جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري
القول في تأويل قوله تعالى :
﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلاّ أَن يَأْتِيَهُمُ اللّهُ فِي ظُلَلٍ مّنَ الْغَمَامِ وَالْمَلآئِكَةُ وَقُضِيَ الأمْرُ وَإِلَى اللّهِ تُرْجَعُ الأمور﴾
يعني بذلك جل ثناؤه : هل ينظر المكذّبون بمحمد ﷺ وما جاء به، إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة.
ثم اختلفت القراء في قراءة قوله : وَالمَلائِكَةُ. فقرأ بعضهم : هَلْ يَنْظُرُونَ إلاّ أنْ يَأْتِيَهُمُ اللّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الغَمامِ وَالمَلائِكَةُ بالرفع عطفا بالملائكة على اسم الله تبارك وتعالى، على معنى : هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله والملائكة في ظلل من الغمام. ذكر من قال ذلك :
حدثني أحمد بن يوسف، عن أبي عبيد القاسم بن سلاّم، قال : حدثنا عبد الله بن أبي جعفر الرازي، عن أبيه، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية قال : في قراءة أبيّ بن كعب :«هَلْ يَنْظُرُونَ إلاّ أنْ يَأتِيهُمُ اللّهُ وَالمَلائِكَةُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الغَمامِ » قال : تأتي الملائكة في ظلل من الغمام، ويأتي الله عز وجل فيما شاء.
وقد حدثت هذا الحديث عن عمار بن الحسن، عن عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع قوله : هَلْ يَنْظُرُونَ إلاّ أنْ يَأتِيَهُمُ اللّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الغَمامِ وَالملائِكَةُ الآية. وقال أبو جعفر الرازي : وهي في بعض القراءة :«هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله والملائكة في ظلل من الغمام »، كقوله : وَيَوْمَ تَشَقّقُ السّماءُ بالغَمامِ وَنُزّلَ المَلائِكَةُ تَنْزِيلاً.
وقرأ ذلك آخرون :«هَلْ يَنْظُرُونَ إلاّ أنْ يَأتِيهُمُ اللّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الغَمامِ والملائِكَةِ » بالخفض عطفا بالملائكة على الظلل بمعنى : هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام وفي الملائكة.
وكذلك اختلفت القراء في قراءة «ظلل »، فقرأها بعضهم :«في ظلل »، وبعضهم :«في ظلال ». فمن قرأها «في ظلل »، فإنه وجهها إلى أنها جمع ظلة، والظلة تجمع ظلل وظلال، كما تجمع الخلة خلل وخلال، والجلة جلل وجلال. وأما الذي قرأها في ظلال فإنه جعلها جمع ظلة، كما ذكرنا من جمعهم الخلة خلال.
وقد يحتمل أن يكون قارئه كذلك وجهه إلى أن ذلك جمع ظل، لأن الظلة والظل قد يجمعان جميعا ظلالاً.
والصواب من القراءة في ذلك عندي هَلْ يَنْظُرُون إلاّ أنْ يَأتِيَهُمُ اللّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الغَمامِ لخبر روي عن رسول الله ﷺ أنه قال :«إنّ مِنَ الغَمامَ طاقاتٍ يَأتي اللّه فِيها مَحْفوفا » فدل بقوله طاقات على أنها ظلل لا ظلال، لأن واحد الظلل ظلة، وهي الطاق. واتباعا لخط المصحف. وكذلك الواجب في كل ما اتفقت معانيه واختلفت في قراءته القراء ولم يكن على إحدى القراءتين دلالة تنفصل بها من الأخرى غير اختلاف خط المصحف، فالذي ينبغي أن تؤثر قراءته منها ما وافق رسم المصحف.
وأما الذي هو أولى القراءتين في : وَالمَلائِكَةُ فالصواب بالرفع عطفا بها على اسم الله تبارك وتعالى على معنى : هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام، وإلا أن تأتيهم الملائكة على ما رُوي عن أبيّ بن كعب، لأن الله جل ثناؤه قد أخبر في غير موضع من كتابه أن الملائكة تأتيهم، فقال جل ثناؤه : وَجاءَ رَبّكَ وَالمَلَكُ صَفّا صَفّا وقال : هَلْ يَنْظُرونَ إلاّ أنْ تأتِيهُمُ المَلائِكَةُ أوْ يَأتي رَبّكَ أوْ يَأتي بَعْض آياتِ رَبّكَ. فإن أشكل على امرئ قول الله جل ثناؤه : وَالمَلَكُ صَفّا صَفّا فظنّ أنه مخالف معناه معنى قوله هَلْ يَنْظُرونَ إلاّ أنْ يَأتِيهُمْ اللّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الغَمامِ وَالمَلائِكَةُ إذ كان قوله «والملائكة » في هذه الآية بلفظ جمع، وفي الأخرى بلفظ الواحد. فإن ذلك خطأ من الظانّ، وذلك أن الملَك في قوله : وَجاءَ رَبّكَ وَالمَلَكُ بمعنى الجميع، ومعنى الملائكة، والعرب تذكر الواحد بمعنى الجميع، فتقول : فلان كثير الدرهم والدينار، يراد به الدراهم والدنانير، وهلك البعير والشاة بمعنى جماعة الإبل والشاء، فكذلك قوله : وَالمَلَكُ بمعنى الملائكة.
ثم اختلف أهل التأويل في قوله : ظُلَلٍ مِنّ الغَمامِ وهل هو من صلة فعل الله جل ثناؤه، أو من صلة فعل الملائكة، ومن الذي يأتي فيها ؟ فقال بعضهم : هو من صلة فعل الله، ومعناه : هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام، وأن تأتيهم الملائكة. ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله عزّ وجل : هَلْ يَنْظُرُونَ إلاّ أنْ يَأتِيَهُمُ اللّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الغَمامِ قال : هو غير السحاب لم يكن إلا لبني إسرائيل في تيههم حين تاهوا، وهو الذي يأتي الله فيه يوم القيامة.
حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا معمر، عن قتادة : هَلْ يَنْظُرُونَ إلاّ أنْ يَأَتِيَهُمُ اللّهُ في ظُلَلٍ مِنَ الغَمامِ قال : يأتيهم الله وتأَتيهم الملائكة عند الموت.
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج، قال : قال عكرمة في قوله : هَلْ يَنْظُرُونَ إلاّ أنْ يأتِيَهُمُ اللّهُ في ظُلَلٍ مِنَ الغَمامِ قال : طاقات من الغمام والملائكة حوله. قال ابن جريج وقال غيره : والملائكة بالموت.
وقول عكرمة هذا وإن كان موافقا قول من قال : إن قوله في ظلل من الغمام من صلة فعل الرب تبارك وتعالى الذي قد تقدم ذكرناه، فإنه له مخالف في صفة الملائكة وذلك أن الواجب من القراءة على تأويل قول عكرمة هذا في الملائكة الخفض، لأنه تأول الآية : هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام وفي الملائكة، لأنه زعم أن الله تعالى يأتي في ظلل من الغمام والملائكة حوله. هذا إن كان وجه قوله والملائكة حوله، إلى أنهم حول الغمام، وجعل الهاء في حوله من ذكر الغمام وإن كان وجه قوله : والملائكة حوله إلى أنهم حول الرب تبارك وتعالى، وجعل الهاء في حوله من ذكر الرب عز جل، فقوله نظير قول الآخرين الذين قد ذكرنا قولهم غير مخالفهم في ذلك.
وقال آخرون : بل قوله فِي ظُلَلٍ مِنَ الغَمام من صلة فعل الملائكة، وإنما تأتي الملائكة فيها، وأما الربّ تعالى ذكره فإنه يأتي فيما شاء. ذكر من قال ذلك :
حدثت عن عمار بن الحسن، قال : حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع في قوله : هَلْ يَنْظُرُونَ إلاّ أنْ يأتِيَهُمُ اللّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الغَمامِ وَالملائِكَةُ. . . الآية، قال : ذلك يوم القيامة، تأتيهم الملائكة في ظلل من الغمام. قال : الملائكة يجيئون في ظلل من الغمام، والربّ تعالى يجيء فيما شاء.
وأولى التأويلين بالصواب في ذلك تأويل من وجه قوله : في ظُلَلٍ مِنَ الغَمامِ إلى أنه من صلة فعل الربّ عز وجل، وأن معناه : هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام، وتأتيهم الملائكة. كما :
حدثنا به محمد بن حميد، قال : حدثنا إبراهيم بن المختار، عن ابن جريج، عن زمعة بن صالح عن سلمة بن وهرام، عن عكرمة، عن ابن عباس أن النبيّ ﷺ قال :«إنّ مِن الغَمامِ طاقاتٍ يأتي اللّهُ فِيها مَحْفُوفا »وذلك قوله : هَلْ يَنْظُرُونَ إلاّ أنْ يأتِيَهُمُ اللّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الغَمامِ والمَلائِكَةُ وَقُضِيَ الأمْرُ.
وأما معنى قوله : هَلْ يَنْظُرُونَ فإنه ما ينظرون، وقد بينا ذلك بعلله فيما مضى من كتابنا هذا قبل.
ثم اختلف في صفة إتيان الرب تبارك وتعالى الذي ذكره في قوله : هَلْ يَنْظُرُونَ إلاّ أنْ يأتِيَهُمُ اللّهُ فقال بعضهم : لا صفة لذلك غير الذي وصف به نفسه عزّ وجل من المجيء والإتيان والنزول، وغير جائز تكلف القول في ذلك لأحد إلا بخبر من الله جل جلاله، أو من رسول مرسل. فأما القول في صفات الله وأسمائه، فغير جائز لأحد من جهة الاستخراج إلا بما ذكرنا.
وقال آخرون : إتيانه عز وجل نظير ما يعرف من مجيء الجائي من موضع إلى موضع وانتقاله من مكان إلى مكان.
وقال آخرون : معنى قوله : هَلْ يَنْظُرُونَ إلاّ أنْ يأتِيَهُمُ اللّهُ يعني به : هل ينظرون إلا أن يأتيهم أمر الله، كما يقال : قد خشينا أن يأتينا بنو أمية، يراد به حكمهم.
وقال آخرون : بل معنى ذلك : هل ينظرون إلا أن يأتيهم ثوابه وحسابه وعذابه، كما قال عز وجل : بَلْ مَكْرُ اللّيْلِ وَالنّهارِ وكما يقال : قطع الوالي اللصّ أو ضربه، وإنما قطعه أعوانه.
وقد بينا معنى الغمام فيما مضى من كتابنا هذا قبل فأغنى ذلك عن تكريره، لأن معناه ههنا هو معناه هنالك.
فمعنى الكلام إذا : هل ينظر التاركون الدخول في السلم كافة والمتبعون خطوات الشيطان إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام، فيقضي في أمرهم ما هو قاضٍ.
حدثنا أبو كريب، قال : حدثنا عبد الرحمن بن محمد المحاربي، عن إسماعيل بن رافع المديني، عن يزيد بن أبي زياد، عن رجل من الأنصار، عن محمد بن كعب القرظي، عن أبي هريرة، قال : قال رسول الله ﷺ :«تُوقَفُونَ مَوْقِفا وَاحِدا يَوْمَ القِيامَةِ مِقْدَارَ سَبْعِينَ عاما لا يُنْظَرُ إلَيْكُمْ وَلا يُقْضى بَيْنَكُمْ، قَدْ حُصِرَ عَلَيْكُمْ فَتَبْكُونَ حّتى يَنْقَطِعَ الدّمْعُ، ثمّ تَدْمَعُونَ دَما، وتَبْكُونَ حتّى يَبْلُغَ ذَلِكَ مِنْكُمُ الأذْقانَ، أوْ يُلْجِمَكُمْ فَتَصيحُونَ، ثمّ تَقُولُونَ : مَنْ يَشْفَعُ لَنا إلى ربّنا فَيَقْضِي بَيْنَنا ؟ فَيَقُولُونَ مَنْ أحَقّ بِذَلِكَ مِنْ أبِيكُمْ آدَمَ ؟ جَبَلَ اللّهُ تُرْبَتَهُ، وَخَلَقهُ بِيَدِهِ، وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ، وكَلّمَهُ قِبَلاً، فَيُؤْتَى آدَمُ، فَيُطْلَبُ ذَلِكَ إلَيْهِ، فيأبى، ثمّ يَسْتَقْرئُونَ الأنْبِياءَ نَبِيّا نبيّا، كُلّما جاءُوا نَبِيّا أبى »، قال رسول الله ﷺ :«حتّى يأتُوني، فإذَا جاءُونِي خَرَجْتُ حتّى آتي الفَحْصَ »، قال أبو هريرة : يا رسول الله : وما الفَحصُ ؟ قال :«قُدّامُ الَعرْشِ، فأخِرّ ساجِدا، فَلا أزَالُ ساجِدا حتّى يَبْعَثَ اللّهُ إليّ مَلَكا، فَيأخُذَ بِعَضُديّ فَيَرْفَعَنِي، ثُمّ يَقُولَ اللّهُ لي : يا مُحَمّدُ فأَقُولُ : نَعَمْ وَهُوَ أعْلَمُ، فَيَقُولُ : ما شأنُكَ ؟ فأقُولُ : يا رَبّ وَعَدْتِنِي الشّفاعَة، فَشَفّعْنِي فِي خَلْقِكَ فاقْض بَيْنَهُمْ فَيَقُولُ : قَدْ شَفّعْتُكَ، أنا آتِيكُمْ فأقْضي بَيْنَكُمْ ». قال رسول الله ﷺ :«فأنْصَرِفُ حتّى أقِفَ مَعَ النّاسِ، فَبَيْنا نَحْنُ وُقُوفٌ سَمعْنا حِسّا مِنَ السّماءِ شَديدا، فَهالنَا، فَنَزَلَ أهْلُ السّماء الدّنيْا بِمثْلَيْ مَنْ فِي الأرْضِ مِنَ الجِنّ وَالإنْسِ حتّى إذَا دَنَوْا مِنَ الأرْضِ أشْرَقَتِ الأرْضُ بِنُورِهِمْ، وأخَذُوا مَصَافّهُمْ، فَقُلْنا لَهُمْ : أفِيكُمْ رَبّنا ؟ قالُوا : لا وَهُوَ آتٍ ثُمّ نَزَلَ أهْلُ السّماءِ الثّانِيَةِ بِمِثْلَيْ مَنْ نَزَلَ مِنَ المَلائِكَةِ، وَبِمْثلَيْ مَنْ فِيها مِنَ الجِنّ
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
* * *
ذكر أقوال القائلين في تأويل قوله:" من بعد ما جاءتكم البينات": (١)
٤٠٢٩ - حدثني موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسباط، عن السدي:" من بعد ما جاءتكم البينات"، يقول: من بعد ما جاءكم محمد صلى الله عليه وسلم.
٤٠٣٠ - وحدثني القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثنا حجاج، عن ابن جريج:" فإن زللتم من بعد ما جاءتكم البينات"، قال: الإسلام والقرآن.
* * *
٤٠٣١ - حدثت عن عمار، قال: حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع:" فاعلموا أن الله عزيز حكيم"، يقول: عزيز في نقمته، حكيم في أمره. (٢)
* * *
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلائِكَةُ﴾
قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: هل ينظرُ المكذِّبون بمحمد ﷺ وما جاء به، إلا أن يأتيهم الله في ظُلل من الغمام والملائكة؟.
* * *
ثم اختلفت القرأة في قراءة قوله:" والملائكة".
(٢) انظر معنى"عزيز" و"حكيم" في فهرس اللغة.
* ذكر من قال ذلك:
٤٠٣٢ - حدثني أحمد بن يوسف عن أبي عبيد القاسم بن سلام، قال: حدثنا عبد الله بن أبي جعفر الرازي، عن أبيه، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية قال- في قراءة أبيّ بن كعب:"هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله والملائكةُ في ظلل من الغمام"، قال: تأتي الملائكة في ظلل من الغمام، ويأتي الله عزّ وجل فيما شاء.
٤٠٣٣ - وقد حدثت هذا الحديث عن عمار بن الحسن، عن عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع قوله:" هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة" الآية، وقال أبو جعفر الرازي: وهي في بعض القراءة:"هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله والملائكة في ظلل من الغمام"، كقوله: (وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنَزَّلَ الْمَلائِكَةُ تَنْزِيلاً) [الفرقان: ٢٥]
* * *
وقرأ ذلك آخرون:"هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكةِ" بالخفض عطفًا بـ "الملائكة" على"الظلل"، بمعنى: هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام وفي الملائكة.
* * *
وكذلك اختلفت القرأة في قراءة"ظلل"، فقرأها بعضُهم:"في ظُلَل"، وبعضهم:"في ظلال".
فمن قرأها" في ظُلل"، فإنه وجهها إلى أنها جمع"ظُلَّة"، و"الظُلَّة"، تجمع"ظُلل وظِلال"، كما تجمع"الخُلَّة"،"خُلَل وخِلال"، و"الجلَّة"، جُلَلٌ وجلال".
وقد يحتمل أن يكون قارئه كذلك، وجَّهه إلى أنّ ذلك جمع"ظِلّ"، لأن"الظلُّة" و"الظِّل" قد يجمعان جميعًا"ظِلالا".
* * *
قال أبو جعفر: والصواب من القراءة في ذلك عندي:" هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظُللٍ من الغمام"، لخبر روي عن رسول الله ﷺ أنه قال: إن من الغمام طاقات يأتي الله فيها محفوفًا. (١) فدل بقوله"طاقات"، على أنها ظلل لا ظلال، لأن واحد"الظلل""ظلة"، وهي الطاق= واتباعًا لخط المصحف. (٢) وكذلك الواجبُ في كل ما اتفقت معانيه واختلفتْ في قراءته القرأة، ولم يكن على إحدى القراءتين دلالة تنفصل بها من الأخرى غير اختلاف خطّ المصحف، فالذي ينبغي أن تؤثر قراءته منها ما وافق رَسم المصحف.
* * *
وأما الذي هو أولى القراءتين في:" والملائكة"، فالصواب بالرفع، عطفًا بها على اسم الله تبارك وتعالى، على معنى: هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام، وإلا أن تأتيهم الملائكة، على ما روي عن أبيّ بن كعب، لأن الله جل ثناؤه قد أخبر في غير موضع من كتابه أن الملائكة تأتيهم، فقال جل ثناؤه: (وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا) [الفجر: ٢٢]، وقال: (هَلْ يَنْظُرُونَ إِلا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ) [الأنعام: ١٥٨] فإن أشكلَ على امرئ قول الله جل ثناؤه: (وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا) فظن أنه مخالفٌ معناه معنى قوله:" هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة"،
(٢) قوله: "واتباعا... " معطوف على موضع قوله: "لخبر روي عن رسول الله... "
* * *
قال أبو جعفر: ثم اختلف أهل التأويل في قوله:" ظُلل من الغمام"، وهل هو من صلة فعل الله جل ثناؤه، أو من صلة فعل"الملائكة"، ومن الذي يأتي فيها؟ فقال بعضهم: هو من صلة فعل الله، ومعناه: هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام، وأن تأتيهم الملائكة.
* ذكر من قال ذلك:
٤٠٣٤ - حدثني محمد بن عمرو، قال: حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله عز وجل:" هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام"، قال: هو غير السحاب (١) لم يكن إلا لبني إسرائيل في تيههم حين تاهوا، وهو الذي يأتي الله فيه يوم القيامة.
٤٠٣٥ - حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتاده:" هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام"، قال: يأتيهم الله وتأتيهم الملائكة عند الموت.
٤٠٣٦ - حدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثني حجاج، عن ابن جريج، قال: قال عكرمة في قوله:" هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام"، قال: طاقات من الغمام، والملائكة حوله= قال ابن جريج، وقال غيره: والملائكةُ بالموت
* * *
هذا إن كان وجَّه قوله:"والملائكة حوله"، إلى أنهم حول الغمام، وجعل"الهاء" في"حوله" من ذكر"الغمام". وإن كان وجَّه قوله:"والملائكة حوله" إلى أنهم حول الرب تبارك وتعالى، وجعل"الهاء" في"حوله" من ذكر الرب عز جل، فقوله نظيرُ قول الآخرين الذين قد ذكرنا قولهم، غيرُ مخالفهم في ذلك.
* * *
وقال آخرون: بل قوله:" في ظلل من الغمام" من صلة فعل"الملائكة"، وإنما تأتي الملائكة فيها، وأما الرب تعالى ذكره فإنه يأتي فيما شاء.
* ذكر من قال ذلك:
٤٠٣٧ - حدثت عن عمار بن الحسن، قال: حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع في قوله:" هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة" الآية، قال: ذلك يوم القيامة، تأتيهم الملائكة في ظلل من الغمام. قال: الملائكة يجيئون في ظلل من الغمام، والرب تعالى يجيء فيما شاء.
* * *
قال أبو جعفر: وأولى التأويلين بالصواب في ذلك تأويل من وجَّه قوله:" في ظُلل من الغمام" إلى أنه من صلة فعل الرب عز وجل، وأن معناه: هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام، وتأتيهم الملائكة، لما:-
٤٠٣٨ - حدثنا به محمد بن حميد، قال: حدثنا إبراهيم بن المختار، عن ابن جريج، عن زمعة بن صالح عن سلمة بن وهرام، عن عكرمة، عن ابن عباس: أن النبي ﷺ قال: إن من الغمام طاقات يأتي الله فيها محفوفًا، وذلك
* * *
وأما معنى قوله:" هل ينظرون"، فإنه ما ينظرون، وقد بيّنا ذلك بعلله فيما مضى من كتابنا هذا قبل. (٢)
* * *
ثم اختلف في صفة إتيان الرب تبارك وتعالى الذي ذكره في قوله:" هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله".
فقال بعضهم: لا صفة لذلك غير الذي وصَف به نفسه عز وجل من المجيء والإتيان والنزول، وغيرُ جائز تكلُّف القول في ذلك لأحد إلا بخبر من الله جل جلاله، أو من رسول مرسل. فأما القول في صفات الله وأسمائه، فغيرُ جائز لأحد من جهة الاستخراج إلا بما ذكرنا.
* * *
وقال آخرون: إتيانه عز وجل، نظيرُ ما يعرف من مجيء الجائي من موضع إلى موضع، وانتقاله من مكان إلى مكان.
* * *
وقال آخرون: معنى قوله:" هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله"، يعني به: هل ينظرون إلا أن يأتيهم أمرُ الله، كما يقال:"قد خشينا أن يأتينا بنو أمية"، يراد به: حُكمهم.
* * *
سلمة بن وهرام -بفتح الواو وسكون الهاء- اليماني: ثقة، وإنما تكلموا فيه من أجل أحاديث رواها عنه زمعة بن صالح، والحمل فيها على زمعة.
وهذا الحديث ضعيف، كما ترى وذكره السيوطي ١: ٢٤١- ٢٤٢ ونسبه لابن جرير والديلمي فقط.
ونقل قبله نحو معناه، موقوفًا على ابن عباس ونسبه لعبد بن حميد، وأبي يعلى وابن المنذر وابن أبي حاتم. ولعله موقوفًا أشبه بالصواب.
وانظر الحديث بعده: ٤٠٣٩.
(٢) كأنه يريد ما سلف ٢: ٤٨٥، من أن حروف الاستفهام تدخل بمعنى الجحد. ولم أجد موضعًا مما يشير إليه غير هذا. وانظر اللسان مادة (هلل).
* * *
وقد بينا معنى"الغمام" فيما مضى من كتابنا هذا قبل فأغنى ذلك عن تكريره، (١) لأن معناه ههنا هو معناه هنالك.
* * *
قال أبو جعفر: فمعنى الكلام إذًا: هل ينظر التاركون الدخول في السلم كافة (٢) والمتبعون خُطوات الشيطان، إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام، فيقضي في أمرهم ما هو قاضٍ.
٤٩٣٩ - حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا عبد الرحمن بن محمد المحاربي، عن إسماعيل بن رافع المديني، عن يزيد بن أبي زياد، عن رجل من الأنصار، عن محمد بن كعب القرظي، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: توقفون موقفًا واحدًا يوم القيامة مقدار سَبعين عامًا، لا يُنظر إليكم ولا يُقضي بينكم، قد حُصر عليكم، فتبكون حتى ينقطع الدمع، ثم تدمعون دمًا، وتبكون حتى يبلغ ذلك منكم الأذقان، أو يلجمكم فتصيحون، ثم تقولون: من يشَفع لنا إلى ربنا فيقضي بيننا؟ فيقولون من أحقُّ بذلك من أبيكم آدم؟ جبل الله تُربته، وخلَقه بيده، ونفخ فيه من روحه، وكلَّمه قِبَلا (٣) فيؤتى آدم، فيطلبَ ذلك إليه، فيأبى، ثم يستقرئون الأنبياء نبيًّا نبيًّا، كلما جاءوا نبيًا أبى، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حتى يأتوني، فإذا جاءوني خرجت حتى آتي الفَحْص= قال أبو هريرة: يا رسول الله، وما الفَحْص؟ قال: قُدّام العرش= فأخرّ ساجدًا، فلا أزال ساجدًا
(٢) في المطبوعة: "هل ينظرون التاركون.. " والصواب ما أثبت.
(٣) "كلمة قبلا" (بكسر القاف وفتح الباء) أي عيانا ومقابلة، لا من وراء حجاب ومن غير أن يولى أمره او كلامه أحدًا من الملائكة.
* * *
قال أبو جعفر: وهذا الخبر يدلّ على خطأ قول قتادة في تأويله قوله:" والملائكة" أنه يعني به الملائكة تأتيهم عند الموت. لأنه ﷺ ذكر أنهم يأتونهم بعد قيام الساعة في موقف الحساب، حين تشقَّقُ السماء، وبمثل ذلك روي الخبر
فإسماعيل بن رافع بن عويمر المدني: ضعيف جدًا، ضعفه أحمد وابن معين وأبو حاتم وابن سعد وغيرهم وذكره ابن حبان في كتاب المجروحين رقم: ٤٢ (مخطوط مصور) وقال: "كان رجلا صالحا، إلا أنه يقلب الأخبار حتى صار الغالب على حديثه المناكير التي يسبق إلى القلب أنه كالمعتمد لها".
وهذا الحديث أشار إليه ابن كثير ١: ٤٧٤- ٤٧٥ وقال: "وهو حديث مشهور ساقه غير واحد من أصحاب المسانيد وغيرهم"! وما وجدته في شيء مما بين يدي من المراجع فلا أدري كيف كان هذا؟.
ولإسماعيل بن رافع هذا حديث آخر، في معنى هذا الحديث أطول منه جدًا. ذكره ابن كثير في التفسير ٣: ٣٣٧- ٣٤٢ من رواية الطبراني في كتابه (المطولات) بإسناده من طريق أبي عاصم النبيل عن إسماعيل بن رافع عن محمد بن زياد عن محمد بن كعب القرظي عن أبي هريرة مرفوعا. ثم قال ابن كثير بعد سياقه بطوله: "هذا حديث مشهور وهو غريب جدا، ولبعضه شواهد في الأحاديث المتفرقة وفي بعض ألفاظه نكارة. تفرد به إسماعيل بن رافع قاص أهل المدينة وقد اختلف فيه: فمنهم من وثقه ومنهم من ضعفه. ونص على نكارة حديثه غير واحد من الأئمة كأحمد بن حنبل وأبي حاتم الرازي وعمرو بن علي الفلاس ومنهم من قال فيه: هو متروك وقال ابن عدي: أحاديثه كلها فيها نظر إلا انه يكتب حديثه في جملة الضعفاء قلت: [القائل ابن كثير] : وقد اختلف عليه في إسناد هذا الحديث على وجوه كثيرة وقد أفردتها في جزء على حدة. وأما سياقه فغريب جدًا، ويقال أنه جمعه من أحاديث كثيرة وجعله سياقًا واحدًا فأنكر عليه بسبب ذلك. وسمعت شيخنا الحافظ أبا الحجاج المزي يقول: إنه رأى للوليد بن مسلم مصنفًا قد جمعه كالشواهد لبعض مفردات هذا الحديث. فاله أعلم".
ثم جاء صدر الدين بن أبي العز قاضي القضاة -تلميذ ابن كثير- فأشار إلى هذين الحديثين: حديث الطبري الذي هنا، وحديث الطبراني الذي ذكره شيخه ابن كثير إشارة واحدة في شرح الطحاوية ص: ١٧١- ١٧٢ بتحقيقنا كأنه اعتبرهما حديثًا واحدًا، فذكر بعض سياق الحديث المطول ثم قال: "رواه الأئمة: ابن جرير في تفسيره والطبراني وأبو يعلى الموصلي والبيهقي" فكان شأنه في ذلك موضع نظر، لأن رواية الطبراني إنما هي في كتاب آخر غير معاجمه الثلاثة كما نقل ابن كثير ثم لم أجده في كتاب الأسماء والصفات للبيهقي. ثم لم يذكره صاحب الزوائد. ولو كان في أحد معاجم الطبراني او في مسند أبي يعلى الموصلي كما يوهمه إطلاق ابن أبي العز- لذكره صاحب الزوائد بما التزم من ذلك في كتابه.
* * *
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَقُضِيَ الأمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الأمُورُ (٢١٠)﴾
قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بذلك: وفُصِل القضاء بالعدل بين الخلق، (١) على ما ذكرناه قبلُ عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم: من أخْذ الحق لكلّ مظلوم من كل ظالم، حتى القصاص للجمّاء من القرناء من البهائم". (٢)
وأما قوله:" وإلى الله تُرجع الأمور"، فإنه يعني: وإلى الله يؤول القضاء بين خلقه يوم القيامة، والحكم بينهم في أمورهم التي جرت في الدنيا، من ظلم بعضهم بعضًا، واعتداءِ المعتدي منهم حدودَ الله، وخلافَ أمره، وإحسانِ المحسن منهم، وطاعته إياه فيما أمرَه به- فيفصلُ بين المتظالمين، ويجازي أهل الإحسان بالإحسان،
(٢) انظر الأثر السالف رقم: ٤٠٣٩.
* * *
وإنما أدخل جل وعزّ" الألف واللام" في"الأمور"، لأنه جل ثناؤه عنى بها جميع الأمور، ولم يعن بها بعضًا دون بعض، فكان ذلك بمعنى قول القائل:"يعجبني العسل- والبغل أقوى من الحمار"، فيدخل فيه"الألف واللام"، لأنه لم يُقصد به قصد بعض دون بعض، إنما يراد به العموم والجمع.
* * *