كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحدادي اليمني

عن الكتاب
قوله عَزَّ وَجَلَّ :﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَآءُ وَالضَّرَّآءُ﴾ ؛ أي أظننتُم أيها المؤمنون أنْ تدخلوا الجنةَ ولم تصبكم صِفَةُ الذين مُحِنُوا من قبلكم ؛ أي ولم تُبْتَلُواْ كما ابْتُلِيَ الذين من قبلكم، ﴿مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَآءُ﴾ أي الشدَّةُ وهي القتلُ، ﴿وَالضَّرَّآءُ﴾ والبلاءُ والفقرُ والمرض. وقيل : البأساء : نقيضُ النعماءِ، والضرَّاء : نقيض السرَّاء.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَزُلْزِلُواْ حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ﴾ ؛ أي حُرِّكُوا وخوِّفوا ﴿حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ﴾ أي جاهدوا حتى قال كلُّ رسولٍ بُعِثَ إلى أمته : متى فتحُ الله ؟ يقول الله تعالى :﴿أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ ؛ يعني ألا إنَّ نصرَ الله لك ولأُمتكَ يا محمدُ قريبٌ عاجلٌ كما نَصَرْتُ الرسلَ قبلك، والمثلُ قد يُذكر بمعنى الصفةِ كما قال الله تعالى :﴿مَّثَلُ الْجَنَّةِ﴾[الرعد: ٣٥] أي صفةُ الجنة، ذهب السديُّ إلى أن هذه الآيةَ نزلت بالمدينةِ يوم الخندق حين اشتدَّت مخافةُ المؤمنين من العدوِّ.
ووجهُ إيصال هذه الآية بما قبلها : أنَّ الله تعالى قالَ فيما تقدَّم :﴿ياأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ ادْخُلُواْ فِي السِّلْمِ كَآفَّةً﴾[البقرة: ٢٠٨] ثم قالَ :﴿فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ﴾[البقرة: ٢١٣]. وكان المسلمون اتَّكَلُواْ على مجرَّد اهتدائهم، فبيَّن اللهُ في هذه الآية أنه لا يجوزُ الاتِّكالُ على مجرَّدِ الإيمان من غير مُكَابَدَةِ ما قَاسَاهُ السلفُ من المؤمنين كما قالَ تعالى :﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُواْ أَن يَقُولُواْ آمَنَّا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ﴾[العنكبوت: ٢].
وأما القراءةُ في قوله تعالى :﴿حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ﴾ من نصبَ فعلَى الأصلِ ؛ لأن ﴿حَتَّى﴾ تنصبُ الفعل. ومن قرأ بالرفعِ أدخلَ (حتى) على جملةِ ما بعده لا على الفعلِ خاصة ؛ كأنه قالَ : حتى الرسولُ يقولُ، فلا يظهرُ عمل (حتى). قال الشاعرُ : فَيَا عَجَبَا حَتَّى كُلَيْبٌ تَسُبُّنِي كَانَ أبَاهَا نَهْشَلٌ أوْ مُجَاشِعُ

تفسير هذه الآية من كتب أخرى