الهداية الى بلوغ النهاية — مكي بن أبي طالب

عن الكتاب
قوله :( يَأَيُّهَا الذِينَ ءَامَنُوا ادْخُلُوا فِي السَّلْمِ )(١) [ ٢٠٦ ].
قال ابن عباس : " السَّلْمُ –بالكسر- الإسلام " (٢)، وهو قول أبي عمرو(٣).
وَ(٤)السَّلْمُ –بالفتح- المسالمة والصلح(٥). فعلى هذا يكون الكسر هنا أقوى وأحسن لأن الخطاب للمؤمنين، فليس(٦) للصلح وجه. وأهل اللغة يسوون بينهما(٧)، /قاله الكسائي وغيره(٨)، ومعنى أمره إياهم بالدخول في الإسلام وهم مؤمنون على قول الضحاك(٩)، إنه(١٠) إنما خاطب من آمن بالأنبياء أن يؤمنوا بمحمد [ عليه السلام ](١١).
وقال عكرمة : " نزلت في ابن سلام(١٢) وابني كعب : أسد وأسيد، قالوا بعد إسلامهم لرسول الله [ عليه السلام ](١٣) : إن السبت كان مفروضاً فأذن لنا أن نسبت(١٤) وإن التوراة كتاب الله، فأذن لنا أن نحكم(١٥) بها فأنزل الله :( يَأَيُّهَا الذِينَ ءَامَنُوا ادْخُلُوا فِي السَّلْمِ )، أي في الإسلام(١٦).
( كَافَّةً ) : أي في جميعه، فيكون " ( كَافَّةً ) " على هذا القول حالاً من السلم(١٧).
وقيل : هي(١٨) مخاطبة لجميع من آمن بمحمد ﷺ، ومعناها : ادخلوا في جميع شرائع الإسلام وحدوده(١٩).
وقيل : نزلت في عبد(٢٠) الله بن سلام كان يقيم شرائع التوراة وشرائع القرآن، فأنكر ذلك [ عليه المسلمون ](٢١)، فقال : أنا أقوى على هذا، فنزلت الآية فترك ما كان عليه ورجع إلى شرائع(٢٢) الإسلام وما في القرآن(٢٣).
واختار الطبري قراءة الكسر في السلم(٢٤).
ويختار أن يكون مخاطبة للمؤمنين بمحمد [ عليه السلام ](٢٥) وأن الصلح لا معنى له على هذا، واختار ( وَإِن جَنَحُوا لِلسَّلْمِ )(٢٦)(٢٧) لأنهم دعوه(٢٨) إلى الصلح، وليس في القرآن موضع أمر الله فيه المؤمنين بأن يبتدئوا بالصلح، إنما أمرهم بذلك إذا بدأهم به المشركون ورغبوا فيه، فلذلك يختار(٢٩) الكسر في البقرة لأنا لو فتحنا لأوجبنا أن الله أمر المؤمنين أن يبدأوا(٣٠) المشركين بالصلح، ويختار الفتح(٣١) في " الأنفال " لأنه قال :( وَإِن جَنَحُوا لِلسَّلْمِ )(٣٢)/أي ابتدأوا وطلبوا ذلك منكم، فافعل ما سألوا وتوكل على الله(٣٣).
وإذا كان التأويل أن المؤمنين بمحمد ﷺ أمروا(٣٤) بذلك أو بعضهم، فيكون ( كَافَّةً ) حالاً من السلم على معنى : " ادخلوا في الشرائع كافة "، أي(٣٥) في جميعها. وإذا كان التأويل أن المؤمنين بالأنبياء –صلوات الله عليهم- الذين لم يؤمنوا بمحمد ﷺ، أمروا بالإيمان لمحمد ﷺ، فيكون " كافة " حالاً من المأمورين، أي ادخلوا جميعاً.
وقال ابن عباس : " هم أهل الكتاب أمروا بالإيمان بمحمد ﷺ بالدخول في شرائعه(٣٦).
ومعنى " كافة " الإحاطة والعموم، من " كَفَفْتُ فلاناً عن/كذا "، منعته، ومنه " رجل مَكْفُوفٌ " أي ممنوع من النظر، ومنه " كَفَّةٌ الميزان " لأنها تَكُفُّ الأخرى، أي تمنعها من أن تميل بها. ومنه سمي الكَفُّ لأنه يمتنع بها(٣٧).
فمعناه على هذا إذا جعلت حالاً من الضمير : لا يمتنع منكم أحد أن يكف بعضهم بعضاً من الامتناع(٣٨).
ومن جعله(٣٩) حالاً من " السلم "، فمعناه : تمنعكم هذه الشرائع من اتباع غيرها.
قوله/ :( خُطْوَاتِ الشَّيْطَانِ ) [ ٢٠٦ ]. أي آثاره.
وقال الضحاك : " هي الخطايا(٤٠) التي يأمر بها ".
١ - في ع٣: السلم كافة..
٢ - انظر: جامع البيان ٤/٢٥٢، وتفسير القرطبي ٣/٢٢.
وهو أيضاً قول مجاهد وأبي عبيدة والأخفش وابن قتيبة. انظر: تفسير مجاهد ١/١٠٤، ومجاز القرآن ١/٧١، ومعاني الأخفش ١/١٦٧، وتفسير الغريب ٨٠..

٣ - والسِّلم بكسر السين قراءة عاصم في رواية أبي بكر وحمزة وابن عامر، وقرأها بالفتح: نافع وابن كثير والكسائي.
انظر: كتاب السبعة ١٨٠، والتبصرة ١٦٠، والكشف ١/٢٨٧، والتيسير ٨٠، والعنوان ٨٣، والحجة ١٣٠، والنشر ٢/٢٣٧، وتحبير التيسير ٩١..

٤ - سقط حرف الواو من ع٢، ق، ع٣..
٥ - انظر هذا التوجيه: في مجاز القرآن ١/٧١، وتفسير الغريب ٨١، والإملاء ١/٩٠..
٦ - في ع٣: ليس..
٧ - انظر: اللسان ٢/١٩٢..
٨ - انظر: تفسير الغريب ٨١، وإعراب القرآن ١/٢٥٢، وتفسير القرطبي ٣/٢٣..
٩ - انظر: قوله في جامع البيان ٤/٢٥٦..
١٠ - سقط من ع٣..
١١ - في ع٣: صلى الله عليه وسلم..
١٢ - في ع١، ع٢، ح، ق: سالم. وتصويبه من ع٣، ومن جامع البيان ٤/٢٥٥..
١٣ - في ع٣: صلى الله عليه وسلم..
١٤ - في ع٢: السبت، وفي ق: سبت..
١٥ - في ق: تحكم..
١٦ - انظر: جامع البيان ٤/٢٥٥، ولباب النقول ٤١، والدر المنثور ١/٥٧٩..
١٧ - انظر: هذا التوجيه في الإملاء ١/٩٠، وتفسير القرطبي ٣/٢٣..
١٨ - سقط من ق..
١٩ - انظر: جامع البيان ٤/٢٥٥، وتفسير ابن كثير ١/٢٤٧..
٢٠ - في ع٣: عند، وهو تصحيف..
٢١ - في ع٣: المسلمون عليه..
٢٢ - في ع٣: الشرائع..
٢٣ - انظر: أسباب النزول ٦٠، وتفسير القرطبي ٣/٢٤..
٢٤ - انظر: جامع البيان ٤/٢٥٣..
٢٥ - في ع٣: صلى الله عليه وسلم..
٢٦ - الأنفال آية ٦٢..
٢٧ - في ع٣: للسلم فاجنح لها..
٢٨ - في ع٢: دعوة، وهو تصحيف..
٢٩ - سقط من ق..
٣٠ - في ق: يبدو. وفي ع٣: يبتدئوا..
٣١ - وهي قراءة السبعة إلا عاصم في رواية أبي بكر. انظر: كتاب السبعة ١٨٠-١٨١، والنشر ٢/٢٢٧..
٣٢ - الأنفال آية ٦٢..
٣٣ - انظر: هذا الاختيار في جامع البيان ٤/٢٥٣-٢٥٤..
٣٤ - في ق: مروا..
٣٥ - في ق: أو، وهو تحريف..
٣٦ - انظر: جامع البيان ٤/٢٥٦، وتفسير القرطبي ٣/٢٣..
٣٧ - انظر: مفردات الراغب ٤٥٠، وتفسير القرطبي ٣/٢٣-٢٤، واللسان ٣/٢٧٣..
٣٨ - ذكره مكي أيضاً في مشكل الإعراب ١/١٢٥..
٣٩ - في ق: جملة. وهو تحريف..
٤٠ - في ق: الخطاب. وهو تحريف..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى