تفسير القرآن الكريم — ابن عثيمين

عن الكتاب
{ ) وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ ) ( البقرة : ٢٠٤ )
التفسير :
فيما سبق من الآيات قسم الناس في الحج إلى قسمين ؛ منهم من يقول :﴿ربنا آتنا في الدنيا وما له في الآخرة من خلاق﴾ [البقرة: ٢٠٠] ؛ ومنهم من يقول :﴿ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة﴾ [البقرة: ٢٠١] ؛ وهؤلاء لهم نصيب مما كسبوا ؛ هنا قسم الناس أيضاً إلى قسمين : إلى مؤمن ؛ وإلى منافق ؛ فقال تعالى في المنافق :﴿ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا﴾ ؛ ﴿من﴾ هنا للتبعيض ؛ وهي بمعنى بعض الناس ؛ ولهذا أعربها بعض النحويين على أنها مبتدأ ؛ قال : لأنها حرف بمعنى الاسم ؛ إذ إنها بمعنى بعض الناس ؛ فيكون ﴿من﴾ مبتدأ، و ﴿من يعجبك﴾ خبره ؛ لكن المشهور أن ﴿مِنْ﴾ حرف جر ؛ و ﴿من الناس﴾ جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر مقدم ؛ و ﴿من يعجبك﴾ مبتدأ مؤخر ؛ يعني : ومن الناس الذي يعجبك قوله، والخطاب في قوله تعالى :﴿يعجبك﴾ إما للرسول ( ص ) ؛ وإما لكل من يتأتى خطابه ؛ والأولى الثاني.
وقوله تعالى :﴿من يعجبك قوله﴾ ذكر بعض النحويين أنه إذا قيل :«أعجبني كذا » فهو لما يستحسن ؛ وإذا قلت :«عجبت من كذا » فهو لما ينكر ؛ فتقول مثلاً :«أعجبني قول فلان » إذا كان قولاً حسناً ؛ و«عجبت من قوله » إذا كان قولاً سيئاً منكراً ؛ فقوله تعالى :﴿من يعجبك قوله﴾ أي من تستحسن قوله.
قوله تعالى :﴿في الحياة الدنيا﴾ أي إذا تكلم فيما يتعلق بأمور الدنيا كأن يتكلم بشيء، ويتوصل به إلى نجاته من القتل، والسبي ؛ لأن هذه الآية في المنافقين ؛ ودليل ذلك قوله تعالى :﴿وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم وإن يقولوا تسمع لقولهم﴾ [المنافقون: ٤] من حسنه، وفصاحته ؛ ولكنهم أهل غرور، وخداع، وكذب ؛ فإن آية المنافق ثلاث ؛ منها : إذا حدث كذب.
وقوله تعالى :﴿في الحياة الدنيا﴾ متعلق بمحذوف حالاً من ﴿قوله﴾ ؛ والتقدير : قوله حال كونه فيما يتعلق بالدنيا ؛ لأنه لا يتكلم في أمور الدين ؛ ويحتمل أن المعنى : القول الذي يعجب حتى في الدين ؛ لكن لا ينتفع به في الآخرة ؛ إنما ينتفع به في الدنيا فقط.
قوله تعالى :﴿ويشهد الله على ما في قلبه﴾ ؛ اختلف المفسرون في معناها على قولين : الأول : أن المعنى استمراره في النفاق ؛ لأن الله - تبارك وتعالى - يعلم ما في قلبه من هذا النفاق ؛ فاستمراره عليه إشهاد لله تعالى على ما في قلبه.
والقول الثاني : أن المعنى : أن يُقسم، ويحلف بالله أنه مؤمن مصدق، وأن الذي في قلبه هو هذا ؛ فيشهد الله على ما في قلبه من محبة الإيمان، والتمسك به وهو كاذب في ذلك ؛ ويدل لذلك قوله تعالى :﴿إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله والله يعلم إنك لرسوله والله يشهد إن المنافقين لكاذبون﴾ [المنافقون: ١]، أي لكاذبون في دعواهم أنهم يشهدون بذلك ؛ وعندي أن المعنيين لا يتنافيان ؛ كلاهما حق ؛ فهو منطوٍ على الكفر والنفاق ؛ وهو أيضاً يُعلم الناس، ويُشهد الله على أنه مؤمن ؛ أما حقيقته قال الله تعالى فيه :﴿وهو ألد الخصام﴾ يعني : أعوجهم، وأكذبهم ؛ و ﴿الخصام﴾ يحتمل أن يكون مصدراً ؛ ويحتمل أن يكون جمعاً ؛ إن كان مصدراً ففعله : خاصم يخاصم، مثل : جادل يجادل ؛ وقاتل يقاتل ؛ وعلى هذا :﴿ألد الخصام﴾ تكون الإضافة لفظية ؛ لأنها صفة مشبهة مضافة إلى موصوفها - أي وخصامه ألد الخصام ؛ وإن كان جمعاً فمفرده : خَصِم ؛ فيكون المعنى أنه ألد الخصوم - أي أعوجهم، وأشدهم كذباً ؛ ويكون أيضاً من باب إضافة الصفة إلى موصوفها ؛ لأنَّ المعنى ؛ وهو من الخصوم الأشداء الأقوياء في خصومتهم ؛ وهذا الرجل صار ألد الخصام ؛ لأن قوله جيد، وبيِّن يعجبك قوله، فتجده لاعتماده على فصاحته، وبيانه ألد الخصام.
الفوائد :
١- من فوائد الآية : أنه لا ينبغي للإنسان أن يغتر بظواهر الأحوال ؛ لقوله تعالى :﴿ومن الناس من يعجبك قوله﴾ ؛ وكذلك من الناس من يعجبك فعله ؛ ولكنه منطوٍ على الكفر - والعياذ بالله ؛ ولكن لا شك أنه بالنسبة إلينا ليس لنا أن نحكم إلا بما يقتضيه الظاهر ؛ لأن ما في القلوب لا نعلمه ؛ ولا يمكن أن نحاسب الناس على ما في القلوب ؛ وإنما نحاسبهم على حسب الظاهر.
٢- ومنها : أن هذا الصنف من الناس يُشهد الله على ما في قلبه إما مما أظهره ؛ وإما مما أبطنه - حسب ما سبق.
٣- ومنها : الإشارة إلى ذم الجدل، والخصام ؛ لقوله تعالى :﴿وهو ألد الخصام﴾ ؛ لأن الخصومات في الغالب لا يكون فيها بركة ؛ وقد ثبت في صحيح البخاري من حديث عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :«أبغض الرجال إلى الله الألد الخصم »(١) أي الإنسان المخاصم المجادل بالباطل ليدحض به الحق ؛ وما من إنسان في الغالب أعطي الجدل إلا حرم بركة العلم ؛ لأن غالب من أوتي الجدل يريد بذلك نصرة قوله فقط ؛ وبذلك يحرم بركة العلم ؛ أما من أراد الحق فإن الحق سهل قريب لا يحتاج إلى مجادلات كبيرة ؛ لأنه واضح ؛ ولذلك تجد أهل البدع الذين يخاصمون في بدعهم علومهم ناقصة البركة لا خير فيها ؛ وتجد أنهم يخاصمون، ويجادلون، وينتهون إلى لا شيء ؛ لا ينتهون إلى الحق ؛ لأنهم لم يقصدوا إلا أن ينصروا ما هم عليه ؛ فكل إنسان جادل من أجل أن ينتصر قوله فإن الغالب أنه لا يوفق، ولا يجد بركة العلم ؛ وأما من جادل ليصل إلى العلم، ولإثبات الحق، وإبطال الباطل فإن هذا مأمور به ؛ لقوله تعالى :﴿ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن﴾ [النحل: ١٢٥].
٤- ومنها : إثبات علم الله عزّ وجلّ بما في الصدور ؛ لقوله تعالى :﴿ويشهد الله على ما في قلبه﴾ ؛ لأن ما في القلب لا يعلمه إلا الله عزّ وجلّ.
١ أخرجه البخاري ص١٩٣، كتاب المظالم والغصب، باب ١٥: قول الله تعالى: (وهو ألد الخصام)، حديث رقم ٢٤٥٧، وأخرجه مسلم ص١١٤٢، كتاب العلم، باب ١: في الألد الخصم، حديث رقم ٦٧٨٠ [٥] ٢٦٦٨..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى