تفسير القرآن العظيم — ابن كثير

عن الكتاب
وقوله :﴿وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾ أي : هو أعوج المقال، سيّئ الفعَال، فذلك قوله، وهذا فعله : كلامه كَذِب، واعتقاده فاسد، وأفعاله قبيحة.
والسعي هاهنا هو : القَصْد. كما قال إخبارًا عن فرعون :﴿ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَى* فَحَشَرَ فَنَادَى* فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الأعْلَى* فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الآخِرَةِ وَالأولَى* إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشَى﴾ [النازعات: ٢٢ - ٢٦]، وقال تعالى :﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩] أي : اقصدوا واعمدوا ناوين بذلك صلاة الجمعة، فإن السعي الحسي إلى الصلاة منهيّ عنه بالسنة النبوية :" إذا أتيتم الصلاة فلا تأتوها وأنتم تَسْعَوْن، وأتوها وعليكم السكينةُ والوقار ".
فهذا المنافق ليس له همة إلا الفساد في الأرض، وإهلاك الحرث، وهو : مَحل نماء الزروع والثمار والنسل، وهو : نتاج الحيوانات الذين لا قوَام للناس إلا بهما.
وقال مجاهد : إذا سُعى في الأرض فسادًا، منع الله القَطْرَ، فهلك الحرث والنسل. ﴿وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾ أي : لا يحب من هذه صفَته، ولا من يصدر منه ذلك.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى