غرائب القرآن ورغائب الفرقان — نظام الدين القمي النيسابوري

عن الكتاب
والحسنتان في دعاء الصالحين. أما في الدنيا فالصحة والأمن والكفاية والولد الصالح والزوجة الصالحة والنصرة على الأعداء، وقد سمى الله تعالى الخصب والسعة في الرزق وما أشبه ذلك حسنة ﴿أن تصبك حسنة تسؤهم﴾ [التوبة: ٥٠] ﴿قل هل تربصون بنا إلا إحدى الحسنيين﴾ [التوبة: ٥٢] قيل : إما النصرة وإما الشهادة. وأما في الآخرة فالفوز بالثواب والخلاص من العقاب، ولأن دفع الضرر أهم من جلب النفع. صرح بذلك في قوله ﴿وقنا عذاب النار﴾ وهذه بالجملة كلمة جامعة لجميع خيرات الدنيا والآخرة. روى حماد بن سلمة عن ثابت أنهم قالوا لأنس : ادع لنا فقال : اللهم آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار. قالوا : زدنا فأعادها قالوا : زدنا قال : فما تريدون سألت لكم خير الدنيا والآخرة. وعن علي رضي الله عنه الحسنة في الدنيا المرأة الصالحة، وفي الآخرة الحوراء. وعذاب النار امرأة السوء. وقيل : الحسنة في الدنيا العمل النافع وهو الإيمان والطاعة، وفي الآخرة التنعم بذكر الله والإنس به وبرؤيته. قلت : لا تلذذ في الدنيا والآخرة إلا بهذا.
الجسم مني للجليس مجالسوحبيب قلبي في الفؤاد أنيسي
وعن قتادة الحسنتان طلب العافية في الدارين. وعن الحسن : هي في الدنيا فهم كتاب الله، وفي الآخرة الجنة. ومنشأ البحث مجيء الحسنة منكرة في حيز الإثبات، فكل من المفسرين حمل اللفظ على ما رآه أحسن أنواع الحسنة عقلاً أو شرعاً. ويمكن أن يقال : التنوين للتعظيم أي حسنة وأي حسنة أو يريد حسنة توافق حال الداعي وحكمة المدعو، وفيه من حسن الطلب ورعاية الطلب ورعاية الأدب ما ليس في التصريح به فإنه لا يكون إلا ما يشاء أو يريد حسنة ما وإن كانت قليلة، فإن النظر إلى المنعم لا إلى الإنعام. قليل منك يكفيني ولكن قليلك لا يقال له قليل.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:التأويل :﴿الحج أشهر معلومات﴾ هي مدة الحياة الفانية، وقيل إلى أربعين سنة، ولهذا قيل : الصوفي بعد الأربعين بارد. نعم لو صدق طلبه قبل الأربعين وما أمكنه الوصول فقريب أن يحصل مقصوده بعد الأربعين، ومن فاته الطلب في عنفوان شبابه إلى أن بلغ الأربعين فحري منه عليه الحيف إذ ضيع اللبن في الصيف، لكنه يصلح للعبادة التي أجرها الجنة. ﴿فلا رفث﴾ لا يميل إلى الدنيا وزينتها وليهجرها كالمحرم بعد الاغتسال بماء الإنابة بتزر بإزار التواضع والانكسار، ويتردى برداء التذلل والافتقار. ﴿ولا فسوق﴾ ولا خروج من الأوامر والنواهي بل لا يخرج من حكم الوقت ولا يدخل فيما يورث المقت ﴿ولا جدال في الحج﴾ لا نزاع للسالك الصادق في طلب الوصول لا بالفروع ولا بالأصول فلا في مالها مع أحد يخاصم ولا في جاهها لأحد يزاحم، فمن نازعه في شيء من ذلك يسلمها إليه ويسلم عليه ﴿وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاماً﴾ [الفرقان: ٦٣] وتزودوا لكل سالك زاد. فزاد أولي القشور كعك وسويق وهم الذين مقصدهم البيت ومقصودهم الجنة، وزاد أولي الألباب التقوى وهم من مقصدهم ومقصودهم رب البيت. وتقوى أهل القشور مجانبة الزلات ومواظبة الطاعات، وتقوى أولي الألباب مجانبة الصفات بالصفات والذات بالذات. فلما كان مقصودهم خير المقاصد كان زادهم خير الزاد ﴿أن تبتغوا فضلاً﴾ مقام ابتغاء الفضل بمعنى الرحمة بترك الموجود وبذل المجهود وهو في سيره إلى عرفات، ومقام ابتغائه بمعنى مواهب القربة ببذل الوجود عند الوقوف بعرفات، لأن الحج عرفة وعرفة المعرفة ومقام ابتغائه بمعنى الرزق هو قبل سيره إلى عرفات.
وقال جمع من المحققين : إنه بعد استكمال الحج الحقيقي لأنه لقوة عرفانه بالله لا تضره الدنيا بل يكون تصرفه فيها بالله في الله لله ﴿عند المشعر الحرام﴾ يعني القلب الذي حرام عليه الاطمئنان بغير ذكر الله ﴿واذكروه كما هداكم﴾ أي كما هدى قلوبكم يهدي نفوسكم كيلا تقع في خطر حب الدنيا. ﴿وإن كنتم من﴾ قبل الوقوف بعرفات المعرفة ﴿لمن الضالين﴾ في طلب الدنيا وحظوظ النفس ﴿من حيث أفاض الناس﴾ يعني محمداً وسائر الأنبياء والأولياء أي لتكن الإفاضة من عرفات المعرفة لأجل أداء الحقوق بالتعظيم لأمر الله والشفقة على خلق الله ﴿واستغفروا الله﴾ لأجل إزالة غين المخالطة مع الخلق كقوله ﴿إذا جاء نصر الله﴾ إلى قوله ﴿واستغفره﴾ [النصر: ١-٣] أي إذا وجدت هذا لا تخلو عن خط ما فاستغفره ﴿فإذا قضيتم﴾ مناسك الوصال وبلغتم مبلغ الرجال فلا تأمنوا مكر الله وواظبوا على الذكر ﴿كذكركم آباءكم﴾ في صغركم للافتقار وفي كبركم للافتخار ﴿أو أشد ذكراً﴾ لأنه يمكن الاستغناء من الأب ولا يمكن الاستغناء من الله ﴿والله سريع الحساب﴾ لأن أثر الطاعة وأثر المعصية تظهر في الحال على القلب ﴿في أيام معدودات﴾ هي أيام البداية والوسط والنهاية ﴿فمن تعجل في يومين﴾ وقف على الوسط ليكون من أهل الجنة ﴿فلا إثم عليه ومن تأخر﴾ إلى أن يصل يوم النهاية حتى يكون من أهل الله فذاك لمن اتقى الرجوع والوقوف، والله ولي التوفيق وهو حسبي.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى