البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي

عن الكتاب
النصيب : الحظ وجمعه على أفعلاء شاذ، لأنه اسم، قالوا : أنصباء، وقياسه : فعل نحو : كثيب وكثب.
سريع : اسم فاعل من : سرع يسرع سرعة فهو سريع، ويقال : أسرع وكلاهما لازم.
الحساب : مصدر حاسب، وقال أحمد بن يحيى : حسبت الحساب أحسبه حسباً وحسباناً، والحساب الاسم، وقيل : الحساب مصدر حسب الشيء، والحساب في اللغة هو العدوّ ؛ وقال الليث بن المظفر، ويعقوب : حسب يحسب حسباناً وحسابة وحسبة وحسباً، وأنشد :
وأسرعت حسبة في ذلك العدد***
ومنه : حسب الرجل، وهو ما عدّه من مآثره ومفاخره، والاحساب : الاعتداد بالشيء.
وقال الزجاج : الحساب : في اللغة مأخوذ من قولك : حسبك كذا، أي : كفاك، فسمي الحساب من المعاملات حساباً لأنه يعلم ما فيه كفاية، وليس فيه زيادة ولا نقصان.
﴿أولئك لهم نصيب مما كسبوا﴾ تقدّم انقسام الناس إلى فريقين : فريق اقتصر في سؤاله على دنياه، وفريق أشرك في دنياه أخراه، فالظاهر أن : أولئك، إشارة إلى الفريقين، إذ المحكوم به، وهو كون : نصيب لهم مما كسبوا، مشترك بينهما، والمعنى : أن كل فريق له نصيب مما كسب، إن خيراً فخير، وإن شراً فشر.
ولا يكون الكسب هنا الدعاء، بل هذا مجرد إخبار من الله بما يؤول إليه أمر كل واحد من الفريقين، وأن انصباءهم من الخير والشر تابعة لاكسابهم.
وقيل : المراد بالكسب هنا الدعاء، أي : لكل واحد منهم نصيب مما دعا به.
وسمي الدعاء كسباً لأنه عمل، فيكون ذلك ضماناً للإجابة ووعداً منه تعالى أنه يعطي كّلاً منه نصيباً مما اقتضاه دعاؤه، إما الدنيا فقط، وإما الدنيا والآخرة، فيكون كقوله :﴿من كان يريد حرث الآخرة﴾ ﴿ومن كان يريد العاجلة﴾ و ﴿من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها﴾ الآيات.
وكما جاء في الصحيح : وأما الكافر فيطعم بحسناته في الدنيا ما عمل لله بها، فإذا أفضى إلى الآخرة لم يكن له حسنة يجزى بها.
وفي المعنى الأول لا يكون فيه وعد بالإجابة.
و : من، في قوله : مما كسبوا، يحتمل أن تكون للتبعيض، أي : نصيب من جنس ما كسبوا، ويحتمل أن يكون للسبب، و : ما، يحتمل أن تكون موصولة لمعنى الذي أو موصولة مصدرية أي : من كسبهم، وقيل : أولئك، مختص بالإشارة إلى طالبي الحسنتين فقط، ولم يذكر ابن عطية غيره.
وذكره الزمخشري بإزائه.
قال ابن عطية : وعد على كسب الأعمال الصالحة في صيغة الإخبار المجرد، وقال الزمخشري : أولئك الداعون بالحسنتين لهم نصيب من جنس ما كسبوا من الأعمال الصالحة، وهو الثواب الذي هو منافع الحسنة، أو من أجل ما كسبوا، كقوله : مما خطاياهم اغرقوا، ثم قال بعد كلام : ويجوز أن يكون أولئك الفريقين جميعاً، وأن لكل فريق نصيباً من جنس ما كسبوا.
انتهى كلامه.
والأظهر ما قدمناه من أن : أولئك، إشارة إلى الفريقين، ويؤيده قوله :﴿والله سريع الحساب﴾ وهذا ليس مما يختص به فريق دون فريق، بل هذا بالنسبة لجميع الخلق، والحساب يعم محاسبة العالم كلهم، لا محاسبة هذا الفريق الطالب الحسنتين.
وروي عن ابن عباس : أن النصيب هنا مخصوص بمن حج عن ميت، يكون الثواب بينه وبين الميت، وروي عنه أيضاً، في حديث الذي سأل هل يحج عن أبيه.
وكان مات ؟ وفي آخره، قال : فهل لي من أجره ؟ فنزلت هذه الآية، قيل : وإذا صح هذا فتكون الآية منفصلة عن التي قبلها، معلقة بما قبله من ذكر الحج ومناسكه وأحكامه. انتهى.
وليست كما ذكر منفصلة، بل هي متصلة بما قبلها، لأن ما قبلها هو في الحج، وأن انقسام الفريقين هو في الحج، فمنهم من كان يسأل الله الدنيا فقط، ومنهم من يسأل الدنيا والآخرة.
وحصل الجواب للسائل عن حجه عن أبيه : أله فيه أجر ؟ لعموم قوله :﴿أولئك لهم نصيب مما كسبوا﴾ وقد أجاب ابن عباس بهذه الآية من سأله أن يكري دابته ويشرط عليهم أن يحج، فهل يجزى عنه ؟ وذلك لعموم قوله :﴿أولئك لهم نصيب مما كسبوا﴾.
﴿والله سريع الحساب﴾ ظاهره الإخبار عنه تعالى بسرعة حسابه، وسرعته بانقضائه عجلاً كقصد مدته، فروي : بقدر حلب شاة، وروي بمقدار فواق ناقة، وروي بمقدار لمحة البصر.
أو لكونه لا يحتاج إلى فكر، ولا رؤية كالعاجز، قاله أبو سليمان.
أو : لما علم ما للمحاسب وما عليه قبل حسابه، قاله الزجاج.
أو : لكون حساب العالم كحساب رجل واحد أو لقرب مجيء الحساب، قاله مقاتل.
قيل : كنى بالحساب عن المجازاة على الأعمال إذا كانت ناشئة عنها كقوله :﴿ولم أدر ما حسابيه﴾ يعنى ما جزائي، وقيل : كنى بالحساب عن العلم بمجاري الأمور، لأن الحساب يفضي إلى العلم، قاله الزجاج أيضاً.
وقيل : عبر بالحساب عن القبول لدعاء عباده، وقيل : عبر به عن القدرة والوفاء، أي : لا يؤخر ثواب محسن ولا عقاب مسيء.
وقيل : هو على حذف مضاف، أي : سريع مجيء يوم الحساب.
فالمقصود بالآية الإنذار بسرعة يوم القيامة.
وقيل : سرعة الحساب تعالى رحمته وكثرتها، فهي لا تغب ولا تنقطع.
وروي ما يقاربه عن ابن عباس.
وظاهر سياق هذا الكلام عموم الحساب للكافر والمؤمن إذ جاء بعد ما ظاهره أنه للطائعين، ويكون حساب الكفار تقريعاً وتوبيخاً، لأنه ليس له حسنة في الآخرة يجزى بها، وهو ظاهر قوله :﴿ولم أدر ما حسابيه﴾ وقال الجمهور : الكفار لا يحاسبون، قال تعالى :﴿فلا نقيم لهم يوم القيامة وزناً﴾ ﴿وقدِمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثوراً﴾ وظاهر ثقل الموازين وخفتها، وما ترتب عليها في الآيات الواردة في القرآن شمول الحسنات للبر والفاجر، والمؤمن والكافر.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقد تضمنت هذه الآيات الشريفة : أن الحج له أشهر معلومات، وجمعها على أشهر لقلتها، وهي : شوال، وذو القعدة، وذو الحجة.
بكمالها، على ما يقتضيه ظاهر الجمع، ووصفها : بمعلومات، لعلمهم بها.
وأخبر تعالى أن من ألزم نفسه الحج فيها فلا يرفت ولا يفسق ولا يجادل، فنهاه عن مفسد الحج مما كان جائزاً قبله، وما كان غير جائز مطلقاً ليسوي بين التحريمين، وإن كان أحدهما مؤقتاً، والآخر ليس بمؤقت.
ثم لما نهى عن هذه المفسدات، أخبر تعالى أن ما يفعله الأنسان من الخير الذي فرض الحج منه يعلمه الله، فهو تعالى يثيب عليه.
ثم أمر تعالى بالتزوّد للدّار الآخرة بأعمال الطاعات، ودخل فيها ما هم ملتبسون به من الحج، وأخبر أن خير الزاد هو ما كان وقاية بينك وبين النار، ثم نادى ذوي العقول، الذين هم أهل الخطاب، وأمرهم باتقاء عقابه، لأنه قد تقدّم ذكر المناهي، فناسب أن ينتهوا على اتقاء عذاب الله بالمخالفة فيما نهى عنه.
ثم أنه لما كان الحاج مشغولاً بهذه العبادة الشاقة، ملتبساً بأقوالها وأفعالها، كان مما يتوهم أنها لا يمزج وقتها بشيء غير أفعالها، فبين تعالى أنه لا حرج على من ابتغى فيها فضلاً بتجارة، أو اجارة، أو غير ذلك من الأعمال المعينة على كلف الدنيا، ثم أمرهم تعالى بذكره عند المشعر الحرام إذا أفاضوا من عرفات، ليرجعهم بذكره إلى الاشتغال بأفعال الحج، لئلا يستغرقهم التعلق بالتجارات والمكاسب، ثم أمرهم بالذكر على هدايته التي منحها إياهم، وقد كانوا قبل في ضلال، فاصطفاهم للهداية.
ثم أمرهم بأن يفيضوا من حيث أفاض الناس، وهي التي جرت عادة الناس بأن يفيضوا منها، وذلك المكان هو عرفة، والمعنى أنهم أمروا أن يكونوا تلك الإِفاضة السابقة من عرفة لا من غيرها، كما ذكر في سبب النزول.
وأتى بثم لا لترتيب في الزمان، بل للترتيب في الذكر، لا في الوقوع.
ثم أمر بالاستغفار، ثم أمر بعد أداء المناسك بذكر الله تعالى، ولما كان الإِنسان كثيراً ما يذكر أباه ويثني عليه بما أسلفه من كريم المآثر، وكان ذلك عندهم الغاية في الذكر، مثل ذكر الله بذلك الذكر، ثم أكد مطلوبية المبالغة في الذكر بقوله : أو أشدّ، ليفهم أن ما مثل به أولاً ليس إلاّ على طريق ضرب المثل لهم ؛ والمقصود أن لا يغفلوا عن ذكر الله تعالى طرفة عين.
ثم قسم مقصد الحاج إلى دنيويّ صرف، وإلى دنيويّ وأخروي، وبيّن ذلك في سؤاله، إياه وذكر أن من اقتصر على دنياه فإنه لا حظ له في الآخرة، ثم أشار إلى مجموع الصنفين بأن كلا منهما له مما كسب من أعمال حظ، إن خيراً فخير، وإن شراً فشر، وأنه تعالى حسابه سريع، فيجازي العبد بما كسب.


وقد تضمنت هذه الآيات الشريفة : أن الحج له أشهر معلومات، وجمعها على أشهر لقلتها، وهي : شوال، وذو القعدة، وذو الحجة.
بكمالها، على ما يقتضيه ظاهر الجمع، ووصفها : بمعلومات، لعلمهم بها.
وأخبر تعالى أن من ألزم نفسه الحج فيها فلا يرفت ولا يفسق ولا يجادل، فنهاه عن مفسد الحج مما كان جائزاً قبله، وما كان غير جائز مطلقاً ليسوي بين التحريمين، وإن كان أحدهما مؤقتاً، والآخر ليس بمؤقت.
ثم لما نهى عن هذه المفسدات، أخبر تعالى أن ما يفعله الأنسان من الخير الذي فرض الحج منه يعلمه الله، فهو تعالى يثيب عليه.
ثم أمر تعالى بالتزوّد للدّار الآخرة بأعمال الطاعات، ودخل فيها ما هم ملتبسون به من الحج، وأخبر أن خير الزاد هو ما كان وقاية بينك وبين النار، ثم نادى ذوي العقول، الذين هم أهل الخطاب، وأمرهم باتقاء عقابه، لأنه قد تقدّم ذكر المناهي، فناسب أن ينتهوا على اتقاء عذاب الله بالمخالفة فيما نهى عنه.
ثم أنه لما كان الحاج مشغولاً بهذه العبادة الشاقة، ملتبساً بأقوالها وأفعالها، كان مما يتوهم أنها لا يمزج وقتها بشيء غير أفعالها، فبين تعالى أنه لا حرج على من ابتغى فيها فضلاً بتجارة، أو اجارة، أو غير ذلك من الأعمال المعينة على كلف الدنيا، ثم أمرهم تعالى بذكره عند المشعر الحرام إذا أفاضوا من عرفات، ليرجعهم بذكره إلى الاشتغال بأفعال الحج، لئلا يستغرقهم التعلق بالتجارات والمكاسب، ثم أمرهم بالذكر على هدايته التي منحها إياهم، وقد كانوا قبل في ضلال، فاصطفاهم للهداية.
ثم أمرهم بأن يفيضوا من حيث أفاض الناس، وهي التي جرت عادة الناس بأن يفيضوا منها، وذلك المكان هو عرفة، والمعنى أنهم أمروا أن يكونوا تلك الإِفاضة السابقة من عرفة لا من غيرها، كما ذكر في سبب النزول.
وأتى بثم لا لترتيب في الزمان، بل للترتيب في الذكر، لا في الوقوع.
ثم أمر بالاستغفار، ثم أمر بعد أداء المناسك بذكر الله تعالى، ولما كان الإِنسان كثيراً ما يذكر أباه ويثني عليه بما أسلفه من كريم المآثر، وكان ذلك عندهم الغاية في الذكر، مثل ذكر الله بذلك الذكر، ثم أكد مطلوبية المبالغة في الذكر بقوله : أو أشدّ، ليفهم أن ما مثل به أولاً ليس إلاّ على طريق ضرب المثل لهم ؛ والمقصود أن لا يغفلوا عن ذكر الله تعالى طرفة عين.
ثم قسم مقصد الحاج إلى دنيويّ صرف، وإلى دنيويّ وأخروي، وبيّن ذلك في سؤاله، إياه وذكر أن من اقتصر على دنياه فإنه لا حظ له في الآخرة، ثم أشار إلى مجموع الصنفين بأن كلا منهما له مما كسب من أعمال حظ، إن خيراً فخير، وإن شراً فشر، وأنه تعالى حسابه سريع، فيجازي العبد بما كسب.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى