اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي

عن الكتاب
وجه النظْمِ أنه لما بيَّن أن سبب إصرار الكُفَّار على كُفرهم، هو حُبُّ الدنيا بين في هذه الآية أَن هذا المعنى غير مُختص بهذا الزمان، بل كان حاصلاً في الأَزْمِنة المُتَقادِمة، فَإِنَّهم كانوا أُمةً واحدة على الحق، ثم اختلفُوا، وما كان اختلافُهم إِلاَّ بسبب البغي، والتحاسُد، والتَّنَازُع في طلب الدنيا.
قال القفَّال(١) :" الأُمَّةُ " هم المجتمعون على الشَّيء الواحد، يَقتدي بعضُهم ببعض ؛ مأخوذٌ من الائتمام.
ودَلَّتِ الآيةُ على أَنَّ الناس كانت أُمَّةً واحدةً، ولم تدلَّ على أَنَّهُم كانوا أُمَّةً وَاحدةً : في الحقِّ، أم في الباطل.

فصل في معاني كلمة " أمة "


قد جاءت الأمة على خمسة أَوْجُهٍ :
الأوَّل :" الأُمَّةُ " المِلَّة، كهذه الآية، أي : مِلَّة واحدة، ومثله :
﴿وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ [المؤمنون: ٥٢] أي : مِلتكُم.
الثاني : الأُمَّةُ الجماعة ؛ قال تعالى :﴿وَمِمَّنْ خَلَقْنَآ أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ﴾
[الأعراف: ١٨١] أي : جماعةٌ.
الثالث : الأُمَّةُ السنين ؛ قال تعالى :﴿وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِلَى أُمَّةٍ مَّعْدُودَةٍ﴾ [هود: ٨]، أي : إلى سنين معدودةٍ، ومثله " وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ " أي : بعد سنين.
الرابع : بمعنى إمامٍ يُعلِّمُ الخير ؛ قال تعالى :﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتاً لِلَّهِ﴾ [النحل: ١٢٠].
الخامس : الأُمَّةُ : إحدى الأُمم ؛ قال تعالى :﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠]، وباقي الكلام على ذلك يأتي في آخرِ " النحل " عند قوله تعالى :﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً﴾ [النحل: ١٢٠].

فصل في المراد بالأمة، وهل كانوا على الحق ؟ ومتى اختلفوا ؟


واختلف المفسِّرُون على خمسة أقوالٍ :
القول الأول : أنهم كانوا على الحقِّ، وهو قول أكثر المحققين ؛ قال القفَّالُ(٢) : لأَنَّهُ تعالى قال بعده :﴿فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ﴾ ف " الفاء " في قوله :" فَبَعَثَ اللَّهُ " تَقْتَضِي أنْ يكونَ بعثهم بعد الاختلافِ، فلو كانوا قبل ذلك أمة واحدة في الكفر لكانت بعثة الرسل قبل الاختلاف أولى ؛ لأَنَّهُم لما بعثوا، وبعضُ الأُمَّة محقٌّ وبعضهم مُبطلٌ فلأَنْ يبعثوا عند كون الجميعِ على الكفر أولى.
وأيضاً فإن آدم - عليه السَّلام - لما بُعِث إلى أولاده، كانوا مُسلمين مطيعين، ولم يحدث بينهم اختلافٌ في الدِّين، إلى أَنْ قتلَ قَابيلُ هابيل ؛ بسبب الحسدِ والبَغِي، وهذا ثابتٌ بالتواتر، فإِنَّ الناس - وهم : آدَمَ وَحَوَّاء، وأولادهما - كانوا أُمَّةً واحدةٌ على الحق، ثُم اختلفُوا ؛ بسبب البغي، والحسد، كما حكى الله تعالى عن ابني آدم بالحق ﴿إِذْ قَرَّبَا قُرْبَاناً فَتُقُبِّلَ مِن أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الآخَرِ﴾
[المائدة: ٢٧] وأيضاً قوله - عليه السلام - :" كُلُّ مَوْلُودٍ يولَدُ على الفِطْرة ؛ فأَبواهُ يُهَوِّدَانِهِ أَو يُنصرانه أو يُمَجِّسانه " فدلَّ ذلك على أَنَّ المولود لو تُرِك مع فِطْرته الأَصلية، لما كان على شَيْءٍ من الأَدْيان الباطلة، وأَنَّه إِنَّما يُقدمُ على الدين الباطل، لأسبابٍ خارجية.
وقال الكلبيُّ(٣) : هُم أهلُ سفينةِ نُوح، لما غرقت الأرض بالطوفانِ، لم يَبْقَ إلاَّ أَهْلُ السفينة على الحق، والدِّين الصَّحيح، ثم اختلفُوا بعد ذلك ؛ وهذا مما ثَبَتَ بالتَّواتر.
وقال مُجاهدٌ : أراد آدَمَ وحده، وكان أُمَّةً واحدة، وسَمَّى الواحد بلفظ الجمع ؛ لأَنَّهُ أَصلُ النّسل، وأبُو البشر، وخلق اللَّهُ منه حَوَّاءَ، ونشر منها(٤) الناس.
قال قتادةُ وعكرمةُ : كان الناسُ مِنْ وقت آدمَ إلى مبعث نُوح، وكان بينهما عشرةُ قرون كُلُّهم على شريعةٍ واحدةٍ من الحق، والهُدَى، ثم اختلفُوا في زمن نوح - عليه السلام - فبعث اللَّهُ إليهم نُوحاً، وكان أَوَّل بني بُعثَ(٥).
وحَكَى القرطبيُّ(٦) : قال ابنُ أبي خيثمة : منذ خلق اللَّهُ آدم - عليه السلام - إلى أن بعث اللَّه محمداً - ﷺ - خمسةُ آلافِ سنة وثمانمائة سنة، وقيل : أكثر من ذلك، وكان بينه وبين نُوحٍ ألفُ سنة ومائتا سنة، وعاش آدم تسعمائة وستين سنة، وكان الناس في زمانه أمةً واحدة، على مِلَّةٍ واحدة متمسكين بالدِّين، تُصافحُهم الملائكة، ودَامُوا على ذلك إلى أَن رُفِعَ إدريس - عليه السلام - فاختلفُوا.
قال(٧) : وهذا فيه نظر ؛ لأَنَّ إدريس بعد نُوحٍ على الصحيح.
وقيل : كان العربُ على دين إبراهيم إلى أَنْ غيّره عمرو بن لُحَيٍّ.
وروى أبو العالية، عن أُبِيٍّ بن كعبٍ قال :" كان النَّاسُ حين عُرِضُوا وأُخرِجُوا مِنْ ظَهْرِ آدَمَ، وأَقرُّوا أُمَّةً واحدة مُسْلِمين كلهم، ولم يكُونُوا أُمَّةً وَاحِدَةً قَطّ غيرَ ذلك اليومِ، ثم اختَلَفُوا بعد آدَمَ(٨) ".
القول الثاني : أَنَّهُم كانُوا أُمَّةً واحدة في الكُفر، وهو قولُ ابنِ عَبَّاسٍ، وعطاء، والحسن(٩).
وقال الحسن وعطاء : كان الناس من وَقْتِ وَفَاةِ آدمَ إلى مبعثِ نُوحٍ أُمَّةً واحدة على مِلَّةِ الكُفرِ ؛ أَمثَال البَهَائِم، فَبَعثَ اللَّه إبراهيم - عليه السَّلام - وغيرهُ من النبيين(١٠)، واستدلُّوا بقوله :﴿فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ﴾ وهو لاَ يَليقُ إلا بذلك.
وجوابه ما بينا : أَنَّ هذا لا يليقُ بضده، ثم اختلف القائلُون بهذا القول : مَتَى كانوا مُتّفقين على الكُفر على ما قَدَّمنا ثُمَّ سأَلُوا أَنفسهم سُؤالاً وقالوا : أليس فيهم مَنْ كان مُسْلماً كهابيل، وشيث، وإدريس.
وأجابوا : بِأنَّ الغالب كان هو الكُفْر، والحُكْمُ للغالب، ولا يعتدُّ بالقليل في الكثير كما لا يعتدُّ بالشعير القليل في البر الكثير، فقد يقال : دار الإسلام، وإِنْ كان فيها غيرُ المسلمين، ودارُ الحرب وإن كان فيها مُسلمون.
الثالث : قال أبو مُسلمٍ(١١) : كانوا أُمَّةً واحدة في التمسُّك بالشرائع العقلية، وهي الاعترافُ بوجود الصانع، وصِفاتِهِ، والاشتغالُ بخدمته، وشُكْرِ نعمه، والاجتناب عن القبائح العقليَّة كالظُّلم، والكذب، والجهل، والعبث، وأمثالها.
واحتجَّ القاضي(١٢) على صِحَّةِ قوله : بِأَنَّ لفظ النَّبيين يفيدُ العُمُومَ والاستغراقَ، وحرف " الفاء " يُفيدُ التَّراخي، فقوله ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ﴾ يفيد أنَّ بعثةَ الأنبياء كانت مُتأخرة عن كون الناس أُمَّةً واحدة، فتلك الواحدةُ المتقدمةُ على بعثة جميع الشرائع، لا بُدَّ وأَنْ تكون واحدة في شرعة غير مُسْتفَادةٍ من الأَنبياء فواجب أن تكون في شريعة مستفادة من العقل وذلك ما بَيَّنَّاهُ، وأيضاً فالعلم بحسن شُكر المُنْعِم(١٣)، وطاعة الخالق، والإحسان إلى الخَلْقِ، والعَدلُ ؛ مُشْتَركٌ فيه بين الكُلّ، والعِلْمُ يُقبح الكذب، والظِّلم، والجهْل، والعبث، وأمثالها مشترك فيه بين الكل، فالأظهر أَنَّ الناس كانُوا في أَوَّل الأمر على ذلك، ثم اختلفُوا بعد ذلك ؛ لأَسباب منفصلة، ثم قال : فإنْ قيل : أليس أوَّل الإسلام آدَم - عليه الصلاة والسلام - مع أولاده كانوا مُجتمعين على التَّمسك بالشرائع العقلية أَوَّلاً، ثم إِنَّ اللَّهَ تعالى بعثهُ بعد ذلك إلى أولاده، ويُحْتَملُ أَنْ صار شرعُهُ مندرِساً بعد ذلك، ثم رجع الناسُ إلى الشرائعِ العقلية ؟
قال ابنُ الخطيب(١٤) : وهذا القولُ لا يصحُّ إلاَّ بعد تحسين العقل، وتقبيحه، والكلام فيه مشهور.
القول الرابع : أنَّ الآية دلَّت على أَنَّ الناس كانوا أُمَّةً واحدة، وليس فيها أَنَّهم كانوا على الإيمان، أو على الكُفر، فهو موقوفٌ على الدَّليل(١٥).
القول الخامس : أَنَّ المراد ب " النَّاسِ " هنا أهْلُ الكتاب مِمَّن آمَنَ بِمُوسَى - عليه السلام - وذلك لأَنَّا بينا أَنَّ هذه الآية متعلقةٌ بما تقدم من قوله :﴿يأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ ادْخُلُواْ فِي السِّلْمِ كَآفَّةً﴾ [البقرة: ٢٠٨] وذكرنا أَنَّ كثيراً من المفسرين زعمُوا أَنْ تلك الآية نزلت في اليهودِ ؛ فقوله تعالى :﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ أي : كان الذين آمنوا بموسى أُمَّةً واحدة على دين واحدٍ، ثم اختلفُوا بسبب البغي، والحسد ؛ فبعثَ الله النبيِّين، وهم الذين جاءُوا بعد موسى - عليه السلام - وأنزل معهم الكتاب كما بُعِث الزبور إلى دواد، والإنجيل إلى عيسى، والفرقانُ إلى محمد - عليه الصلاة والسلام - لتكون تلك الكتب حاكمةً عليهم في تلك الأشياء التي اختلفوا فيها، وهذا القولُ مطابقٌ لنظم الآية، وموافقٌ لما قبلها وما بعدها، وليس فيه إشكالٌ إلاَّ أَنَّ تخصيص لفظ الناس بقومٍ معينين خلاف الظَّاهر، ويُعتذَرُ عنه بأن الألفَ واللاَّمَ كما تكون للاستغراق، فقد تكونُ أيضاً لِلْعَهد.

فصل في بيان لفظة " كان "


قال القرطبيُّ(١٦) : لفظة " كَانَ " على هذه الأقوال على بابها من المُضِيّ المنقضي، وكل من قدّر الناسَ في الآية مُؤمنين قدّر في الكلام : فاختلفُوا، فبعث اللَّه، ويدُلُّ على هذا الحذف قوله :﴿وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلاَّ الَّذِينَ أُوتُوهُ﴾ وكل مَنْ قَدَّرهم كُفَّاراً كانت بعثهُ النبيين إليهم، ويحتملُ أن تكونَ " كان " لِلثّبُوت، والمرادُ الإخبارُ عن الناس الذين هم الجِنْس كله : أنهم أمةٌ واحدةٌ من خُلُوِّهم عن الشرائع، وجهلهم بالحقائق لولا أَنَّ اللَّهَ تعالى مَنَّ عليهم بالرسُل ؛ تفضلاً منه ؛ فعلَى هذا لا تختصُّ " كان " بالمُضِيِّ فقط، بل يكونُ مَعناها كقوله تعالى :﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً﴾ [النساء: ٩٦] وقوله :﴿فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ﴾ قال بعضُ المفسرين(١٧) : وجملتهم مائةٌ وأربعةُ وعشرون ألفاً، والرسل منهم ثلاثمائةٍ وثلاثة عشر، والمَذكُور في القرآنِ بأسمائِهم : ثمانيةَ عشر نَبِيّاً.
قوله تعالى :" مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرينَ " حالان من " النَّبِيِّينَ ". قيل : وهي حالٌ مُقارنةٌ ؛ لأنَّ بعثَهُم كان وقت البشارةِ والنِّذارةَ وفيه نظرٌ ؛ لأنَّ البِشَارةَ والنِّذَارةَ [ بعدَ البعث. والظاهرُ أنها حالٌ مُقَدِّرَةٌ، وقد تقدَّمَ معنى البشارة والنذارةِ ] في قوله :﴿أَنذِرِ النَّاسَ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُواْ﴾ [يونس: ٢].
وقوله :" وَأَنْزَلَ مَعهُمُ " هذا الظرفُ فيه وجهان :
أحدهما : أنه مُتعلِّقٌ بأنزل. وهذا لا بُدَّ فيه مِنْ تأويل ؛ وذلك أَنَّه يلزمُ مِنْ تعلُّقِه بأنزل أَنْ يكون النبيون مصاحبين للكتاب في الإِنزال، وهم لا يُوصَفُون بذلك ؛ لعدمه فيهم.
وتأويلُهُ : أنَّ المراد بالإِنزال الإِرسالُ، لأَنَّهُ مُسَبَّبٌ عنه، كأنَّهُ قيل : وأرسل معهم الكتاب فتصحُّ مشاركتهم له في الإِنزالِ بهذا التَّأويل.
وا
١ - ينظر: تفسير الفخر الرازي ٦/١١..
٢ - ينظر: تفسير الفخر الرازي ٦/١١..
٣ - ينظر: تفسير البغوي ١/ ١٨٦..
٤ - ينظر: تفسير البغوي ١/ ١٨٦..
٥ - ينظر: تفسير البغوي ١/ ١٨٦..
٦ ينظر: تفسير القرطبي ٣/٢٢..
٧ ينظر: تفسير القرطبي ٣/٢٢..
٨ - ينظر: تفسير البغوي ١/ ١٨٦..
٩ - أخرجه الطبري في "تفسيره" (٤/٢٧٥) وأورده السيوطي في "الدر المنثور" (١/٤٣٥) وزاد نسبته لابن أبي حاتم عن ابن عباس..
١٠ -ذكره السيوطي في "الدر المنثور" (١/٤٣٦) وعزاه لعبد بن حميد وابن أبي حاتم عن قتادة بمعناه..
١١ - ينظر: تفسير الفخر الرازي ٦/١٢..
١٢ - ينظر: تفسير الفخر الرازي ٦/١٣..
١٣ -سيأتي الكلام على شكر المنعم في سورة الأنعام..
١٤ - ينظر: تفسير الفخر الرازي ٦/١٣..
١٥ - ينظر: تفسير الفخر الرازي ٦/١٣..
١٦ -ينظر: تفسير القرطبي ٣/ ٢٢-٢٣..
١٧ -ينظر: القرطبي: ٣/٢٣..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى