فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني

عن الكتاب
قوله :﴿زُيّنَ﴾ مبني للمجهول، والمُزَيِّن : هو الشيطان، أو الأنفس المجبولة على حبّ العاجلة. والمراد بالذين كفروا : رؤساء قريش، أو كل كافر. وقرأ مجاهد، وحميد بن قيس :«زين » على البناء للمعلوم. قال النحاس : وهي قراءة شاذة ؛ لأنه لم يتقدّم للفاعل ذكر. وقرأ ابن أبي عبلة :«زينت » وإنما خص الذين كفروا بالذكر مع كون الدنيا مزينة للمسلم، والكافر كما وصف سبحانه بأنه جعل ما على الأرض زينة لها ليبلو الخلق أيهم أحسن عملاً ؛ لأن الكافر افتتن بهذا التزيين، وأعرض عن الآخرة، والمسلم لم يفتتن به ؛ بل أقبل على الآخرة.
قوله :﴿وَيَسْخَرُونَ مِنَ الذين ءامَنُوا﴾ هذه الجملة في محل نصب على الحال. أي : والحال أن أولئك الكفار يسخرون من الذين آمنوا لكونهم فقراء لا حظّ لهم من الدنيا كحظ رؤساء الكفر، وأساطين الضلال، وذلك : لأن عرض الدنيا عندهم هو الأمر الذي يكون من ناله سعيداً رابحاً، ومن حُرِمَه شقياً خاسراً. وقد كان غالب المؤمنين إذ ذاك فقراء لاشتغالهم بالعبادة، وأمر الآخرة، وعدم التفاتهم إلى الدنيا وزينتها. وحكى الأخفش أنه يقال : سخرت منه، وسخرت به، وضحكت منه، وضحكت به، وهزأت منه، وهزأت به، والاسم السخرية، والسّخْري.
ولما وقع من الكفار ما وقع من السخرية بالمؤمنين ردّ الله عليهم بقوله :﴿والذين اتقوا فَوْقَهُمْ يَوْمَ القيامة﴾ والمراد بالفوقية هنا : العلوّ في الدرجة ؛ لأنهم في الجنة، والكفار في النار، ويحتمل أن يراد بالفوق المكان ؛ لأن الجنة في السماء، والنار في أسفل سافلين، أو أن المؤمنين هم الغالبون في الدنيا كما وقع ذلك من ظهور الإسلام، وسقوط الكفر، وقتل أهله، وأسرهم، وتشريدهم، وضرب الجزية عليهم، ولا مانع من حمل الآية على جميع ذلك لولا التقييد بكونه في يوم القيامة.
قوله :﴿والله يَرْزُقُ مَن يَشَاء بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ يحتمل أن يكون فيه إشارة إلى أن الله سبحانه سيرزق المستضعفين من المؤمنين، ويوسع عليهم، ويجعل ما يعطيهم من الرزق بغير حساب، أي : بغير تقدير، ويحتمل أن المعنى : أن الله يوسع على بعض عباده في الرزق، كما وسع على أولئك الرؤساء من الكفار استدراجاً لهم، وليس في التوسعة دليل على أن من وسع عليه، فقد رضي عنه، ويحتمل أن يراد بغير حساب من المرزوقين كما قال سبحانه :﴿وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق: ٣].
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقد أخرج عبد بن حميد، وابن جرير، عن مجاهد في قوله :﴿سَلْ بَنِى إسراءيل﴾ قال : هم اليهود ﴿كَمْ آتيناهم منْ آيَةٍ بَيّنَةٍ﴾ ما ذكر الله في القرآن، وما لم يذكر :﴿وَمَن يُبَدّلْ نِعْمَةَ الله﴾ قال : يكفرها. وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي العالية قال : آتاهم الله آيات بينات : عصى موسى، ويده، وأقطعهم البحر، وأغرق عدوّهم، وهم ينظرون، وظلل من الغمام، وأنزل عليهم المنّ والسلوى. ﴿وَمَن يُبَدّلْ نِعْمَةَ الله﴾ يقول من يكفر بنعمة الله.
وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن جريج في قوله :﴿زُيّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الحياة الدنيا﴾ قال : الكفار يبتغون الدنيا، ويطلبونها ﴿وَيَسْخَرُونَ مِنَ الذين ءامَنُوا﴾ في طلبهم الآخرة. قال ابن جريج : لا أحسبه إلا عن عكرمة. قال : قالوا : لو كان محمد نبياً لاتبعه ساداتنا، وأشرافنا، والله ما أتبعه إلا أهل الحاجة مثل ابن مسعود، وأصحابه. وأخرج ابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله :﴿وَيَسْخَرُونَ مِنَ الذين ءامَنُوا﴾ يقولون : ما هؤلاء على شيء، استهزاءً، وسخرياً ﴿والذين اتقوا فَوْقَهُمْ يَوْمَ القيامة﴾ هنا كم التفاضل. وأخرج عبد الرزاق، عن قتادة قال : فوقهم في الجنة. وأخرج ابن أبي حاتم، عن عطاء قال : سألت ابن عباس، عن هذه الآية :﴿والله يَرْزُقُ مَن يَشَاء بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ قال : تفسيرها ليس على الله رقيب، ولا من يحاسبه. وأخرج ابن أبي حاتم، عن سعيد بن جبير قال : لا يحاسب الربّ.
وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو يعلى، والطبراني بسند صحيح، عن ابن عباس قال :﴿كان الناس أمة واحدة﴾ قال : على الإسلام كلهم. وأخرج البزار، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والحاكم عنه قال : كان بين آدم، ونوح عشرة قرون كلهم على شريعة من الحق، فاختلفوا، فبعث الله النبيين. قال : وكذلك في قراءة عبد الله «كَانَ الناس أُمَّةً واحدة فاختلفوا». وأخرج ابن جرير، وابن أبَي حاتم، عن أبيّ بن كعب ؛ قال : كانوا أمة واحدة حيث عرضوا على آدم، ففطرهم الله على الإسلام، وأقرّوا له بالعبودية، وكانوا أمة واحدة مسلمين، ثم اختلفوا من بعد آدم.
وأخرج وكيع، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن أبي حاتم، عن مجاهد : كان الناس أمة واحدة قال : آدم. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن أبيّ أنه كان يقرؤها :«كَانَ الناس أُمَّةً واحدة فاختلفوا فَبَعَثَ الله النبيين» وإن الله إنما بعث الرسل، وأنزل الكتب بعد الاختلاف، ﴿وما اختلف الذين أوتوه﴾ يعني بني إسرائيل أوتوا الكتاب، والعلم ﴿بغياً بينهم﴾ يقول : بغياً على الدنيا، وطلب ملكها، وزخرفها أيهم يكون له الملك، والمهابة في الناس. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس :﴿كَانَ الناس أُمَّةً واحدة﴾ قال : كفاراً.
وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن أبي هريرة في قوله :﴿فَهَدَى الله الذين ءامَنُوا﴾ قال : قال النبي ﷺ :«نحن الآخرون الأوّلون يوم القيامة، وأوّل الناس دخولاً يبدأ بهم، أوتوا الكتاب من قبلنا، وأوتيناه من بعدهم، فهدانا الله لما اختلفوا فيه من الحق، فهذا اليوم الذي اختلفوا فيه، فهدانا الله له، فالناس لنا فيه تبع، فغداً لليهود، وبعد غد للنصارى» وهو في الصحيح بدون ذكر الآية.
وأخرج ابن أبي حاتم، عن زيد بن أسلم في قوله :﴿فَهَدَى الله الذين ءامَنُوا لِمَا اختلفوا فِيهِ مِنَ الحق بإذنه﴾ قال : اختلفوا في يوم الجمعة، فأخذ اليهود يوم السبت، والنصارى يوم الأحد، فهدى الله أمة محمد ليوم الجمعة، واختلفوا في القبلة، فاستقبلت النصارى المشرق، واليهود بيت المقدس، وهدى أمة محمد للقبلة، واختلفوا في الصلاة، فمنهم من يركع، ولا يسجد، ومنهم من يسجد ولا يركع، ومنهم من يصلي وهو يتكلم، ومنهم من يصلي وهو يمشي، فهدى الله أمة محمد للحق من ذلك، واختلفوا في الصيام، فمنهم من يصوم النهار، ومنهم من يصوم من بعد الطعام، فهدى الله أمة محمد للحق من ذلك، واختلفوا في إبراهيم، فقالت : اليهود كان يهودياً، وقالت النصارى كان نصرانياً، وجعله الله حنيفاً مسلماً، فهدى الله أمة محمد للحق من ذلك، واختلفوا في عيسى، فكذبت به اليهود، وقالوا لأمه بهتاناً عظيماً، وجعلته النصارى إلهاً وولداً، وجعله الله روحه وكلمته، فهدى الله أمة محمد للحق من ذلك.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى