الهداية الى بلوغ النهاية — مكي بن أبي طالب

عن الكتاب
قوله :( كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً )(١) الآية [ ٢١١ ].
الأمة(٢) هنا في قول ابن عباس وعكرمة : من كان بين آدم ونوح، وهم عشرة قرون، وكانوا على دين من الحق، ثم اختلفوا بعد ذلك، فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين. قال ذلك ابن عباس وغيره(٣). وأول من بعث الله نوحاً(٤) عليه السلام.
والأمة هنا معناها الأمم، ودل الواحد على الجماعة. وأصل الأمة(٥) الجماعة [ تجتمع على دين ](٦) واحد، قال(٧) تعالى :( وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمُ أُمَّةً وَاحِدَةً )(٨) أي على دين واحد(٩).
وقيل : معناه : كان آدم وحواء عليهما السلام أمة واحدة(١٠) في الطاعة. وسميا بالجماعة لأنهما أصل لها(١١).
وقال أبي بن(١٢) كعب : " معناه كان جميع(١٣) الخلق أمة واحدة إذ استخرجهم من [ صلب آدم ](١٤) وقال :( أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى )(١٥). فأقروا كلهم فكانوا(١٦) كلهم أمة واحدة مسلمين، ثم اختلفوا/إذ(١٧) ظهروا إلى الدنيا فبعث الله النبيين مبشرين(١٨) من أقام على عهده بالجنة. ومنذرين من خالف ما عهدَهُ إليه بالنار " (١٩).
وقال ابن زيد عن أبيه " لم يكن الناس أمة واحدة قط، إلا حين أخرجهم الله من ظهر آدم ﷺ " (٢٠).
وقيل : الناس هنا(٢١) : نوح ومن كان معه في السفينة(٢٢).
وروي عن ابن عباس أيضاً أنه قال : " كانوا على الكفر فبعث الله النبيين " (٢٣).
قوله :( وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلاَّ الذِينَ أُوتُوهُ ) [ ٢١١ ].
أي لم يختلف في التوراة(٢٤) إلا الذين نزلت عليهم(٢٥).
( مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ البَيِّنَاتُ ) الآية [ ٢١١ ].
أي الحجج(٢٦) أنه من عند الله، فكان خلافهم تعمداً للبغي بينهم لحب الدنيا وملكها والتنافس فيها فبغى بعضهم على بعض، وقتل بعضهم بعضاً على ذلك(٢٧).
وقال زيد بن أسلم : " اختلفوا في يوم الجمعة ؛ فاتخذ اليهود السبت، /والنصارى الأحد، فهدى الله أمة محمد(٢٨) ليوم الجمعة. واختلفوا في القبلة ؛ فاستقبلت النصارى المشرق، واليهود بيت المقدس، وهدى الله أمة محمد صلى الله عليه [ وسلم ](٢٩) للقبلة(٣٠). واختلفوا في الصلاة ؛ فمنهم من يركع ولا يسجد، ومنهم من يسجد ولا يركع ومنهم من يصلي(٣١) ويتكلم، ومنهم من يصلي وهو يمشي، فهدى الله أمة محمد(٣٢) للحق من ذلك. واختلفوا في الصيام ؛ فمنهم من يصوم بعض النهار، ومنهم من يصوم عن بعض الطعام، فهدى الله أمة محمد(٣٣) للحق(٣٤) من ذلك(٣٥). واختلفوا في إبراهيم ﷺ ؛ فقالت اليهود : كان يهودياً، وقالت النصارى : كان نصرانياً، وجعله الله حنيفاً مسلماً، فهدى الله أمة محمد صلى الله عليه وسلم(٣٦) للحق من ذلك، واختلفوا في عيسى ﷺ ؛ فكفرت به اليهود، وقالوا في أُمِّهِ(٣٧) بهتاناً عظيماً، وجعلته(٣٨) النصارى إلهاً وولداً، وجعله الله روحه وكلمته، فهدى الله أمة محمد ﷺ للحق من(٣٩) ذلك " (٤٠).
والبغي : الاعتداء والطغيان، يقال(٤١) للبحر إذا فاض وكثر ماؤه : " بَغَى البَحْرُ " أي طغى(٤٢). وتقدير(٤٣) الكلام : وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه بغياً بينهم من بعد ما جاءتهم البينات(٤٤).
وقد أنكر هذا قوم لأن المصدر لا يتقدم عليه ما تعلق به، وهذا الاعتراض لا يلزم لأن " من " متعلقة " بأُوتُوهُ " لا " بالبغي " (٤٥).
ومعنى :( وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الكِتَابَ ) أي الكتب.
قوله :( لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ ) [ ٢١١ ].
أي ليحكم الأنبياء صلوات الله عليهم وسلامه(٤٦) بما فيه.
وقرأ الجحدري(٤٧). " لِنَحْكُمَ " بالنون.
وقال أبو إسحاق : " معنى ( وَمَا/اخْتَلَفَ فِيهِ ). أي في النبي محمد(٤٨) ﷺ ( إِلاَّ الذِينَ أُوتُوهُ )، أي أعطوا علم نبوته، فعلوا ذلك للبغي(٤٩).
قوله :( فَهَدَى اللَّهُ الذِينَ ءَامَنُوا ) [ ٢١١ ].
أي هداهم الله لمعرفة(٥٠) ما اختلفوا فيه من الحق إذ هداهم للإيمان بما اختلف فيه الأولون من الحق.
قال النبي ﷺ : " نَحْنُ الآخِرُونَ(٥١) الأَوَّلُون(٥٢)/يَوْمَ القِيَامَةِ ؛ نَحْنُ أَوَّلُ/النَّاسِ دُخُولاً الجَنَّة بَيْدَ أَنَّهُمْ أُوتُوا الكِتَابَ مِنْ قَبْلِنَا وأُوتِينَاهُ(٥٣) مِنْ بَعْدِهِمْ فَهَدَانَا اللهُ لِمَا/اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الحَقِّ بِإِذْنِهِ " فَهَذَا اليَوْم الذِي هَدَانَا اللَّهُ لَهُ وَالنّاس لَنَا(٥٤) فِيهِ تَبَعٌ، غداً(٥٥) لليهود، وبعد غَدٍ(٥٦) لِلنَّصَارى " (٥٧).
وهذا الاختلاف الذي هدى الله المؤمنين إليه، ووفقهم لإصابته وهي الجمعة ضلوا عنها، وقد فرضت عليهم كما فرضت علينا فجعلوها السبت، وجعلها النصارى الأحد.
وقال ابن زيد(٥٨) : " اختلفوا في الصلاة ؛ فمنهم من صلى إلى المشرق، ومنهم من صلى إلى بيت(٥٩) المقدس، فهدانا الله إلى الكعبة. واختلفوا في الصيام ؛ فمنهم من يصوم بعض يوم، ومنهم من/يصوم بعض ليلة(٦٠)، فهدانا الله له. واختلفوا في الجمعة ؛ فأخذ اليهود السبت، وأخذ النصارى الأحد، فهدانا الله له(٦١). واختلفوا في إبراهيم ﷺ ؛ فقالت اليهود : كان يهودياً، وقالت النصارى : كان نصرانياً، فهدانا الله إلى أنه كان حنيفاً مسلماً، وكذلك اختلفوا في عيسى ﷺ ؛ فهدانا الله لجميع ذلك على الحق(٦٢) بمحمد ﷺ " (٦٣).
وهذا عند أكثر أهل العلم فيه قلب، والمعنى : فهدى الله الذين(٦٤) آمنوا للحق مما اختلفوا فيه، كما قال :
كَانَ الزِّنَا فَرِيضَةَ الرَّجْمِ(٦٥).
فالهداية إنما هي(٦٦) للحق، ولم(٦٧) يهدهم للاختلاف(٦٨).
وظاهر الآية يعطي الهداية للاختلاف لأنه قال :( فَهَدَى اللَّهُ الذِينَ ءَامَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الحَقِّ(٦٩) ). ولكن الكلام فيه قلب أتى على لغة العرب وعادتها في كلامها. وهذا قول الطبري واختياره(٧٠).
وقد قيل : إن المعنى : إن الله هداهم للاختلاف أنه(٧١) باطل، فآمنوا بما كفر(٧٢) به غيرهم.
١ - في ح: واحده، وهو تصحيف..
٢ - في ع٣: والأمة..
٣ - انظر: المحرر الوجيز ٢/١٥٢، وتفسير القرطبي ٣/٣٠، وتفسير ابن كثير ١/٢٥٠..
٤ - في ق: نوح..
٥ - في ع٣: الأمم..
٦ - في ع٢: نجتمع على جميع. وهو خطأ..
٧ - في ع٢، ع٣: قال الله..
٨ - المائدة آية ٥٠..
٩ - إن هذا التوجيه في جامع البيان ٤/٢٧٦، ومجاز القرآن ١/٧٩، وتفسير الغريب ٨١، ومفردات الراغب ١٩..
١٠ - سقط من ع٣..
١١ - انظر: تفسير القرطبي ٣/٣٠..
١٢ - في ع٢: ابن. وهو خطأ..
١٣ - في ع٣: جمع..
١٤ - في ع٣: ظهر آدم صلى الله عليه وسلم..
١٥ - الأعراف آية ١٧٢..
١٦ - في ع٢: كانوا، وهو تحريف..
١٧ - في ع١، ق: إذا..
١٨ - في ع٢: مبشرين ومنذرين. وفي ع٣: مبشرين منذرين، مبشرين..
١٩ - انظر: جامع البيان ٤/٢٧٨، والمحرر الوجيز ٢/١٥١..
٢٠ - انظر: جامع البيان ٤/٢٧٨، وتفسير القرطبي ٣/٣٠..
٢١ - سقط من ع٢..
٢٢ - انظر: المحرر الوجيز ٢/١٥٢، وعزاه القرطبي في تفسيره ٣/٣١ إلى الكلبي والواقدي..
٢٣ - انظر: جامع البيان ٤/٢٧٨، وتفسير القرطبي ٣/٣١..
٢٤ - سقط قوله: "في التوراة" من ع٢، ع٣..
٢٥ - انظر: هذا التفسير في جامع البيان ٤/٢٨١، وعند ابن مسعود أنهم اختلفوا في محمد صلى الله عليه وسلم. راجع تفسيره ٢/١٠٩..
٢٦ - في ح، ق: الحج، وهو تحريف..
٢٧ - وهذا التفسير هو معنى قول الربيع في جامع البيان ٤/٢٨٢..
٢٨ - في ع٣: محمد صلى الله عليه وسلم..
٢٩ - سقط من ع١..
٣٠ - في ع٣: لبيت الله الحرام هي قبلة إبراهيم عليه السلام..
٣١ - في ع٢: وهو..
٣٢ - في ح، ع٣: محمد صلى الله عليه وسلم..
٣٣ - في ح: محمد صلى الله عليه وسلم..
٣٤ - في ق: للخلق، وهو تحريف..
٣٥ - قوله: "واختلفوا في الصيام.. من ذلك" ساقط من ع٣..
٣٦ - قوله: "صلى الله عليه وسلم" ساقط من ع٢..
٣٧ - في ع٣: أمة. وهو تصحيف..
٣٨ - في ع١: جعلت..
٣٩ - سقط من ق..
٤٠ - انظر: تفسير القرطبي ٣/٣٢-٣٣، وتفسير ابن كثير ١/٢٥٠، والدر المنثور ١/٥٨٣..
٤١ - سقط من ق..
٤٢ - انظر: اللسان ١/٢٤٢..
٤٣ - في ع٣: أي و..
٤٤ - انظر: هذا التقدير في معاني الأخفش ١/١٧١..
٤٥ - انظر: هذا الاعتراض في جامع البيان ٤/٢٨٢..
٤٦ - في ق: سلم..
٤٧ - في ع٣: الحجدري، وهو تصحيف..
٤٨ - سقط من ع٣..
٤٩ - في ق: لبغي..
٥٠ - في ع٣: بمغفرة، وهو تحريف..
٥١ - في ع٣: الآخرون في الدنيا..
٥٢ - في ع٢: الأول. وفي ع٣: الأولون في الآخرة..
٥٣ - في ع٣: وآتيناه..
٥٤ - في ح، ق: لَما، وهو تحريف..
٥٥ - في ع١، ح: غد..
٥٦ - سقط من ق. وفي ع٢: غد. وفي ع٣: غداً..
٥٧ - انظر: صحيح البخاري ٨/١٩٧، ومسند أبي عوانة ١/١٧٥..
٥٨ - قوله: "ابن زيد" ساقط من ع٣..
٥٩ - في ق: البيت..
٦٠ - في ق: الليلة..
٦١ - قوله: "واختلفوا في الجمعة.. الله له" ساقط من ع٣..
٦٢ - في ق: الحق لجميع..
٦٣ - انظر: المحرر الوجيز ٢/١٥٤، وتفسير القرطبي ٣/٣٢-٣٣..
٦٤ - في ع٣: الذي، وهو خطأ..
٦٥ - ومعناه كان الرجم فريضة الزنا. والبيت للنابغة الجعدي. وصدره: كانَتْ فَرِيضَةً مَا تَقُولُ كَمَا.
انظر: معاني الفراء ١/٩٩، والإنصاف ١/٣٧٣، ومجاز القرآن ١/٣٧٨..

٦٦ - سقط من ق، ع٣..
٦٧ - في ع٢، ع٣: ولم..
٦٨ - انظر: جامع البيان ٤/٢٨٦، ٢٨٧، وفي ق: الاختلاف..
٦٩ - سقط من ع٣..
٧٠ - انظر: المصدر السابق. وفي ع٣: اختاره. وهو تحريف..
٧١ - سقط من ع٢..
٧٢ - في ع١، ق: كفره. وهو خطأ..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى