..

٤ أخرجه البخاري في: ١٠ ـ كتاب الأذان، ١٥٥ ـ باب الذكر بعد الصلاة، حديث ٤٩٩. ونصه: عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: (جاء الفقراء إلى النبي ﷺ فقالوا: ذهب أهل الدثور من الأموال بالدرجات العلى والنعيم المقيم. يصلون كما نصلي، ويصومون كما نصوم، ولهم فضل من أموال يحجون بها ويعتمرون، ويجاهدون ويتصدقون.
قال: ألا أحدثكم بأمر إن أخذتم به أدركتم من سبقكم، ولم يدرككم أحد بعدكم. وكنتم خير من أنتم بين ظهرانيه. إلا من عمل مثله: تسبحون وتحمدون وتكبّرون خلف كل صلاة ثلاثا وثلاثين.
فاختلفنا بيننا. فقال بعضنا: نسبح ثلاثا وثلاثين ونحمد ثلاثا وثلاثين ونكبر أربعا وثلاثين.
فرجعت إليه فقال: تقول: سبحان الله والحمد لله والله أكبر. حتى يكون منهن كلهن ثلاثا وثلاثين).
وأخرجه مسلم في: ٥ ـ كتاب المساجد ومواضع الصلاة، حديث ١٤٢ (طبعتنا)..

٥ انظر الصفحة ١٩٢ من الجزء الرابع من تفسير ابن جرير، حديث رقم ٣٨٤٣ (طبعة المعارف)..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى