البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي
عن الكتاب
﴿ومنهم من يقول ربنا آتنا في الدنيا حسنة﴾ الحسنة : مطلقة، والمعنى : أنهم سألوا الله في الدنيا الحالة الحسنة، وقد مثل المفسرون ذلك بأنها المرأة الصالحة، قاله علي.
أو : العافية في الصحة وكفاف المال، قاله قتادة.
أو : العلم، أو العبادة، قاله الحسن.
أو : المال، قاله السدي، وأبو وائل، وابن زيد.
أو : الرزق الواسع، قاله مقاتل.
أو : النعمة في الدنيا، قاله : ابن قتيبة، أو القناعة بالرزق، أو : التوفيق والعصمة، أو : الأولاد الأبرار، أو : الثبات على الإيمان، أو : حلاوة الطاعة، أو : اتباع السنة، أو : ثناء الخلق، أو : الصحة والأمن والكفاءة والنصرة على الأعداء، أو : الفهم في كتاب الله تعالى.
أو : صحبة الصالحين، قاله جعفر.
وعن الصوفية في ذلك مثل كثيرة.
﴿وفي الآخرة حسنة﴾ مثلوا حسنة الآخرة بأنها الجنة، أو العفو والمغفرة والسلامة من هول الموقف وسوء الحساب، أو النعمة، أو الحور العين، أو تيسير الحساب، أو مرافقة الأنبياء، أو لذة الرؤية، أو الرضا، أو اللقاء.
وقال ابن عطية : هي الحسنة بإجماع.
قيل : وينبغي أن تكون الحسنتان هما العافية في الدنيا والآخرة لثبوت ذلك في حديث الذي زاره رسول الله ﷺ وقد صار مثل الفرخ، وأنه سأله عما كان يدعو به، فأخبره أنه سأل الله في الدنيا تعجيل ما يعاقبه به في الآخرة، وأنه قال له :«لا تستطيعه » وقال :«هلا قلت اللهم آتنا في الدنيا***
» إلى آخره.
فدعا بهما الله تعالى فشفاه.
وصح أن رسول الله ﷺ أكثر ما كان يدعو به، وكان يقول ذلك فيما بين الركن والحجر الأسود، وكان يأمر أن يكون أكثر دعاء المسلم في الموقف.
وأبو بكر أول من قالها في الموسم عام الفتح، ثم اتبعه علي، والناس أجمعون ؛ وأنس سئل الدعاء فدعا بها، ثم سئل الزيادة فأعادها، ثم سئل الزيادة فقال : ما تريدون ؟ قد سألت الله خير الدنيا والآخرة.
﴿وفي الآخرة حسنة﴾ : الواو فيها لعطف شيئين على شيئين، فعطفت في الأخرة حسنة، على : الدنيا حسنة، والحرف قد يعطف شيئين فأكثر على شيئين فأكثر، تقول : أعلمت زيداً أخاك منطلقاً وعمراً أباه مقيماً، إلاَّ إن ناب عن عاملين ففيه خلاف، وفي الجواز تفصيل.
وليس هذا من الفصل بين حرف العطف والمعطوف بالظرف والمجرور كما ظن بعضهم، فأجاز ذلك مستدلاً به على ضعف مذهب الفارسي في أن ذلك مخصوص بالشعر، لأن الآية ليست من هذا الباب، بل من عطف شيئين فأكثر على شيئين فأكثر، وإنما الذي وقع فيه خلاف أبي علي هو : ضربت زيداً وفي الدار عمراً، وإنما يستدل على ضعف مذهب أبي علي بقوله تعالى :﴿الله الذي خلق سبع سموات ومن الأرض مثلهن﴾ وبقوله :﴿إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل﴾ وتمام الكلام على هذه المسألة مذكور في علم النحو.
﴿وقنا عذاب النار﴾ هو سؤال بالوقاية من النار، وهو : أن لا يدخلوها، وهي نار جهنم، وقيل : المرأة السوء الكثيرة الشر.
وقال القيثري : واللام في النار لام الجنس، فتحصل الاستعاذة عن نيران الحرقة ونيران الفرقة. انتهى.
وظاهر هذا الدعاء أنه لما كان قولهم : وفي الآخرة حسنة، يقتضي أن من دخل الجنة، ولو آخر الناس، صدق عليه أنه : أوتي في الآخرة حسنة، قد دعوا الله تعالى أن يكونوا مع دخول الجنة يقيهم عذاب النار، فكأنه دعاء بدخول الجنة أولاً دون عذاب، وأنهم لا يكونون ممن يدخل النار بمعاصيهم ويخرجون منا بالشفاعة.
ويحتمل أن يكون مؤكداً لطلب دخول الجنة، كما قال بعض الصحابة.
إنما أقول في دعائي : اللهم أدخلني الجنة، وعافني من النار، ولا أدري ما دندنتك ولا دندنة معاذ.
فقال رسول الله ﷺ :«حولها ندندن ».
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: وقد تضمنت هذه الآيات الشريفة : أن الحج له أشهر معلومات، وجمعها على أشهر لقلتها، وهي : شوال، وذو القعدة، وذو الحجة.
بكمالها، على ما يقتضيه ظاهر الجمع، ووصفها : بمعلومات، لعلمهم بها.
وأخبر تعالى أن من ألزم نفسه الحج فيها فلا يرفت ولا يفسق ولا يجادل، فنهاه عن مفسد الحج مما كان جائزاً قبله، وما كان غير جائز مطلقاً ليسوي بين التحريمين، وإن كان أحدهما مؤقتاً، والآخر ليس بمؤقت.
ثم لما نهى عن هذه المفسدات، أخبر تعالى أن ما يفعله الأنسان من الخير الذي فرض الحج منه يعلمه الله، فهو تعالى يثيب عليه.
ثم أمر تعالى بالتزوّد للدّار الآخرة بأعمال الطاعات، ودخل فيها ما هم ملتبسون به من الحج، وأخبر أن خير الزاد هو ما كان وقاية بينك وبين النار، ثم نادى ذوي العقول، الذين هم أهل الخطاب، وأمرهم باتقاء عقابه، لأنه قد تقدّم ذكر المناهي، فناسب أن ينتهوا على اتقاء عذاب الله بالمخالفة فيما نهى عنه.
ثم أنه لما كان الحاج مشغولاً بهذه العبادة الشاقة، ملتبساً بأقوالها وأفعالها، كان مما يتوهم أنها لا يمزج وقتها بشيء غير أفعالها، فبين تعالى أنه لا حرج على من ابتغى فيها فضلاً بتجارة، أو اجارة، أو غير ذلك من الأعمال المعينة على كلف الدنيا، ثم أمرهم تعالى بذكره عند المشعر الحرام إذا أفاضوا من عرفات، ليرجعهم بذكره إلى الاشتغال بأفعال الحج، لئلا يستغرقهم التعلق بالتجارات والمكاسب، ثم أمرهم بالذكر على هدايته التي منحها إياهم، وقد كانوا قبل في ضلال، فاصطفاهم للهداية.
ثم أمرهم بأن يفيضوا من حيث أفاض الناس، وهي التي جرت عادة الناس بأن يفيضوا منها، وذلك المكان هو عرفة، والمعنى أنهم أمروا أن يكونوا تلك الإِفاضة السابقة من عرفة لا من غيرها، كما ذكر في سبب النزول.
وأتى بثم لا لترتيب في الزمان، بل للترتيب في الذكر، لا في الوقوع.
ثم أمر بالاستغفار، ثم أمر بعد أداء المناسك بذكر الله تعالى، ولما كان الإِنسان كثيراً ما يذكر أباه ويثني عليه بما أسلفه من كريم المآثر، وكان ذلك عندهم الغاية في الذكر، مثل ذكر الله بذلك الذكر، ثم أكد مطلوبية المبالغة في الذكر بقوله : أو أشدّ، ليفهم أن ما مثل به أولاً ليس إلاّ على طريق ضرب المثل لهم ؛ والمقصود أن لا يغفلوا عن ذكر الله تعالى طرفة عين.
ثم قسم مقصد الحاج إلى دنيويّ صرف، وإلى دنيويّ وأخروي، وبيّن ذلك في سؤاله، إياه وذكر أن من اقتصر على دنياه فإنه لا حظ له في الآخرة، ثم أشار إلى مجموع الصنفين بأن كلا منهما له مما كسب من أعمال حظ، إن خيراً فخير، وإن شراً فشر، وأنه تعالى حسابه سريع، فيجازي العبد بما كسب.
أو : العافية في الصحة وكفاف المال، قاله قتادة.
أو : العلم، أو العبادة، قاله الحسن.
أو : المال، قاله السدي، وأبو وائل، وابن زيد.
أو : الرزق الواسع، قاله مقاتل.
أو : النعمة في الدنيا، قاله : ابن قتيبة، أو القناعة بالرزق، أو : التوفيق والعصمة، أو : الأولاد الأبرار، أو : الثبات على الإيمان، أو : حلاوة الطاعة، أو : اتباع السنة، أو : ثناء الخلق، أو : الصحة والأمن والكفاءة والنصرة على الأعداء، أو : الفهم في كتاب الله تعالى.
أو : صحبة الصالحين، قاله جعفر.
وعن الصوفية في ذلك مثل كثيرة.
﴿وفي الآخرة حسنة﴾ مثلوا حسنة الآخرة بأنها الجنة، أو العفو والمغفرة والسلامة من هول الموقف وسوء الحساب، أو النعمة، أو الحور العين، أو تيسير الحساب، أو مرافقة الأنبياء، أو لذة الرؤية، أو الرضا، أو اللقاء.
وقال ابن عطية : هي الحسنة بإجماع.
قيل : وينبغي أن تكون الحسنتان هما العافية في الدنيا والآخرة لثبوت ذلك في حديث الذي زاره رسول الله ﷺ وقد صار مثل الفرخ، وأنه سأله عما كان يدعو به، فأخبره أنه سأل الله في الدنيا تعجيل ما يعاقبه به في الآخرة، وأنه قال له :«لا تستطيعه » وقال :«هلا قلت اللهم آتنا في الدنيا***
» إلى آخره.
فدعا بهما الله تعالى فشفاه.
وصح أن رسول الله ﷺ أكثر ما كان يدعو به، وكان يقول ذلك فيما بين الركن والحجر الأسود، وكان يأمر أن يكون أكثر دعاء المسلم في الموقف.
وأبو بكر أول من قالها في الموسم عام الفتح، ثم اتبعه علي، والناس أجمعون ؛ وأنس سئل الدعاء فدعا بها، ثم سئل الزيادة فأعادها، ثم سئل الزيادة فقال : ما تريدون ؟ قد سألت الله خير الدنيا والآخرة.
﴿وفي الآخرة حسنة﴾ : الواو فيها لعطف شيئين على شيئين، فعطفت في الأخرة حسنة، على : الدنيا حسنة، والحرف قد يعطف شيئين فأكثر على شيئين فأكثر، تقول : أعلمت زيداً أخاك منطلقاً وعمراً أباه مقيماً، إلاَّ إن ناب عن عاملين ففيه خلاف، وفي الجواز تفصيل.
وليس هذا من الفصل بين حرف العطف والمعطوف بالظرف والمجرور كما ظن بعضهم، فأجاز ذلك مستدلاً به على ضعف مذهب الفارسي في أن ذلك مخصوص بالشعر، لأن الآية ليست من هذا الباب، بل من عطف شيئين فأكثر على شيئين فأكثر، وإنما الذي وقع فيه خلاف أبي علي هو : ضربت زيداً وفي الدار عمراً، وإنما يستدل على ضعف مذهب أبي علي بقوله تعالى :﴿الله الذي خلق سبع سموات ومن الأرض مثلهن﴾ وبقوله :﴿إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل﴾ وتمام الكلام على هذه المسألة مذكور في علم النحو.
﴿وقنا عذاب النار﴾ هو سؤال بالوقاية من النار، وهو : أن لا يدخلوها، وهي نار جهنم، وقيل : المرأة السوء الكثيرة الشر.
وقال القيثري : واللام في النار لام الجنس، فتحصل الاستعاذة عن نيران الحرقة ونيران الفرقة. انتهى.
وظاهر هذا الدعاء أنه لما كان قولهم : وفي الآخرة حسنة، يقتضي أن من دخل الجنة، ولو آخر الناس، صدق عليه أنه : أوتي في الآخرة حسنة، قد دعوا الله تعالى أن يكونوا مع دخول الجنة يقيهم عذاب النار، فكأنه دعاء بدخول الجنة أولاً دون عذاب، وأنهم لا يكونون ممن يدخل النار بمعاصيهم ويخرجون منا بالشفاعة.
ويحتمل أن يكون مؤكداً لطلب دخول الجنة، كما قال بعض الصحابة.
إنما أقول في دعائي : اللهم أدخلني الجنة، وعافني من النار، ولا أدري ما دندنتك ولا دندنة معاذ.
فقال رسول الله ﷺ :«حولها ندندن ».
بكمالها، على ما يقتضيه ظاهر الجمع، ووصفها : بمعلومات، لعلمهم بها.
وأخبر تعالى أن من ألزم نفسه الحج فيها فلا يرفت ولا يفسق ولا يجادل، فنهاه عن مفسد الحج مما كان جائزاً قبله، وما كان غير جائز مطلقاً ليسوي بين التحريمين، وإن كان أحدهما مؤقتاً، والآخر ليس بمؤقت.
ثم لما نهى عن هذه المفسدات، أخبر تعالى أن ما يفعله الأنسان من الخير الذي فرض الحج منه يعلمه الله، فهو تعالى يثيب عليه.
ثم أمر تعالى بالتزوّد للدّار الآخرة بأعمال الطاعات، ودخل فيها ما هم ملتبسون به من الحج، وأخبر أن خير الزاد هو ما كان وقاية بينك وبين النار، ثم نادى ذوي العقول، الذين هم أهل الخطاب، وأمرهم باتقاء عقابه، لأنه قد تقدّم ذكر المناهي، فناسب أن ينتهوا على اتقاء عذاب الله بالمخالفة فيما نهى عنه.
ثم أنه لما كان الحاج مشغولاً بهذه العبادة الشاقة، ملتبساً بأقوالها وأفعالها، كان مما يتوهم أنها لا يمزج وقتها بشيء غير أفعالها، فبين تعالى أنه لا حرج على من ابتغى فيها فضلاً بتجارة، أو اجارة، أو غير ذلك من الأعمال المعينة على كلف الدنيا، ثم أمرهم تعالى بذكره عند المشعر الحرام إذا أفاضوا من عرفات، ليرجعهم بذكره إلى الاشتغال بأفعال الحج، لئلا يستغرقهم التعلق بالتجارات والمكاسب، ثم أمرهم بالذكر على هدايته التي منحها إياهم، وقد كانوا قبل في ضلال، فاصطفاهم للهداية.
ثم أمرهم بأن يفيضوا من حيث أفاض الناس، وهي التي جرت عادة الناس بأن يفيضوا منها، وذلك المكان هو عرفة، والمعنى أنهم أمروا أن يكونوا تلك الإِفاضة السابقة من عرفة لا من غيرها، كما ذكر في سبب النزول.
وأتى بثم لا لترتيب في الزمان، بل للترتيب في الذكر، لا في الوقوع.
ثم أمر بالاستغفار، ثم أمر بعد أداء المناسك بذكر الله تعالى، ولما كان الإِنسان كثيراً ما يذكر أباه ويثني عليه بما أسلفه من كريم المآثر، وكان ذلك عندهم الغاية في الذكر، مثل ذكر الله بذلك الذكر، ثم أكد مطلوبية المبالغة في الذكر بقوله : أو أشدّ، ليفهم أن ما مثل به أولاً ليس إلاّ على طريق ضرب المثل لهم ؛ والمقصود أن لا يغفلوا عن ذكر الله تعالى طرفة عين.
ثم قسم مقصد الحاج إلى دنيويّ صرف، وإلى دنيويّ وأخروي، وبيّن ذلك في سؤاله، إياه وذكر أن من اقتصر على دنياه فإنه لا حظ له في الآخرة، ثم أشار إلى مجموع الصنفين بأن كلا منهما له مما كسب من أعمال حظ، إن خيراً فخير، وإن شراً فشر، وأنه تعالى حسابه سريع، فيجازي العبد بما كسب.