البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي
عن الكتاب
التزيين : التحسين، والزينة مما يتحسن به ويتجمل، وفعل من الزين بمعنى الفعل المجرد، والتضعيف فيه ليس للتعدية، وكونه بمعنى المجرد وهو أحد المعاني التي جاءت لها فعل كقولهم : قدّر الله، وقَدَرَ.
وميز وماز، وبشر وبشر، ويبنى من الزين افتعل افتعال : ازدان بإبدال التاء دالاً، وهو لازم.
﴿زين للذين كفروا الحياة الدنيا﴾ نزلت في أبي جهل وأصحابه كانوا يتنعمون بما بسط الله لهم، ويكذبون بالمعاد، ويسخرون من المؤمنين الفقراء، كعمار، وصهيب، وأبي عبيدة، وسالم، وعامر بن فهيرة، وخباب، وبلال، ويقولون : لو كان نبينا لتبعه أشرافنا، قاله ابن عباس، في رواية الكلبي عن أبي صالح عنه.
وقال مقاتل : في عبد الله بن أبي، وأصحابه، كانوا يتنعمون ويسخرون من ضعفاء المؤمنين، ويقولون : أنظروا إلى هؤلاء الذين يزعم محمد أنه يغلب بهم.
وقال عطاء : في علماء اليهود من بني قريظة، والنضير، وقينقاع، سخروا من فقراء المهاجرين، فوعدهم الله أن يعطيهم أموال بني قريظة والنضير بغير قتال، أسهل شيء وأيسره.
ومناسبة هذه الآية لما قبلها أنه لما ذكر أن بني إسرائيل أتتهم آيات واضحة من الله تعالى، وأنهم بدلوا، أخبر أن سبب ذلك التبديل هو الركون إلى الدنيا، والاستبشار بها، وتزيينها لهم، واستقامتهم للمؤمنين، فلبني إسرائيل من هذه الآية أكبر حظ لأنهم كانوا يشترون بآيات الله ثمناً قليلاً، ويكذبون على كتاب الله، فيكتبون ما شاؤا لينالوا حظاً خسيساً من حظوظ الدنيا، ويقولون : هذا من عند الله.
وقراءة الجمهور : زين، على بناء الفعل للمفعول، ولا يحتاج إلى إثبات علامة تأنيث للفصل، ولكون المؤنث غير حقيقي التأنيث، وقرأ ابن أبي عبلة : زينت، بالتاء وتوجيهها ظاهر، لأن المسند إليه الفعل مؤنث، وحذف الفاعل لفهم المعنى، وهو : الله تعالى، يؤيد ذلك قراءة مجاهد، وحميد بن قيس، وأبي حيوة : زين، على البناء للفاعل، وفاعله ضمير يعود على الله تعالى، إذ قبله :﴿فإن الله شديد العقاب﴾.
وتزيينه تعالى إياها لهم بما وضع في طباعهم من المحبة لها، فيصير في نفوسهم ميل ورغبة فيها، أو بالشهوات التي خلقها فيهم، وإليه أشار بقوله :﴿زين للناس حب الشهوات﴾ الآية، وإنما أحكمه من مصنوعاته وأتقنه وحسنه، فأعجبهم بهجتها، واستمالت قلوبهم فمالوا إليها كلية، وأعطوها من الرغبة فوق ما تستحقه.
وقال أبو بكر الصدّيق، رضي الله عنه، حين قدم عليه بالمال، قال : اللهم إنا لا نستطيع إلى أن نفرح بما زينت لنا.
قال الزمخشري : ويحتمل أن يكون الله قد زينها لهم بأن خذلهم حتى استحسنوها وأحبوها، أو جعل إمهال المزين تزييناً، ويدل عليه قراءة من قرأ :﴿زين للذين كفروا الحياة الدنيا﴾ على البناء للفاعل.
انتهى كلامه.
وهو جار على مذهب المعتزلة بأن الله تعالى لا يخلق الشر، وإنما ذلك من خلق العبد، فلذلك تأول التزيين على الخذلان، أو على الإمهال، وقيل : الزين الشيطان، وتزيينه بتحسين ما قبح شرعاً، وتقبيح ما حسن شرعاً.
والفرق بين التزيينين : أن تزيين الله بما ركبه ووضعه في الجبلة، وتزيين الشيطان بإذكار ما وقع غفاله، وتحسينه بوساوسه إياها لهم، وقيل : المزين، نفوسهم كقوله :﴿إن النفس لأمارة بالسوء﴾ ﴿فطوّعت له نفسه قتل أخيه﴾ ﴿وكذلك سوّلت لي نفسي﴾ وقيل : شركاؤهم من الجن والإنس، قال تعالى ﴿وكذلك زين لكثير من المشركين﴾ الآية وقال :﴿شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض﴾ وقيل : المزين هذه الحياة الدنيا قال :﴿إنما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة﴾ وقيل : المزين المجموع وفي هذا الكلام تعريف المؤمنين بسخافة عقول الكفار حيث آثروا الفاني على الباقي.
﴿ويسخرون من الذين آمنوا﴾ الضمير عائد على الذين كفروا، وتقدّم من هم، وكذلك تقدّم القول في : الذين آمنوا، في سبب النزول، ومعنى : يسخرون : يستهزئون، وذلك لفقرهم، أو : لاتباعهم لرسول الله ﷺ، أو : لاتهامهم إياهم أنهم مصدّقون لرسول الله ﷺ، أو لضعفهم وقلة عددهم ؛ أقوال أربعة.
وهذه الجملة الفعلية معطوفة على الجملة الفعلية من قوله : زين، ولا يلحظ فيها عطف الفعل على الفعل، لأنه كان يلزم اتحاد الزمان، وإن لم يلزم اتحاد الصيغة، وصدرت الأولى بالفعل الماضي لأنه أمر مفروغ منه، وهو تركيب طباعهم على محبة الدنيا، فليس أمراً متجدّداً، وصدرت الثانية بالمضارع، لأنها حالة تتجدّد كل وقت وقيل : هو على الاستئناف أي : الفعل المضارع، ومعنى الاستئناف أن يكون على إضمارهم التقدير : وهم يسخرون، فيكون خبر مبتدأ محذوف، ويصير من عطف الجملة الإسمية على الجملة الفعلية.
﴿والذين اتقوا فوقهم يوم القيامة﴾ فوق : ظرف مكان، فقيل : هو على حاله من الظرفية المكانية حقيقة، لأن المؤمنين في عليين في السماء، والكفار في سجين في الأرض وقيل : الفوقية، مجاز إما بالنسبة إلى النعيمين : نعيم المؤمنين في الجنة، ونعيم الكافرين في الدنيا، وإما بالنسبة إلى حجج المؤمنين، وشبه الكفار لثبوت الحجج وتلاشى الشبه، وإما بالنسبة إلى ما زعم الكفار من قولهم إن كان لنا معاد فلنا فيه الحظ، وإما بالنسبة إلى سخرية المؤمنين بهم في الآخرة، وسخرية الكافرين بالمؤمنين في الدنيا، فهم عالون عليهم، متطاولون، يضحكون منهم، كما كان أولئك في الدنيا يتطاولون على المؤمنين ويضحكون منهم، وإما بالنسبة إلى علوّ حالهم، لأنهم في كرامة، والكفار في هوان.
وجاءت هذه الجملة مصدرة بقوله ﴿والذين اتقوا﴾ ليظهر أن السعادة الكبرى لا تحصل إلا للمؤمن المتقي، ولتبعث المؤمن على التقوى، وليزول قلق التكرار لو كان : والذين آمنوا، لأن قبله : الذين أمنوا.
وانتصاب : يوم القيامة، على الظرف، والعامل فيه هو العامل في الظرف الواقع خبراً، أي : كائنون هم يوم القيامة، ولما فهموا من فوق أنها تقتضي التفضيل بين من يخبر بها عنه، وبين من تضاف هي إليه، كقولك : زيد فوق عمرو في المنزل، حتى كأنه قيل : زيد أعلى من عمرو في المنزلة، احتاجوا إلى تأويل عال وأعلى منه، قال ابن عطية : وهذا كله من التحميلات، حفظ لمذهب سيبويه، والخليل، في أن التفضيل إنما يجيء فيما فيه شركة، والكوفيون يجيزونه حيث لا اشتراك.
انتهى كلامه.
وهذا الذي حكاه عن سيبويه والخليل لا نعلمه، وإنما الذي وقع فيه الخلاف هو أفعل التفضيل، فالبصريون يمنعون : زيد أحسن أخوته، والكوفيون يجيزونه، وأما أن ذلك في : فوق، فلا نعلمه، لكنه لما توهم أنها مرادفة لأعلى، وأعلى أفعل تفضيل، نقل الخلاف إليها، والذي نقوله : إن فوق لا تقتضي التشريك في التفضيل، وإنما تدل على مطلق العلوّ، فإذا أضيفت فلا يلزم أن يكون ما أضيفت إليه فيه علوّ، وكما أن تحت مقابلتها لا تدل على تشريك في السفلية، وإنما هي تدل على مطلقها، ولا نقول : إنها مرادفة لأسفل، لأن أسفل أفعل تفضيل يدلك على ذلك استعمالها بمن، كقوله : الركب أسفل منكم، كما أن أعلى كذلك، فإذا تقررّ هذا كان المعنى، والله أعلم، والذين اتقوا عالوهم يوم القيامة، ولا يدل ذلك على أن الكفار في علوّ، بل المعنى أن العلوّ يوم القيامة إنما هو للمتقين، وغيرهم سافلون، عكس حالهما في الدنيا حيث كانوا يسخرون منهم.
﴿والله يرزق من يشاء بغير حساب﴾ اتصال هذه الجملة بما قبلها من تفضيل المتقين يوم القيامة يدل على تعلقها بهم، فقيل : هذا الرزق في الآخرة، وهو ما يعطى المؤمن فيها من الثواب، ويكون معنى قوله : بغير حساب، أي بغير نهاية، لأن ما لا يتناهى خارج عن الحساب، أو يكون المعنى : أن بعضها ثواب وبعضها تفضيل محض، فهو بغير حساب، وقيل : هذا الرزق في الدنيا، وهو إشارة إلى تملك المؤمنين المستهزأ بهم أموال بني قريظة والنضير، يصير إليهم بلا حساب، بل ينالونها بأسهل شيء وأيسره، قاله ابن عباس، وقال نحوه القفال، قال : قد فعل ذلك بهم بما أفاء عليهم من أموال صناديد قريش، ورؤساء اليهود، وبما فتح بعد وفاته على أيدي أصحابه.
وقالوا ما معناه : إنها متصلة بالكفار، وقال الزمخشري يعني : أنه يوسع على من توجب الحكمة التوسعة عليه، كما وسع على قارون وغيره، فهذه التوسعة عليكم من جهة الله لما فيها من الحكمة، وهي استدارجكم بالنعمة، ولو كانت كرامة لكان أولياؤه المؤمنون أحق بها منكم، انتهى كلامه.
ولم يذكر غيره في معنى هذه الجمله.
وقال ابن عطية : يحتمل أن يكون المعنى : والله يرزق هؤلاء الكفرة في الدنيا، فلا تستعظموا ذلك، ولا تقيسوا عليه الآخرة، فإن الرزق ليس على قدر الكفر والإيمان، بل يحسب لهذا عمله وهذا عمله، فيرزقان بحساب ذلك، بل الرزق بغير حساب الأعمال، والأعمال مجازاتها محاسبة ومعادة، إذ أجزاء الجزاء تقابل أجزاء الفعل المجازى عليه، فالمعنى : إن المؤمن وإن لم يرزق في الدنيا، فهو فوق الكافر يوم القيامة.
انتهى كلامه.
والذي يظهر عدم تخصيص الرزق بإحدى الطائفتين، بل لما ذكر حاليهما من سخرية الكفار بهم في الدنيا، بسبب ما رزقوا : من التمكن فيها، والرياسة، والبسط، وتعالي المؤمنين عليهم في الآخرة.
بسبب ما رزقوا من : الفوز، والتفرد بالنعيم السرمدي، بيَّن أن ما يفعله من ذلك ويرزقه إياه إنما هو راجع لمشيئته السابقة، وأنه لا يحاسبه أحد، ولا يحاسب نفسه على ما يعطي، لأن ذلك لا يكون إلاَّ لمن يخاف نفاذ ما عنده.
وقالوا في الحديث الصحيح :« يمين الله ملأى لا ينقصها شيء ما أنفق منذ خلق السموات والأرض، فإن ذلك لم ينقص شيئاً مما عنده ».
ومفعول يشاء محذوف، التقدير : من يشاء أن يرزقه، دل عليه ما قبله، وبغير حساب تقدمه ثلاثة أشياء يصلح تعلقه بها : الفعل، والفاعل، والمفعول الأول وهو : من.
فإن كان للفعل فهو من صفات المصدر، وإن كان للفاعل فهو من صفاته، أو للمفعول فهو من صفاته، فإذا كان للفعل كان المعنى : يرزق من يشاء رزقاً غير حساب، أي : غير ذي حساب، ويعني بالحساب : العد، فهو لا يحصي ولا يحصر من كثرته، أو يعني به المحاسبة في الآخرة، أي : رزقاً لا يقع عليه حساب في الآخرة، وتكون على هذا الباء زائدة.
وإذا كان للفاعل كان في موضع الحال : المعنى يرزق الله غير محاسب عليه، أي متفضلاً في إعطائه لا يحاسب عليه، أو غير عادٍ عليه ما يعطيه، ويكون ذلك مجازاً عن التقتير والتضييق، فيكون : حساب مصدراً عبر به عن اسم الفاعل من : حاسب، أو عن اسم الفاعل من : حسب، وتكون الباء زائدة في الحال، وقد قيل : إن الباء زيدت في الحال المنفية، وهذه الحال لم يتقدمها نفي، ومما قيل : إنها زيدت في الحال المنفية قول الشاعر :
فما رجعت بخائبة ركاب***
حكيم بن المسيب منتهاها
أي : فما رجعت خائبة، ويحتمل في هذا الوجه أن يكون حساب مصدراً عبر به عن اسم المفعول، أي : غير محاسب على ما يعطي تعالى، أي : لا أحد يحاسب الله تعالى على ما منح، فعطاؤه غمراً لا نهاية له.
وإ
وقد تضمنت هذه الآيات الكريمة من أواخر أقوال الحج وأفعاله الأمر بذكر الله في أيام معدودات، أي : قلائل، ودل الذكر على الرمي وإن لم يصرح به، لأن الذكر المأمور به في تلك الأيام هو عند الرمي، ودل الأمر على مشروعيته في أيام، وهو : جمع، ثم رخص في التعجيل عند انقضاء يومين منها، فسقط الذكر المختص به اليوم الثالث، وأخبر أن حال المتعجل والمتأخر سواء في عدم الإثم، وإن كان حال من تأخر أفضل، وكان بعض الجاهلية يعتقد أن من تعجل أثم، وبعضهم يعتقد أن من تأخر أثم، فلذلك أخبر أن الله رفع الإثم عنهما، إذ كان التعجل والتأخر مما شرعه الله تعالى، ثم أخبر أن ارتفاع الإثم لا يكون إلا لمن اتقى الله تعالى.
ثم أمر بالتقوى، وتكرار الأمر بها في الحج، ثم ذكر الحامل على التلبس بالتقوى، وهو كونه تعالى شديد العقاب لمن لم يتقه.
ثم لما كانت التقوى تنقسم إلى من يظهرها بلسانه وقلبه منطو على خلافها، وإلى من تساوى سريرته وعلانيته في التقوى، قسم الله تعالى ذلك إلى قسمين، فقال :﴿ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا﴾ أي : يؤنقك ويروق لفظه، يحسن ما يأتي به من الموافقة والطواعية ظاهراً، ثم لا يكتفي بما زوّر ونمق من كلامه اللطيف حتى يشهد الله على ما في قلبه من ذلك، فيحلف بالله أن سريرته مثل علانيته، وهو إذا خاصم كان شديد الخصومة.
وإذا خرج من عندك تقلب في نواحي الأرض، ثم ذكر تعالى سبب سعيه وأنه للإفساد مطلقاً، وليهلك الحرث والنسل اللذين هما قوام الوجود، ثم أخبر تعالى أنه لا يحب الفساد، فهذا المتولي الساعي في الأرض يفعل ما لا يحبه الله ولا يرضاه، ثم ذكر أنه من شدّة الشكيمة في النفاق إذا أمر بتقوى الله تعالى استولت عليه الأنفة والغضب بالإثم.
أي : مصحوباً بالإثم فليس غضبه لله. إنما هو لغير الله، فلذلك استصحبه الإثم.
ثم ذكر تعالى ما يؤول إليه حال هذا الآنف المغترّ بغير الله، وهو جهنم، فهي كافية له، ومبدلته بعد عزه ذلاً، ثم ذمّ تعالى ما مهد لنفسه من جهنم، وبئس الغاية الذم.
ثم ذكر تعالى القسم المقابل لهذا القسم، وهو : من باع نفسه في طلاب رضى الله تعالى، واكتفى بهذا الوصف الشريف، إذ دل على انطوائه على جميع الطاعات والانقيادات، إذ صار عبد الله يوجد حيث رضي الله تعالى، ثم ذكر تعالى أن من كان بهذه المثابة رأف الله به ورحمه، ورأفة الله به تتضمن اللطف به والإحسان إليه بجميع أنواع الإحسان، وذكر الرأفة التي هي، قيل : أرق من الرحمة.
ثم نادى المؤمنين بقوله :﴿يا أيها الذين آمنوا﴾ وأمرهم بالدخول في الإسلام، وثنى بالنهي، لأن الأمر أشق من النهي، لأن الأمر فعل والنهي ترك، ولمجاورته قوله :﴿ومن الناس من يشري نفسه﴾ فصار نظير :﴿يوم تبيضّ وجوه وتسودُّ وجوه فأما الذين اسودّت وجوههم﴾ ولما نهاهم تعالى عن اتباع خطوات الشيطان، وهي : سلوك معاصي الله، أخبر أنه إن زلوا من بعد ما أتتهم البينات الواضحة النيرة التي لا ينبغي أن يقع الزلل معها، لأن في ايضاحها ما يزيل اللبس، فاعلموا أن الله عزيز لا يغالب، حكيم يضع الأشياء مواضعها، فيجازي على الزلل بعد وضوح الآيات التي تقتضي الثبوت في الطاعة بما يناسب ذلك الزلل، فدل بعزته على القدرة، وبحكمته على جزاء العاصي والطائع :﴿ليجزي الذين أساؤا بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى﴾
ثم أعرض تعالى عن خطابهم، وأخبر عنهم إخبار الغائبين، مسلياً لرسوله عن تباطئهم في الدخول في الإسلام، فقال : ما ينتظرون إلاَّ قيام الساعة يوم فصل الله بين العباد، وقضاء الأمر، ورجوع جميع الأمور إليه، فهناك تظهر ثمرة ما جنوا على أنفسهم، كما جاء في الحديث :« إن يوم القيامة يأتيهم الله في صورة » كذا، على ما يليق بتقديسه عن جميع ما يشبه المخلوقين، وننزهه عما يستحيل عليه من سمات الحدوث وصفات النقص.
ثم قال تعالى :﴿سل بني إسرائيل﴾ منبهاً على أن دأب من أرسل إليه الأنبياء، وظهرت لهم المعجزات الإعراض عن ذلك، وعدم قبول الإيمان، وأنهم يرتبون على الشيء غير مقتضاه، فيكذبون بالآيات التي جاءت دالة على الصدق.
ثم أخبر تعالى : أن من بدل نعمة الله عاقبه أشدّ العقاب، قابل نعمة الله التي هي مظنة الشكر بالكفر، ثم ذكر تعالى الحامل لهم على تبديل نعم الله، وهو : تزيين الحياة الدنيا، فرغبوا في الفاني وزهدو ا في الباقي إيثاراً للعاجل على الآجل، ثم ذكر مع ذلك استهزاءهم بالمؤمنين، حيث ما يتوهم في وصف الإيمان، والرغبة فيما عند الله تعالى، وذكر أنهم هم العالون يوم القيامة، ودل بذلك على أن أولئك هم السافلون، ثم ذكر أنه يرزق المؤمنين، وهم الذين يحبهم، بغير حساب، إشارة إلى سعة الرزق وعدم التقتير، والتقدير : وأعاد ذكرهم بلفظ : من يشاء، تنبيهاً على إرادته لهم، ومحبته إياهم، واختصاصهم به، إذ لو قال : والله يرزقهم بغير حساب، لفات هذا المعنى من ذكر المشيئة التي هي الإرادة.
وميز وماز، وبشر وبشر، ويبنى من الزين افتعل افتعال : ازدان بإبدال التاء دالاً، وهو لازم.
﴿زين للذين كفروا الحياة الدنيا﴾ نزلت في أبي جهل وأصحابه كانوا يتنعمون بما بسط الله لهم، ويكذبون بالمعاد، ويسخرون من المؤمنين الفقراء، كعمار، وصهيب، وأبي عبيدة، وسالم، وعامر بن فهيرة، وخباب، وبلال، ويقولون : لو كان نبينا لتبعه أشرافنا، قاله ابن عباس، في رواية الكلبي عن أبي صالح عنه.
وقال مقاتل : في عبد الله بن أبي، وأصحابه، كانوا يتنعمون ويسخرون من ضعفاء المؤمنين، ويقولون : أنظروا إلى هؤلاء الذين يزعم محمد أنه يغلب بهم.
وقال عطاء : في علماء اليهود من بني قريظة، والنضير، وقينقاع، سخروا من فقراء المهاجرين، فوعدهم الله أن يعطيهم أموال بني قريظة والنضير بغير قتال، أسهل شيء وأيسره.
ومناسبة هذه الآية لما قبلها أنه لما ذكر أن بني إسرائيل أتتهم آيات واضحة من الله تعالى، وأنهم بدلوا، أخبر أن سبب ذلك التبديل هو الركون إلى الدنيا، والاستبشار بها، وتزيينها لهم، واستقامتهم للمؤمنين، فلبني إسرائيل من هذه الآية أكبر حظ لأنهم كانوا يشترون بآيات الله ثمناً قليلاً، ويكذبون على كتاب الله، فيكتبون ما شاؤا لينالوا حظاً خسيساً من حظوظ الدنيا، ويقولون : هذا من عند الله.
وقراءة الجمهور : زين، على بناء الفعل للمفعول، ولا يحتاج إلى إثبات علامة تأنيث للفصل، ولكون المؤنث غير حقيقي التأنيث، وقرأ ابن أبي عبلة : زينت، بالتاء وتوجيهها ظاهر، لأن المسند إليه الفعل مؤنث، وحذف الفاعل لفهم المعنى، وهو : الله تعالى، يؤيد ذلك قراءة مجاهد، وحميد بن قيس، وأبي حيوة : زين، على البناء للفاعل، وفاعله ضمير يعود على الله تعالى، إذ قبله :﴿فإن الله شديد العقاب﴾.
وتزيينه تعالى إياها لهم بما وضع في طباعهم من المحبة لها، فيصير في نفوسهم ميل ورغبة فيها، أو بالشهوات التي خلقها فيهم، وإليه أشار بقوله :﴿زين للناس حب الشهوات﴾ الآية، وإنما أحكمه من مصنوعاته وأتقنه وحسنه، فأعجبهم بهجتها، واستمالت قلوبهم فمالوا إليها كلية، وأعطوها من الرغبة فوق ما تستحقه.
وقال أبو بكر الصدّيق، رضي الله عنه، حين قدم عليه بالمال، قال : اللهم إنا لا نستطيع إلى أن نفرح بما زينت لنا.
قال الزمخشري : ويحتمل أن يكون الله قد زينها لهم بأن خذلهم حتى استحسنوها وأحبوها، أو جعل إمهال المزين تزييناً، ويدل عليه قراءة من قرأ :﴿زين للذين كفروا الحياة الدنيا﴾ على البناء للفاعل.
انتهى كلامه.
وهو جار على مذهب المعتزلة بأن الله تعالى لا يخلق الشر، وإنما ذلك من خلق العبد، فلذلك تأول التزيين على الخذلان، أو على الإمهال، وقيل : الزين الشيطان، وتزيينه بتحسين ما قبح شرعاً، وتقبيح ما حسن شرعاً.
والفرق بين التزيينين : أن تزيين الله بما ركبه ووضعه في الجبلة، وتزيين الشيطان بإذكار ما وقع غفاله، وتحسينه بوساوسه إياها لهم، وقيل : المزين، نفوسهم كقوله :﴿إن النفس لأمارة بالسوء﴾ ﴿فطوّعت له نفسه قتل أخيه﴾ ﴿وكذلك سوّلت لي نفسي﴾ وقيل : شركاؤهم من الجن والإنس، قال تعالى ﴿وكذلك زين لكثير من المشركين﴾ الآية وقال :﴿شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض﴾ وقيل : المزين هذه الحياة الدنيا قال :﴿إنما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة﴾ وقيل : المزين المجموع وفي هذا الكلام تعريف المؤمنين بسخافة عقول الكفار حيث آثروا الفاني على الباقي.
﴿ويسخرون من الذين آمنوا﴾ الضمير عائد على الذين كفروا، وتقدّم من هم، وكذلك تقدّم القول في : الذين آمنوا، في سبب النزول، ومعنى : يسخرون : يستهزئون، وذلك لفقرهم، أو : لاتباعهم لرسول الله ﷺ، أو : لاتهامهم إياهم أنهم مصدّقون لرسول الله ﷺ، أو لضعفهم وقلة عددهم ؛ أقوال أربعة.
وهذه الجملة الفعلية معطوفة على الجملة الفعلية من قوله : زين، ولا يلحظ فيها عطف الفعل على الفعل، لأنه كان يلزم اتحاد الزمان، وإن لم يلزم اتحاد الصيغة، وصدرت الأولى بالفعل الماضي لأنه أمر مفروغ منه، وهو تركيب طباعهم على محبة الدنيا، فليس أمراً متجدّداً، وصدرت الثانية بالمضارع، لأنها حالة تتجدّد كل وقت وقيل : هو على الاستئناف أي : الفعل المضارع، ومعنى الاستئناف أن يكون على إضمارهم التقدير : وهم يسخرون، فيكون خبر مبتدأ محذوف، ويصير من عطف الجملة الإسمية على الجملة الفعلية.
﴿والذين اتقوا فوقهم يوم القيامة﴾ فوق : ظرف مكان، فقيل : هو على حاله من الظرفية المكانية حقيقة، لأن المؤمنين في عليين في السماء، والكفار في سجين في الأرض وقيل : الفوقية، مجاز إما بالنسبة إلى النعيمين : نعيم المؤمنين في الجنة، ونعيم الكافرين في الدنيا، وإما بالنسبة إلى حجج المؤمنين، وشبه الكفار لثبوت الحجج وتلاشى الشبه، وإما بالنسبة إلى ما زعم الكفار من قولهم إن كان لنا معاد فلنا فيه الحظ، وإما بالنسبة إلى سخرية المؤمنين بهم في الآخرة، وسخرية الكافرين بالمؤمنين في الدنيا، فهم عالون عليهم، متطاولون، يضحكون منهم، كما كان أولئك في الدنيا يتطاولون على المؤمنين ويضحكون منهم، وإما بالنسبة إلى علوّ حالهم، لأنهم في كرامة، والكفار في هوان.
وجاءت هذه الجملة مصدرة بقوله ﴿والذين اتقوا﴾ ليظهر أن السعادة الكبرى لا تحصل إلا للمؤمن المتقي، ولتبعث المؤمن على التقوى، وليزول قلق التكرار لو كان : والذين آمنوا، لأن قبله : الذين أمنوا.
وانتصاب : يوم القيامة، على الظرف، والعامل فيه هو العامل في الظرف الواقع خبراً، أي : كائنون هم يوم القيامة، ولما فهموا من فوق أنها تقتضي التفضيل بين من يخبر بها عنه، وبين من تضاف هي إليه، كقولك : زيد فوق عمرو في المنزل، حتى كأنه قيل : زيد أعلى من عمرو في المنزلة، احتاجوا إلى تأويل عال وأعلى منه، قال ابن عطية : وهذا كله من التحميلات، حفظ لمذهب سيبويه، والخليل، في أن التفضيل إنما يجيء فيما فيه شركة، والكوفيون يجيزونه حيث لا اشتراك.
انتهى كلامه.
وهذا الذي حكاه عن سيبويه والخليل لا نعلمه، وإنما الذي وقع فيه الخلاف هو أفعل التفضيل، فالبصريون يمنعون : زيد أحسن أخوته، والكوفيون يجيزونه، وأما أن ذلك في : فوق، فلا نعلمه، لكنه لما توهم أنها مرادفة لأعلى، وأعلى أفعل تفضيل، نقل الخلاف إليها، والذي نقوله : إن فوق لا تقتضي التشريك في التفضيل، وإنما تدل على مطلق العلوّ، فإذا أضيفت فلا يلزم أن يكون ما أضيفت إليه فيه علوّ، وكما أن تحت مقابلتها لا تدل على تشريك في السفلية، وإنما هي تدل على مطلقها، ولا نقول : إنها مرادفة لأسفل، لأن أسفل أفعل تفضيل يدلك على ذلك استعمالها بمن، كقوله : الركب أسفل منكم، كما أن أعلى كذلك، فإذا تقررّ هذا كان المعنى، والله أعلم، والذين اتقوا عالوهم يوم القيامة، ولا يدل ذلك على أن الكفار في علوّ، بل المعنى أن العلوّ يوم القيامة إنما هو للمتقين، وغيرهم سافلون، عكس حالهما في الدنيا حيث كانوا يسخرون منهم.
﴿والله يرزق من يشاء بغير حساب﴾ اتصال هذه الجملة بما قبلها من تفضيل المتقين يوم القيامة يدل على تعلقها بهم، فقيل : هذا الرزق في الآخرة، وهو ما يعطى المؤمن فيها من الثواب، ويكون معنى قوله : بغير حساب، أي بغير نهاية، لأن ما لا يتناهى خارج عن الحساب، أو يكون المعنى : أن بعضها ثواب وبعضها تفضيل محض، فهو بغير حساب، وقيل : هذا الرزق في الدنيا، وهو إشارة إلى تملك المؤمنين المستهزأ بهم أموال بني قريظة والنضير، يصير إليهم بلا حساب، بل ينالونها بأسهل شيء وأيسره، قاله ابن عباس، وقال نحوه القفال، قال : قد فعل ذلك بهم بما أفاء عليهم من أموال صناديد قريش، ورؤساء اليهود، وبما فتح بعد وفاته على أيدي أصحابه.
وقالوا ما معناه : إنها متصلة بالكفار، وقال الزمخشري يعني : أنه يوسع على من توجب الحكمة التوسعة عليه، كما وسع على قارون وغيره، فهذه التوسعة عليكم من جهة الله لما فيها من الحكمة، وهي استدارجكم بالنعمة، ولو كانت كرامة لكان أولياؤه المؤمنون أحق بها منكم، انتهى كلامه.
ولم يذكر غيره في معنى هذه الجمله.
وقال ابن عطية : يحتمل أن يكون المعنى : والله يرزق هؤلاء الكفرة في الدنيا، فلا تستعظموا ذلك، ولا تقيسوا عليه الآخرة، فإن الرزق ليس على قدر الكفر والإيمان، بل يحسب لهذا عمله وهذا عمله، فيرزقان بحساب ذلك، بل الرزق بغير حساب الأعمال، والأعمال مجازاتها محاسبة ومعادة، إذ أجزاء الجزاء تقابل أجزاء الفعل المجازى عليه، فالمعنى : إن المؤمن وإن لم يرزق في الدنيا، فهو فوق الكافر يوم القيامة.
انتهى كلامه.
والذي يظهر عدم تخصيص الرزق بإحدى الطائفتين، بل لما ذكر حاليهما من سخرية الكفار بهم في الدنيا، بسبب ما رزقوا : من التمكن فيها، والرياسة، والبسط، وتعالي المؤمنين عليهم في الآخرة.
بسبب ما رزقوا من : الفوز، والتفرد بالنعيم السرمدي، بيَّن أن ما يفعله من ذلك ويرزقه إياه إنما هو راجع لمشيئته السابقة، وأنه لا يحاسبه أحد، ولا يحاسب نفسه على ما يعطي، لأن ذلك لا يكون إلاَّ لمن يخاف نفاذ ما عنده.
وقالوا في الحديث الصحيح :« يمين الله ملأى لا ينقصها شيء ما أنفق منذ خلق السموات والأرض، فإن ذلك لم ينقص شيئاً مما عنده ».
ومفعول يشاء محذوف، التقدير : من يشاء أن يرزقه، دل عليه ما قبله، وبغير حساب تقدمه ثلاثة أشياء يصلح تعلقه بها : الفعل، والفاعل، والمفعول الأول وهو : من.
فإن كان للفعل فهو من صفات المصدر، وإن كان للفاعل فهو من صفاته، أو للمفعول فهو من صفاته، فإذا كان للفعل كان المعنى : يرزق من يشاء رزقاً غير حساب، أي : غير ذي حساب، ويعني بالحساب : العد، فهو لا يحصي ولا يحصر من كثرته، أو يعني به المحاسبة في الآخرة، أي : رزقاً لا يقع عليه حساب في الآخرة، وتكون على هذا الباء زائدة.
وإذا كان للفاعل كان في موضع الحال : المعنى يرزق الله غير محاسب عليه، أي متفضلاً في إعطائه لا يحاسب عليه، أو غير عادٍ عليه ما يعطيه، ويكون ذلك مجازاً عن التقتير والتضييق، فيكون : حساب مصدراً عبر به عن اسم الفاعل من : حاسب، أو عن اسم الفاعل من : حسب، وتكون الباء زائدة في الحال، وقد قيل : إن الباء زيدت في الحال المنفية، وهذه الحال لم يتقدمها نفي، ومما قيل : إنها زيدت في الحال المنفية قول الشاعر :
فما رجعت بخائبة ركاب***
حكيم بن المسيب منتهاها
أي : فما رجعت خائبة، ويحتمل في هذا الوجه أن يكون حساب مصدراً عبر به عن اسم المفعول، أي : غير محاسب على ما يعطي تعالى، أي : لا أحد يحاسب الله تعالى على ما منح، فعطاؤه غمراً لا نهاية له.
وإ
وقد تضمنت هذه الآيات الكريمة من أواخر أقوال الحج وأفعاله الأمر بذكر الله في أيام معدودات، أي : قلائل، ودل الذكر على الرمي وإن لم يصرح به، لأن الذكر المأمور به في تلك الأيام هو عند الرمي، ودل الأمر على مشروعيته في أيام، وهو : جمع، ثم رخص في التعجيل عند انقضاء يومين منها، فسقط الذكر المختص به اليوم الثالث، وأخبر أن حال المتعجل والمتأخر سواء في عدم الإثم، وإن كان حال من تأخر أفضل، وكان بعض الجاهلية يعتقد أن من تعجل أثم، وبعضهم يعتقد أن من تأخر أثم، فلذلك أخبر أن الله رفع الإثم عنهما، إذ كان التعجل والتأخر مما شرعه الله تعالى، ثم أخبر أن ارتفاع الإثم لا يكون إلا لمن اتقى الله تعالى.
ثم أمر بالتقوى، وتكرار الأمر بها في الحج، ثم ذكر الحامل على التلبس بالتقوى، وهو كونه تعالى شديد العقاب لمن لم يتقه.
ثم لما كانت التقوى تنقسم إلى من يظهرها بلسانه وقلبه منطو على خلافها، وإلى من تساوى سريرته وعلانيته في التقوى، قسم الله تعالى ذلك إلى قسمين، فقال :﴿ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا﴾ أي : يؤنقك ويروق لفظه، يحسن ما يأتي به من الموافقة والطواعية ظاهراً، ثم لا يكتفي بما زوّر ونمق من كلامه اللطيف حتى يشهد الله على ما في قلبه من ذلك، فيحلف بالله أن سريرته مثل علانيته، وهو إذا خاصم كان شديد الخصومة.
وإذا خرج من عندك تقلب في نواحي الأرض، ثم ذكر تعالى سبب سعيه وأنه للإفساد مطلقاً، وليهلك الحرث والنسل اللذين هما قوام الوجود، ثم أخبر تعالى أنه لا يحب الفساد، فهذا المتولي الساعي في الأرض يفعل ما لا يحبه الله ولا يرضاه، ثم ذكر أنه من شدّة الشكيمة في النفاق إذا أمر بتقوى الله تعالى استولت عليه الأنفة والغضب بالإثم.
أي : مصحوباً بالإثم فليس غضبه لله. إنما هو لغير الله، فلذلك استصحبه الإثم.
ثم ذكر تعالى ما يؤول إليه حال هذا الآنف المغترّ بغير الله، وهو جهنم، فهي كافية له، ومبدلته بعد عزه ذلاً، ثم ذمّ تعالى ما مهد لنفسه من جهنم، وبئس الغاية الذم.
ثم ذكر تعالى القسم المقابل لهذا القسم، وهو : من باع نفسه في طلاب رضى الله تعالى، واكتفى بهذا الوصف الشريف، إذ دل على انطوائه على جميع الطاعات والانقيادات، إذ صار عبد الله يوجد حيث رضي الله تعالى، ثم ذكر تعالى أن من كان بهذه المثابة رأف الله به ورحمه، ورأفة الله به تتضمن اللطف به والإحسان إليه بجميع أنواع الإحسان، وذكر الرأفة التي هي، قيل : أرق من الرحمة.
ثم نادى المؤمنين بقوله :﴿يا أيها الذين آمنوا﴾ وأمرهم بالدخول في الإسلام، وثنى بالنهي، لأن الأمر أشق من النهي، لأن الأمر فعل والنهي ترك، ولمجاورته قوله :﴿ومن الناس من يشري نفسه﴾ فصار نظير :﴿يوم تبيضّ وجوه وتسودُّ وجوه فأما الذين اسودّت وجوههم﴾ ولما نهاهم تعالى عن اتباع خطوات الشيطان، وهي : سلوك معاصي الله، أخبر أنه إن زلوا من بعد ما أتتهم البينات الواضحة النيرة التي لا ينبغي أن يقع الزلل معها، لأن في ايضاحها ما يزيل اللبس، فاعلموا أن الله عزيز لا يغالب، حكيم يضع الأشياء مواضعها، فيجازي على الزلل بعد وضوح الآيات التي تقتضي الثبوت في الطاعة بما يناسب ذلك الزلل، فدل بعزته على القدرة، وبحكمته على جزاء العاصي والطائع :﴿ليجزي الذين أساؤا بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى﴾
ثم أعرض تعالى عن خطابهم، وأخبر عنهم إخبار الغائبين، مسلياً لرسوله عن تباطئهم في الدخول في الإسلام، فقال : ما ينتظرون إلاَّ قيام الساعة يوم فصل الله بين العباد، وقضاء الأمر، ورجوع جميع الأمور إليه، فهناك تظهر ثمرة ما جنوا على أنفسهم، كما جاء في الحديث :« إن يوم القيامة يأتيهم الله في صورة » كذا، على ما يليق بتقديسه عن جميع ما يشبه المخلوقين، وننزهه عما يستحيل عليه من سمات الحدوث وصفات النقص.
ثم قال تعالى :﴿سل بني إسرائيل﴾ منبهاً على أن دأب من أرسل إليه الأنبياء، وظهرت لهم المعجزات الإعراض عن ذلك، وعدم قبول الإيمان، وأنهم يرتبون على الشيء غير مقتضاه، فيكذبون بالآيات التي جاءت دالة على الصدق.
ثم أخبر تعالى : أن من بدل نعمة الله عاقبه أشدّ العقاب، قابل نعمة الله التي هي مظنة الشكر بالكفر، ثم ذكر تعالى الحامل لهم على تبديل نعم الله، وهو : تزيين الحياة الدنيا، فرغبوا في الفاني وزهدو ا في الباقي إيثاراً للعاجل على الآجل، ثم ذكر مع ذلك استهزاءهم بالمؤمنين، حيث ما يتوهم في وصف الإيمان، والرغبة فيما عند الله تعالى، وذكر أنهم هم العالون يوم القيامة، ودل بذلك على أن أولئك هم السافلون، ثم ذكر أنه يرزق المؤمنين، وهم الذين يحبهم، بغير حساب، إشارة إلى سعة الرزق وعدم التقتير، والتقدير : وأعاد ذكرهم بلفظ : من يشاء، تنبيهاً على إرادته لهم، ومحبته إياهم، واختصاصهم به، إذ لو قال : والله يرزقهم بغير حساب، لفات هذا المعنى من ذكر المشيئة التي هي الإرادة.