تفسير السمعاني — أبو المظفر السمعاني

عن الكتاب
وقوله تعالى :( كان الناس أمة واحدة ) فالأمة في اللغة : على وجوه، منها : الأمة بمعنى الدين، ومنه قول النابغة :
حلفت، فلم أترك لنفسك ريبةوهل يَأْثَمَنْ ذو أمة وهو طائع
أي ذو دين.
والأمة : الفرقة من الناس وغيرهم، فالترك أمة، والروم أمة، والفرس أمة، ومن الطير أمة، قال الله تعالى :( ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم ) (١). والأمة : الحين، وقال الله تعالى :( وادكر بعد أمة ) (٢) أي : بعد حين. والأمة : الإمام الذي يقتدي به ومنه قوله تعالى :( إن إبراهيم كان أمة ) (٣). والأمة : المعلم للخير. والأمة : القامة، ومنه قول الشاعر :
وإن معاوية الأكرمينحسان الوجوه طوال الأمم
والأمة بكسر الألف : النعمة، والمراد بالأمة ههنا الدين.
يعني : كان الناس على دين واحد ثم اختلفوا في معناه.
وقال بعضهم وهو قول مجاهد أراد به آدم، كان أمة واحدة.
وقيل وهو قول قتادة وسعيد بن جبير : أراد به عشرين قرنا من بني آدم ونوح كانوا على الإسلام. وقيل : أراد به الناس في زمن إبراهيم كانوا على ملة الكفر.
( فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه ). فإن قال قائل : كيف يحكم الكتاب ؟ قيل قرأ عاصم الجحدري :" ليحكم بين الناس " بضم الياء(٤) فيكون الحكم من الأنبياء.
وأما قوله :( ليحكم بين الناس ) يعني : ليحكم الذين أوتوا الكتاب من النبيين.
وقوله تعالى :( وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه ) يعني : أوتوا الكتاب. ( من بعد ما جاءتهم البينات بغيا بينهم ) أي : حسدا وظلما. ( فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه ) قال زيد بن أسلم : اختلفوا في القبلة، فهدانا الله إلى الكعبة، واختلفوا في الأيام، فاختار اليهود السبت، والنصارى يوم الأحد، فهدانا الله للجمعة، واختلفوا في عيسى، فقال بعضهم : كذاب. وقال بعضهم : ابن الله فهدانا الله لكونه نبيا عبدا، واختلفوا في إبراهيم، فادعاه كل فرقة فهدانا الله لكونه حنيفا مسلما. وروى عن رسول الله ﷺ أنه قال :«نحن الآخرون السابقون، وأول الناس دخولا الجنة، بيد أنهم أوتوا الكتاب قبلنا وأوتيناه من بعدهم، الناس لنا تبع، فاليوم لنا، يعني : الجمعة وغدا لليهود، وبعد غد للنصارى »(٥).
( والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم )
١ - الأنعام: ٣٨..
٢ - يوسف: ٤٥..
٣ - النحل: ١٢٠..
٤ - وهي قراءة أبي جعفر المدني، كما في تفسير البغوي، (١/٨٦)، والنشر في القراءات العشر لابن الجوزي (٢/٢٢٧). وقرأ الباقون بفتح الياء..
٥ - متفق عليه من حديث أبي هريرة، رواه البخاري (٢/ ٤١٢ رقم ٨٧٦)، ومسلم (٦/ ٢٠٤-٢٠٦ رقم ٨٥٥)..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى