تفسير القرآن العظيم — ابن كثير
عن الكتاب
قال السدي : نزلت في الأخنس بن شَرِيق الثقفي، جاء إلى رسول الله ﷺ، وأظهر الإسلام وفي باطنه خلاف ذلك. وعن ابن عباس : أنها نزلت في نفر من المنافقين تكلموا في خُبَيب وأصحابه الذين قتلوا بالرّجيع وعابُوهم، فأنزل الله في ذم المنافقين ومدح خُبَيب وأصحابه :﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ﴾
وقيل : بل ذلك عام في المنافقين كلهم وفي المؤمنين كلهم. وهذا قول قتادة، ومجاهد، والرّبيع ابن أنس، وغير واحد، وهو الصحيح.
وقال ابن جرير : حدثني يونس، أخبرنا ابن وهب، أخبرني الليث بن سعد، عن خالد بن يزيد، عن سعيد بن أبي هلال، عن القرظي، عن نَوْف - وهو البكالي، وكان ممن يقرأ الكتب - قال : إني لأجد صفة ناس من هذه الأمة في كتاب الله المنزل : قَوم يحتالون على الدنيا بالدين، ألسنتهم أحلى من العسل، وقلوبهم أمَرّ من الصّبرِ، يلبسون للناس(١) مُسوك الضأن، وقلوبهم قلوب الذئاب. يقول الله تعالى : فعليّ يجترئون ! وبي يغتَرون ! حلفت بنفسي لأبعثن عليهم فتنة تترك الحليم فيها(٢) حيران. قال القرظي : تدبرتها في القرآن، فإذا هم المنافقون، فوجدتها :﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ﴾ الآية.
وحدثني محمد بن أبي معشر، أخبرني أبي أبو معشر نَجِيح قال : سمعت سعيدًا المقبري يذاكر محمد بن كعب القرظي، فقال سعيد : إن في بعض الكتب : إنّ [ لله ](٣) عبادًا ألسنتهم أحلى من
العسل، وقلوبهم أمَرّ من الصّبر، لبسوا للناس مُسُوك الضأن من اللين، يَجْترّون الدنيا بالدين. قال الله تعالى : عليّ(٤) تجترئون ! وبي تغترون !. وعزتي لأبعثنّ عليهم فتنة تترك الحليم منهم حيران. فقال محمد بن كعب : هذا في كتاب الله. فقال سعيد : وأين هو من كتاب الله ؟ قال : قول الله :﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ الآية. فقال سعيد : قد عرفتُ فيمن أنزلت هذه الآية. فقال محمد بن كعب : إن الآية تنزل في الرجل، ثم تكون عامة بعد. وهذا الذي قاله القرظي حسن صحيح.
وأما قوله :﴿وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ﴾ فقرأه ابن محيصن :" ويَشْهَدُ اللهُ " بفتح الياء، وضم الجلالة ﴿عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ﴾ ومعناها : أن هذا وإن أظهر لكم الحيل(٥) لكن الله يعلم من قلبه القبيح، كقوله تعالى :﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ [المنافقون: ١].
وقراءة الجمهور بضم الياء، ونصب الجلالة ﴿وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ﴾ ومعناه : أنه يُظْهرُ للناس الإسلام ويبارزُ الله بما في قلبه من الكفر والنفاق، كقوله تعالى :﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ﴾ الآية [النساء: ١٠٨] هذا معنى ما رواه ابن إسحاق، عن محمد بن أبي محمد، عن(٦) عكرمة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس.
وقيل : معناه أنه إذا أظهر للناس الإسلام حَلَف وأشهد الله لهم : أن الذي في قلبه موافق للسانه. وهذا المعنى صحيح، وقاله عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، واختاره ابن جرير، وعزاه إلى ابن عباس، وحكاه عن مجاهد، والله أعلم.
وقوله :﴿وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ﴾ الألد في اللغة :[ هو ](٧) الأعوج، ﴿وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا﴾ [مريم: ٩٧] أي : عُوجًا. وهكذا المنافق في حال خصومته، يكذب، ويَزْوَرّ عن الحق ولا يستقيم معه، بل يفتري ويفجر، كما ثبت في الصحيح عن رسول الله ﷺ أنه قال :" آية المنافق ثلاث : إذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر ".
وقال البخاري : حدثنا قَبيصةُ، حدثنا سفيان، عن ابن جُرَيج، عن ابن أبي مُلَيْكة، عن عائشة تَرْفَعُه قال :" أبغض الرجال إلى الله الألَدُّ الخَصم " (٨).
قال : وقال عبد الله بن يزيد : حدثنا سفيان، حدثني ابن جريج، عن ابن أبي مُلَيكة، عن عائشة، عن النبي ﷺ قال :" إن أبغض الرجال إلى الله الألد الخصم " (٩).
وهكذا رواه عبد الرزاق، عن مَعْمَر في قوله :﴿وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ﴾ عن ابن جريج، عن ابن أبي مليكة، عن عائشة، عن النبي ﷺ قال :" إن أبغض الرجال إلى الله الألد الخصم " (١٠).
قال السدي : نزلت في الأخنس بن شَرِيق الثقفي، جاء إلى رسول الله ﷺ، وأظهر الإسلام وفي باطنه خلاف ذلك. وعن ابن عباس : أنها نزلت في نفر من المنافقين تكلموا في خُبَيب وأصحابه الذين قتلوا بالرّجيع وعابُوهم، فأنزل الله في ذم المنافقين ومدح خُبَيب وأصحابه :﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ﴾
وقيل : بل ذلك عام في المنافقين كلهم وفي المؤمنين كلهم. وهذا قول قتادة، ومجاهد، والرّبيع ابن أنس، وغير واحد، وهو الصحيح.
وقيل : بل ذلك عام في المنافقين كلهم وفي المؤمنين كلهم. وهذا قول قتادة، ومجاهد، والرّبيع ابن أنس، وغير واحد، وهو الصحيح.
وقال ابن جرير : حدثني يونس، أخبرنا ابن وهب، أخبرني الليث بن سعد، عن خالد بن يزيد، عن سعيد بن أبي هلال، عن القرظي، عن نَوْف - وهو البكالي، وكان ممن يقرأ الكتب - قال : إني لأجد صفة ناس من هذه الأمة في كتاب الله المنزل : قَوم يحتالون على الدنيا بالدين، ألسنتهم أحلى من العسل، وقلوبهم أمَرّ من الصّبرِ، يلبسون للناس(١) مُسوك الضأن، وقلوبهم قلوب الذئاب. يقول الله تعالى : فعليّ يجترئون ! وبي يغتَرون ! حلفت بنفسي لأبعثن عليهم فتنة تترك الحليم فيها(٢) حيران. قال القرظي : تدبرتها في القرآن، فإذا هم المنافقون، فوجدتها :﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ﴾ الآية.
وحدثني محمد بن أبي معشر، أخبرني أبي أبو معشر نَجِيح قال : سمعت سعيدًا المقبري يذاكر محمد بن كعب القرظي، فقال سعيد : إن في بعض الكتب : إنّ [ لله ](٣) عبادًا ألسنتهم أحلى من
العسل، وقلوبهم أمَرّ من الصّبر، لبسوا للناس مُسُوك الضأن من اللين، يَجْترّون الدنيا بالدين. قال الله تعالى : عليّ(٤) تجترئون ! وبي تغترون !. وعزتي لأبعثنّ عليهم فتنة تترك الحليم منهم حيران. فقال محمد بن كعب : هذا في كتاب الله. فقال سعيد : وأين هو من كتاب الله ؟ قال : قول الله :﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ الآية. فقال سعيد : قد عرفتُ فيمن أنزلت هذه الآية. فقال محمد بن كعب : إن الآية تنزل في الرجل، ثم تكون عامة بعد. وهذا الذي قاله القرظي حسن صحيح.
وأما قوله :﴿وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ﴾ فقرأه ابن محيصن :" ويَشْهَدُ اللهُ " بفتح الياء، وضم الجلالة ﴿عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ﴾ ومعناها : أن هذا وإن أظهر لكم الحيل(٥) لكن الله يعلم من قلبه القبيح، كقوله تعالى :﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ [المنافقون: ١].
وقراءة الجمهور بضم الياء، ونصب الجلالة ﴿وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ﴾ ومعناه : أنه يُظْهرُ للناس الإسلام ويبارزُ الله بما في قلبه من الكفر والنفاق، كقوله تعالى :﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ﴾ الآية [النساء: ١٠٨] هذا معنى ما رواه ابن إسحاق، عن محمد بن أبي محمد، عن(٦) عكرمة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس.
وقيل : معناه أنه إذا أظهر للناس الإسلام حَلَف وأشهد الله لهم : أن الذي في قلبه موافق للسانه. وهذا المعنى صحيح، وقاله عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، واختاره ابن جرير، وعزاه إلى ابن عباس، وحكاه عن مجاهد، والله أعلم.
وقوله :﴿وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ﴾ الألد في اللغة :[ هو ](٧) الأعوج، ﴿وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا﴾ [مريم: ٩٧] أي : عُوجًا. وهكذا المنافق في حال خصومته، يكذب، ويَزْوَرّ عن الحق ولا يستقيم معه، بل يفتري ويفجر، كما ثبت في الصحيح عن رسول الله ﷺ أنه قال :" آية المنافق ثلاث : إذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر ".
وقال البخاري : حدثنا قَبيصةُ، حدثنا سفيان، عن ابن جُرَيج، عن ابن أبي مُلَيْكة، عن عائشة تَرْفَعُه قال :" أبغض الرجال إلى الله الألَدُّ الخَصم " (٨).
قال : وقال عبد الله بن يزيد : حدثنا سفيان، حدثني ابن جريج، عن ابن أبي مُلَيكة، عن عائشة، عن النبي ﷺ قال :" إن أبغض الرجال إلى الله الألد الخصم " (٩).
وهكذا رواه عبد الرزاق، عن مَعْمَر في قوله :﴿وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ﴾ عن ابن جريج، عن ابن أبي مليكة، عن عائشة، عن النبي ﷺ قال :" إن أبغض الرجال إلى الله الألد الخصم " (١٠).
١ في جـ، ط، أ، و: "يلبسون لباس"..
٢ في أ: "فيهم"..
٣ زيادة من جـ، ط، أ، و..
٤ في أ: "أعلي"..
٥ في جـ، و: "الجميل"..
٦ في جـ، ط: "أو"..
٧ زيادة من جـ، ط..
٨ صحيح البخاري برقم (٤٥٢٣)..
٩ صحيح البخاري برقم (٤٥٢٣)..
١٠ تفسير عبد الرزاق (١/٩٧)..
٢ في أ: "فيهم"..
٣ زيادة من جـ، ط، أ، و..
٤ في أ: "أعلي"..
٥ في جـ، و: "الجميل"..
٦ في جـ، ط: "أو"..
٧ زيادة من جـ، ط..
٨ صحيح البخاري برقم (٤٥٢٣)..
٩ صحيح البخاري برقم (٤٥٢٣)..
١٠ تفسير عبد الرزاق (١/٩٧)..
قال السدي : نزلت في الأخنس بن شَرِيق الثقفي، جاء إلى رسول الله ﷺ، وأظهر الإسلام وفي باطنه خلاف ذلك. وعن ابن عباس : أنها نزلت في نفر من المنافقين تكلموا في خُبَيب وأصحابه الذين قتلوا بالرّجيع وعابُوهم، فأنزل الله في ذم المنافقين ومدح خُبَيب وأصحابه :﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ﴾
وقيل : بل ذلك عام في المنافقين كلهم وفي المؤمنين كلهم. وهذا قول قتادة، ومجاهد، والرّبيع ابن أنس، وغير واحد، وهو الصحيح.