اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي

عن الكتاب
قوله تعالى :" زُيِّنَ " : إنَّما لم تلحق الفعل علامة تأنيثٍ لوجوهٍ :
أحدها : قال الفرَّاء(١) : لأنَّ الحياة والإحياء واحدٌ، فإن أُنِّثَ، فعلى اللَّفظ، وبها قرأ(٢) ابن أبي عبلة، وإن ذُكِّر، فعلى المعنى ؛ كقوله :﴿فَمَنْ جَآءَهُ مَوْعِظَةٌ مِّنْ رَّبِّهِ﴾ [البقرة: ٢٧٥] ﴿وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ الصَّيْحَةُ﴾ [هود: ٦٧].
وثانيها : قال الزَّجَّاج(٣) : إنَّ تأنيث الحياة ليس بحقيقي ؛ لأنَّ معنى الحياة والعيشِ والبقاء واحدٌ، فكأنه قال :" زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا البَقَاءُ ".
وثالثها : قال ابن الأنباري(٤) : إنما لم يقل زيِّنت ؛ لأنه فصل بين " زُيِّنَ " وبين الحياة الدنيا بقوله :" للذين كَفَرُوا "، وإذا فصل بين فعل المؤنث، وبين الاسم بفاصلٍ حَسُنَ تذكير الفعل ؛ لأنَّ الفاصل يغني عن تاء التأنيث، وقرأ مجاهد وأبو حيوة :" زَيَّنَ " مبنياً للفاعل، و " الحياةَ " مفعول، والفاعل هو الله تعالى عند الأكثرين، وعند الزجاج والمعتزلة يقولون : إنه الشيطان.
وقوله :" يَسْخَرُون " يحتمل أن يكون من باب عطف الجملة الفعلية على الجملة الفعلية، لا من باب عطف الفعل وحده على فعل آخر، فيكون من عطف المفردات ؛ لعدم اتِّحاد الزمان.
ويحتمل أن يكون " يَسْخَرُون " خبر مبتدأ محذوفٍ، أي : وهم يسخرون، فيكون مستأنفاً، وهو من عطف الجملة الاسمية على الفعلية. وجيء بقوله :" زُيِّن " ماضياً ؛ دلالةً على أنَّ ذلك قد وقع، وفرغ منه، وبقوله :" وَيَسْخَرُونَ " مضارعاً ؛ دلالة على التَّجَدُّد، والحدوث.
قوله :﴿وَالَّذِينَ اتَّقَواْ فَوْقَهُمْ﴾ مبتدأ وخبر، و " فَوْقَ " هنا تحتمل وجهين :
أحدهما : أن تكون ظرف مكانٍ على حقيقتها ؛ لأنَّ المتقين في أعلى علِّيِّين، والكافرين في أسفل السَّافلين.
والثاني : أن تكون الفوقية مجازاً : إمَّا بالنسبة إلى نعيم المؤمنين في الآخرة، ونعيم الكافرين في الدنيا. وإمّا أنّ حجة المؤمنين في القيامة فوق حجَّة الكافرين، وإمَّا أن سخرية المؤمنين لهم في الآخرة، فوق سخرية الكفار لهم في الدنيا.
و " يوم " منصوبٌ بالاستقرار الذي تعلَّق به " فَوْقَهُمْ " وقوله :﴿مِنَ الَّذِينَ آمَنُواْ﴾ ثم قال :﴿وَالَّذِينَ اتَّقَواْ﴾ لتبيين أنَّ السعادة الكبرى لا تحصل إلاَّ للمؤمن التَّقيّ.

فصل


قال ابن عبَّاسٍ(٥) : نزلت في كفَّار قريشٍ، كانوا يسخرون من فقراء المسلمين كعبد الله بن مسعودٍ، وعمَّارٍ، وخبَّابٍ، وسالمٍ مولى أبي حذيفة، وعامر بن فهيرة، وأبي عبيدة بن الجرَّاح، وصهيبٍ، وبلالٍ، بسب ما كانوا فيه من الفقر، والصَّبر على أنواع البلاء، مع ما كان الكُفَّار فيه من النَّعيم، والرَّاحة، وبسط الرِّزق.
وقال عطاءٌ(٦) : نزلت في رؤساء اليهود، وعلمائهم، من بني قريظة، والنَّضير، وبني قينقاع ؛ سخروا من فقر المسلمين المهاجرين حيث أُخرجوا من ديارهم، وأموالهم، فوعدهم الله أن يعطيهم أموال بني قريظة والنَّضير بغير قتالٍ.
وقال مقاتلٌ : نزلت في المنافقين كعبد الله بن أُبيٍّ، وأصحابه ؛ كانوا يتنعّمون في الدّنيا، ويسخرون من ضعفاء المسلمين، وفقراء المهاجرين، ويقولون : انظروا إلى هؤلاء الذين يزعم محمد أنه يغلب بهم(٧).
قال ابن الخطيب(٨) : ولا مانع من نزولها في جميعهم.
روى أسامة بن زيد قال : قال رسول الله ﷺ :" وَقَفْتُ عَلَى بَابِ الْجَنَّةِ، فَرَأَيْتُ أَكْثَرَ أَهْلِهَا المَسَاكِينَ، وَوَقَفْتُ عَلَى بَابِ النَّارِ، فَرَأَيْتُ أَكْثَرَ أَهْلِهَا النِّسَاءَ، وَإنَّ أَهْلَ الجَدِّ مَحْبُوسُونُ إِلاَّ مَنْ كَانَ مِنْهُمْ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، فَقَدْ أُمِرَ بِهِ إِلَى النَّارِ(٩) ".
وروى سهل بن سعدٍ السَّاعديّ، قال :" مرَّ رجلٌ على رسول الله ﷺ فقال لرجل عنده جالسٍ :" مَا رَأَيُكَ في هَذَا " فقال هذا رجل من أشراف النَّاس، هذا والله حريٌّ إن خطب أن ينكح، وإن شفع أن يشفَّع، قال : فسكت رسول الله ﷺ ثم مرَّ رجُلٌ، فقال له رسول الله ﷺ :" مَا رَأْيُكَ في هَذَا " ؟ فقال : يَا رسولَ الله، هذا من فقراء المسلمين، هذا حَرِيٌّ إن خطب ألاّ ينكح وإن شفع ألا يشفَّع، وإن قال لا يسمع لقوله. فقال رسول الله ﷺ :" هذا خَيْرٌ مِنْ مِلْءِ الأَرْضِ مِثْل هَذَا(١٠) ".
وروي عن عليٍّ ؛ أنَّ النبيَّ ﷺ قال :" مَنِ اسْتَذَلَّ مَؤْمِناً أَوْ مُؤْمِنَةً، أَوْ حَقَّرَهُ لِفَقْرِهِ وَقِلَّةِ ذَات يَدِهِ، شَهَرَهُ اللَّهُ يَوْمَ القِيَامَةِ، ثُم فَضَحَهُ، وَمَنْ بَهَت مُؤْمِناً أَوْ مُؤْمِنَةً، أَوْ قَالَ فِيهِ مَا لَيْسَ فِيهِ أَقَامَهُ اللَّهُ تَعَالَى في تَلٍّ مِنْ نَارٍ يَوْمَ القِيَامَةِ ؛ حَتَّى يَخْرُجَ مِمَّا قَالَ فِيه(١١). . . ".

فصل


قال الجُبَّائيُّ(١٢) : المزيِّن هم غواة الجن، والإنس ؛ زينوا للكفار الحرص على الدُّنيا، وقبَّحوا أمر الآخرة.
قال : وأمَّا قول المجبّرة : إنَّ الله تعالى زيَّن ذلك فهو باطلٌ، لأنَّ المزيِّن للشيء كالمخبر على حسنه، فإن كان صادقاً، فيكون ما زينه حسناً، ويكون فاعله مصيباً، وذلك يوجب أنَّ الكافر مصيبٌ في كفره، وهذا القول كفرٌ، وإن كان كاذباً في ذلك التزيين، فيؤدي إلى أن لا يوثق بخبره، وهذا - أيضاً - كفرٌ، فثبت أنَّ المزيِّن هو الشيطان.
قال ابن الخطيب(١٣) : وهذا ضعيفٌ، لأنَّ قوله :﴿زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ يتناول جميع الكُفَّار، وهذا يقتضي أن يكون لجميع الكفار مُزَيِّن، فلا بدَّ وأن يكون ذلك المزيِّن مغايراً لهم ؛ لأنَّ غواة الجنِّ والإنس داخلون في الكفار أيضاً، إلاَّ أن يقال : إن كلَّ واحدٍ يزيِّن للآخر فيصير دوراً، فثبت ضعف هذا التأويل.
وأمَّا قوله :" المُزَيِّنُ للشَّيْءِ كالمخبر عن حُسْنِه " فهذا ممنوعٌ، بل المزين من يجعل الشيء موصوفاً بالزينة، ثم لئن سلَّمنا أنَّ المزين للشيء هو المبخر عن حسنه بمعنى أنه أخبر عمَّا فيها من اللَّذَّات والراحات، وذلك الإخبار ليس بكذبٍ، وتصديقه ليس بكفرٍ.
وقال أبو مسلمٍ(١٤) : يحتمل أنهم زيَّنوا لأنفسهم والعرب يقولون لمن يبعد منهم : أين يذهب بك ؟ لا يريدون أنَّ ذاهباً ذهب به، وهو معنى قوله تعالى في الآي الكثيرة :
﴿أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [المائدة: ٧٥]، ﴿أَنَّى يُصْرَفُونَ﴾ [غافر: ٦٩] إلى غير ذلك، وأكّده بقوله :﴿لاَ تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلاَ أَوْلاَدُكُمْ﴾ [المنافقون: ٩] وأضاف ذلك إليهما ؛ لمَّا كان كالسبب ولمَّا كان الشيطان لا يملك أن يحمل الإنسان على الفعل قهراً، فالإنسان في الحقيقة هو الذي زيَّن لنفسه.
قال ابن الخطيب :(١٥) وهذا ضعيفٌ ؛ لأنَّ قوله :" زُيِّنَ للنَّاس " يقتضي أنَّ مزيِّناً زينه، والعدول عن الحقيقة إلى المجاز غير ممكن.
التأويل الثالث : أنَّ المزيِّن هو الله تعالى، ويدلُّ عليه وجهان :
أحدهما : قراءة من قرأ " زَيَّنَ " مبنيّاً للفاعل.
والثاني : قوله تعالى :﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الأَرْضِ زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُم أَحْسَنُ عَمَلاً﴾ [الكهف: ٧] والقائلون بهذا ذكروا وجوهاً :
الأول : أنَّ هذا التزيين بما أظهره لهم في الدنيا من الزَّهرة والنضارة، والطِّيب، واللَّذَّة ؛ ابتلاءً لعباده ؛ كقوله :﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ﴾ إلى قوله :﴿قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِّن ذلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ﴾ [آل عمران: ١٥].
وقال :﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الكهف: ٤٦] ثم قال :
﴿وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَاباً وَخَيْرٌ أَمَلاً﴾ [الكهف: ٤٦] فهذه الآيات متوافقة، والمعنى : أنَّ الله تعالى جعل الدُّنيا دار بلاءٍ وامتحانٍ، وركَّب في الطِّباع الميل إلى اللذات، وحبّ الشهوات، لا على سبيل الإلجاء الذي لا يمكن تركه، بل على سبيل التحبيب الذي تميل إليه النفس مع إمكان ردِّها عنه ؛ ليتمَّ بذلك الامتحان، وليجاهد المؤمن هواه، فيقبض نفسه عن المباح، ويكفّها عن الحرام.
الثاني : أنَّ المراد ب " التَّزَيِينِ " أنه أمهلهم في الدنيا، ولم يمنعهم عن الإقبال عليها، والحرص في طلبها، فهذا الإمهال هو المسمى ب " التزيين ".
الثالث : أنَّه زيَّن لهم المباحات دون المحظورات، وعلى هذا سقط الإشكال، إلاّ أنَّ هذا ضعيفٌ(١٦) ؛ لأن الله تعالى خصَّ الكفَّار، وأيضاً فإنَّ المؤمن إذا تمتع بالمباحات، وكثرة ماله، يكون متعته مع الخوف من الحساب في الآخرة فعيشه مكدَّرٌ منغَّصٌ وأكبر غرضه أجر الآخرة، إنما يعدُّ الدنيا كالوسيلة إليها، ولا كذلك الكافر، فإنَّه وإن قلَّت ذات يده، فسروره، بها يغلب على قلبه لاعتقاده أنها المقصود دون غيرها.
وأيضاً، فإنَّه تعالى أتبع الآية بقوله :﴿وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُواْ﴾ وذلك يشعر بأنهم كانوا يسخرون منهم في ترك اللَّذات المحظورة، وتحملهم المشاقَّ الواجبة، فدلَّ ذلك على أنَّ التزيين لم يكن في المباحات.
قال ابن الخطيب(١٧) : ويتوجَّه على المعتزلة سؤال، وهو أنَّ حصول هذه الزينة في قلوب الكفَّار لا بدَّ له من محدث، وإلا فقد وقع المحدث، لا عن مؤثر فهذا محال، ثم هذا التزيين الحاصل في قلوب الكفار إمَّا أن يكون قد رجَّح جانب الكفر والمعصية على جانب الإيمان والطاعة، فقد زال الاختيار، لأنَّ حال الاستواء لمَّا امتنع حصول الرُّجحان، فحال صيرورة أحد الطرفين مرجوحاً أولى بامتناع الوقوع، وإذا صار المرجوح ممتنع الوقوع، صار الراجح واجب الوقوع ضرورة أنَّه لا خروج عن النقيضين، فهذا توجيه السؤال، وهو لا يدفع بالوجوه التي ذكرها المعتزلة، فأمّا أصحابنا فإنهم حملوا التزيين على أنَّ الله تعالى خلق في قلبه إرادة تلك الأشياء، بل خلق تلك الأفعال، والأقوال.
قوله تعالى :﴿وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ﴾ مفعول " يَشَاءُ " محذوف، أي : من يشاء أن يزرقه، و " بِغيرِ حِسَابٍ " هذا الجارُّ فيه وجهان :
أحدهما : أنه زائدٌ.
والثاني : أنه غير زائدٍ، فعلى الأول لا تعلُّق له بشيءٍ، وعلى الثاني هو متعلِّق بمحذوفٍ. فأما وجه الزيادة : فهو أنه تقدَّمه ثلاثة أشياء في قوله :﴿وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ﴾ الفعل والفاعل والمفعول، وهو صالحٌ لأن يتعلَّق من جهة المعنى بكلِّ واحدٍ منها، فإذا تعلَّق بالفعل كان من صفات الأفعال، تقديره : والله يرزق رزقاً غير حساب، أي : غير ذي حساب، أي : أنه لا يحسب ولا يحصى لكثرته، فيكون في محلِّ نصبٍ على أنه نعتٌ لمصدرٍ محذوفٍ، والباء زائدةٌ.
وإذا تعلَّق بالفاعل، كان من صفات الفاعلين، والتقدير : والله يرزق غير محاسب بل متفضلاً، أو غير حاسبٍ، أي : عادٍّ. ف " حساب " واقعٌ موقع
١ - ينظر: تفسير الفخر الرازي ٦/٥..
٢ -قرأ ابن أبي عبلة: "زُيّنت".
انظر: الشواذ ١٣، والمحرر الوجيز ١/٢٨٤، والبحر المحيط ٢/١٣٨، والدر المصون ١/٥١٧..

٣ -ينظر: الرازي ٦/٥..
٤ -ينظر: تفسير الفخر الرازي ٦/٥..
٥ -تقدم..
٦ - ينظر: تفسير البغوي ١/١٨٥..
٧ - ينظر: تفسير الفخر الرازي ٦/٥، وتفسير البغوي ١/١٨٥..
٨ - ينظر: تفسير الفخر الرازي ٦/٥..
٩ -أخرجه عبد الرزاق (٢٠٦١١) وابن قانع كما في كنز العمال (٦/٤٨٦) رقم (١٦٦٦٢) عن أسامة بن زيد..
١٠ -أخرجه البخاري (٧/١٢) كتاب النكاح باب (الأكفاء في الدين) رقم (٥٠٩١) و (٨/١٧١) كتاب الرقاق باب فضل الفقر رقم (٦٤٤٧)..
١١ - ذكره ابن عراق في تنزيه الشريعة (٢/٣١٦) وعزاه إلى ابن لال في (مكارم الأخلاق) من حديث علي وحكم عليه بالوضع..
١٢ -ينظر: تفسير الفخر الرازي ٦/٦..
١٣ - ينظر: تفسير الفخر الرازي ٦/٦.
١٤ - ينظر: تفسير الفخر الرازي ٦/٦..
١٥ - ينظر: تفسير الفخر الرازي ٦/٦..
١٦ - ينظر: تفسير الفخر الرازي ٦/٧..
١٧ - ينظر: تفسير الفخر الرازي ٦/٧..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى