البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي
عن الكتاب
السلم : بكسر السين وفتحها : الصلح، ويذكر ويؤنث، وأصله من الاستسلام، وهو الانقياد.
وحكى البصريون عن العرب : بنو فلان سِلم وسَلم بمعنى واحد، ويطلق بالفتح والكسر على الإسلام، قاله الكسائي وجماعة من أهل اللغة، وأنشدوا بعض قول كندة :
دعوت عشيرتي للسلم لما***
رأيتهم تولوا مدبرينا
أي : للإِسلام، قال ذلك لما ارتدت كندة مع الأشعث بن قيس بعد وفاة رسول الله ﷺ وقال آخر في الفتح :
شرائعُ السِّلم قد بانت معالمها***
فما يرى الكُفْرَ إلاَّ من به خبلُ
يريد : الإِسلام، لأنه قابله بالكفر، وقيل بالكسر : الإِسلام وبالفتح : الصلح.
كافة : هو اسم فاعل استعمل بمعنى : جميعاً، وأصل اشتقاقه من كف الشيء : منع من أخذه، والكف المنع، ومنه كفة القميص حاشيته، ومنه الكف وهو طرف اليد لأنه يكف بها عن سائر البدن، ورجل مكفوف منع بصره أن ينظر، ومنه كفة الميزان لأنها تمنع الموزون أن ينتشر، وقال بعض اللغويين : كفة بالضم لكل مستطيل، وبالكسر لكل مستدير، وكافة : مما لزم انتصابه على الحال نحو : قاطبة، فاخراجها عن النصب حالاً لحن.
﴿يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة﴾ نزلت في عبد الله بن سلام ومن أسلم معه، كانوا يتقون السبت، ولحم الحمل، وأشياء تتقيها أهل الكتاب، قاله عكرمة، ورواه أبو صالح عن ابن عباس، أو : في أهل الكتاب الذين لم يؤمنوا برسول الله ﷺ، قاله الضحاك.
وروي عن ابن عباس : أو في المسلمين يأمرهم بالدخول في شرائع الإسلام، قاله مجاهد، وقتادة.
أو : في المنافقين، واحتج لهذا بورودها عقيب صفة المنافقين، وعلى هذا الاختلاف في سبب النزول اختلفت أقاويل أهل التفسير.
وقرأ نافع، وابن كثير، والكسائي : بفتح السين في السلم، وكذلك في الأنفال :﴿وإن جنحوا للسلم﴾ وفي القتال :﴿وتدعوا إلى السلم﴾
واختلف في السلم هنا، فقيل : هو الإسلام، لأن الإسلام : قد يسمى : سِلماً بكسر السين، وقد يروى فيه الفتح، كما روي في السلم الذي هو الصلح الفتح والكسر، إلا أن الفتح في السلم الذي هو الإسلام قليل، وجوّز أبو عليّ الفارسي أن يكون السلم هنا هو الذي بمعنى الصلح، لأن الإسلام صلح على الحقيقة، ألا ترى أنه لا قتال بين أهله، وأنهم يد واحدة على من سواهم ؟ فإن كان الخطاب لابن سلام وأصحابه فقد أمروا بالدخول في شرائع الإسلام، وأن لا يبقوا على شيء من شرائع أهل الكتاب التي لا توافق شرائع الإسلام، وإن كان الخطاب لأهل الكتاب الذين لم يؤمنوا بالرسول، فالمعنى : يا أيها الذين آمنوا بما سبق من أنبيائهم ادخلوا في هذه الشريعة، وهي لهم، كأنه قيل : يا من سبق له الإيمان بالتوراة والإنجيل، وهما دالان على صدق هذه الشريعة، ادخلوا في هذه الشريعة، وإن كان الخطاب للمسلمين فالمعنى : يا من آمن بقلبه، وصدّق، ادخل في شرائع الإسلام، واجمع إلى الإيمان الإسلام.
وقد فسر رسول الله ﷺ الإيمان والإسلام في حديث سؤال جبريل حين سأله عن حقيقة كل واحد منهما.
وإن كان الخطاب للمنافقين، فالمعنى : يا من آمن بلسانه، ادخل في الإسلام بالقلب حتى يطابق القول الاعتقاد.
والظاهر من هذه الأقوال أنه خطاب للمؤمنين، أمروا بامتثال شرائع الإسلام، أو بالانقياد، والرضى وعدم الاضطرار، أو بترك الانتقام، وأمروا كلهم بالائتلاف وترك الاختلاف، ولذلك جاء بقوله ﴿كافة﴾ وانتصاب ﴿كافة﴾ على الحال من الفاعل في : ادخلوا، والمعنى ادخلوا في السلم جميعاً، وهي حال تؤكد معنى العموم، فتفيد معنى : كل، فإذا قلت : قام الناس كافة، فالمعنى قاموا كلهم، وأجاز الزمخشري وغيره أن يكون حالاً من السلم، أي في شرائع الإسلام كلها، أمروا بأن لا يدخلوا في طاعة دون طاعة.
قال الزمخشري : ويجوز أن تكون : كافة، حالاً من السلم، لأنها تؤنث كما تؤنث الحرب، قال الشاعر :
السلم تأخذ منها ما رضيت به***
والحرب تكفيك من أنفاسها جُرع
على أن المؤمنين أمروا بأن يدخلوا في الطاعات كلها، وأن لا يدخلوا في طاعة دون طاعة، أو في شعب الإسلام وشرائعه كلها، وأن لا يخلوا بشيء منها.
وعن عبد الله بن سلام أنه استأذن رسول الله ﷺ أن يقيم على السبت، وأن يقرأ من التوراة في صلاته من الليل.
و : كافة، من الكف، كأنهم كفوا أن يخرج منهم أحد باجتماعهم.
انتهى كلام الزمخشري.
وتعليله جواز أن يكون : كافة، حالاً من السلم بقوله : لأنها تؤنث كما تؤنث الحرب، ليس بشيء، لأن التاء في : كافة، وإن كان أصلها للتأنيث، ليست فيها إذا كانت حالاً للتأنيث، بل صار هذا نقلاً محضاً إلى معنى : جميع وكل، كما صار : قاطبة، وعامة، إذا كان حالاً نقلاً محضاً إلى معنى : كل وجميع.
فإذا قلت : قام الناس كافة، أو قاطبة، أو عامة، فلا يدل شيء من هذه الألفاظ على التأنيث، كما لا يدل عليه : كل، ولا جميع.
وتوكيده بقوله : وفي شعب الإسلام وشرائعه كلها، هو الوجه الأول من قوله : بأن يدخلوا في الطاعات كلها، فلا حاجة إلى هذا الترديد بأو.
وقال ابن عطية : وقالت فرقة : جميع المؤمنين بمحمد ﷺ، والمعنى : أمرهم بالثبوت فيه، والزيادة من التزام حدوده.
وتستغرق : كافة، حينئذ المؤمنين وجميع أجزاء الشرع، فيكون الحال من شيئين، وذلك جائز نحو قوله تعالى :﴿فأتت به قومها تحمله﴾ إلى غير ذلك من الأمثلة.
ثم قال بعد كلام ذكره : وكافة، معناه : جميعاً.
والمراد بالكافة الجماعة التي تكف مخالفيها.
انتهى كلامه.
وقوله : فيكون الحال من شيئين، يعني : من الفاعل في ادخلوا، ومن السلم، وهذا الذي ذكره محتمل، ولكن الأظهر أنه حال من ضمير الفاعل، وذلك جائز، يعني : مجيء الحال الواحدة من شيئين، وفي ذلك تفصيل ذكر في النحو.
وقوله : نحو قوله :﴿فأتت به قومها تحمله﴾ يعني أن تحمله حال من الفاعل المستكن في أتت، ومن الضمير المجرور بالباء، هذا المثال ليس بمطابق : للحال من شيئين، لأن لفظ : تحمله، لا يحتمل شيئين، ولا يقع الحال من شيئين إلا إذا كان اللفظ يحتملهما، واعتبار ذلك بجعل ذوي الحال مبتدأين، والإخبار بتلك الحال عنهما، فمتى صح ذلك صحت الحال، ومتى امتنع امتنعت.
مثال ذلك قوله :
وعلقت سلمى وهي ذات موصد***
ولم يبد للأتراب من ثديها حجم
صغيرين نرعى البهم يا ليت أننا***
إلى اليوم لم نكبر ولم تكبر البهم
فصغيرين : حال من الضمير في علقت، ومن سلمى، لأنه يصلح أن يقول أنا وسلمى صغيران نرعى البهم، ومثله :
خرجت بها نمشي تجرّ وراءنا***
فنمشي حال من التاء في : خرجت، ومن الضمير المجرور في بها، ويصلح أن تقول : أنا وهي نمشي، وهنا لا يصلح أن تكون تحمله خبراً عنهما، لو قلت : هي وهو تحمله لم يصح أن يكون تحمله خبراً، نحو قوله : هند وزيد تكرمه، لأن تحمله وتكرمه لا يصح أنّ يقدر إلاّ بمفرد، فيمتنع أن يكون حالاً من ذوي حال، ولذلك أعرب المعربون في :
خرجت بها نمشي تجر وراءنا***
نمشي : حالاً منهما، وتجر حالاً من ضمير المؤنث خاصة، لأنه لو قيل : أنا وهي تجر وراءنا لم يجز أن يكون تجر خبراً عنها، لأن تجر وتحمل إنما يتقدران بمفرد، أي حاملة وجارة، وإذا صرحت بهذا المفرد لم يمكن أن يكون حالاً منهما.
و ﴿كافة﴾ لدلالته على معنى : جميع، يصلح أن يكون حالاً من الفاعل في : ادخلوا، ومن السلم، بمعنى شرائع الإسلام، لأنك لو قلت : الرجال والنساء جميع في كذا، صح أن يكون خبراً.
لا يقال كافة لا يصلح أن يكون خبراً، لا تقول : الزيدون والعمرون كافة، في كذا، فلا يجوز أن يقع حالاً على ما قررت، لأن امتناع ذلك إنما هو بسبب مادة : كافة، إذ لم يتصرف فيها، بل التزم نصبها على الحال، لكن مرادفها يصح فيه ذلك، وقوله : والمراد بالكافة الجماعة التي يكف مخالفها، يعني : أن هذا في أصل الوضع، ثم صار الاستعمال لها لمعنى : جميعاً، كما قال هو وغيره، وكافة : معناه جميعاً.
﴿ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدوّ مبين﴾ قد تقدم تفصيل هاتين الجملتين بعد قوله :﴿يا أيها الناس كلوا مما في الأرض حلالاً طيباً﴾ فأغنى ذلك عن إعادته، وقال صاحب ( الكتاب الموضح ) أبو عبد الله نصر بن علي بن محمد : عرف بابن مريم، ان ضم عين الكلمة في مثل هذا، نحو : عرفة وعرفات، هو مذهب أهل الحجاز، وقال فيمن سكن الطاء : إنهم لما جمعوا نووا الضمة في الطاء، ثم أسكنوها استخفافاً، وهو في تقدير الثبات يدل على أن الضمة في حكم الثابت، أن هذه حركة يفصل بها بين الاسم والصفة، كما هي في جمع : فعلة، المفتوحة الفاء، فلا تحذف عين الاسم حذفاً، إذ هي فارقة بينه وبين الصفة، فهي منوية لا محالة.
انتهى كلامه.
واتضح من هذا أنه في الصفة لا ينقل، فإذا جمعنا : حلوة وضحكة، المراد به صفة المؤنث، فلا تقول : حلوات، ولا ضحكات، بضم عين الكلمة، وعلى هذا قياس : فعلة، الصفة نحو : جلفة، لا يقال فيه جلفات.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: وقد تضمنت هذه الآيات الكريمة من أواخر أقوال الحج وأفعاله الأمر بذكر الله في أيام معدودات، أي : قلائل، ودل الذكر على الرمي وإن لم يصرح به، لأن الذكر المأمور به في تلك الأيام هو عند الرمي، ودل الأمر على مشروعيته في أيام، وهو : جمع، ثم رخص في التعجيل عند انقضاء يومين منها، فسقط الذكر المختص به اليوم الثالث، وأخبر أن حال المتعجل والمتأخر سواء في عدم الإثم، وإن كان حال من تأخر أفضل، وكان بعض الجاهلية يعتقد أن من تعجل أثم، وبعضهم يعتقد أن من تأخر أثم، فلذلك أخبر أن الله رفع الإثم عنهما، إذ كان التعجل والتأخر مما شرعه الله تعالى، ثم أخبر أن ارتفاع الإثم لا يكون إلا لمن اتقى الله تعالى.
ثم أمر بالتقوى، وتكرار الأمر بها في الحج، ثم ذكر الحامل على التلبس بالتقوى، وهو كونه تعالى شديد العقاب لمن لم يتقه.
ثم لما كانت التقوى تنقسم إلى من يظهرها بلسانه وقلبه منطو على خلافها، وإلى من تساوى سريرته وعلانيته في التقوى، قسم الله تعالى ذلك إلى قسمين، فقال :﴿ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا﴾ أي : يؤنقك ويروق لفظه، يحسن ما يأتي به من الموافقة والطواعية ظاهراً، ثم لا يكتفي بما زوّر ونمق من كلامه اللطيف حتى يشهد الله على ما في قلبه من ذلك، فيحلف بالله أن سريرته مثل علانيته، وهو إذا خاصم كان شديد الخصومة.
وإذا خرج من عندك تقلب في نواحي الأرض، ثم ذكر تعالى سبب سعيه وأنه للإفساد مطلقاً، وليهلك الحرث والنسل اللذين هما قوام الوجود، ثم أخبر تعالى أنه لا يحب الفساد، فهذا المتولي الساعي في الأرض يفعل ما لا يحبه الله ولا يرضاه، ثم ذكر أنه من شدّة الشكيمة في النفاق إذا أمر بتقوى الله تعالى استولت عليه الأنفة والغضب بالإثم.
أي : مصحوباً بالإثم فليس غضبه لله. إنما هو لغير الله، فلذلك استصحبه الإثم.
ثم ذكر تعالى ما يؤول إليه حال هذا الآنف المغترّ بغير الله، وهو جهنم، فهي كافية له، ومبدلته بعد عزه ذلاً، ثم ذمّ تعالى ما مهد لنفسه من جهنم، وبئس الغاية الذم.
ثم ذكر تعالى القسم المقابل لهذا القسم، وهو : من باع نفسه في طلاب رضى الله تعالى، واكتفى بهذا الوصف الشريف، إذ دل على انطوائه على جميع الطاعات والانقيادات، إذ صار عبد الله يوجد حيث رضي الله تعالى، ثم ذكر تعالى أن من كان بهذه المثابة رأف الله به ورحمه، ورأفة الله به تتضمن اللطف به والإحسان إليه بجميع أنواع الإحسان، وذكر الرأفة التي هي، قيل : أرق من الرحمة.
ثم نادى المؤمنين بقوله :﴿يا أيها الذين آمنوا﴾ وأمرهم بالدخول في الإسلام، وثنى بالنهي، لأن الأمر أشق من النهي، لأن الأمر فعل والنهي ترك، ولمجاورته قوله :﴿ومن الناس من يشري نفسه﴾ فصار نظير :﴿يوم تبيضّ وجوه وتسودُّ وجوه فأما الذين اسودّت وجوههم﴾ ولما نهاهم تعالى عن اتباع خطوات الشيطان، وهي : سلوك معاصي الله، أخبر أنه إن زلوا من بعد ما أتتهم البينات الواضحة النيرة التي لا ينبغي أن يقع الزلل معها، لأن في ايضاحها ما يزيل اللبس، فاعلموا أن الله عزيز لا يغالب، حكيم يضع الأشياء مواضعها، فيجازي على الزلل بعد وضوح الآيات التي تقتضي الثبوت في الطاعة بما يناسب ذلك الزلل، فدل بعزته على القدرة، وبحكمته على جزاء العاصي والطائع :﴿ليجزي الذين أساؤا بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى﴾
ثم أعرض تعالى عن خطابهم، وأخبر عنهم إخبار الغائبين، مسلياً لرسوله عن تباطئهم في الدخول في الإسلام، فقال : ما ينتظرون إلاَّ قيام الساعة يوم فصل الله بين العباد، وقضاء الأمر، ورجوع جميع الأمور إليه، فهناك تظهر ثمرة ما جنوا على أنفسهم، كما جاء في الحديث :« إن يوم القيامة يأتيهم الله في صورة » كذا، على ما يليق بتقديسه عن جميع ما يشبه المخلوقين، وننزهه عما يستحيل عليه من سمات الحدوث وصفات النقص.
ثم قال تعالى :﴿سل بني إسرائيل﴾ منبهاً على أن دأب من أرسل إليه الأنبياء، وظهرت لهم المعجزات الإعراض عن ذلك، وعدم قبول الإيمان، وأنهم يرتبون على الشيء غير مقتضاه، فيكذبون بالآيات التي جاءت دالة على الصدق.
ثم أخبر تعالى : أن من بدل نعمة الله عاقبه أشدّ العقاب، قابل نعمة الله التي هي مظنة الشكر بالكفر، ثم ذكر تعالى الحامل لهم على تبديل نعم الله، وهو : تزيين الحياة الدنيا، فرغبوا في الفاني وزهدو ا في الباقي إيثاراً للعاجل على الآجل، ثم ذكر مع ذلك استهزاءهم بالمؤمنين، حيث ما يتوهم في وصف الإيمان، والرغبة فيما عند الله تعالى، وذكر أنهم هم العالون يوم القيامة، ودل بذلك على أن أولئك هم السافلون، ثم ذكر أنه يرزق المؤمنين، وهم الذين يحبهم، بغير حساب، إشارة إلى سعة الرزق وعدم التقتير، والتقدير : وأعاد ذكرهم بلفظ : من يشاء، تنبيهاً على إرادته لهم، ومحبته إياهم، واختصاصهم به، إذ لو قال : والله يرزقهم بغير حساب، لفات هذا المعنى من ذكر المشيئة التي هي الإرادة.
وحكى البصريون عن العرب : بنو فلان سِلم وسَلم بمعنى واحد، ويطلق بالفتح والكسر على الإسلام، قاله الكسائي وجماعة من أهل اللغة، وأنشدوا بعض قول كندة :
دعوت عشيرتي للسلم لما***
رأيتهم تولوا مدبرينا
أي : للإِسلام، قال ذلك لما ارتدت كندة مع الأشعث بن قيس بعد وفاة رسول الله ﷺ وقال آخر في الفتح :
شرائعُ السِّلم قد بانت معالمها***
فما يرى الكُفْرَ إلاَّ من به خبلُ
يريد : الإِسلام، لأنه قابله بالكفر، وقيل بالكسر : الإِسلام وبالفتح : الصلح.
كافة : هو اسم فاعل استعمل بمعنى : جميعاً، وأصل اشتقاقه من كف الشيء : منع من أخذه، والكف المنع، ومنه كفة القميص حاشيته، ومنه الكف وهو طرف اليد لأنه يكف بها عن سائر البدن، ورجل مكفوف منع بصره أن ينظر، ومنه كفة الميزان لأنها تمنع الموزون أن ينتشر، وقال بعض اللغويين : كفة بالضم لكل مستطيل، وبالكسر لكل مستدير، وكافة : مما لزم انتصابه على الحال نحو : قاطبة، فاخراجها عن النصب حالاً لحن.
﴿يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة﴾ نزلت في عبد الله بن سلام ومن أسلم معه، كانوا يتقون السبت، ولحم الحمل، وأشياء تتقيها أهل الكتاب، قاله عكرمة، ورواه أبو صالح عن ابن عباس، أو : في أهل الكتاب الذين لم يؤمنوا برسول الله ﷺ، قاله الضحاك.
وروي عن ابن عباس : أو في المسلمين يأمرهم بالدخول في شرائع الإسلام، قاله مجاهد، وقتادة.
أو : في المنافقين، واحتج لهذا بورودها عقيب صفة المنافقين، وعلى هذا الاختلاف في سبب النزول اختلفت أقاويل أهل التفسير.
وقرأ نافع، وابن كثير، والكسائي : بفتح السين في السلم، وكذلك في الأنفال :﴿وإن جنحوا للسلم﴾ وفي القتال :﴿وتدعوا إلى السلم﴾
واختلف في السلم هنا، فقيل : هو الإسلام، لأن الإسلام : قد يسمى : سِلماً بكسر السين، وقد يروى فيه الفتح، كما روي في السلم الذي هو الصلح الفتح والكسر، إلا أن الفتح في السلم الذي هو الإسلام قليل، وجوّز أبو عليّ الفارسي أن يكون السلم هنا هو الذي بمعنى الصلح، لأن الإسلام صلح على الحقيقة، ألا ترى أنه لا قتال بين أهله، وأنهم يد واحدة على من سواهم ؟ فإن كان الخطاب لابن سلام وأصحابه فقد أمروا بالدخول في شرائع الإسلام، وأن لا يبقوا على شيء من شرائع أهل الكتاب التي لا توافق شرائع الإسلام، وإن كان الخطاب لأهل الكتاب الذين لم يؤمنوا بالرسول، فالمعنى : يا أيها الذين آمنوا بما سبق من أنبيائهم ادخلوا في هذه الشريعة، وهي لهم، كأنه قيل : يا من سبق له الإيمان بالتوراة والإنجيل، وهما دالان على صدق هذه الشريعة، ادخلوا في هذه الشريعة، وإن كان الخطاب للمسلمين فالمعنى : يا من آمن بقلبه، وصدّق، ادخل في شرائع الإسلام، واجمع إلى الإيمان الإسلام.
وقد فسر رسول الله ﷺ الإيمان والإسلام في حديث سؤال جبريل حين سأله عن حقيقة كل واحد منهما.
وإن كان الخطاب للمنافقين، فالمعنى : يا من آمن بلسانه، ادخل في الإسلام بالقلب حتى يطابق القول الاعتقاد.
والظاهر من هذه الأقوال أنه خطاب للمؤمنين، أمروا بامتثال شرائع الإسلام، أو بالانقياد، والرضى وعدم الاضطرار، أو بترك الانتقام، وأمروا كلهم بالائتلاف وترك الاختلاف، ولذلك جاء بقوله ﴿كافة﴾ وانتصاب ﴿كافة﴾ على الحال من الفاعل في : ادخلوا، والمعنى ادخلوا في السلم جميعاً، وهي حال تؤكد معنى العموم، فتفيد معنى : كل، فإذا قلت : قام الناس كافة، فالمعنى قاموا كلهم، وأجاز الزمخشري وغيره أن يكون حالاً من السلم، أي في شرائع الإسلام كلها، أمروا بأن لا يدخلوا في طاعة دون طاعة.
قال الزمخشري : ويجوز أن تكون : كافة، حالاً من السلم، لأنها تؤنث كما تؤنث الحرب، قال الشاعر :
السلم تأخذ منها ما رضيت به***
والحرب تكفيك من أنفاسها جُرع
على أن المؤمنين أمروا بأن يدخلوا في الطاعات كلها، وأن لا يدخلوا في طاعة دون طاعة، أو في شعب الإسلام وشرائعه كلها، وأن لا يخلوا بشيء منها.
وعن عبد الله بن سلام أنه استأذن رسول الله ﷺ أن يقيم على السبت، وأن يقرأ من التوراة في صلاته من الليل.
و : كافة، من الكف، كأنهم كفوا أن يخرج منهم أحد باجتماعهم.
انتهى كلام الزمخشري.
وتعليله جواز أن يكون : كافة، حالاً من السلم بقوله : لأنها تؤنث كما تؤنث الحرب، ليس بشيء، لأن التاء في : كافة، وإن كان أصلها للتأنيث، ليست فيها إذا كانت حالاً للتأنيث، بل صار هذا نقلاً محضاً إلى معنى : جميع وكل، كما صار : قاطبة، وعامة، إذا كان حالاً نقلاً محضاً إلى معنى : كل وجميع.
فإذا قلت : قام الناس كافة، أو قاطبة، أو عامة، فلا يدل شيء من هذه الألفاظ على التأنيث، كما لا يدل عليه : كل، ولا جميع.
وتوكيده بقوله : وفي شعب الإسلام وشرائعه كلها، هو الوجه الأول من قوله : بأن يدخلوا في الطاعات كلها، فلا حاجة إلى هذا الترديد بأو.
وقال ابن عطية : وقالت فرقة : جميع المؤمنين بمحمد ﷺ، والمعنى : أمرهم بالثبوت فيه، والزيادة من التزام حدوده.
وتستغرق : كافة، حينئذ المؤمنين وجميع أجزاء الشرع، فيكون الحال من شيئين، وذلك جائز نحو قوله تعالى :﴿فأتت به قومها تحمله﴾ إلى غير ذلك من الأمثلة.
ثم قال بعد كلام ذكره : وكافة، معناه : جميعاً.
والمراد بالكافة الجماعة التي تكف مخالفيها.
انتهى كلامه.
وقوله : فيكون الحال من شيئين، يعني : من الفاعل في ادخلوا، ومن السلم، وهذا الذي ذكره محتمل، ولكن الأظهر أنه حال من ضمير الفاعل، وذلك جائز، يعني : مجيء الحال الواحدة من شيئين، وفي ذلك تفصيل ذكر في النحو.
وقوله : نحو قوله :﴿فأتت به قومها تحمله﴾ يعني أن تحمله حال من الفاعل المستكن في أتت، ومن الضمير المجرور بالباء، هذا المثال ليس بمطابق : للحال من شيئين، لأن لفظ : تحمله، لا يحتمل شيئين، ولا يقع الحال من شيئين إلا إذا كان اللفظ يحتملهما، واعتبار ذلك بجعل ذوي الحال مبتدأين، والإخبار بتلك الحال عنهما، فمتى صح ذلك صحت الحال، ومتى امتنع امتنعت.
مثال ذلك قوله :
وعلقت سلمى وهي ذات موصد***
ولم يبد للأتراب من ثديها حجم
صغيرين نرعى البهم يا ليت أننا***
إلى اليوم لم نكبر ولم تكبر البهم
فصغيرين : حال من الضمير في علقت، ومن سلمى، لأنه يصلح أن يقول أنا وسلمى صغيران نرعى البهم، ومثله :
خرجت بها نمشي تجرّ وراءنا***
فنمشي حال من التاء في : خرجت، ومن الضمير المجرور في بها، ويصلح أن تقول : أنا وهي نمشي، وهنا لا يصلح أن تكون تحمله خبراً عنهما، لو قلت : هي وهو تحمله لم يصح أن يكون تحمله خبراً، نحو قوله : هند وزيد تكرمه، لأن تحمله وتكرمه لا يصح أنّ يقدر إلاّ بمفرد، فيمتنع أن يكون حالاً من ذوي حال، ولذلك أعرب المعربون في :
خرجت بها نمشي تجر وراءنا***
نمشي : حالاً منهما، وتجر حالاً من ضمير المؤنث خاصة، لأنه لو قيل : أنا وهي تجر وراءنا لم يجز أن يكون تجر خبراً عنها، لأن تجر وتحمل إنما يتقدران بمفرد، أي حاملة وجارة، وإذا صرحت بهذا المفرد لم يمكن أن يكون حالاً منهما.
و ﴿كافة﴾ لدلالته على معنى : جميع، يصلح أن يكون حالاً من الفاعل في : ادخلوا، ومن السلم، بمعنى شرائع الإسلام، لأنك لو قلت : الرجال والنساء جميع في كذا، صح أن يكون خبراً.
لا يقال كافة لا يصلح أن يكون خبراً، لا تقول : الزيدون والعمرون كافة، في كذا، فلا يجوز أن يقع حالاً على ما قررت، لأن امتناع ذلك إنما هو بسبب مادة : كافة، إذ لم يتصرف فيها، بل التزم نصبها على الحال، لكن مرادفها يصح فيه ذلك، وقوله : والمراد بالكافة الجماعة التي يكف مخالفها، يعني : أن هذا في أصل الوضع، ثم صار الاستعمال لها لمعنى : جميعاً، كما قال هو وغيره، وكافة : معناه جميعاً.
﴿ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدوّ مبين﴾ قد تقدم تفصيل هاتين الجملتين بعد قوله :﴿يا أيها الناس كلوا مما في الأرض حلالاً طيباً﴾ فأغنى ذلك عن إعادته، وقال صاحب ( الكتاب الموضح ) أبو عبد الله نصر بن علي بن محمد : عرف بابن مريم، ان ضم عين الكلمة في مثل هذا، نحو : عرفة وعرفات، هو مذهب أهل الحجاز، وقال فيمن سكن الطاء : إنهم لما جمعوا نووا الضمة في الطاء، ثم أسكنوها استخفافاً، وهو في تقدير الثبات يدل على أن الضمة في حكم الثابت، أن هذه حركة يفصل بها بين الاسم والصفة، كما هي في جمع : فعلة، المفتوحة الفاء، فلا تحذف عين الاسم حذفاً، إذ هي فارقة بينه وبين الصفة، فهي منوية لا محالة.
انتهى كلامه.
واتضح من هذا أنه في الصفة لا ينقل، فإذا جمعنا : حلوة وضحكة، المراد به صفة المؤنث، فلا تقول : حلوات، ولا ضحكات، بضم عين الكلمة، وعلى هذا قياس : فعلة، الصفة نحو : جلفة، لا يقال فيه جلفات.
ثم أمر بالتقوى، وتكرار الأمر بها في الحج، ثم ذكر الحامل على التلبس بالتقوى، وهو كونه تعالى شديد العقاب لمن لم يتقه.
ثم لما كانت التقوى تنقسم إلى من يظهرها بلسانه وقلبه منطو على خلافها، وإلى من تساوى سريرته وعلانيته في التقوى، قسم الله تعالى ذلك إلى قسمين، فقال :﴿ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا﴾ أي : يؤنقك ويروق لفظه، يحسن ما يأتي به من الموافقة والطواعية ظاهراً، ثم لا يكتفي بما زوّر ونمق من كلامه اللطيف حتى يشهد الله على ما في قلبه من ذلك، فيحلف بالله أن سريرته مثل علانيته، وهو إذا خاصم كان شديد الخصومة.
وإذا خرج من عندك تقلب في نواحي الأرض، ثم ذكر تعالى سبب سعيه وأنه للإفساد مطلقاً، وليهلك الحرث والنسل اللذين هما قوام الوجود، ثم أخبر تعالى أنه لا يحب الفساد، فهذا المتولي الساعي في الأرض يفعل ما لا يحبه الله ولا يرضاه، ثم ذكر أنه من شدّة الشكيمة في النفاق إذا أمر بتقوى الله تعالى استولت عليه الأنفة والغضب بالإثم.
أي : مصحوباً بالإثم فليس غضبه لله. إنما هو لغير الله، فلذلك استصحبه الإثم.
ثم ذكر تعالى ما يؤول إليه حال هذا الآنف المغترّ بغير الله، وهو جهنم، فهي كافية له، ومبدلته بعد عزه ذلاً، ثم ذمّ تعالى ما مهد لنفسه من جهنم، وبئس الغاية الذم.
ثم ذكر تعالى القسم المقابل لهذا القسم، وهو : من باع نفسه في طلاب رضى الله تعالى، واكتفى بهذا الوصف الشريف، إذ دل على انطوائه على جميع الطاعات والانقيادات، إذ صار عبد الله يوجد حيث رضي الله تعالى، ثم ذكر تعالى أن من كان بهذه المثابة رأف الله به ورحمه، ورأفة الله به تتضمن اللطف به والإحسان إليه بجميع أنواع الإحسان، وذكر الرأفة التي هي، قيل : أرق من الرحمة.
ثم نادى المؤمنين بقوله :﴿يا أيها الذين آمنوا﴾ وأمرهم بالدخول في الإسلام، وثنى بالنهي، لأن الأمر أشق من النهي، لأن الأمر فعل والنهي ترك، ولمجاورته قوله :﴿ومن الناس من يشري نفسه﴾ فصار نظير :﴿يوم تبيضّ وجوه وتسودُّ وجوه فأما الذين اسودّت وجوههم﴾ ولما نهاهم تعالى عن اتباع خطوات الشيطان، وهي : سلوك معاصي الله، أخبر أنه إن زلوا من بعد ما أتتهم البينات الواضحة النيرة التي لا ينبغي أن يقع الزلل معها، لأن في ايضاحها ما يزيل اللبس، فاعلموا أن الله عزيز لا يغالب، حكيم يضع الأشياء مواضعها، فيجازي على الزلل بعد وضوح الآيات التي تقتضي الثبوت في الطاعة بما يناسب ذلك الزلل، فدل بعزته على القدرة، وبحكمته على جزاء العاصي والطائع :﴿ليجزي الذين أساؤا بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى﴾
ثم أعرض تعالى عن خطابهم، وأخبر عنهم إخبار الغائبين، مسلياً لرسوله عن تباطئهم في الدخول في الإسلام، فقال : ما ينتظرون إلاَّ قيام الساعة يوم فصل الله بين العباد، وقضاء الأمر، ورجوع جميع الأمور إليه، فهناك تظهر ثمرة ما جنوا على أنفسهم، كما جاء في الحديث :« إن يوم القيامة يأتيهم الله في صورة » كذا، على ما يليق بتقديسه عن جميع ما يشبه المخلوقين، وننزهه عما يستحيل عليه من سمات الحدوث وصفات النقص.
ثم قال تعالى :﴿سل بني إسرائيل﴾ منبهاً على أن دأب من أرسل إليه الأنبياء، وظهرت لهم المعجزات الإعراض عن ذلك، وعدم قبول الإيمان، وأنهم يرتبون على الشيء غير مقتضاه، فيكذبون بالآيات التي جاءت دالة على الصدق.
ثم أخبر تعالى : أن من بدل نعمة الله عاقبه أشدّ العقاب، قابل نعمة الله التي هي مظنة الشكر بالكفر، ثم ذكر تعالى الحامل لهم على تبديل نعم الله، وهو : تزيين الحياة الدنيا، فرغبوا في الفاني وزهدو ا في الباقي إيثاراً للعاجل على الآجل، ثم ذكر مع ذلك استهزاءهم بالمؤمنين، حيث ما يتوهم في وصف الإيمان، والرغبة فيما عند الله تعالى، وذكر أنهم هم العالون يوم القيامة، ودل بذلك على أن أولئك هم السافلون، ثم ذكر أنه يرزق المؤمنين، وهم الذين يحبهم، بغير حساب، إشارة إلى سعة الرزق وعدم التقتير، والتقدير : وأعاد ذكرهم بلفظ : من يشاء، تنبيهاً على إرادته لهم، ومحبته إياهم، واختصاصهم به، إذ لو قال : والله يرزقهم بغير حساب، لفات هذا المعنى من ذكر المشيئة التي هي الإرادة.