تفسير القرآن الكريم — ابن عثيمين
عن الكتاب
)هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ ) ( البقرة : ٢١٠ )
التفسير :
قوله تعالى :﴿هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله﴾ : الاستفهام هنا بمعنى النفي ؛ و ﴿ينظرون﴾ بمعنى ينتظرون ؛ أي ما ينتظر هؤلاء المكذبون الذين زلوا بعد ما جاءتهم البينات ؛ وتأتي بمعنى النظر بالعين ؛ فإن عديت ب«إلى » فهي للنظر بالعين ؛ وإن لم تعدّ فهي بمعنى الانتظار ؛ مثال المعداة ب«إلى » قوله تعالى :﴿لا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم﴾ [آل عمران: ٧٧].
وقوله تعالى :﴿إلا أن يأتيهم الله﴾ أي يأتيهم الله نفسه ؛ هذا ظاهر الآية، ويجب المصير إليه ؛ لأن كل فعل أضافه الله إليه فهو له نفسه ؛ ولا يعدل عن هذا الظاهر إلا بدليل من عند الله.
قوله تعالى :﴿في ظلل من الغمام﴾ ؛ ﴿في﴾ معناها «مع » ؛ يعني يأتي مصاحباً لهذه الظلل ؛ وإنما أخرجناها عن الأصل الذي هو الظرفية ؛ لأنا لو أخذناها على أنها للظرفية صارت هذه الظلل محيطة بالله عزّ وجلّ ؛ والله أعظم، وأجلّ من أن يحيط به شيء من مخلوقاته ؛ ونظير ذلك أن نقول : جاء فلان في الجماعة الفلانية أي معهم - ؛ وإن كان هذا التنظير ليس من كل وجه ؛ لأن فلاناً يمكن أن تحيط به الجماعة ؛ ولكن الله لا يمكن أن يحيط به الظلل ؛ وهذا الغمام يأتي مقدمة بين يدي مجيء الله عزّ وجلّ، كما قال تعالى :﴿ويوم تشقق السماء بالغمام﴾ [الفرقان: ٢٥] ؛ فالسماء تشقق - لا تنشق - كأنها تنبعث من كل جانب ؛ وقيل إن ﴿في﴾ بمعنى الباء ؛ فتكون كقوله تعالى :﴿ونحن نتربص بكم أن يصيبكم الله بعذاب من عنده أو بأيدينا﴾ [التوبة: ٥٢] ؛ وهذا قول باطل لمخالفته ظاهر الآية ؛ و ﴿الغمام﴾ : قالوا : إنه السحاب الأبيض الرقيق ؛ لكن ليس كسحاب الدنيا ؛ فالاسم هو الاسم ؛ ولكن الحقيقة غير الحقيقة ؛ لأن المسميات في الآخرة - وإن شاركت المسميات في الدنيا في الاسم - إلا أنها تختلف مثلما تختلف الدنيا عن الآخرة.
قوله تعالى :﴿والملائكة﴾ بالرفع عطفاً على لفظ الجلالة ؛ يعني : وتأتيهم الملائكة أيضاً محيطة بهم، كما قال الله تعالى :﴿كلا إذا دكت الأرض دكاً دكاً * وجاء ربك والملك صفاً صفاً﴾ [الفجر: ٢١، ٢٢] ؛ وفي حديث الصور الطويل الذي ساقه ابن جرير، وغيره(١) أن السماء تشقق ؛ فتشقق السماء الدنيا بالغمام، وتنزل الملائكة، فيحيطون بأهل الأرض، ثم السماء الثانية، والثالثة، والرابعة... ؛ كل من وراء الآخر ؛ ولهذا قال تعالى :﴿صفاً صفاً﴾ [الفجر: ٢٢] يعني صفاً بعد صف ؛ ثم يأتي الرب عزّ وجلّ للقضاء بين عباده ؛ ذلك الإتيان الذي يليق بعظمته وجلاله ؛ ولا أحد يحيط علماً بكيفيته ؛ لقوله تعالى :﴿ولا يحيطون به علماً﴾ [طه: ١١٠] ؛ وقد تقدم الكلام على الملائكة عند قوله تعالى :﴿ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين﴾ [البقرة: ١٧٧] ؛ وبيَّنا أن الملائكة عالم غيبي مخلوقون من نور خلقهم الله عزّ وجلّ لعبادته يسبحون الليل والنهار لا يفترون.
قوله تعالى :﴿وقضي الأمر﴾ : اختلف فيها المعربون ؛ فمنهم من قال : إنها معطوفة على :{ أن يأتيهم فتكون في حيّز الأمر المنتظر بمعنى : هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله ؛ وإلا أن يقضى الأمر ؛ ولكنه أتى بصيغة الماضي لتحقق وقوعه ؛ وعلى هذا فيكون محل الجملة النصب ؛ لأن «تأتيهم الملائكة » منصوبة - يعني : هل ينظرون إلا إتيانَ الله في ظلل من الغمام، وإتيانَ الملائكة، وانقضاءَ الأمر - ؛ ومنهم من قال : إنها جملة مستأنفة ؛ أي : وقد انتهى الأمر، ولا عذر لهم بعد ذلك، ولا حجة لهم ؛ و { الأمر } بمعنى الشأن ؛ أي قضي شأن الخلائق، وانتهى كل شيء، وصار أهل النار إلى النار، وأهل الجنة إلى الجنة ؛ ولهذا قال بعده :﴿وإلى الله ترجع الأمور﴾ ؛ وفي ﴿ترجع﴾ قراءتان ؛ الأولى : بفتح التاء، وكسر الجيم ؛ والثانية : بضم التاء، وفتح الجيم ؛ والمتعلِّق هنا مقدم على المتعَلَّق به ؛ لأن ﴿إلى الله﴾ متعلق ب ﴿ترجع﴾ ؛ وتقديم المعمول يفيد الحصر، والاختصاص ؛ أي إلى الله وحده لا إلى غيره ترجع الأمور - أمور الدنيا والآخرة - أي شؤونهما كلها : الدينية، والدنيوية، والجزائية، وكل شيء، كما قال الله تعالى :﴿وإليه يرجع الأمر كله﴾ [هود: ١٢٣] فالأمور كلها ترجع إلى الله عزّ وجلّ ؛ ومنها أن الناس يرجعون يوم القيامة إلى ربهم، فيحاسبهم.
الفوائد :
١ - من فوائد الآية : وعيد هؤلاء بيوم القيامة ؛ لقوله تعالى :﴿هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام...﴾ إلخ.
٢ - ومنها : أن الله تعالى لا يعذب هذه الأمة بعذاب عام ؛ لأن الله جعل وعيد المكذبين يوم القيامة ؛ ويدل لذلك آيات، وأحاديث ؛ منها قول الله - تبارك وتعالى - :﴿بل الساعة موعدهم والساعة أدهى وأمر﴾ [القمر: ٤٦]، وقوله ( ص ) :«أنه سأل ربه أن لا يهلك أمته بسنة عامة فأجابه »٢-٢">(٢).
٣ - ومنها : إثبات إتيان الله عزّ وجلّ يوم القيامة للفصل بين عباده ؛ وهو إتيان حقيقي يليق بجلاله لا تُعلَم كيفيته، ولا يسأل عنها - كسائر صفاته - ؛ قال الإمام مالك - رحمه الله - وقد سئل عن قوله تعالى :﴿الرحمن على العرش استوى﴾ [طه: ٥] كيف استوى ؟ فقال :«الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة » ؛ هذا وقد ذهب أهل التعطيل إلى أن المراد بإتيان الله : إتيان أمره ؛ وهذا تحريف للكلم عن مواضعه، وصرف للكلام عن ظاهره بلا دليل إلا ما زعموه دليلاً عقلياً وهو في الحقيقة وهمي، وليس عقلياً ؛ فنحن نقول : الذي نسب فعل الإتيان إليه هو الله عزّ وجلّ ؛ وهو أعلم بنفسه ؛ وهو يريد أن يبين لعباده، كما قال تعالى :﴿يبين الله لكم أن تضلوا﴾ [النساء: ١٧٦] ؛ وإذا كان يريد أن يبين، وهو أعلم بنفسه، وليس في كلامه عِيٌّ، وعجز عن التعبير بما أراد ؛ وليس في كلامه نقص في البلاغة ؛ إذاً فكلامه في غاية ما يكون من العلم ؛ وغاية ما يكون من إرادة الهدى ؛ وغاية ما يكون من الفصاحة، والبلاغة ؛ وغاية ما يكون من الصدق ؛ فهل بعد ذلك يمكن أن نقول : إنه لا يراد به ظاهره ؟ ! كلا ؛ لا يمكن هذا إلا إذا قال الله هو عن نفسه أنه لم يرد ظاهره ؛ إذاً المراد إتيان الله نفسه ؛ ولا يعارض ذلك أن الله قد يضيف الإتيان إلى أمره، مثل قوله تعالى :﴿أتى أمر الله﴾ [النحل: ١]، ومثل قوله تعالى :﴿أو يأتي أمر ربك﴾ [النحل: ٣٣] ؛ لأننا نقول : إن هذا من أمور الغيب ؛ والصفات توقيفية ؛ فنتوقف فيها على ما ورد ؛ فالإتيان الذي أضافه الله إلى نفسه يكون المراد به إتيانه بنفسه ؛ والإتيان الذي أضافه الله إلى أمره يكون المراد به إتيان أمره ؛ لأنه ليس لنا أن نقول على الله ما لا نعلم ؛ بل علينا أن نتوقف فيما ورد على حسب ما ورد.
٤ - ومن فوائد الآية : إثبات الملائكة.
٥ - ومنها : إثبات عظمة الله عزّ وجلّ في قوله تعالى :﴿في ظلل من الغمام﴾ ؛ ف ﴿ظلل﴾ نكرة تدل على أنها ظلل عظيمة، وكثيرة ؛ ولهذا جاء في سورة الفرقان :﴿ويوم تشقق السماء بالغمام﴾ [الفرقان: ٢٥] يعني تثور ثوراناً بهذا الغمام العظيم من كل جانب ؛ كل هذا مقدمة لمجيء الجبار سبحانه وتعالى ؛ وهذا يفيد عظمة الباري سبحانه وتعالى.
٦ - ومنها : أن الملائكة أجسام خلافاً لمن زعم أن الملائكة قوى الخير، وأنهم أرواح بلا أجسام ؛ والرد على هذا الزعم في القرآن والسنة كثير.
٧ - ومنها : أن يوم القيامة به ينقضي كل شيء ؛ فليس بعده شيء ؛ إما إلى الجنة ؛ وإما إلى النار ؛ فلا أمل أن يستعتب الإنسان إذا كان من أهل النار ليكون من أهل الجنة ؛ لكنه أتى بصيغة ما لم يسم فاعله لعظمة هذا الأمر ؛ وهذا كقوله تعالى :﴿وغيض الماء وقضي الأمر واستوت على الجودي وقيل بعداً للقوم الظالمين﴾ [هود: ٤٤].
٨ - ومنها : أن الأمور كلها ترجع إلى الله وحده ؛ لقوله تعالى :﴿وإلى الله ترجع الأمور﴾ أي الأمور الكونية، والشرعية ؛ قال تعالى :﴿وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله﴾ [الشورى: ١٠]، وقال تعالى :﴿إن الحكم إلا لله أمر ألا تعبدوا إلا إياه﴾ [يوسف: ٤٠] ؛ فالأمور كلها مرجعها إلى الله - تبارك وتعالى - ؛ وما ثبت فيه أنه يرجع فيه إلى الخلق فإنما ذلك بإذن الله ؛ فالحكم بين الناس مرجعه القضاة ؛ لكن كان القضاة مرجعاً للناس بإذن الله تعالى.
٩ - ومنها : إثبات الأفعال الاختيارية لله - أي أنه يحدث من أفعاله ما شاء - ؛ لقوله تعالى :﴿إلا أن يأتيهم الله﴾ ؛ وهذا مذهب السلف الصالح خلافاً لأهل التحريف والتعطيل الذين ينكرون هذا النوع، ويحرفونه إلى معان قديمة لمنعهم قيام الأفعال الاختيارية بالله عزّ وجلّ ؛ ومذهبهم باطل بالسمع، والعقل ؛ فالنصوص المثبتة لذلك لا تكاد تحصى ؛ والعقل يقتضي كمال من يفعل ما يشاء متى شاء، وكيف شاء.
١٠ - ومن فوائد الآية : عظمة الله، وتمام سلطانه، وملكه ؛ لقوله تعالى :﴿وإلى الله ترجع الأمور﴾.
التفسير :
قوله تعالى :﴿هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله﴾ : الاستفهام هنا بمعنى النفي ؛ و ﴿ينظرون﴾ بمعنى ينتظرون ؛ أي ما ينتظر هؤلاء المكذبون الذين زلوا بعد ما جاءتهم البينات ؛ وتأتي بمعنى النظر بالعين ؛ فإن عديت ب«إلى » فهي للنظر بالعين ؛ وإن لم تعدّ فهي بمعنى الانتظار ؛ مثال المعداة ب«إلى » قوله تعالى :﴿لا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم﴾ [آل عمران: ٧٧].
وقوله تعالى :﴿إلا أن يأتيهم الله﴾ أي يأتيهم الله نفسه ؛ هذا ظاهر الآية، ويجب المصير إليه ؛ لأن كل فعل أضافه الله إليه فهو له نفسه ؛ ولا يعدل عن هذا الظاهر إلا بدليل من عند الله.
قوله تعالى :﴿في ظلل من الغمام﴾ ؛ ﴿في﴾ معناها «مع » ؛ يعني يأتي مصاحباً لهذه الظلل ؛ وإنما أخرجناها عن الأصل الذي هو الظرفية ؛ لأنا لو أخذناها على أنها للظرفية صارت هذه الظلل محيطة بالله عزّ وجلّ ؛ والله أعظم، وأجلّ من أن يحيط به شيء من مخلوقاته ؛ ونظير ذلك أن نقول : جاء فلان في الجماعة الفلانية أي معهم - ؛ وإن كان هذا التنظير ليس من كل وجه ؛ لأن فلاناً يمكن أن تحيط به الجماعة ؛ ولكن الله لا يمكن أن يحيط به الظلل ؛ وهذا الغمام يأتي مقدمة بين يدي مجيء الله عزّ وجلّ، كما قال تعالى :﴿ويوم تشقق السماء بالغمام﴾ [الفرقان: ٢٥] ؛ فالسماء تشقق - لا تنشق - كأنها تنبعث من كل جانب ؛ وقيل إن ﴿في﴾ بمعنى الباء ؛ فتكون كقوله تعالى :﴿ونحن نتربص بكم أن يصيبكم الله بعذاب من عنده أو بأيدينا﴾ [التوبة: ٥٢] ؛ وهذا قول باطل لمخالفته ظاهر الآية ؛ و ﴿الغمام﴾ : قالوا : إنه السحاب الأبيض الرقيق ؛ لكن ليس كسحاب الدنيا ؛ فالاسم هو الاسم ؛ ولكن الحقيقة غير الحقيقة ؛ لأن المسميات في الآخرة - وإن شاركت المسميات في الدنيا في الاسم - إلا أنها تختلف مثلما تختلف الدنيا عن الآخرة.
قوله تعالى :﴿والملائكة﴾ بالرفع عطفاً على لفظ الجلالة ؛ يعني : وتأتيهم الملائكة أيضاً محيطة بهم، كما قال الله تعالى :﴿كلا إذا دكت الأرض دكاً دكاً * وجاء ربك والملك صفاً صفاً﴾ [الفجر: ٢١، ٢٢] ؛ وفي حديث الصور الطويل الذي ساقه ابن جرير، وغيره(١) أن السماء تشقق ؛ فتشقق السماء الدنيا بالغمام، وتنزل الملائكة، فيحيطون بأهل الأرض، ثم السماء الثانية، والثالثة، والرابعة... ؛ كل من وراء الآخر ؛ ولهذا قال تعالى :﴿صفاً صفاً﴾ [الفجر: ٢٢] يعني صفاً بعد صف ؛ ثم يأتي الرب عزّ وجلّ للقضاء بين عباده ؛ ذلك الإتيان الذي يليق بعظمته وجلاله ؛ ولا أحد يحيط علماً بكيفيته ؛ لقوله تعالى :﴿ولا يحيطون به علماً﴾ [طه: ١١٠] ؛ وقد تقدم الكلام على الملائكة عند قوله تعالى :﴿ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين﴾ [البقرة: ١٧٧] ؛ وبيَّنا أن الملائكة عالم غيبي مخلوقون من نور خلقهم الله عزّ وجلّ لعبادته يسبحون الليل والنهار لا يفترون.
قوله تعالى :﴿وقضي الأمر﴾ : اختلف فيها المعربون ؛ فمنهم من قال : إنها معطوفة على :{ أن يأتيهم فتكون في حيّز الأمر المنتظر بمعنى : هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله ؛ وإلا أن يقضى الأمر ؛ ولكنه أتى بصيغة الماضي لتحقق وقوعه ؛ وعلى هذا فيكون محل الجملة النصب ؛ لأن «تأتيهم الملائكة » منصوبة - يعني : هل ينظرون إلا إتيانَ الله في ظلل من الغمام، وإتيانَ الملائكة، وانقضاءَ الأمر - ؛ ومنهم من قال : إنها جملة مستأنفة ؛ أي : وقد انتهى الأمر، ولا عذر لهم بعد ذلك، ولا حجة لهم ؛ و { الأمر } بمعنى الشأن ؛ أي قضي شأن الخلائق، وانتهى كل شيء، وصار أهل النار إلى النار، وأهل الجنة إلى الجنة ؛ ولهذا قال بعده :﴿وإلى الله ترجع الأمور﴾ ؛ وفي ﴿ترجع﴾ قراءتان ؛ الأولى : بفتح التاء، وكسر الجيم ؛ والثانية : بضم التاء، وفتح الجيم ؛ والمتعلِّق هنا مقدم على المتعَلَّق به ؛ لأن ﴿إلى الله﴾ متعلق ب ﴿ترجع﴾ ؛ وتقديم المعمول يفيد الحصر، والاختصاص ؛ أي إلى الله وحده لا إلى غيره ترجع الأمور - أمور الدنيا والآخرة - أي شؤونهما كلها : الدينية، والدنيوية، والجزائية، وكل شيء، كما قال الله تعالى :﴿وإليه يرجع الأمر كله﴾ [هود: ١٢٣] فالأمور كلها ترجع إلى الله عزّ وجلّ ؛ ومنها أن الناس يرجعون يوم القيامة إلى ربهم، فيحاسبهم.
الفوائد :
١ - من فوائد الآية : وعيد هؤلاء بيوم القيامة ؛ لقوله تعالى :﴿هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام...﴾ إلخ.
٢ - ومنها : أن الله تعالى لا يعذب هذه الأمة بعذاب عام ؛ لأن الله جعل وعيد المكذبين يوم القيامة ؛ ويدل لذلك آيات، وأحاديث ؛ منها قول الله - تبارك وتعالى - :﴿بل الساعة موعدهم والساعة أدهى وأمر﴾ [القمر: ٤٦]، وقوله ( ص ) :«أنه سأل ربه أن لا يهلك أمته بسنة عامة فأجابه »٢-٢">(٢).
٣ - ومنها : إثبات إتيان الله عزّ وجلّ يوم القيامة للفصل بين عباده ؛ وهو إتيان حقيقي يليق بجلاله لا تُعلَم كيفيته، ولا يسأل عنها - كسائر صفاته - ؛ قال الإمام مالك - رحمه الله - وقد سئل عن قوله تعالى :﴿الرحمن على العرش استوى﴾ [طه: ٥] كيف استوى ؟ فقال :«الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة » ؛ هذا وقد ذهب أهل التعطيل إلى أن المراد بإتيان الله : إتيان أمره ؛ وهذا تحريف للكلم عن مواضعه، وصرف للكلام عن ظاهره بلا دليل إلا ما زعموه دليلاً عقلياً وهو في الحقيقة وهمي، وليس عقلياً ؛ فنحن نقول : الذي نسب فعل الإتيان إليه هو الله عزّ وجلّ ؛ وهو أعلم بنفسه ؛ وهو يريد أن يبين لعباده، كما قال تعالى :﴿يبين الله لكم أن تضلوا﴾ [النساء: ١٧٦] ؛ وإذا كان يريد أن يبين، وهو أعلم بنفسه، وليس في كلامه عِيٌّ، وعجز عن التعبير بما أراد ؛ وليس في كلامه نقص في البلاغة ؛ إذاً فكلامه في غاية ما يكون من العلم ؛ وغاية ما يكون من إرادة الهدى ؛ وغاية ما يكون من الفصاحة، والبلاغة ؛ وغاية ما يكون من الصدق ؛ فهل بعد ذلك يمكن أن نقول : إنه لا يراد به ظاهره ؟ ! كلا ؛ لا يمكن هذا إلا إذا قال الله هو عن نفسه أنه لم يرد ظاهره ؛ إذاً المراد إتيان الله نفسه ؛ ولا يعارض ذلك أن الله قد يضيف الإتيان إلى أمره، مثل قوله تعالى :﴿أتى أمر الله﴾ [النحل: ١]، ومثل قوله تعالى :﴿أو يأتي أمر ربك﴾ [النحل: ٣٣] ؛ لأننا نقول : إن هذا من أمور الغيب ؛ والصفات توقيفية ؛ فنتوقف فيها على ما ورد ؛ فالإتيان الذي أضافه الله إلى نفسه يكون المراد به إتيانه بنفسه ؛ والإتيان الذي أضافه الله إلى أمره يكون المراد به إتيان أمره ؛ لأنه ليس لنا أن نقول على الله ما لا نعلم ؛ بل علينا أن نتوقف فيما ورد على حسب ما ورد.
٤ - ومن فوائد الآية : إثبات الملائكة.
٥ - ومنها : إثبات عظمة الله عزّ وجلّ في قوله تعالى :﴿في ظلل من الغمام﴾ ؛ ف ﴿ظلل﴾ نكرة تدل على أنها ظلل عظيمة، وكثيرة ؛ ولهذا جاء في سورة الفرقان :﴿ويوم تشقق السماء بالغمام﴾ [الفرقان: ٢٥] يعني تثور ثوراناً بهذا الغمام العظيم من كل جانب ؛ كل هذا مقدمة لمجيء الجبار سبحانه وتعالى ؛ وهذا يفيد عظمة الباري سبحانه وتعالى.
٦ - ومنها : أن الملائكة أجسام خلافاً لمن زعم أن الملائكة قوى الخير، وأنهم أرواح بلا أجسام ؛ والرد على هذا الزعم في القرآن والسنة كثير.
٧ - ومنها : أن يوم القيامة به ينقضي كل شيء ؛ فليس بعده شيء ؛ إما إلى الجنة ؛ وإما إلى النار ؛ فلا أمل أن يستعتب الإنسان إذا كان من أهل النار ليكون من أهل الجنة ؛ لكنه أتى بصيغة ما لم يسم فاعله لعظمة هذا الأمر ؛ وهذا كقوله تعالى :﴿وغيض الماء وقضي الأمر واستوت على الجودي وقيل بعداً للقوم الظالمين﴾ [هود: ٤٤].
٨ - ومنها : أن الأمور كلها ترجع إلى الله وحده ؛ لقوله تعالى :﴿وإلى الله ترجع الأمور﴾ أي الأمور الكونية، والشرعية ؛ قال تعالى :﴿وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله﴾ [الشورى: ١٠]، وقال تعالى :﴿إن الحكم إلا لله أمر ألا تعبدوا إلا إياه﴾ [يوسف: ٤٠] ؛ فالأمور كلها مرجعها إلى الله - تبارك وتعالى - ؛ وما ثبت فيه أنه يرجع فيه إلى الخلق فإنما ذلك بإذن الله ؛ فالحكم بين الناس مرجعه القضاة ؛ لكن كان القضاة مرجعاً للناس بإذن الله تعالى.
٩ - ومنها : إثبات الأفعال الاختيارية لله - أي أنه يحدث من أفعاله ما شاء - ؛ لقوله تعالى :﴿إلا أن يأتيهم الله﴾ ؛ وهذا مذهب السلف الصالح خلافاً لأهل التحريف والتعطيل الذين ينكرون هذا النوع، ويحرفونه إلى معان قديمة لمنعهم قيام الأفعال الاختيارية بالله عزّ وجلّ ؛ ومذهبهم باطل بالسمع، والعقل ؛ فالنصوص المثبتة لذلك لا تكاد تحصى ؛ والعقل يقتضي كمال من يفعل ما يشاء متى شاء، وكيف شاء.
١٠ - ومن فوائد الآية : عظمة الله، وتمام سلطانه، وملكه ؛ لقوله تعالى :﴿وإلى الله ترجع الأمور﴾.
١ راجع تفسير الطبري ٢٤/٤١٨ – ٤٢٠، تفرد به إسماعيل بن رافع، وقد اختلف فيه (ذكره ابن كثير في تفسيره سورة الأنعام ٢/٢٣٩)؛ قال الحافظ في التقريب: "ضعيف الحفظ"؛ وقال الدارقطني وغيره: "متروك الحديث" (ميزان الاعتدال ١/٢٢٧)؛ وقال الذهبي: "ومن تلبيس الترمذي قال: ضعفه بعض أهل العلم، قال: وسمعت محمداً – يعني البخاري – يقول: هو ثقة مقارب الحديث" (المرجع السابق)؛ وقال البخاري في التاريخ الكبير: "محمد بن يزيد بن أبي زياد روى عنه إسماعيل بن رافع حديث الصور مرسل، ولم يصح" ١/٢٦٠، رقم ٨٢٩)؛ وقال ابن كثير في تفسيره (٢/٢٣٤، تفسير سورة الأنعام آية رقم ٧٣): "وروينا حديث الصور بطوله من طريق الحافظ أبي القاسم الطبراني في كتابه المطولات..."؛ وقال أيضاً (٢/٢٣٩): "وقد اختلف عليه في إسناد هذا الحديث على وجوه كثيرة قد أفردتها في جزء على حدة، وأما سياقه فغريب جداً، ويقال: إنه جمعه من أحاديث كثيرة، وجعلها سياقاً واحداً، فأنكر عليه بسبب ذلك"..
٢ أخرجه مسلم ص١١٧٨/ كتاب الفتن، باب ٥: هلاك هذه الأمة بعضهم ببعض، حديث رقم ٧٢٥٨ [١٩] ٢٨٨٩..
٢ أخرجه مسلم ص١١٧٨/ كتاب الفتن، باب ٥: هلاك هذه الأمة بعضهم ببعض، حديث رقم ٧٢٥٨ [١٩] ٢٨٨٩..