زاد المسير في علم التفسير — ابن الجوزي

عن الكتاب
قوله تعالى :﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ ادْخُلُواْ فِي السّلْمِ كَافَّةً﴾ اختلفوا فيمن نزلت على ثلاثة أقوال : أحدها : أنها نزلت فيمن أسلم من أهل الكتاب، كانوا بعد إسلامهم يتقون السبت ولحم الجمل، وأشياء يتقيها أهل الكتاب. رواه أبو صالح عن ابن عباس. والثاني : أنها نزلت في أهل الكتاب الذين لم يؤمنوا بالنبي محمد ﷺ، أمروا بالدخول في الإسلام. روي عن ابن عباس أيضا، وبه قال الضحاك. والثالث : أنها نزلت في المسلمين، يأمرهم بالدخول في شرائع الإسلام كلها، قاله مجاهد وقتادة.
وفي " السلم " ثلاث لغات : كسر السين، وتسكين اللام. وبها قرأ أبو عمرو، وابن عامر، في " البقرة " وفتحا السين في " الأنفال " وسورة " محمد " وفتح السين مع تسكين اللام، وبها قرأ ابن كثير، ونافع، والكسائي، في المواضع الثلاثة، وفتح السين واللام، وبها قرأ الأعمش في " البقرة " خاصة.
وفي معنى " السلم " قولان : أحدهما : أنه الإسلام، قاله ابن عباس، وعكرمة، وقتادة، والضحاك، والسدي، وابن قتيبة، والزجاج في آخرين. والثاني : أنها الطاعة، روي عن ابن عباس أيضا، وهو قول أبي العالية، والربيع، وقال الزجاج : و " كافة " بمعنى الجميع، وهو في اشتقاق اللغة : ما يكف الشيء في آخره، من ذلك : كُفة القميص، وكل مستطيل فحرفه كفة : بضم الكاف. ويقال في كل مستدير : كِفه، بكسر الكاف، نحو : كفّة الميزان. ويقال : إنما سميت كفة الثوب، لأنها تمنعه أن ينتشر، وأصل الكف : المنع، وقيل لطرف اليد : كف، لأنها تكف بها عن سائر البدن، ورجل مكفوف : قد كف بصره أن ينظر. واختلفوا : هل قوله :" كافة " يرجع إلى السلم، أو إلى الداخلين فيه ؟ على قولين : أحدهما : أنه راجع إلى السلم، فتقديره : ادخلوا في جميع شرائع الإسلام، وهذا يخرج على القول الأول. الذي ذكرناه في نزول الآية. والثاني : أنه يرجع إلى الداخلين فيه، فتقديره : ادخلوا كلكم في الإسلام، وبهذا يخرج على القول الثاني. وعلى القول الثالث يحتمل قوله :" كافة " ثلاثة أقوال : أحدها : أن يكون أمرا للمؤمنين بألسنتهم أن يؤمنوا بقلوبهم، والثاني : أن يكون أمرا للمؤمنين بالدخول في جميع شرائعه. والثالث : أن يكون أمرا لهم بالثبات عليه، كقوله تعالى :﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ آمِنُواْ﴾ [النساء: ١٣٦]. و :﴿خطوات الشيطان﴾ : المعاصي وقد سبق شرحها.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى