غرائب القرآن ورغائب الفرقان — نظام الدين القمي النيسابوري
عن الكتاب
القراءات :﴿فلا رفث ولا فسوق﴾ بالرفع فيهما : أبو عمرو ويعقوب وابن كثير ويزيد. وزاد يزيد ﴿ولا جدال﴾ بالرفع. الباقون : بفتح الثلاثة وكذلك يروي القطعي عن أبي زيد من طريق الحسن الهاشمي، ﴿واتقون﴾ بالياء في الحالين : سهل ويعقوب وابن شنبوذ عن قنبل. وافق أبو عمرو ويزيد وإسماعيل في الوصل بالياء. ﴿ومن تأخر﴾ روى هبة الله بن جعفر عن الأصفهاني عن ورش والشموني وحمزة في الوقف بالتليين.
الوقوف :﴿معلومات﴾ ط ﴿في الحج﴾ ط ﴿يعلمه الله﴾ ط ﴿التقوى﴾ ز للعارض بين الجملتين المتفقتين ﴿الألباب﴾ ه ﴿من ربكم﴾ ط لأن " إذا " أجيبت بالفاء فكانت شرطاً في ابتداء حكم آخر ﴿الحرام﴾ ص لعطف المتفقتين ﴿هداكم﴾ ج لأن الواو تصلح حالاً واستئنافاً. ﴿الضالين﴾ ه ﴿واستغفروا الله﴾ ج ﴿رحيم﴾ ه ﴿ذكراً﴾ ط ﴿من خلاق﴾ ه ﴿النار﴾ ه ﴿مما كسبوا﴾ ط ﴿الحساب﴾ ه نصف الجزء. ﴿معدودات﴾ ط لأن الشرط في بيان حكم آخر ﴿عليه﴾ الأولى ط لابتداء شرط آخر مع العطف ﴿عليه﴾ الثانية لا لتعليق اللام. ﴿اتقي﴾ ط لاختلاف النظم ﴿تحشرون﴾ ه.
﴿أولئك﴾ الداعون بالحسنتين ﴿لهم نصيب﴾ وأي نصيب ﴿مما كسبوا﴾ من جنس ما كسبوا من الأعمال الحسنة وهو الثواب الذي هو المنافع الحسنة. فمن للابتداء. ويحتمل التعليل أي من أجل ما كسبوا كقوله ﴿مما خطيئاتهم أغرقوا﴾ [نوح: ٢٥] والكسب ما يناله المرء بعمله ومنه يقال للأرباح " إنها كسب فلان " أولهم نصيب مما دعوا به يعطيهم بحسب مصالحهم في الدنيا واستحقاقهم في الآخرة وسمي الدعاء كسباً لأنه من الأعمال والأعمال موصوفة بالكسب ﴿وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم﴾ [الشورى: ٣٠] ويجوز أن يكون ﴿أولئك﴾ للفريقين جميعاً وأن لكل فريق نصيباً من جنس ما كسبوا. ﴿والله سريع الحساب﴾ السرعة نقيض البطء. والحساب مصدر كالمحاسبة وهو العدّ قال الزجاج : هو مأخوذ من قوله " حسبك كذا " أي كفاك. وذلك أن فيه كفاية وليس فيه زيادة على المقدار ولا نقصان. ومعنى كون الله محاسباً لخلقه قيل : إنه يعلمهم ما لهم وعليهم بأن يخلق العلم الضروري في قلوبهم بمقادير أعمالهم وكمياتها وكيفياتها، أو بمقادير ما لهم من الثواب والعقاب. ووجه هذا المجاز أن الحساب سبب لحصول علم الإنسان بماله وعليه، فإطلاق الحساب على هذا الإعلام إطلاق اسم السبب على المسبب. عن ابن عباس أنه قال : لا حساب على الخلق بل يقفون بين يدي الله يعطون كتبهم بأيمانهم فيها سيئاتهم فيقال لهم : هذه سيئاتكم قد تجاوزت عنها، ثم يعطون حسناتهم ويقال : هذه حسناتكم قد ضعفتها لكم. وقيل : المحاسبة المجازاة ﴿وكأين من قرية عتت عن أمر ربها ورسله فحاسبناها حساباً شديداً﴾ [الطلاق: ٨] ووجه المجاز أن الحساب سبب للأخذ والإعطاء. وقيل : إنه تعالى يكلم العباد في أحوال أعمالهم وكيفية ما لها من الثواب والعقاب. فمن قال : إن كلامه ليس بحرف ولا صوت قال : إنه تعالى يخلق في أذن المكلف سمعاً يسمع به كلامه القديم كما يخلق في عينه رؤية يرى بها ذاته القديمة. ومن قال : إنه صوت قال : إنه تعالى يخلق كلاماً يسمعه كل مكلف. إما بأن يخلق ذلك الكلام في أذن كل واحد منهم و في جسم يقرب من أذنه بحيث لا يبلغ قوة ذلك الصوت مبلغاً يمنع الغير من فهم ما كلف به، فهذا هو المراد من كونه محاسباً لخلقه، ومعنى كونه سريع الحساب أو قدرته تعالى متعلقة بجميع الممكنات من غير أن يفتقر في أحداث شيء إلى فكر وروية ومدة وعدّة، ولذلك ورد في الخبر أنه يحاسب الخلق في مقدار حلب شاة، وروي في لمحة. أو أنه سريع القبول لدعاء عباده والإجابة لهم لأنه قادر على أن يعطي مطالب جميع الخلائق في لحظة واحدة كما ورد في الدعاء المأثور " يا من لا يشغله سمع عن سمع "، أو أن وقت جزائه وحسابه سريع يوشك أن يقيم القيامة ويحاسب العباد كقوله تعالى ﴿اقترب للناس حسابهم﴾ [الأنبياء: ١].
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: التأويل :﴿الحج أشهر معلومات﴾ هي مدة الحياة الفانية، وقيل إلى أربعين سنة، ولهذا قيل : الصوفي بعد الأربعين بارد. نعم لو صدق طلبه قبل الأربعين وما أمكنه الوصول فقريب أن يحصل مقصوده بعد الأربعين، ومن فاته الطلب في عنفوان شبابه إلى أن بلغ الأربعين فحري منه عليه الحيف إذ ضيع اللبن في الصيف، لكنه يصلح للعبادة التي أجرها الجنة. ﴿فلا رفث﴾ لا يميل إلى الدنيا وزينتها وليهجرها كالمحرم بعد الاغتسال بماء الإنابة بتزر بإزار التواضع والانكسار، ويتردى برداء التذلل والافتقار. ﴿ولا فسوق﴾ ولا خروج من الأوامر والنواهي بل لا يخرج من حكم الوقت ولا يدخل فيما يورث المقت ﴿ولا جدال في الحج﴾ لا نزاع للسالك الصادق في طلب الوصول لا بالفروع ولا بالأصول فلا في مالها مع أحد يخاصم ولا في جاهها لأحد يزاحم، فمن نازعه في شيء من ذلك يسلمها إليه ويسلم عليه ﴿وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاماً﴾ [الفرقان: ٦٣] وتزودوا لكل سالك زاد. فزاد أولي القشور كعك وسويق وهم الذين مقصدهم البيت ومقصودهم الجنة، وزاد أولي الألباب التقوى وهم من مقصدهم ومقصودهم رب البيت. وتقوى أهل القشور مجانبة الزلات ومواظبة الطاعات، وتقوى أولي الألباب مجانبة الصفات بالصفات والذات بالذات. فلما كان مقصودهم خير المقاصد كان زادهم خير الزاد ﴿أن تبتغوا فضلاً﴾ مقام ابتغاء الفضل بمعنى الرحمة بترك الموجود وبذل المجهود وهو في سيره إلى عرفات، ومقام ابتغائه بمعنى مواهب القربة ببذل الوجود عند الوقوف بعرفات، لأن الحج عرفة وعرفة المعرفة ومقام ابتغائه بمعنى الرزق هو قبل سيره إلى عرفات.
وقال جمع من المحققين : إنه بعد استكمال الحج الحقيقي لأنه لقوة عرفانه بالله لا تضره الدنيا بل يكون تصرفه فيها بالله في الله لله ﴿عند المشعر الحرام﴾ يعني القلب الذي حرام عليه الاطمئنان بغير ذكر الله ﴿واذكروه كما هداكم﴾ أي كما هدى قلوبكم يهدي نفوسكم كيلا تقع في خطر حب الدنيا. ﴿وإن كنتم من﴾ قبل الوقوف بعرفات المعرفة ﴿لمن الضالين﴾ في طلب الدنيا وحظوظ النفس ﴿من حيث أفاض الناس﴾ يعني محمداً وسائر الأنبياء والأولياء أي لتكن الإفاضة من عرفات المعرفة لأجل أداء الحقوق بالتعظيم لأمر الله والشفقة على خلق الله ﴿واستغفروا الله﴾ لأجل إزالة غين المخالطة مع الخلق كقوله ﴿إذا جاء نصر الله﴾ إلى قوله ﴿واستغفره﴾ [النصر: ١-٣] أي إذا وجدت هذا لا تخلو عن خط ما فاستغفره ﴿فإذا قضيتم﴾ مناسك الوصال وبلغتم مبلغ الرجال فلا تأمنوا مكر الله وواظبوا على الذكر ﴿كذكركم آباءكم﴾ في صغركم للافتقار وفي كبركم للافتخار ﴿أو أشد ذكراً﴾ لأنه يمكن الاستغناء من الأب ولا يمكن الاستغناء من الله ﴿والله سريع الحساب﴾ لأن أثر الطاعة وأثر المعصية تظهر في الحال على القلب ﴿في أيام معدودات﴾ هي أيام البداية والوسط والنهاية ﴿فمن تعجل في يومين﴾ وقف على الوسط ليكون من أهل الجنة ﴿فلا إثم عليه ومن تأخر﴾ إلى أن يصل يوم النهاية حتى يكون من أهل الله فذاك لمن اتقى الرجوع والوقوف، والله ولي التوفيق وهو حسبي.
الوقوف :﴿معلومات﴾ ط ﴿في الحج﴾ ط ﴿يعلمه الله﴾ ط ﴿التقوى﴾ ز للعارض بين الجملتين المتفقتين ﴿الألباب﴾ ه ﴿من ربكم﴾ ط لأن " إذا " أجيبت بالفاء فكانت شرطاً في ابتداء حكم آخر ﴿الحرام﴾ ص لعطف المتفقتين ﴿هداكم﴾ ج لأن الواو تصلح حالاً واستئنافاً. ﴿الضالين﴾ ه ﴿واستغفروا الله﴾ ج ﴿رحيم﴾ ه ﴿ذكراً﴾ ط ﴿من خلاق﴾ ه ﴿النار﴾ ه ﴿مما كسبوا﴾ ط ﴿الحساب﴾ ه نصف الجزء. ﴿معدودات﴾ ط لأن الشرط في بيان حكم آخر ﴿عليه﴾ الأولى ط لابتداء شرط آخر مع العطف ﴿عليه﴾ الثانية لا لتعليق اللام. ﴿اتقي﴾ ط لاختلاف النظم ﴿تحشرون﴾ ه.
﴿أولئك﴾ الداعون بالحسنتين ﴿لهم نصيب﴾ وأي نصيب ﴿مما كسبوا﴾ من جنس ما كسبوا من الأعمال الحسنة وهو الثواب الذي هو المنافع الحسنة. فمن للابتداء. ويحتمل التعليل أي من أجل ما كسبوا كقوله ﴿مما خطيئاتهم أغرقوا﴾ [نوح: ٢٥] والكسب ما يناله المرء بعمله ومنه يقال للأرباح " إنها كسب فلان " أولهم نصيب مما دعوا به يعطيهم بحسب مصالحهم في الدنيا واستحقاقهم في الآخرة وسمي الدعاء كسباً لأنه من الأعمال والأعمال موصوفة بالكسب ﴿وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم﴾ [الشورى: ٣٠] ويجوز أن يكون ﴿أولئك﴾ للفريقين جميعاً وأن لكل فريق نصيباً من جنس ما كسبوا. ﴿والله سريع الحساب﴾ السرعة نقيض البطء. والحساب مصدر كالمحاسبة وهو العدّ قال الزجاج : هو مأخوذ من قوله " حسبك كذا " أي كفاك. وذلك أن فيه كفاية وليس فيه زيادة على المقدار ولا نقصان. ومعنى كون الله محاسباً لخلقه قيل : إنه يعلمهم ما لهم وعليهم بأن يخلق العلم الضروري في قلوبهم بمقادير أعمالهم وكمياتها وكيفياتها، أو بمقادير ما لهم من الثواب والعقاب. ووجه هذا المجاز أن الحساب سبب لحصول علم الإنسان بماله وعليه، فإطلاق الحساب على هذا الإعلام إطلاق اسم السبب على المسبب. عن ابن عباس أنه قال : لا حساب على الخلق بل يقفون بين يدي الله يعطون كتبهم بأيمانهم فيها سيئاتهم فيقال لهم : هذه سيئاتكم قد تجاوزت عنها، ثم يعطون حسناتهم ويقال : هذه حسناتكم قد ضعفتها لكم. وقيل : المحاسبة المجازاة ﴿وكأين من قرية عتت عن أمر ربها ورسله فحاسبناها حساباً شديداً﴾ [الطلاق: ٨] ووجه المجاز أن الحساب سبب للأخذ والإعطاء. وقيل : إنه تعالى يكلم العباد في أحوال أعمالهم وكيفية ما لها من الثواب والعقاب. فمن قال : إن كلامه ليس بحرف ولا صوت قال : إنه تعالى يخلق في أذن المكلف سمعاً يسمع به كلامه القديم كما يخلق في عينه رؤية يرى بها ذاته القديمة. ومن قال : إنه صوت قال : إنه تعالى يخلق كلاماً يسمعه كل مكلف. إما بأن يخلق ذلك الكلام في أذن كل واحد منهم و في جسم يقرب من أذنه بحيث لا يبلغ قوة ذلك الصوت مبلغاً يمنع الغير من فهم ما كلف به، فهذا هو المراد من كونه محاسباً لخلقه، ومعنى كونه سريع الحساب أو قدرته تعالى متعلقة بجميع الممكنات من غير أن يفتقر في أحداث شيء إلى فكر وروية ومدة وعدّة، ولذلك ورد في الخبر أنه يحاسب الخلق في مقدار حلب شاة، وروي في لمحة. أو أنه سريع القبول لدعاء عباده والإجابة لهم لأنه قادر على أن يعطي مطالب جميع الخلائق في لحظة واحدة كما ورد في الدعاء المأثور " يا من لا يشغله سمع عن سمع "، أو أن وقت جزائه وحسابه سريع يوشك أن يقيم القيامة ويحاسب العباد كقوله تعالى ﴿اقترب للناس حسابهم﴾ [الأنبياء: ١].
وقال جمع من المحققين : إنه بعد استكمال الحج الحقيقي لأنه لقوة عرفانه بالله لا تضره الدنيا بل يكون تصرفه فيها بالله في الله لله ﴿عند المشعر الحرام﴾ يعني القلب الذي حرام عليه الاطمئنان بغير ذكر الله ﴿واذكروه كما هداكم﴾ أي كما هدى قلوبكم يهدي نفوسكم كيلا تقع في خطر حب الدنيا. ﴿وإن كنتم من﴾ قبل الوقوف بعرفات المعرفة ﴿لمن الضالين﴾ في طلب الدنيا وحظوظ النفس ﴿من حيث أفاض الناس﴾ يعني محمداً وسائر الأنبياء والأولياء أي لتكن الإفاضة من عرفات المعرفة لأجل أداء الحقوق بالتعظيم لأمر الله والشفقة على خلق الله ﴿واستغفروا الله﴾ لأجل إزالة غين المخالطة مع الخلق كقوله ﴿إذا جاء نصر الله﴾ إلى قوله ﴿واستغفره﴾ [النصر: ١-٣] أي إذا وجدت هذا لا تخلو عن خط ما فاستغفره ﴿فإذا قضيتم﴾ مناسك الوصال وبلغتم مبلغ الرجال فلا تأمنوا مكر الله وواظبوا على الذكر ﴿كذكركم آباءكم﴾ في صغركم للافتقار وفي كبركم للافتخار ﴿أو أشد ذكراً﴾ لأنه يمكن الاستغناء من الأب ولا يمكن الاستغناء من الله ﴿والله سريع الحساب﴾ لأن أثر الطاعة وأثر المعصية تظهر في الحال على القلب ﴿في أيام معدودات﴾ هي أيام البداية والوسط والنهاية ﴿فمن تعجل في يومين﴾ وقف على الوسط ليكون من أهل الجنة ﴿فلا إثم عليه ومن تأخر﴾ إلى أن يصل يوم النهاية حتى يكون من أهل الله فذاك لمن اتقى الرجوع والوقوف، والله ولي التوفيق وهو حسبي.