فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني

عن الكتاب
وقد اختلف في تفسير الحسنتين المذكورتين في الآية، فقيل : هما ما يطلبه الصالحون في الدنيا من العافية، وما لا بدّ منه من الرزق، وما يطلبونه في الآخرة من نعيم الجنة والرضا ؛ وقيل : المراد بحسنة الدنيا : الزوجة الحسناء، وحسنة الآخرة : الحور العين، وقيل : حسنة الدنيا : العلم والعبادة، وقيل غير ذلك. قال القرطبي : والذي عليه أكثر أهل العلم أن المراد بالحسنتين نعيم الدنيا، والآخرة، قال : وهذا هو الصحيح، فإن اللفظ يقتضي هذا كله، فإن حسنة نكرة في سياق الدعاء، فهو محتمل لكل حسنة من الحسنات على البدل، وحسنة الآخرة : الجنة بإجماع انتهى.
قوله :﴿وَقِنَا﴾ أصله أوقنا حذفت الواو، كما حذفت في يقي ؛ لأنها بين ياء، وكسرة، مثل يعد، هذا قول البصريين. وقال الكوفيون : حذفت فرقاً بين اللازم، والمتعدّي.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقد أخرج البخاري، ومسلم، وغيرهما، عن عائشة قالت :«كانت قريش، ومن دان بدينها يقفون بالمزدلفة، وكانوا يسمون الحمس، وكانت سائر العرب يقفون بعرفات، فلما جاء الإسلام أمر الله نبيه أن يأتي عرفات، ثم يقف بها ثم يفيض منها، فذلك قوله تعالى :﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ الناس﴾. وأخرجا أيضاً، عنها موقوفاً، نحوه. وقد ورد في هذا المعنى روايات، عن الصحابة، والتابعين. وأخرج ابن جرير عن مجاهد قال : إذا كان يوم عرفة هبط الله إلى سماء الدنيا في الملائكة، فيقول لهم : عبادي آمنوا بوعدي، وصدّقوا برسلي ما جزاؤهم ؟ فيقال أن تغفر لهم، فذلك قوله :﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ الناس واستغفروا الله إِنَّ الله غَفُورٌ رحِيمٌ﴾. وقد وردت أحاديث كثيرة في المغفرة لأهل عرفة، ونزول الرحمة عليهم، وإجابة دعائهم.
وأخرج ابن أبي حاتم، عن عطاء في قوله تعالى :﴿فَإِذَا قَضَيْتُم مناسككم﴾ قال : حجكم. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير عن مجاهد في قوله :﴿فَإِذَا قَضَيْتُم مناسككم﴾ قال : إهراق الدماء ﴿فاذكروا الله كَذِكْرِكُمْ ءابَاءكُمْ﴾ قال : تفاخر العرب بينها بفعال آبائها يوم النحر حين يفرغون، فأمروا بذكر الله مكان ذلك. وأخرج البيهقي في الشعب عن ابن عباس قال : كان المشركون يجلسون في الحج، فيذكرون أيام آبائهم، وما يعدّون من أنسابهم يومهم أجمع، فأنزل الله على رسوله :﴿فاذكروا الله كَذِكْرِكُمْ ءابَاءكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا﴾.
وأخرج ابن أبي حاتم، والطبراني عن عبد الله بن الزبير نحوه. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر عن مجاهد نحوه. وأخرج ابن جرير عن سعيد بن جبير وعكرمة نحوه أيضا. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله :﴿كَذِكْرِكُمْ ءابَاءكُمْ﴾ يقول : كما يذكر الأبناء الآباء. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس أيضاً أنه قيل له في قوله :﴿كَذِكْرِكُمْ ءابَاءكُمْ﴾ إن الرجل ليأتي عليه اليوم، وما يذكر أباه. فقال : إنه ليس بذاك، ولكن يقول : تغضب لله إذا عُصِىَ أشدّ من غضبك إذا ذُكر والدك بسوء.
وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس قال : كان قوم من الأعراب يجيئون إلى الموقف، فيقولون : اللهم اجعله عام غيث، وعام خصب، وعام ولاد حسن، لا يذكرون من أمر الآخرة شيئاً، فأنزل الله فيهم :﴿فَمِنَ الناس مَن يَقُولُ رَبَّنَا ءاتِنَا فِى الدنيا وَمَا لَهُ فِى الاخرة مِنْ خلاق﴾ ويجىء بعدهم آخرون من المؤمنين فيقولون ﴿رَبَّنَا ءاتِنَا فِى الدنيا حَسَنَةً وَفِي الآخرة حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النار﴾ فأنزل الله فيهم :﴿أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ ممَّا كَسَبُوا والله سَرِيعُ الحساب﴾. وأخرج الطبراني، عن عبد الله بن الزبير قال : كان الناس في الجاهلية إذا وقفوا عند المشعر الحرام دعوا، فقال أحدهم : اللهم ارزقني إبلاً، وقال الآخر : اللهمّ ارزقني غنماً، فأنزل الله الآية. وأخرج ابن جرير، عن أنس أنهم كانوا يطوفون بالبيت عراة، فيدعون : اللهم اسقنا المطر، وأعطنا على عدوّنا الظفر، وردّنا صالحين إلى صالحين، فنزلت الآية. وأخرج ابن أبي حاتم، عن عطاء في قوله :﴿أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ ممَّا كَسَبُوا﴾ قال : مما عملوا من الخير. وأخرج ابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله :﴿سَرِيعُ الحساب﴾ قال : سريع الإحصاء.
وأخرج عبد بن حميد، وابن أبي الدنيا، وابن أبي حاتم، عن عليّ قال : الأيام المعدودات ثلاثة أيام : يوم الأضحى، ويومان بعده، اذبح في أيها شئت، وأفضلها، أوّلها. وأخرج الفريابي، وابن أبي الدنيا، وابن المنذر، عن ابن عمر ؛ أنها أيام التشريق الثلاثة، وفي لفظ : هذه الأيام الثلاثة بعد يوم النحر. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، والبيهقي في الشعب، والضياء في المختارة، عن ابن عباس ؛ قال : الأيام المعلومات أيام العشر، والأيام المعدودات أيام التشريق. وأخرج الطبراني، عن ابن الزبير قال في قوله :﴿واذكروا الله فِى أَيَّامٍ معدودات﴾ قال : هنّ أيام التشريق، يذكر فيهنّ بتسبيح، وتهليل، وتكبير، وتحميد. وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس قال : الأيام المعدودات أربعة أيام : يوم النحر، والثلاثة أيام بعده. وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عمر ؛ أنه كان يكبر تلك الأيام بمنى، ويقول التكبير واجب، ويتأوّل هذه الآية :﴿واذكروا الله فِى أَيَّامٍ معدودات﴾. وأخرج ابن جرير، والبيهقي في سننه، عن ابن عباس أنه كان يكبر يوم النحر، ويتلو هذه الآية.
وأخرج ابن أبي حاتم، عن عكرمة في قوله :﴿واذكروا الله فِى أَيَّامٍ معدودات﴾ قال : التكبير أيام التشريق : يقول في دبر كل صلاة : الله أكبر الله أكبر الله أكبر. وأخرج ابن المنذر، عن ابن عمر أنه كان يكبر ثلاثاً ثلاثاً وراء الصلوات، ويقول : لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير. وأخرج المروزي عن الزهري قال : كان رسول الله ﷺ يكبر أيام التشريق كلها. وأخرج مالك، عن يحيى بن سعيد أنه بلغه أن عمر بن الخطاب خرج الغد من يوم النحر بمنى حين ارتفع النهار شيئاً، فكبرَّ، وكبرَّ الناس بتكبيره، ثم خرج الثانية في يومه ذلك بعد ارتفاع النهار، فكبرَّ، وكبرَّ الناس بتكبيره حتى بلغ تكبيرهم البيت، ثم خرج الثالثة من يومه ذلك حين زاغت الشمس، فكبرَّ، وكبرَّ الناس بتكبيره. وقد ثبت في الصحيح من حديث ابن عمر أن النبي ﷺ كان يرمي الجمار، ويكبر مع كل حصاة. وقد روى نحو ذلك من حديث عائشة عند الحاكم وصححه.
وأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله :﴿فَمَن تَعَجَّلَ فِى يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ قال : في تعجيله :﴿وَمَن تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ قال : في تأخيره. وأخرج ابن جرير، عن ابن عمر قال : النَّفْر في يومين لمن اتقى. وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن أبي حاتم عنه قال : من غابت له الشمس في اليوم الذي قال الله فيه :﴿فَمَن تَعَجَّلَ فِى يَوْمَيْنِ﴾ وهو بمنى، فلا ينفرنّ حتى يرمي الجمار من الغد، وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله :﴿لِمَنِ اتقى﴾ قال : لمن اتقى الصيد، وهو محرم.
وأخرج ابن أبي شيبة، وأحمد، وأهل السنن، والحاكم وصححه، عن عبد الرحمن بن يَعْمُر الديلي : سمعت رسول الله ﷺ يقول، وهو واقف بعرفة، وأتاه الناس من أهل مكة، فقالوا : يا رسول الله كيف الحج ؟ قال :«الحج عرفات، فمن أدرك ليلة جَمْع قبل أن يطلع الفجر، فقد أدرك أيام منى ثلاثة أيام :﴿فَمَن تَعَجَّلَ فِى يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ قال : مغفوراً له :﴿وَمَن تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ قال مغفوراً له» وأخرج ابن جرير، عن قتادة في قوله :﴿لِمَنِ اتقى﴾ قال : لمن اتقى في حجه. قال قتادة، وذكر لنا أن ابن مسعود كان يقول : من اتقى في حجه غفر له ما تقدم من ذنبه. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، عن أبي العالية في قوله :﴿فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتقى﴾ قال : ذهب إثمه كله إن اتقى فيما بقي من عمره.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى