البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي
عن الكتاب
﴿كان الناس أمة واحدة﴾ مناسبة هذه الآية لما قبلها هو أن إصرار هؤلاء على كفرهم هو حب الدنيا، وأن ذلك ليس مختصاً بهذا الزمان الذي بعثت فيه، بل هذا أمر كان في الأزمنة المتقادمة، إذ كانوا على حق ثم اختلفوا بغياً وحسداً وتنازعاً في طلب الدنيا.
والناس : القرون بين آدم ونوح وهي عشرة، كانوا على الحق حتى اختلفوا، فبعث الله نوحاً فمن بعده، قاله ابن عباس، وقتادة.
أو : قوم نوح ومن في سفينته كانوا مسلمين، أو : آدم وحده، عن مجاهد، أو : هو وحواء، أو : بنو آدم حين أخرجهم من ظهره نسماً كانوا على الفطرة، قاله أبي وابن زيد، أو : آدم وبنوه كانوا على دين حق فاختلفوا من حين قتل قابيل هابيل، أو : بنو آدم من وقت موته إلى مبعث نوح كانوا كفاراً أمثال البهائم، قاله عكرمة، وقتادة.
أو : قوم إبراهيم كانوا على دينه إلى أن غيره عمرو بن يحيى ؛ أو : أهل الكتاب ممن آمن بموسى على نبينا وعليه السلام، أو : قوم نوح حين بعث إليهم كانوا كفاراً قاله ابن عباس، أو : الجنس كانوا أمة واحدة في خلوهم عن الشرائع لا أمر عليهم ولا نهي.
أو : صنفاً واحداً، فكان المراد : أن الكل من جوهر واحد، وأب واحد، ثم خصّ صنفاً من الناس ببعث الرسل إليهم، وإنزال الكتب عليهم تكريماً لهم، قاله الماتريدي فهذه اثنا عشر قولاً في الناس.
وأما في التوحيد فخمسة أقوال : إما في الإيمان، وإما في الكفر، وإما في الخلقة على الفطرة، وإما في الخلو عن الشرائع، وإما في كونهم من جوهر واحد.
وهو الأب.
وقد رجح كونهم أمة واحدة في الإيمان بقوله :﴿فبعث الله﴾ وإنما بعثوا حين الاختلاف، ويؤكده قراءة عبد الله ﴿أمة واحدة﴾ فاختلفوا، وبقوله :﴿ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه﴾ فهذا يدل على أن الاتفاق كان حصل قبل البعث والإنزال، وبدلالة العقول، إذ النظر المستقيم يؤدي إلى الحق، ويكون آدم بعث إلى أولاده، وكانوا مسلمين، وبالولادة على الفطرة، وبأن أهل السفينة كانوا على الحق، وبإقرارهم في يوم الذر.
ويظهر أن هذا القول هو الأرجح لقراءة عبد الله وللتصريح بهذا المحذوف في آية أخرى، وهو قوله تعالى :
﴿وما كان الناس إلا أمة واحدة فاختلفوا﴾ والقرآن يفسر بعضه بعضاً، وتقدّم شرح : أمة في قوله :﴿ومن ذريتنا أمة مسلمة لك﴾
وفي قراءة أبي : كان البشر، إشارة إلى أنه لا يراد بالناس معهودون، ومن جعل الإتحاد في الإيمان قدر، فاختلفوا فبعث الله، ومن جعل ذلك في الكفر لا يحتاج إلى هذا التقدير، إذ كانت بعثة النبيين إليهم، وأول الرسل على ما ورد في الصحيح في حديث الشفاعة : نوح على نبينا وعليه السلام، يقول الناس له : أنت أول الرسل، المعنى : إلى قوم كفار، لأن آدم قبله، وهو مرسل إلى بنيه يعلمهم الدين والإيمان.
﴿فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين﴾ أي : أرسل النبيين مبشرين بثواب من أطاع، ومنذرين بعقاب من عصى، وقدّم البشارة لأنها أبهج للنفس، وأقبل لما يلقى النبي، وفيها اطمئنان المكلف، والوعد بثواب ما يفعله من الطاعة، ومنه.
﴿فإنما يسرناه بسانك لتبشر به المتقين وتنذر به قوماً لداً﴾ وانتصاب : مبشرين ومنذرين، على الحال المقارنة.
﴿وأنزل معهم الكتاب بالحق﴾ معهم حال من الكتاب : وليس تعمل فيه أنزل، إذ كان يلزم مشاركتهم له في الإنزال، وليسوا متصفين، وهي حال مقدرة أي : وأنزل الكتاب مصاحباً لهم وقت الإنزال لم يكن مصاحباً لهم، لكنه انتهى إليهم.
والكتاب : إما أن تكون أل فيه للجنس، وإما أن تكون للعهد على تأويل : معهم، بمعنى مع كل واحد منهم، أو على تأويل أن يراد به واحد معين من الكتب، وهو التوراة.
قاله الطبري، أنزلت على موسى وحكم بها النبيون بعده، واعتمدوا عليها كالأسباط وغيرهم، ويضعف أن يكون مفرداً وضع موضع الجمع، وقد قيل به.
ويحتمل : بالحق، أن يكون متعلقاً : بأنزل، أو بمعنى ما في الكتاب من معنى الفعل، لأنه يراد به المكتوب، أو بمحذوف، فيكون في موضع الحال من الكتاب، أي مصحوباً بالحق، وتكون حالاً مؤكدة لأن كتب الله المنزلة يصحبها الحق ولا يفارقها، وهذه الجملة معطوفة على قوله :﴿فبعث الله﴾.
ولا يقال : إن البشارة والنذارة إنما يكونان بالأمر والنهي، وهما إنما يستفادان من إنزال الكتب فَلِمَ قدما على الإنزال مع أنهما ناشئان عنه ؟ لأنه ذلك لا يلزم، لأن البشارة والنذارة قد يكونان ناشئين عن غير الكتب من وحي الله لنبيه دون أن يكون ذلك كتاباً يتلى ويكتب، ولو سلم ذلك لكان تقديمهما هو الأولى لأنهما حالان من النبيين.
فناسب اتصالهما بهم، وإن كانا ناشئين عن إنزال الكتب.
وقال القاضي : الوعد والوعيد من الأنبياء عليهم السلام قبل بيان الشرع ممكن فيما يتصل بالعقليات من معرفة الله تعالى، وترك الظلم وغيرهما، انتهى كلامه.
وما ذكر لا يظهر، لأن الوعد بالثواب والوعيد بالعقاب ليسا مما يقضي بهما العقل وحده على جهة الوجوب، وإنما ذلك على سبيل الجواز، ثم أتى الشرع بهما، فصار ذلك الجائز في العقل واجباً بالشرع، وما كان بجهة الإمكان العقلي لا يتصف به النبي على سبيل الوجوب إلاَّ بعد الوحي قطعاً، فإذن يتقدّم الوحي بالوعد والوعيد على ظهور البشارة والنذارة ممن أوحى إليه قطفاً.
قال القاضي : وظاهر الآية يدل على أنه لا نبي إلاَّ ومعه كتاب منزل فيه بيان الحق، طال ذلك الكتاب أو قصر، دوّن أو لم يدوّن، كان معجزاً أو لم يكن، لأن كون الكتاب منزلاً معهم لا يقضي شيئاً من ذلك.
انتهى كلامه.
ويحتمل أن يكون التجّوز في : أنزل، فيكون بمعنى : جعل، كقوله :﴿وأنزلنا الحديد﴾ ولما كان الإنزال الكثير منهم نسب إلى الجميع، ويحتمل أن يكون التجوّز في الكتاب، فيكون بمعنى الموحى به، ولما كان كثيراً مما أوحى به بكتب، أطلق على الجميع الكتاب تسمية للمجموع باسم كثير من أجزائه.
﴿ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه﴾ الللام لام العلة، ويتعلق بأنزل، والضمير في : ليحكم، عائد على الله في قوله : فبعث الله، وهو المضمر في : أنزل، وهذا هو الظاهر، والمعنى أنه تعالى أنزل الكتاب ليفصل به بين الناس، وقيل : عائد على الكتاب أي : ليحكم الكتاب بين الناس، ونسبة الحكم إليه مجاز، كما أسند النطق إليه في قوله :﴿هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق﴾ وكما قال :
ضربت عليك العنكبوت نسيجها***
وقضى عليك به الكتاب المنزل
ولأن الكتاب هو أصل الحكم، فأسند إليه رداً للأصل، وهذا قول الجمهور، وأجاز الزمخشري أن يكون الفاعل : النبي، قال : ليحكم الله أو الكتاب أو النبي المنزل عليه، وإفراد الضمير يضعف ذلك على أن يحتمل ما قاله، فيعود على أفراد الجمع، أي : ليحكم كل نبي بكتابه، ولا حاجة إلى هذا التكلف مع ظهور عود الضمير على الله تعالى، ويبين عوده على الله تعالى قراءة الجحدري فيما ذكر مكي لنحكم، بالنون، وهو متعين عوده على الله تعالى، ويكون ذلك التفاتاً إذ خرج من ضمير الغائب في : أنزل، إلى ضمير المتكلم، وظن ابن عطية هذه القراءة تصحيفاً قال : ما معناه لأن مكياً لم يحكِ عن الجحدري قراءته التي نقل الناس عنه، وهي : ليحكم، على بناء الفعل للمفعول، ونقل مكي لنحكم بالنون.
وفي القراءة التي نقل الناس من قوله : وليحكم، حذف الفاعل للعلم به، والأولى أن يكون الله تعالى.
قالوا : ويحتمل أن يكون الكتاب أو النبيون.
وهي ظرف مكان، وهو هنا مجاز، وانتصابه بقوله : ليحكم، وفيما، متعلق به أيضاً، و : فيه، الدين الذي اختلفوا فيه بعد الإتفاق.
قيل ويحتمل أن يكون الذي اختلفوا فيه محمد، ﷺ، أو دينه، أو : هما، أو : كتابه.
﴿وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه من بعد ما جاءتهم البينات بغياً بينهم﴾ الضمير من قوله : وما اختلف فيه، يعود على ما عاد عليه في : فيه، الأولى، وقد تقدّم أنها عائدة على : ما، وشرح ما المعنى : بما، أهو الدين، أو محمد ﷺ ؟ أم دينه ؟ أم هما ؟ أم كتابه ؟
والضمير في : أوتوه، عائد إذ ذاك على ما عاد عليه الضمير في : فيه، وقيل : الضمير في : فيه، عائد على الكتاب، وأوتوه عائد أيضاً على الكتاب، التقدير : وما اختلف في الكتاب إلاَّ الذين أوتوه، أي : أوتوا الكتاب.
وقال الزجاج : الضمير في : فيه، الثانية يجوز أن يعود على النبي ﷺ، أي : وما اختلف في النبي ﷺ إلاَّ الذين أوتوه، أي : أوتوا علم نبوّته، فعلوا ذلك للبغي، وعلى هذا يكون الكتاب : التوراة، والذين أوتوه اليهود.
وقيل : الضمير في : فيه، عائد على ما اختلفوا فيه من حكم التوراة والقبلة وغيرهما، وقيل : يعود الضمير في : فيه، على عيسى صلى الله على نبينا وعليه.
وقال مقاتل : الضمير عائد على الدين، أي : وما اختلف في الدين. انتهى.
والذي يظهر من سياق الكلام وحسن التركيب أن الضمائر كلها في : أوتوه وفيه الأولى والثانية، يعود على : ما، الموصولة في قوله : وما اختلفوا فيه، وأن الذين اختلفوا فيه مفهومه كل شيء اختلفوا فيه فمرجعه إلى الله، بينه بما نزل في الكتاب، أو إلى الكتاب إذ فيه جميع ما يحتاج إليه المكلف، أو إلى النبي يوضحه بالكتاب على الأقوال التي سبقت في الفاعل في قوله :﴿ليحكم﴾.
والذين أوتوه أرباب العلم به والدراسة له، وخصهم بالذكر تنبيهاً منه على شناعة فعلهم، وقبيح ما فعلوه من الاختلاف، ولأن غيرهم تبع لهم في الاختلاف فهم أصل الشر، وأتى بلفظ : من، الدالة على ابتداء الغاية منبهاً على أن اختلافهم متصل بأول زمان مجيء البينات، لم يقع منهم اتفاق على شيء بعد المجيء، بل بنفس ما جاءتهم البينات اختلفوا، لم يتخلل بينهما فترة.
والبينات : التوراة والإنجيل، فالذين أوتوه هم اليهود والنصارى، أو جميع الكتب المنزلة، فالذين أوتوه علماء كل ملة، أو ما في التوراة من صفة محمد ﷺ، والذين أوتوه اليهود، أو معجزات رسول الله ﷺ والذين أوتوه جميع الأمم، أو محمد ﷺ والذين أوتوه من بعث إليهم.
والذي يظهر أن البينات هي ما أوضحته الكتب المنزلة على أنبياء الأمم الموجبة الاتفاق وعدم الاختلاف، فجعلوا مجيء الآيات البينات سبباً لاختلافهم، وذلك أشنع عليهم، حيث رتبوا على الشيء خلاف مقتضاه.
ثم بين أن ذلك الاختلاف الذي كان لا ينبغي أن يكون ليس لموجب ولا داع إلاَّ مجرد البغي والظلم والتعدّي.
وانتصاب : بغياً، على أنه مفعول من أجله، و : بينهم، في موضع الصفة له، فتعلق بمحذوف، أي : كائناً بينهم، وأبعد من قال : إنه مصدر في موضع الحال، أي : باغين، والمعنى : أن الحامل على الاختلاف هو البغي، وسبب هذا البغي حسدهم لرسول الله ﷺ على النبوّة، أو كتمهم صفته التي في التوراة، أو طلبهم الدنيا والرئاسة فيها أقوال :
فالأولان : يختصان بمن يحضره رسول الله ﷺ.
من أهل الكتاب وغيرهم، والثالث : يكون لسائر الأمم المختلفين، وإنزال الكتب كان بعد وجود الاختل
والناس : القرون بين آدم ونوح وهي عشرة، كانوا على الحق حتى اختلفوا، فبعث الله نوحاً فمن بعده، قاله ابن عباس، وقتادة.
أو : قوم نوح ومن في سفينته كانوا مسلمين، أو : آدم وحده، عن مجاهد، أو : هو وحواء، أو : بنو آدم حين أخرجهم من ظهره نسماً كانوا على الفطرة، قاله أبي وابن زيد، أو : آدم وبنوه كانوا على دين حق فاختلفوا من حين قتل قابيل هابيل، أو : بنو آدم من وقت موته إلى مبعث نوح كانوا كفاراً أمثال البهائم، قاله عكرمة، وقتادة.
أو : قوم إبراهيم كانوا على دينه إلى أن غيره عمرو بن يحيى ؛ أو : أهل الكتاب ممن آمن بموسى على نبينا وعليه السلام، أو : قوم نوح حين بعث إليهم كانوا كفاراً قاله ابن عباس، أو : الجنس كانوا أمة واحدة في خلوهم عن الشرائع لا أمر عليهم ولا نهي.
أو : صنفاً واحداً، فكان المراد : أن الكل من جوهر واحد، وأب واحد، ثم خصّ صنفاً من الناس ببعث الرسل إليهم، وإنزال الكتب عليهم تكريماً لهم، قاله الماتريدي فهذه اثنا عشر قولاً في الناس.
وأما في التوحيد فخمسة أقوال : إما في الإيمان، وإما في الكفر، وإما في الخلقة على الفطرة، وإما في الخلو عن الشرائع، وإما في كونهم من جوهر واحد.
وهو الأب.
وقد رجح كونهم أمة واحدة في الإيمان بقوله :﴿فبعث الله﴾ وإنما بعثوا حين الاختلاف، ويؤكده قراءة عبد الله ﴿أمة واحدة﴾ فاختلفوا، وبقوله :﴿ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه﴾ فهذا يدل على أن الاتفاق كان حصل قبل البعث والإنزال، وبدلالة العقول، إذ النظر المستقيم يؤدي إلى الحق، ويكون آدم بعث إلى أولاده، وكانوا مسلمين، وبالولادة على الفطرة، وبأن أهل السفينة كانوا على الحق، وبإقرارهم في يوم الذر.
ويظهر أن هذا القول هو الأرجح لقراءة عبد الله وللتصريح بهذا المحذوف في آية أخرى، وهو قوله تعالى :
﴿وما كان الناس إلا أمة واحدة فاختلفوا﴾ والقرآن يفسر بعضه بعضاً، وتقدّم شرح : أمة في قوله :﴿ومن ذريتنا أمة مسلمة لك﴾
وفي قراءة أبي : كان البشر، إشارة إلى أنه لا يراد بالناس معهودون، ومن جعل الإتحاد في الإيمان قدر، فاختلفوا فبعث الله، ومن جعل ذلك في الكفر لا يحتاج إلى هذا التقدير، إذ كانت بعثة النبيين إليهم، وأول الرسل على ما ورد في الصحيح في حديث الشفاعة : نوح على نبينا وعليه السلام، يقول الناس له : أنت أول الرسل، المعنى : إلى قوم كفار، لأن آدم قبله، وهو مرسل إلى بنيه يعلمهم الدين والإيمان.
﴿فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين﴾ أي : أرسل النبيين مبشرين بثواب من أطاع، ومنذرين بعقاب من عصى، وقدّم البشارة لأنها أبهج للنفس، وأقبل لما يلقى النبي، وفيها اطمئنان المكلف، والوعد بثواب ما يفعله من الطاعة، ومنه.
﴿فإنما يسرناه بسانك لتبشر به المتقين وتنذر به قوماً لداً﴾ وانتصاب : مبشرين ومنذرين، على الحال المقارنة.
﴿وأنزل معهم الكتاب بالحق﴾ معهم حال من الكتاب : وليس تعمل فيه أنزل، إذ كان يلزم مشاركتهم له في الإنزال، وليسوا متصفين، وهي حال مقدرة أي : وأنزل الكتاب مصاحباً لهم وقت الإنزال لم يكن مصاحباً لهم، لكنه انتهى إليهم.
والكتاب : إما أن تكون أل فيه للجنس، وإما أن تكون للعهد على تأويل : معهم، بمعنى مع كل واحد منهم، أو على تأويل أن يراد به واحد معين من الكتب، وهو التوراة.
قاله الطبري، أنزلت على موسى وحكم بها النبيون بعده، واعتمدوا عليها كالأسباط وغيرهم، ويضعف أن يكون مفرداً وضع موضع الجمع، وقد قيل به.
ويحتمل : بالحق، أن يكون متعلقاً : بأنزل، أو بمعنى ما في الكتاب من معنى الفعل، لأنه يراد به المكتوب، أو بمحذوف، فيكون في موضع الحال من الكتاب، أي مصحوباً بالحق، وتكون حالاً مؤكدة لأن كتب الله المنزلة يصحبها الحق ولا يفارقها، وهذه الجملة معطوفة على قوله :﴿فبعث الله﴾.
ولا يقال : إن البشارة والنذارة إنما يكونان بالأمر والنهي، وهما إنما يستفادان من إنزال الكتب فَلِمَ قدما على الإنزال مع أنهما ناشئان عنه ؟ لأنه ذلك لا يلزم، لأن البشارة والنذارة قد يكونان ناشئين عن غير الكتب من وحي الله لنبيه دون أن يكون ذلك كتاباً يتلى ويكتب، ولو سلم ذلك لكان تقديمهما هو الأولى لأنهما حالان من النبيين.
فناسب اتصالهما بهم، وإن كانا ناشئين عن إنزال الكتب.
وقال القاضي : الوعد والوعيد من الأنبياء عليهم السلام قبل بيان الشرع ممكن فيما يتصل بالعقليات من معرفة الله تعالى، وترك الظلم وغيرهما، انتهى كلامه.
وما ذكر لا يظهر، لأن الوعد بالثواب والوعيد بالعقاب ليسا مما يقضي بهما العقل وحده على جهة الوجوب، وإنما ذلك على سبيل الجواز، ثم أتى الشرع بهما، فصار ذلك الجائز في العقل واجباً بالشرع، وما كان بجهة الإمكان العقلي لا يتصف به النبي على سبيل الوجوب إلاَّ بعد الوحي قطعاً، فإذن يتقدّم الوحي بالوعد والوعيد على ظهور البشارة والنذارة ممن أوحى إليه قطفاً.
قال القاضي : وظاهر الآية يدل على أنه لا نبي إلاَّ ومعه كتاب منزل فيه بيان الحق، طال ذلك الكتاب أو قصر، دوّن أو لم يدوّن، كان معجزاً أو لم يكن، لأن كون الكتاب منزلاً معهم لا يقضي شيئاً من ذلك.
انتهى كلامه.
ويحتمل أن يكون التجّوز في : أنزل، فيكون بمعنى : جعل، كقوله :﴿وأنزلنا الحديد﴾ ولما كان الإنزال الكثير منهم نسب إلى الجميع، ويحتمل أن يكون التجوّز في الكتاب، فيكون بمعنى الموحى به، ولما كان كثيراً مما أوحى به بكتب، أطلق على الجميع الكتاب تسمية للمجموع باسم كثير من أجزائه.
﴿ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه﴾ الللام لام العلة، ويتعلق بأنزل، والضمير في : ليحكم، عائد على الله في قوله : فبعث الله، وهو المضمر في : أنزل، وهذا هو الظاهر، والمعنى أنه تعالى أنزل الكتاب ليفصل به بين الناس، وقيل : عائد على الكتاب أي : ليحكم الكتاب بين الناس، ونسبة الحكم إليه مجاز، كما أسند النطق إليه في قوله :﴿هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق﴾ وكما قال :
ضربت عليك العنكبوت نسيجها***
وقضى عليك به الكتاب المنزل
ولأن الكتاب هو أصل الحكم، فأسند إليه رداً للأصل، وهذا قول الجمهور، وأجاز الزمخشري أن يكون الفاعل : النبي، قال : ليحكم الله أو الكتاب أو النبي المنزل عليه، وإفراد الضمير يضعف ذلك على أن يحتمل ما قاله، فيعود على أفراد الجمع، أي : ليحكم كل نبي بكتابه، ولا حاجة إلى هذا التكلف مع ظهور عود الضمير على الله تعالى، ويبين عوده على الله تعالى قراءة الجحدري فيما ذكر مكي لنحكم، بالنون، وهو متعين عوده على الله تعالى، ويكون ذلك التفاتاً إذ خرج من ضمير الغائب في : أنزل، إلى ضمير المتكلم، وظن ابن عطية هذه القراءة تصحيفاً قال : ما معناه لأن مكياً لم يحكِ عن الجحدري قراءته التي نقل الناس عنه، وهي : ليحكم، على بناء الفعل للمفعول، ونقل مكي لنحكم بالنون.
وفي القراءة التي نقل الناس من قوله : وليحكم، حذف الفاعل للعلم به، والأولى أن يكون الله تعالى.
قالوا : ويحتمل أن يكون الكتاب أو النبيون.
وهي ظرف مكان، وهو هنا مجاز، وانتصابه بقوله : ليحكم، وفيما، متعلق به أيضاً، و : فيه، الدين الذي اختلفوا فيه بعد الإتفاق.
قيل ويحتمل أن يكون الذي اختلفوا فيه محمد، ﷺ، أو دينه، أو : هما، أو : كتابه.
﴿وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه من بعد ما جاءتهم البينات بغياً بينهم﴾ الضمير من قوله : وما اختلف فيه، يعود على ما عاد عليه في : فيه، الأولى، وقد تقدّم أنها عائدة على : ما، وشرح ما المعنى : بما، أهو الدين، أو محمد ﷺ ؟ أم دينه ؟ أم هما ؟ أم كتابه ؟
والضمير في : أوتوه، عائد إذ ذاك على ما عاد عليه الضمير في : فيه، وقيل : الضمير في : فيه، عائد على الكتاب، وأوتوه عائد أيضاً على الكتاب، التقدير : وما اختلف في الكتاب إلاَّ الذين أوتوه، أي : أوتوا الكتاب.
وقال الزجاج : الضمير في : فيه، الثانية يجوز أن يعود على النبي ﷺ، أي : وما اختلف في النبي ﷺ إلاَّ الذين أوتوه، أي : أوتوا علم نبوّته، فعلوا ذلك للبغي، وعلى هذا يكون الكتاب : التوراة، والذين أوتوه اليهود.
وقيل : الضمير في : فيه، عائد على ما اختلفوا فيه من حكم التوراة والقبلة وغيرهما، وقيل : يعود الضمير في : فيه، على عيسى صلى الله على نبينا وعليه.
وقال مقاتل : الضمير عائد على الدين، أي : وما اختلف في الدين. انتهى.
والذي يظهر من سياق الكلام وحسن التركيب أن الضمائر كلها في : أوتوه وفيه الأولى والثانية، يعود على : ما، الموصولة في قوله : وما اختلفوا فيه، وأن الذين اختلفوا فيه مفهومه كل شيء اختلفوا فيه فمرجعه إلى الله، بينه بما نزل في الكتاب، أو إلى الكتاب إذ فيه جميع ما يحتاج إليه المكلف، أو إلى النبي يوضحه بالكتاب على الأقوال التي سبقت في الفاعل في قوله :﴿ليحكم﴾.
والذين أوتوه أرباب العلم به والدراسة له، وخصهم بالذكر تنبيهاً منه على شناعة فعلهم، وقبيح ما فعلوه من الاختلاف، ولأن غيرهم تبع لهم في الاختلاف فهم أصل الشر، وأتى بلفظ : من، الدالة على ابتداء الغاية منبهاً على أن اختلافهم متصل بأول زمان مجيء البينات، لم يقع منهم اتفاق على شيء بعد المجيء، بل بنفس ما جاءتهم البينات اختلفوا، لم يتخلل بينهما فترة.
والبينات : التوراة والإنجيل، فالذين أوتوه هم اليهود والنصارى، أو جميع الكتب المنزلة، فالذين أوتوه علماء كل ملة، أو ما في التوراة من صفة محمد ﷺ، والذين أوتوه اليهود، أو معجزات رسول الله ﷺ والذين أوتوه جميع الأمم، أو محمد ﷺ والذين أوتوه من بعث إليهم.
والذي يظهر أن البينات هي ما أوضحته الكتب المنزلة على أنبياء الأمم الموجبة الاتفاق وعدم الاختلاف، فجعلوا مجيء الآيات البينات سبباً لاختلافهم، وذلك أشنع عليهم، حيث رتبوا على الشيء خلاف مقتضاه.
ثم بين أن ذلك الاختلاف الذي كان لا ينبغي أن يكون ليس لموجب ولا داع إلاَّ مجرد البغي والظلم والتعدّي.
وانتصاب : بغياً، على أنه مفعول من أجله، و : بينهم، في موضع الصفة له، فتعلق بمحذوف، أي : كائناً بينهم، وأبعد من قال : إنه مصدر في موضع الحال، أي : باغين، والمعنى : أن الحامل على الاختلاف هو البغي، وسبب هذا البغي حسدهم لرسول الله ﷺ على النبوّة، أو كتمهم صفته التي في التوراة، أو طلبهم الدنيا والرئاسة فيها أقوال :
فالأولان : يختصان بمن يحضره رسول الله ﷺ.
من أهل الكتاب وغيرهم، والثالث : يكون لسائر الأمم المختلفين، وإنزال الكتب كان بعد وجود الاختل