البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي
عن الكتاب
﴿هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة﴾ ؟ هل : هنا للنفي، المعنى : ما ينظرون، ولذلك دخلت إلاَّ، وكونها بمعنى النفي إذ جاء بعدها : إلاَّ، كثير الاستعمال في القرآن، وفي كلام العرب، قال تعالى :﴿وهل نجازي إلاَّ الكفور﴾ ﴿فهل يهلك إلا القوم الظالمون﴾ وقال الشاعر :
وهل أنا إلاَّ من غزية إن غوت***
غويت، وإن ترشد غزية أرشد
و : ينظرون، هنا معناه : ينتظرون، تقول العرب : نظرت فلاناً انتظره، وهو لا يتعدى لواحد بنفسه إلاَّ بحرف جر.
قال امرؤ القيس :
فانكما إن تنظراني ساعة***
من الدهر تنفعي لدى أم جندب
ومفعول : ينظرون، هو ما بعد إلاَّ، أي : ما ينتظرون إلاَّ إتيان الله، وهو استثناء مفرع، قيل : وينظرون هنا ليست من النظر الذي هو تردد العين في المنظور إليه، لأنه لو كان من النظر لعدى بإلى، وكان مضافاً إلى الوجه، وإنما هو من الانتظار. انتهى.
وهذا التعليل ليس بشيء لأنه يقال : هو من النظر، وهو تردد العين.
وهو معدى بإلى، لكنها محذوفة، والتقدير : هل ينظرون إلاَّ إلى أن يأتيهم الله ؟ وحذف حرف الجر مع أن إذا لم يلبس قياس مطرد، ولا لبس هنا، فحذفت : إلى، وقوله : وكان مضافاً إلى الوجه يشير إلى قوله :﴿وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة﴾
فكذلك ليس بلازم، قد نسب النظر إلى الذوات كثيراً كقوله :﴿أفلا ينظرون إلى الإبل﴾ ﴿أرني أنظر إليك﴾ والضمير في : ينظرون، عائد على الذالين، وهو التفات من ضمير الخطاب إلى ضمير الغيبة.
والإتيان : حقيقة في الانتقال من حيز إلى حيز، وذلك مستحيل بالنسبة إلى الله تعالى، فروى أبو صالح عن ابن عباس : أن هذا من المكتوم الذي لا يفسر، ولم يزل السلف في هذا وأمثاله يؤمنون، ويكلون فهم معناه إلى علم المتكلم به، وهو الله تعالى.
والمتأخرون تأولوا الإتيان وإسناده على وجوه :
أحدهما : أنه إتيان على ما يليق بالله تعالى من غير انتقال.
الثاني : أنه عبر به عن المجازات لهم، والانتقام، كما قال :﴿فأتى الله بنيانهم من القواعد﴾ ﴿فآتاهم الله من حيث لم يحتسبوا﴾
الثالث : أن يكون متعلق الإتيان محذوفاً، أي : أن يأتيهم الله بما وعدهم من الثواب، والعقاب، قاله الزجاج.
الرابع : أنه على حذف مضاف، التقدير : أمر الله، بمعنى : ما يفعله الله بهم، لا الأمر الذي مقابله النهي، ويبينه قوله، بعد :﴿وقضي الأمر﴾.
الخامس : قدرته، ذكره القاضي أبو يعلى عن أحمد.
السادس : أن في ظلل، بمعنى بظلل، فيكون : في، بمعنى : الباء، كما قال.
خبيرون في طعن الأباهر والكلى***
أي : بطعن، لأن خبيراً لا يتعدى إلاَّ بالباء، كما قال.
خبير بأدواء النساء طبيب***
قال الزجاج وغيره.
والأولى أن يكون المعنى : أمر الله، إذ قد صرح به في قوله :﴿أو يأتي أمر ربك﴾ وتكون عبارة عن بأسه وعذابه، لأن هذه الآية إنما جاءت مجيء التهديد والوعيد، وقيل : المحذوف : آيات الله، فجعل مجيء آياته مجيئاً له على التفخيم لشأنها، قاله في ( المنتخب ).
ونقل عن ابن جرير أنه قال : يأتيهم بمحاسبتهم على الغمام على عرشه تحمله ثمانية من الملائكة، وقيل : الخطاب مع اليهود، وهم مشبهة، ويدل على أنه مع اليهود قول بعد :﴿سل بني إسرائيل﴾، وإذا كان كذلك فالمعنى : أنهم لا يقبلون ذلك إلاَّ أن يأتيهم الله، فالآية على ظاهرها، إذ المعنى : أن قوماً ينتظرون إتيان الله، ولا يدل ذلك على أنهم محقون ولا مبطلون.
﴿في ظلل من الغمام﴾ تقدّم الكلام على ذلك في قوله :﴿وظللنا عليكم الغمام﴾ ويستحيل على الذات المقدّسة أن تحل في ظلة، وقيل : المقصود تصوير عظمة يوم القيامة وحصولها وشدتها، لأنه لا شيء أشد على المذنبين، وأهول، ومن وقت جمعهم وحضور أمهر الحكام وأكثرهم هيبة لفصل الخصومة، فيكون هذا من باب التمثيل، وإذا فسر بأن عذاب الله يأتيهم في ظلل من الغمام، فكان ذلك، لأنه أعظم، أو يأتيهم الشر من جهة الخير، لقوله :﴿هذا عارض ممطرنا بل هو ما استعجلتم به ريح فيها عذاب أليم﴾ ولأنه إذا كان ذلك يوم القيامة فهو علامة لأشد الأهوال في ذلك اليوم، قال الله تعالى :﴿ويوم تشقق السماء بالغمام﴾ ولأن الغمام ينزل قطرات غير محدودة، فكذلك العذاب غير محصور، وقيل : إن العذاب لا يأتي في الظلل، بل المعنى تشبيه الأهوال بالظلل من الغمام، كما قال :
﴿وإذا غشيهم موج كالظلل﴾ فالمعنى أن عذاب الله يأتيهم في أهوال عظيمة، كظلل الغمام.
واختلفوا في هذا التوعد، فقال ابن جريج : هو توعد بما يقع في الدنيا، وقال قوم : بل توعد بيوم القيامة.
وقرأ أبي، وعبد الله، وقتادة، والضحاك : في ظلال، وكذلك روي هارون بن حاتم، عن أبي بكر، عن عاصم، هنا وفي الحرفين في الزمر، وهي : جمع ظلة، نحو : قلة وقلال، وهو جمع لا ينقاس، بخلاف : ظلل، فإنه جمع منقاس، أو جمع : ظل نحو ضل وضلال.
و : في ظلل، متعلق بيأتيهم، وجوّزوا أن يكون حالاً فيتعلق بمحذوف، و : من الغمام، في موضع الصفة لظلل، وجوّزوا أن يتعلق بيأتيهم، أي من ناحية الغمام، فتكون : مِن، لابتداء الغاية، وعلى الوجه الأول تكون للتبعيض، وقرأ الحسن، وأبو حيوة، وأبو جعفر : والملائكةِ، بالجر عطفاً على : في ظلل، أو عطفاً على الغمام، فيختلف تقدير حرف الجر، إذ على الأول التقدير : وفي الملائكة، وعلى الثاني التقدير : ومن الملائكة.
وقرأ الجمهور بالرفع عطفاً على : الله، وقيل : في هذا الكلام تقديم وتأخير، فالإتيان في الظل مضاف إلى الملائكة، والتقدير : إلاَّ أن يأتيهم الله والملائكة في ظلل، فالمضاف إلى الله تعالى هو الإتيان فقط، ويؤيد هذا قراءة عبد الله، إلاَّ أن يأتيهم الله والملائكة في ظلل.
﴿وقضي الأمر﴾ معناه : وقع الجزاء وعذب أهل العصيان، وقيل : أتم أمر هلاكهم وفرغ منه، وقيل : فرغ من وقت الانتظار وجاء وقت المؤاخذة، وقيل : فرغ لهم مما يوعدون به إلى يوم القيامة، وقيل : فرغ من الحساب ووجب العذاب.
وهذه أقوال متقاربة.
﴿وقضي الأمر﴾ معطوف على قوله : يأتيهم، فهو من وضع الماضي موضع المستقبل، وعبر بالماضي عن المستقبل لأنه كالمفروغ منه الذي وقع، والتقدير : ويقضى الأمر، ويحتمل أن يكون هذا إخباراً من الله تعالى، أي : فرغ من أمرهم بما سبق في القدر، فيكون من عطف الجمل لا أنه في حيز ما ينتظر.
وقرأ معاذ بن جبل : وقضاء الأمر، قال : قال الزمخشري : على المصدر المرفوع عطفاً على الملائكة، وقال غيره بالمد والخفض عطفاً على الملائكة، وقيل : ويكون : في، على هذا بمعنى الباء، أي : بظلل من الغمام، وبالملائكة، وبقضاء الأمر.
وقرأ يحيى بن معمر : وقضي الأمور، بالجمع، وبني الفعل للمفعول وحذف الفاعل للعلم به، ولأنه لو أبرز وبنى الفعل للفاعل لتكرر الاسم ثلاث مرات.
﴿وإلى اله تُرجع الأمور﴾ قرأ ابن عامر، وحمزة، والكسائي : ترجع، بفتح التاء وكسر الجيم في جميع القرآن، ويعقوب : بالتاء مفتوحة وكسر الجيم في جميع القرآن، على أن : رجع، لازم وباقي السبعة : بالياء وفتح الجيم مبنياً للمفعول، وخارجة عن نافع : يرجع بالياء.
وفتح الجيم على أن رجع متعد.
وكلا الاستعمالين له في لسان العرب، ولغة قليلة في المتعدي أرجع رباعياً، فمن قرأ بالتاء فلتأنيث الجمع، ومن قرأ بالياء فلكون التأنيث غير حقيقي.
وصرح باسم الله لأنه أفخم وأعظم وأوضح، وإن كان قد جرى ذكره في قوله :﴿إلاَّ أن يأتيهم الله﴾ ولأنه في جملة مستأنفة ليست داخلة في المنتظر، وإنما هي إعلام بأن الله إليه تصير الأمور كلها.
لا إلى غيره، إذ هو المنفرد بالمجازاة، ولرفع إبهام ما كان عليه ملوك الدنيا من دفع أمور الناس إليهم، فأعلم أن هذا لا يكون لهم في الآخرة منها شيء، بل ذلك إلى الله وحده، أو لإعلام أنها رجعت إليه في الآخرة بعد أن كان ملكهم بعضها في الدنيا، فصارت إليه كلها في الآخرة.
وإذا كان الفعل مبنياً للمفعول فالفاعل المحذوف، إما الله تعالى، يرجعها إلى نفسه بإفناء الدنيا وإقامة القيامة، أو ذوو الأمور، لما كانت ذواتهم وصفاتهم شاهدة عليهم بأنهم مخلوقون محاسبون مجزيون، كانوا رادّين أمورهم إلى خالقها، قيل : أو يكون ذلك على مذهب العرب في قولهم : فلان معجب بنفسه، ويقول الرجل لغيره : إلى أين يُذهب بك ؟ وإن لم يكن أحد يذهب به. انتهى.
وملخصه : انه يبني الفعل للمفعول ولا يكون ثم فاعل، وهذا خطأ، إذ لا بد للفعل من تصوّر فاعل، ولا يلزم أن يكون الفاعل للذهاب أحداً، ولا الفاعل للإعجاب، بل الفاعل غيره، فالذي أعجبه بنفسه هو رأيه، واعتقاده بجمال نفسه، فالمعنى أنه أعجبه رأيه، وذهب به رأيه، فكأنه قيل : أعجبه رأيه بنفسه، وإلى أين يذهب بك رأيك أو عقلك ؟ ثم حذف الفاعل، وبني الفعل للمفعول.
قيل : وفي قوله :﴿وقضي الأمر﴾ ﴿وإلى الله ترجع الأمور﴾ قسمان من أقسام علم البيان :
أحدهما : الإيجاز في قوله :﴿وقضي الأمر﴾ فإن في هاتين الكلمتين يندرج في ضمنها جميع أحوال العباد مند خلقوا إلى يوم التناد، ومن هذا اليوم إلى الفصل بين العباد.
والثاني : الاختصاص بقوله :﴿وإلى الله﴾ فاختص بذلك اليوم لانفراده فيه بالتصرف والحكم والملك. انتهى.
وقال السلمي : وقضي الأمر وصلوا إلى ما قضي لهم في الأزل من إحدى المنزلتين.
وقال جعفر : كشف عن حقيقة الأمر ونهيه.
وقال القشيري : انهتك ستر الغيب عن صريح التقدير.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: وقد تضمنت هذه الآيات الكريمة من أواخر أقوال الحج وأفعاله الأمر بذكر الله في أيام معدودات، أي : قلائل، ودل الذكر على الرمي وإن لم يصرح به، لأن الذكر المأمور به في تلك الأيام هو عند الرمي، ودل الأمر على مشروعيته في أيام، وهو : جمع، ثم رخص في التعجيل عند انقضاء يومين منها، فسقط الذكر المختص به اليوم الثالث، وأخبر أن حال المتعجل والمتأخر سواء في عدم الإثم، وإن كان حال من تأخر أفضل، وكان بعض الجاهلية يعتقد أن من تعجل أثم، وبعضهم يعتقد أن من تأخر أثم، فلذلك أخبر أن الله رفع الإثم عنهما، إذ كان التعجل والتأخر مما شرعه الله تعالى، ثم أخبر أن ارتفاع الإثم لا يكون إلا لمن اتقى الله تعالى.
ثم أمر بالتقوى، وتكرار الأمر بها في الحج، ثم ذكر الحامل على التلبس بالتقوى، وهو كونه تعالى شديد العقاب لمن لم يتقه.
ثم لما كانت التقوى تنقسم إلى من يظهرها بلسانه وقلبه منطو على خلافها، وإلى من تساوى سريرته وعلانيته في التقوى، قسم الله تعالى ذلك إلى قسمين، فقال :﴿ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا﴾ أي : يؤنقك ويروق لفظه، يحسن ما يأتي به من الموافقة والطواعية ظاهراً، ثم لا يكتفي بما زوّر ونمق من كلامه اللطيف حتى يشهد الله على ما في قلبه من ذلك، فيحلف بالله أن سريرته مثل علانيته، وهو إذا خاصم كان شديد الخصومة.
وإذا خرج من عندك تقلب في نواحي الأرض، ثم ذكر تعالى سبب سعيه وأنه للإفساد مطلقاً، وليهلك الحرث والنسل اللذين هما قوام الوجود، ثم أخبر تعالى أنه لا يحب الفساد، فهذا المتولي الساعي في الأرض يفعل ما لا يحبه الله ولا يرضاه، ثم ذكر أنه من شدّة الشكيمة في النفاق إذا أمر بتقوى الله تعالى استولت عليه الأنفة والغضب بالإثم.
أي : مصحوباً بالإثم فليس غضبه لله. إنما هو لغير الله، فلذلك استصحبه الإثم.
ثم ذكر تعالى ما يؤول إليه حال هذا الآنف المغترّ بغير الله، وهو جهنم، فهي كافية له، ومبدلته بعد عزه ذلاً، ثم ذمّ تعالى ما مهد لنفسه من جهنم، وبئس الغاية الذم.
ثم ذكر تعالى القسم المقابل لهذا القسم، وهو : من باع نفسه في طلاب رضى الله تعالى، واكتفى بهذا الوصف الشريف، إذ دل على انطوائه على جميع الطاعات والانقيادات، إذ صار عبد الله يوجد حيث رضي الله تعالى، ثم ذكر تعالى أن من كان بهذه المثابة رأف الله به ورحمه، ورأفة الله به تتضمن اللطف به والإحسان إليه بجميع أنواع الإحسان، وذكر الرأفة التي هي، قيل : أرق من الرحمة.
ثم نادى المؤمنين بقوله :﴿يا أيها الذين آمنوا﴾ وأمرهم بالدخول في الإسلام، وثنى بالنهي، لأن الأمر أشق من النهي، لأن الأمر فعل والنهي ترك، ولمجاورته قوله :﴿ومن الناس من يشري نفسه﴾ فصار نظير :﴿يوم تبيضّ وجوه وتسودُّ وجوه فأما الذين اسودّت وجوههم﴾ ولما نهاهم تعالى عن اتباع خطوات الشيطان، وهي : سلوك معاصي الله، أخبر أنه إن زلوا من بعد ما أتتهم البينات الواضحة النيرة التي لا ينبغي أن يقع الزلل معها، لأن في ايضاحها ما يزيل اللبس، فاعلموا أن الله عزيز لا يغالب، حكيم يضع الأشياء مواضعها، فيجازي على الزلل بعد وضوح الآيات التي تقتضي الثبوت في الطاعة بما يناسب ذلك الزلل، فدل بعزته على القدرة، وبحكمته على جزاء العاصي والطائع :﴿ليجزي الذين أساؤا بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى﴾
ثم أعرض تعالى عن خطابهم، وأخبر عنهم إخبار الغائبين، مسلياً لرسوله عن تباطئهم في الدخول في الإسلام، فقال : ما ينتظرون إلاَّ قيام الساعة يوم فصل الله بين العباد، وقضاء الأمر، ورجوع جميع الأمور إليه، فهناك تظهر ثمرة ما جنوا على أنفسهم، كما جاء في الحديث :« إن يوم القيامة يأتيهم الله في صورة » كذا، على ما يليق بتقديسه عن جميع ما يشبه المخلوقين، وننزهه عما يستحيل عليه من سمات الحدوث وصفات النقص.
ثم قال تعالى :﴿سل بني إسرائيل﴾ منبهاً على أن دأب من أرسل إليه الأنبياء، وظهرت لهم المعجزات الإعراض عن ذلك، وعدم قبول الإيمان، وأنهم يرتبون على الشيء غير مقتضاه، فيكذبون بالآيات التي جاءت دالة على الصدق.
ثم أخبر تعالى : أن من بدل نعمة الله عاقبه أشدّ العقاب، قابل نعمة الله التي هي مظنة الشكر بالكفر، ثم ذكر تعالى الحامل لهم على تبديل نعم الله، وهو : تزيين الحياة الدنيا، فرغبوا في الفاني وزهدو ا في الباقي إيثاراً للعاجل على الآجل، ثم ذكر مع ذلك استهزاءهم بالمؤمنين، حيث ما يتوهم في وصف الإيمان، والرغبة فيما عند الله تعالى، وذكر أنهم هم العالون يوم القيامة، ودل بذلك على أن أولئك هم السافلون، ثم ذكر أنه يرزق المؤمنين، وهم الذين يحبهم، بغير حساب، إشارة إلى سعة الرزق وعدم التقتير، والتقدير : وأعاد ذكرهم بلفظ : من يشاء، تنبيهاً على إرادته لهم، ومحبته إياهم، واختصاصهم به، إذ لو قال : والله يرزقهم بغير حساب، لفات هذا المعنى من ذكر المشيئة التي هي الإرادة.
وهل أنا إلاَّ من غزية إن غوت***
غويت، وإن ترشد غزية أرشد
و : ينظرون، هنا معناه : ينتظرون، تقول العرب : نظرت فلاناً انتظره، وهو لا يتعدى لواحد بنفسه إلاَّ بحرف جر.
قال امرؤ القيس :
فانكما إن تنظراني ساعة***
من الدهر تنفعي لدى أم جندب
ومفعول : ينظرون، هو ما بعد إلاَّ، أي : ما ينتظرون إلاَّ إتيان الله، وهو استثناء مفرع، قيل : وينظرون هنا ليست من النظر الذي هو تردد العين في المنظور إليه، لأنه لو كان من النظر لعدى بإلى، وكان مضافاً إلى الوجه، وإنما هو من الانتظار. انتهى.
وهذا التعليل ليس بشيء لأنه يقال : هو من النظر، وهو تردد العين.
وهو معدى بإلى، لكنها محذوفة، والتقدير : هل ينظرون إلاَّ إلى أن يأتيهم الله ؟ وحذف حرف الجر مع أن إذا لم يلبس قياس مطرد، ولا لبس هنا، فحذفت : إلى، وقوله : وكان مضافاً إلى الوجه يشير إلى قوله :﴿وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة﴾
فكذلك ليس بلازم، قد نسب النظر إلى الذوات كثيراً كقوله :﴿أفلا ينظرون إلى الإبل﴾ ﴿أرني أنظر إليك﴾ والضمير في : ينظرون، عائد على الذالين، وهو التفات من ضمير الخطاب إلى ضمير الغيبة.
والإتيان : حقيقة في الانتقال من حيز إلى حيز، وذلك مستحيل بالنسبة إلى الله تعالى، فروى أبو صالح عن ابن عباس : أن هذا من المكتوم الذي لا يفسر، ولم يزل السلف في هذا وأمثاله يؤمنون، ويكلون فهم معناه إلى علم المتكلم به، وهو الله تعالى.
والمتأخرون تأولوا الإتيان وإسناده على وجوه :
أحدهما : أنه إتيان على ما يليق بالله تعالى من غير انتقال.
الثاني : أنه عبر به عن المجازات لهم، والانتقام، كما قال :﴿فأتى الله بنيانهم من القواعد﴾ ﴿فآتاهم الله من حيث لم يحتسبوا﴾
الثالث : أن يكون متعلق الإتيان محذوفاً، أي : أن يأتيهم الله بما وعدهم من الثواب، والعقاب، قاله الزجاج.
الرابع : أنه على حذف مضاف، التقدير : أمر الله، بمعنى : ما يفعله الله بهم، لا الأمر الذي مقابله النهي، ويبينه قوله، بعد :﴿وقضي الأمر﴾.
الخامس : قدرته، ذكره القاضي أبو يعلى عن أحمد.
السادس : أن في ظلل، بمعنى بظلل، فيكون : في، بمعنى : الباء، كما قال.
خبيرون في طعن الأباهر والكلى***
أي : بطعن، لأن خبيراً لا يتعدى إلاَّ بالباء، كما قال.
خبير بأدواء النساء طبيب***
قال الزجاج وغيره.
والأولى أن يكون المعنى : أمر الله، إذ قد صرح به في قوله :﴿أو يأتي أمر ربك﴾ وتكون عبارة عن بأسه وعذابه، لأن هذه الآية إنما جاءت مجيء التهديد والوعيد، وقيل : المحذوف : آيات الله، فجعل مجيء آياته مجيئاً له على التفخيم لشأنها، قاله في ( المنتخب ).
ونقل عن ابن جرير أنه قال : يأتيهم بمحاسبتهم على الغمام على عرشه تحمله ثمانية من الملائكة، وقيل : الخطاب مع اليهود، وهم مشبهة، ويدل على أنه مع اليهود قول بعد :﴿سل بني إسرائيل﴾، وإذا كان كذلك فالمعنى : أنهم لا يقبلون ذلك إلاَّ أن يأتيهم الله، فالآية على ظاهرها، إذ المعنى : أن قوماً ينتظرون إتيان الله، ولا يدل ذلك على أنهم محقون ولا مبطلون.
﴿في ظلل من الغمام﴾ تقدّم الكلام على ذلك في قوله :﴿وظللنا عليكم الغمام﴾ ويستحيل على الذات المقدّسة أن تحل في ظلة، وقيل : المقصود تصوير عظمة يوم القيامة وحصولها وشدتها، لأنه لا شيء أشد على المذنبين، وأهول، ومن وقت جمعهم وحضور أمهر الحكام وأكثرهم هيبة لفصل الخصومة، فيكون هذا من باب التمثيل، وإذا فسر بأن عذاب الله يأتيهم في ظلل من الغمام، فكان ذلك، لأنه أعظم، أو يأتيهم الشر من جهة الخير، لقوله :﴿هذا عارض ممطرنا بل هو ما استعجلتم به ريح فيها عذاب أليم﴾ ولأنه إذا كان ذلك يوم القيامة فهو علامة لأشد الأهوال في ذلك اليوم، قال الله تعالى :﴿ويوم تشقق السماء بالغمام﴾ ولأن الغمام ينزل قطرات غير محدودة، فكذلك العذاب غير محصور، وقيل : إن العذاب لا يأتي في الظلل، بل المعنى تشبيه الأهوال بالظلل من الغمام، كما قال :
﴿وإذا غشيهم موج كالظلل﴾ فالمعنى أن عذاب الله يأتيهم في أهوال عظيمة، كظلل الغمام.
واختلفوا في هذا التوعد، فقال ابن جريج : هو توعد بما يقع في الدنيا، وقال قوم : بل توعد بيوم القيامة.
وقرأ أبي، وعبد الله، وقتادة، والضحاك : في ظلال، وكذلك روي هارون بن حاتم، عن أبي بكر، عن عاصم، هنا وفي الحرفين في الزمر، وهي : جمع ظلة، نحو : قلة وقلال، وهو جمع لا ينقاس، بخلاف : ظلل، فإنه جمع منقاس، أو جمع : ظل نحو ضل وضلال.
و : في ظلل، متعلق بيأتيهم، وجوّزوا أن يكون حالاً فيتعلق بمحذوف، و : من الغمام، في موضع الصفة لظلل، وجوّزوا أن يتعلق بيأتيهم، أي من ناحية الغمام، فتكون : مِن، لابتداء الغاية، وعلى الوجه الأول تكون للتبعيض، وقرأ الحسن، وأبو حيوة، وأبو جعفر : والملائكةِ، بالجر عطفاً على : في ظلل، أو عطفاً على الغمام، فيختلف تقدير حرف الجر، إذ على الأول التقدير : وفي الملائكة، وعلى الثاني التقدير : ومن الملائكة.
وقرأ الجمهور بالرفع عطفاً على : الله، وقيل : في هذا الكلام تقديم وتأخير، فالإتيان في الظل مضاف إلى الملائكة، والتقدير : إلاَّ أن يأتيهم الله والملائكة في ظلل، فالمضاف إلى الله تعالى هو الإتيان فقط، ويؤيد هذا قراءة عبد الله، إلاَّ أن يأتيهم الله والملائكة في ظلل.
﴿وقضي الأمر﴾ معناه : وقع الجزاء وعذب أهل العصيان، وقيل : أتم أمر هلاكهم وفرغ منه، وقيل : فرغ من وقت الانتظار وجاء وقت المؤاخذة، وقيل : فرغ لهم مما يوعدون به إلى يوم القيامة، وقيل : فرغ من الحساب ووجب العذاب.
وهذه أقوال متقاربة.
﴿وقضي الأمر﴾ معطوف على قوله : يأتيهم، فهو من وضع الماضي موضع المستقبل، وعبر بالماضي عن المستقبل لأنه كالمفروغ منه الذي وقع، والتقدير : ويقضى الأمر، ويحتمل أن يكون هذا إخباراً من الله تعالى، أي : فرغ من أمرهم بما سبق في القدر، فيكون من عطف الجمل لا أنه في حيز ما ينتظر.
وقرأ معاذ بن جبل : وقضاء الأمر، قال : قال الزمخشري : على المصدر المرفوع عطفاً على الملائكة، وقال غيره بالمد والخفض عطفاً على الملائكة، وقيل : ويكون : في، على هذا بمعنى الباء، أي : بظلل من الغمام، وبالملائكة، وبقضاء الأمر.
وقرأ يحيى بن معمر : وقضي الأمور، بالجمع، وبني الفعل للمفعول وحذف الفاعل للعلم به، ولأنه لو أبرز وبنى الفعل للفاعل لتكرر الاسم ثلاث مرات.
﴿وإلى اله تُرجع الأمور﴾ قرأ ابن عامر، وحمزة، والكسائي : ترجع، بفتح التاء وكسر الجيم في جميع القرآن، ويعقوب : بالتاء مفتوحة وكسر الجيم في جميع القرآن، على أن : رجع، لازم وباقي السبعة : بالياء وفتح الجيم مبنياً للمفعول، وخارجة عن نافع : يرجع بالياء.
وفتح الجيم على أن رجع متعد.
وكلا الاستعمالين له في لسان العرب، ولغة قليلة في المتعدي أرجع رباعياً، فمن قرأ بالتاء فلتأنيث الجمع، ومن قرأ بالياء فلكون التأنيث غير حقيقي.
وصرح باسم الله لأنه أفخم وأعظم وأوضح، وإن كان قد جرى ذكره في قوله :﴿إلاَّ أن يأتيهم الله﴾ ولأنه في جملة مستأنفة ليست داخلة في المنتظر، وإنما هي إعلام بأن الله إليه تصير الأمور كلها.
لا إلى غيره، إذ هو المنفرد بالمجازاة، ولرفع إبهام ما كان عليه ملوك الدنيا من دفع أمور الناس إليهم، فأعلم أن هذا لا يكون لهم في الآخرة منها شيء، بل ذلك إلى الله وحده، أو لإعلام أنها رجعت إليه في الآخرة بعد أن كان ملكهم بعضها في الدنيا، فصارت إليه كلها في الآخرة.
وإذا كان الفعل مبنياً للمفعول فالفاعل المحذوف، إما الله تعالى، يرجعها إلى نفسه بإفناء الدنيا وإقامة القيامة، أو ذوو الأمور، لما كانت ذواتهم وصفاتهم شاهدة عليهم بأنهم مخلوقون محاسبون مجزيون، كانوا رادّين أمورهم إلى خالقها، قيل : أو يكون ذلك على مذهب العرب في قولهم : فلان معجب بنفسه، ويقول الرجل لغيره : إلى أين يُذهب بك ؟ وإن لم يكن أحد يذهب به. انتهى.
وملخصه : انه يبني الفعل للمفعول ولا يكون ثم فاعل، وهذا خطأ، إذ لا بد للفعل من تصوّر فاعل، ولا يلزم أن يكون الفاعل للذهاب أحداً، ولا الفاعل للإعجاب، بل الفاعل غيره، فالذي أعجبه بنفسه هو رأيه، واعتقاده بجمال نفسه، فالمعنى أنه أعجبه رأيه، وذهب به رأيه، فكأنه قيل : أعجبه رأيه بنفسه، وإلى أين يذهب بك رأيك أو عقلك ؟ ثم حذف الفاعل، وبني الفعل للمفعول.
قيل : وفي قوله :﴿وقضي الأمر﴾ ﴿وإلى الله ترجع الأمور﴾ قسمان من أقسام علم البيان :
أحدهما : الإيجاز في قوله :﴿وقضي الأمر﴾ فإن في هاتين الكلمتين يندرج في ضمنها جميع أحوال العباد مند خلقوا إلى يوم التناد، ومن هذا اليوم إلى الفصل بين العباد.
والثاني : الاختصاص بقوله :﴿وإلى الله﴾ فاختص بذلك اليوم لانفراده فيه بالتصرف والحكم والملك. انتهى.
وقال السلمي : وقضي الأمر وصلوا إلى ما قضي لهم في الأزل من إحدى المنزلتين.
وقال جعفر : كشف عن حقيقة الأمر ونهيه.
وقال القشيري : انهتك ستر الغيب عن صريح التقدير.
ثم أمر بالتقوى، وتكرار الأمر بها في الحج، ثم ذكر الحامل على التلبس بالتقوى، وهو كونه تعالى شديد العقاب لمن لم يتقه.
ثم لما كانت التقوى تنقسم إلى من يظهرها بلسانه وقلبه منطو على خلافها، وإلى من تساوى سريرته وعلانيته في التقوى، قسم الله تعالى ذلك إلى قسمين، فقال :﴿ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا﴾ أي : يؤنقك ويروق لفظه، يحسن ما يأتي به من الموافقة والطواعية ظاهراً، ثم لا يكتفي بما زوّر ونمق من كلامه اللطيف حتى يشهد الله على ما في قلبه من ذلك، فيحلف بالله أن سريرته مثل علانيته، وهو إذا خاصم كان شديد الخصومة.
وإذا خرج من عندك تقلب في نواحي الأرض، ثم ذكر تعالى سبب سعيه وأنه للإفساد مطلقاً، وليهلك الحرث والنسل اللذين هما قوام الوجود، ثم أخبر تعالى أنه لا يحب الفساد، فهذا المتولي الساعي في الأرض يفعل ما لا يحبه الله ولا يرضاه، ثم ذكر أنه من شدّة الشكيمة في النفاق إذا أمر بتقوى الله تعالى استولت عليه الأنفة والغضب بالإثم.
أي : مصحوباً بالإثم فليس غضبه لله. إنما هو لغير الله، فلذلك استصحبه الإثم.
ثم ذكر تعالى ما يؤول إليه حال هذا الآنف المغترّ بغير الله، وهو جهنم، فهي كافية له، ومبدلته بعد عزه ذلاً، ثم ذمّ تعالى ما مهد لنفسه من جهنم، وبئس الغاية الذم.
ثم ذكر تعالى القسم المقابل لهذا القسم، وهو : من باع نفسه في طلاب رضى الله تعالى، واكتفى بهذا الوصف الشريف، إذ دل على انطوائه على جميع الطاعات والانقيادات، إذ صار عبد الله يوجد حيث رضي الله تعالى، ثم ذكر تعالى أن من كان بهذه المثابة رأف الله به ورحمه، ورأفة الله به تتضمن اللطف به والإحسان إليه بجميع أنواع الإحسان، وذكر الرأفة التي هي، قيل : أرق من الرحمة.
ثم نادى المؤمنين بقوله :﴿يا أيها الذين آمنوا﴾ وأمرهم بالدخول في الإسلام، وثنى بالنهي، لأن الأمر أشق من النهي، لأن الأمر فعل والنهي ترك، ولمجاورته قوله :﴿ومن الناس من يشري نفسه﴾ فصار نظير :﴿يوم تبيضّ وجوه وتسودُّ وجوه فأما الذين اسودّت وجوههم﴾ ولما نهاهم تعالى عن اتباع خطوات الشيطان، وهي : سلوك معاصي الله، أخبر أنه إن زلوا من بعد ما أتتهم البينات الواضحة النيرة التي لا ينبغي أن يقع الزلل معها، لأن في ايضاحها ما يزيل اللبس، فاعلموا أن الله عزيز لا يغالب، حكيم يضع الأشياء مواضعها، فيجازي على الزلل بعد وضوح الآيات التي تقتضي الثبوت في الطاعة بما يناسب ذلك الزلل، فدل بعزته على القدرة، وبحكمته على جزاء العاصي والطائع :﴿ليجزي الذين أساؤا بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى﴾
ثم أعرض تعالى عن خطابهم، وأخبر عنهم إخبار الغائبين، مسلياً لرسوله عن تباطئهم في الدخول في الإسلام، فقال : ما ينتظرون إلاَّ قيام الساعة يوم فصل الله بين العباد، وقضاء الأمر، ورجوع جميع الأمور إليه، فهناك تظهر ثمرة ما جنوا على أنفسهم، كما جاء في الحديث :« إن يوم القيامة يأتيهم الله في صورة » كذا، على ما يليق بتقديسه عن جميع ما يشبه المخلوقين، وننزهه عما يستحيل عليه من سمات الحدوث وصفات النقص.
ثم قال تعالى :﴿سل بني إسرائيل﴾ منبهاً على أن دأب من أرسل إليه الأنبياء، وظهرت لهم المعجزات الإعراض عن ذلك، وعدم قبول الإيمان، وأنهم يرتبون على الشيء غير مقتضاه، فيكذبون بالآيات التي جاءت دالة على الصدق.
ثم أخبر تعالى : أن من بدل نعمة الله عاقبه أشدّ العقاب، قابل نعمة الله التي هي مظنة الشكر بالكفر، ثم ذكر تعالى الحامل لهم على تبديل نعم الله، وهو : تزيين الحياة الدنيا، فرغبوا في الفاني وزهدو ا في الباقي إيثاراً للعاجل على الآجل، ثم ذكر مع ذلك استهزاءهم بالمؤمنين، حيث ما يتوهم في وصف الإيمان، والرغبة فيما عند الله تعالى، وذكر أنهم هم العالون يوم القيامة، ودل بذلك على أن أولئك هم السافلون، ثم ذكر أنه يرزق المؤمنين، وهم الذين يحبهم، بغير حساب، إشارة إلى سعة الرزق وعدم التقتير، والتقدير : وأعاد ذكرهم بلفظ : من يشاء، تنبيهاً على إرادته لهم، ومحبته إياهم، واختصاصهم به، إذ لو قال : والله يرزقهم بغير حساب، لفات هذا المعنى من ذكر المشيئة التي هي الإرادة.