محتويات صفحة تفسير الآية

تجد في هذه الصفحة تفسير الآية ٢١٤ من سورة البقرة في ١١٨ كتابًا من كتب التفسير، ومعاني غريب كلماتها، وإعرابها، وقراءات القراء العشرة فيها، و٢٢ قولًا من التفسير بالمأثور، وما يتصل بها من الموضوعات والوقفات والترجمات.

تفسير الآية ٢١٤ من سورة البقرة

١١٨ كتابًا من كتب التفسير

جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري

عن الكتاب

القول في تأويل قوله تعالى :


﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنّةَ وَلَمّا يَأْتِكُم مّثَلُ الّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم مّسّتْهُمُ الْبَأْسَآءُ وَالضّرّآءُ وَزُلْزِلُواْ حَتّىَ يَقُولَ الرّسُولُ وَالّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ مَتَىَ نَصْرُ اللّهِ أَلآ إِنّ نَصْرَ اللّهِ قَرِيبٌ﴾
وأما قوله : أمْ حَسِبْتُمْ كأنه استفهم ب«أم » في ابتداء لم يتقدمه حرف استفهام لمسبوق كلام هو به متصل، ولو لم يكن قبله كلام يكون به متصلاً، وكان ابتداء لم يكن إلا بحرف من حروف الاستفهام، لأن قائلاً لو كان قال مبتدئا كلاما لآخر : أم عندك أخوك ؟ لكان قائلاً ما لا معنى له ولكن لو قال : أنت رجل مدلّ بقوتك أم عندك أخوك ينصرك ؟ كان مصيبا. وقد بينا بعض هذا المعنى فيما مضى من كتابنا هذا بما فيه الكفاية عن إعادته.
فمعنى الكلام : أم حسبتم أنكم أيها المؤمنون بالله ورسله تدخلون الجنة، ولم يصبكم مثل ما أصاب من قبلكم من أتباع الأنبياء والرسل من الشدائد والمحن والاختبار، فتبتلوا بما ابتلوا واختبروا به من البأساء وهو شدّة الحاجة والفاقة والضرّاء، وهي العلل والأوصاب ولم تزلزلوا زلزالهم، يعني : ولم يصبهم من أعدائهم من الخوف والرعب شدة وجهد حتى يستبطىء القوم نصر الله إياهم، فيقولون : متى الله ناصرنا. ثم أخبرهم الله أن نصره منهم قريب، وأنه معليهم على عدوّهم، ومظهرهم عليه، فنجز لهم ما وعدهم، وأعلى كلمتهم، وأطفأ نار حرب الذين كفروا.
وهذه الآية فيما يزعم أهل التأويل نزلت يوم الخندق، حين لقي المؤمنون ما لقوا من شدة الجهد، من خوف الأحزاب، وشدة أذى البرد، وضيق العيش الذي كانوا فيه يومئذٍ، يقول الله جل وعز للمؤمنين من أصحاب رسول الله ﷺ :«يا أيّها الّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نَعْمَتَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إذْ جاءَتْكُمْ جُنُودٌ فأرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحا وَجُنُودا لَمْ تَرَوْها » إلى قوله : وَإذْ زَاغَتِ الأبْصَارُ وَبَلَغَتِ القُلُوبُ الحَناجِرَ وَتظُنّونَ باللّهِ الظّنُونا هُنالِكَ ابْتُلِيَ المُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَلاً شَدِيدا. ذكر من قال نزلت هذه الآية يوم الأحزاب :
حدثني موسى بن هارون، قال : حدثنا عمرو، قال : حدثنا أسباط، عن السدي : أمْ حَسِبْتُمْ أنْ تَدْخُلُوا الجَنةَ وَلمّا يَأتِكُمْ مَثَلُ الّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَستّهُمُ البَأساءُ وَالضّرّاءُ وَزُلْزِلُوا قال : نزل هذا يوم الأحزاب حين قال قائلهم : ما وَعَدَنا اللّهُ وَرَسُولُهُ إلاّ غُرُورا.
حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله وَلمّا يأتِكُمْ مَثَلُ الّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ، مَسّتْهُمُ البَأساءُ وَالضّرّاءُ وَزُلْزِلُوا قال : نزلت في يوم الأحزاب، أصاب رسول الله ﷺ وأصحابه بلاء وحصر، فكانوا كما قال الله جل وعز : وَبَلغَتِ القُلُوبُ الحَناجِرَ.
وأما قوله : وَلمّا يَأتِكُمْ فإن عامة أهل العربية يتأوّلونه بمعنى : ولم يأتكم، ويزعمون أن ما صلة وحشو، وقد بينت القول في «ما » التي يسميها أهل العربية صلة «ما »، حكمها في غير هذا الموضع بما أغنى عن إعادته.
وأما معنى قوله : مَثَلُ الّذِين خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ فإنه يعني : شبه الذين خلوا فمضوا قبلكم. وقد دللت في غير هذا الموضع على أن المثل الشبه. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثت عن عمار، قال : حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع قوله : أمْ حَسِبْتُمْ أنْ تَدْخُلُوا الجَنّةَ وَلَمّا يَأتِكُمْ مَثَلُ الّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسّتهُمْ البْأسَاءُ وَالضّرّاءُ وَزُلْزِلُوا.
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : حدثني حجاج، عن عبد الملك بن جريج، قال قوله : حتّى يَقُولَ الرّسُولُ وَالّذِين آمَنُوا قال : هو خيرهم وأعلمهم بالله.
وفي قوله : حتى يَقُولَ الرّسُولُ وجهان من القراءة : الرفع، والنصب. ومن رفع فإنه يقول : لما كان يحسن في موضعه «فعل » أبطل عمل «حتى » فيها، لأن «حتى » غير عاملة في «فَعَلَ »، وإنما تعمل في «يفعل »، وإذا تقدمها «فعل » وكان الذي بعدها «يفعل »، وهو مما قد فعل وفرغ منه، وكان ما قبلها من الفعل غير متطاول، فالفصيح من كلام العرب حينئذٍ الرفع في «يفعل » وإبطال عمل «حتى » عنه، وذلك نحو قول القائل : قمت إلى فلان حتى أضربه، والرفع هو الكلام الصحيح في «أضربه »، إذا أراد : قمت إليه حتى ضربته، إذا كان الضرب قد كان وفُرغ منه، وكان القيام غير متطاول المدة. فأما إذا كان ما قبل «حتى » من الفعل على لفظ «فعل » متطاول المدة، وما بعدها من الفعل على لفظ غير منقض، فالصحيح من الكلام نصب «يفعل » وإعمال «حتى »، وذلك نحو قول القائل : ما زال فلان يطلبك حتى يكلمك، وجعل ينظر إليك حتى يثبتك فالصحيح من الكلام الذي لا يصحّ غير النصب ب«حتى »، كما قال الشاعر :
مَطَوْتُ بِهِمْ حتى تَكِلّ مَطِيّهُمْوحتّى الجِيَادُ ما يُقَدْنَ بأرْسانِ
فنصب تكل والفعل الذي بعد حتى ماض، لأن الذي قبلها من المطو متطاول، والصحيح من القراءة إذا كان ذلك كذلك :«وزلزلوا حتى يقولَ الرسول »، نصب يقول، إذ كانت الزلزلة فعلاً متطاولاً، مثل المطو بالإبل. وإنما الزلزلة في هذا الموضع : الخوف من العدوّ، لا زلزلة الأرض، فلذلك كانت متطاولة وكان النصب في «يقول » وإن كان بمعنى «فعل » أفصح وأصحّ من الرفع فيه.
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
قيل: ذلك في كلام العرب موجودٌ مستفيضٌ، والله تبارك وتعالى إنما خاطبَهم بمنطقهم، فمن ذلك قول الشاعر: (١)
كَانَتْ فَرِيضَةُ مَا تَقُول كماكَانَ الزِّنَاءُ فَريضَةَ الرَّجْمِ (٢)
وإنما الرجم فريضة الزنا. وكما قال الآخر:
إنّ سِرَاجًا لَكَرِيمٌ مَفْخَرُهْتَحْلَى به العَيْنُ إذَا مَا تَجْهَرُهْ (٣)
وإنما سراجٌ الذي يحلى بالعين، لا العين بسراج.
* * *
وقد قال بعضهم: إن معنى قوله" فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق"، أن أهلَ الكتب الأوَل اختلفوا، فكفر بعضهم بكتاب بعض، وهي كلها من عند الله، فهدى الله أهلَ الإيمان بمحمد للتصديق بجميعها.
وذلك قولٌ، غير أن الأوّل أصح القولين. لأن الله إنما أخبر باختلافهم في كتاب واحد.
* * *
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ (٢١٤)﴾
قال أبو جعفر: وأما قوله:" أم حسبتم"، كأنه استفهم بـ "أم" في ابتداء لم يتقدمه حرف استفهام، لسبوق كلام هو به متصل، (٤) ولو لم يكن قبله كلام
(١) هو النابغة الجعدي.
(٢) سلف تخريج البيت في ٣: ٣١١، ٣١٢.
(٣) سلف تخريج الشعر في ٣: ٣١٢.
(٤) في المطبوعة: "لمسبوق كلام" وهو فاسد المعنى وذلك أن أحد شروط"أم" في الاستفهام: أن تكون نسقًا في الاستفهام لتقدم ما تقدمها من الكلام (انظر ما سلف ٢: ٤٩٣) وقوله"لسبوق" هذا مصدر لم يرد في كتب اللغة، ولكني رأيت الطبري وغيره يستعمله وسيأتي في نص الطبري بعد ٢: ٢٤٠، ٢٤٦ (بولاق).
يكون به متصلا وكان ابتداءً لم يكن إلا بحرف من حروف الاستفهام; لأن قائلا لو كان قال مبتدئًا كلامًا لآخر:"أم عندك أخوك"؟ لكان قائلا ما لا معنى له. ولكن لو قال:"أنت رجل مُدِلٌّ بقوتك أم عندك أخوك ينصرك؟ " كان مصيبًا. وقد بينَّا بعض هذا المعنى فيما مضى من كتابنا هذا بما فيه الكفاية عن إعادته.
* * *
فمعنى الكلام: أم حسبتم أنكم أيها المؤمنون بالله ورسله تدخلون الجنة، ولم يصبكم مثلُ ما أصاب مَن قبلكم مِن أتباع الأنبياء والرسل من الشدائد والمحن والاختبار، فتُبتلوا بما ابتُلوا واختبروا به من"البأساء"- وهو شدة الحاجة والفاقة ="والضراء" -وهي العلل والأوصاب (١) - ولم تزلزلوا زلزالهم- يعني: ولم يصبهم من أعدائهم من الخوف والرعب شدة وجهدٌ حتى يستبطئ القوم نصر الله إياهم، فيقولون: متى الله ناصرنا؟ ثم أخبرهم الله أن نصره منهم قريبٌ، وأنه مُعليهم على عدوِّهم، ومظهرهم عليه، فنجَّز لهم ما وعدهم، وأعلى كلمتهم، وأطفأ نار حرب الذين كفروا.
* * *
وهذه الآية - فيما يزعم أهل التأويل- نزلت يومَ الخندق، حين لقي المؤمنون ما لَقوا من شدة الجهد، من خوف الأحزاب، وشدة أذى البرد، وضيق العيش الذي كانوا فيه يومئذ، يقول الله جل وعز للمؤمنين من أصحاب رسول الله ﷺ (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا) إلى قوله: (وَإِذْ زَاغَتِ الأبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالا شَدِيدًا) [الأحزاب: ٩-١١]
(١) انظر معنى"البأساء والضراء" فيما سلف ٣: ٣٤٩- ٣٥٢.
* ذكر من قال نزلت هذه الآية يوم الأحزاب:
٤٠٦٤ - حدثني موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو، قال: حدثنا أسباط، عن السدي:" أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا"، قال: نزل هذا يوم الأحزاب حين قال قائلهم:" ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا" [الأحزاب: ١٢]
٤٠٦٥ - حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله:" ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مسَّتهم البأساءُ والضراء وزلزلوا"، قال: نزلت في يوم الأحزاب، أصاب رسولَ الله ﷺ وأصحابه بلاءٌ وحصرٌ، فكانوا كما قال الله جل وعزّ: (وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ)
* * *
وأما قوله:" ولما يأتكم"، فإنّ عامة أهل العربية يتأوّلونه بمعنى: ولم يأتكم، ويزعمون أن"ما" صلة وحشو، وقد بينت القول في"ما" التي يسميها أهل العربية"صلة"، ما حكمها؟ في غير هذا الموضع بما أغنى عن إعادته. (١)
* * *
وأما معنى قوله:" مثل الذين خلوا من قبلكم"، فإنه يعني: شبه الذين خلوا فمضوا قبلكم. (٢)
* * *
وقد دللت في غير هذا الموضع على أن"المثل"، الشبه. (٣)
* * *
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك:
(١) انظر ما سلف ١: ٤٠٥، ٤٠٦/ ثم ٢: ٢٣٠، ٣٣١. وقوله: "صلة" أي زيادة، كما سلف شرحها مرارا، فاطلبها في فهرس المصطلحات.
(٢) انظر تفسير"خلا" فيما سلف ٣: ١٠٠، ١٢٨، ١٢٩.
(٣) انظر ما سلف: ١: ٤٠٣.
٤٠٦٦ - حدثت عن عمار، قال: حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع قوله:" أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا"... (١)
٤٠٦٧ - حدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثني حجاج، عن عبد الملك بن جريج، قال قوله:" حتى يقول الرسول والذين آمنوا"، قال: هو خيرُهم وأعلمهم بالله.
* * *
وفي قوله:" حتى يقول الرسول"، وجهان من القراءة: الرفع، والنصب. ومن رفع فإنه يقول: لما كان يحسُن في موضعه"فعَل" أبطل عمل"حتى" فيها، لأن"حتى" غير عاملة في"فعل"، وإنما تعمل في"يفعل"، وإذا تقدمها"فعل"، وكان الذي بعدها"يفعل"، وهو مما قد فُعل وفُرغ منه، وكان ما قبلها من الفعل غير متطاول، فالفصيح من كلام العرب حينئذ الرفع في"يفعل" وإبطال عمل"حتى" عنه، وذلك نحو قول القائل:" قمت إلى فلان حتى أضربُه"، والرفع هو الكلام الصحيح في"أضربه"، إذا أراد: قمت إليه حتى ضربته، إذا كان الضرب قد كانَ وفُرغ منه، وكان القيام غيرَ متطاول المدة. فأمَّا إذا كان ما قبل"حتى" من الفعل على لفظ"فعل" متطاول المدة، وما بعدها من الفعل على لفظ غير منقضٍ، فالصحيح من الكلام نصب"يفعل"، وإعمال"حتى"، وذلك نحو قول القائل:"ما زال فلان يطلبك حتى يكلمك = وجعل ينظر إليك حتى يثبتك"، فالصحيح من الكلام - الذي لا يصح غيره- النصبُ بـ "حتى"، كما قال الشاعر: (٢)
مَطَوْتُ بِهِمْ حَتَّى تَكِلَّ مَطِيُّهمْوَحَتَّى الجِيَادُ مَا يُقَدْنَ بِأَرْسَانِ (٣)
(١) الأثر: ٤٠٦٦ - هذا أثر ناقص، ولم أجد تمامه في مكان آخر.
(٢) هو امرؤ القيس.
(٣) ديوانه: ١٨٦، ومعاني القرآن للفراء ١: ١٣٣ وسيبويه ١: ٤١٧/ ٢: ٢٠٣، ورواية سيبويه: "سريت بهم" وفي الموضع الثاني منه روى: "حَتَّى تَكِلَّ غَزِيّهم"
مطا بالقوم يمطو مطوًا: مد بهم وجد في السير. يقول: جد بهم ورددهم في السير حتى كلت مطاياهم فصارت من الإعياء إلى حال لا تحتاج معها إلى أرسان تقاد بها، وصار راكبوها من الكلال إلى إلقاء الأرسان وطرحها على الخيل. لا يبالون من تبعهم وإعيائهم، كيف تسير، ولا إلى أين.

تفسير القرآن العظيم — ابن كثير

عن الكتاب
يقول تعالى :﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ﴾ قبل أن تُبتَلُوا وتختبروا وتمتحنوا، كما فعل بالذين من قبلكم من الأمم ؛ ولهذا قال :﴿وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ﴾ وهي : الأمراض ؛ والأسقام، والآلام، والمصائب والنوائب.
قال ابن مسعود، وابن عباس، وأبو العالية، ومجاهد، وسعيد بن جبير، ومُرّة الهَمْداني، والحسن، وقتادة، والضحاك، والربيع، والسّدي، ومقاتل بن حَيّان :﴿الْبَأْسَاءُ﴾ الفقر. قال ابن عباس :﴿وَالضَّرَّاءُ﴾ السّقم.
﴿وَزُلْزِلُوا﴾ خَوْفًا من الأعداء زلْزالا شديدًا، وامتحنوا امتحانًا عظيمًا، كما جاء في الحديث الصحيح عن خَبَّاب بن الأرَتّ قال : قلنا : يا رسول الله، ألا تستنصر لنا ؟ ألا تدعو الله لنا ؟ فقال :" إنّ من كان قبلكم كان أحدهم يوضع المنشار على مفْرَق رأسه فيخلص إلى قدميه، لا يَصْرفه(١) ذلك عن دينه، ويُمْشَطُ بأمشاط الحديد ما بين لحمه وعظمه، لا يصرفه ذلك عن دينه ". ثم قال :" والله ليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه، ولكنكم قوم تستعجلون ".
وقال الله تعالى :﴿الم* أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ* وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ [العنكبوت: ١ - ٣].
وقد حصل من هذا(٢) جانب عظيم للصحابة، رضي الله عنهم، في يوم الأحزاب، كما قال الله تعالى :﴿إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الأبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا* هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالا شَدِيدًا* وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلا غُرُورًا﴾ الآيات [الأحزاب: ١٠ - ١٢].
ولما سأل هرقلُ أبا سفيان : هل قاتلتموه ؟ قال : نعم. قال : فكيف كان(٣) الحرب بينكم ؟ قال : سِجَالا يدال علينا ونُدَال عليه. قال : كذلك الرسل تُبْتَلى، ثم تكون لها العاقبة(٤) (٥).
وقوله :﴿مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ أي : سنتهم. كما قال تعالى :﴿فَأَهْلَكْنَا أَشَدَّ مِنْهُمْ بَطْشًا وَمَضَى مَثَلُ الأوَّلِينَ﴾ [الزخرف: ٨].
وقوله :﴿وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ﴾ أي : يستفتحون على أعدائهم، ويَدْعون بقُرْب الفرج والمخرج، عند ضيق الحال والشدة. قال الله تعالى :﴿أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ كما قال :﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ [الشرح: ٥، ٦].
وكما تكون الشدة ينزل من النصر(٦) مثلُها ؛ ولهذا قال تعالى :﴿أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ وفي حديث أبي رَزين :" عَجب ربّك(٧) من قُنُوط عباده، وقُرْب غيثه(٨) فينظر إليهم قَنطين، فيظل يضحك، يعلم أنّ فرجهم(٩) قريب " الحديث(١٠).
١ في ط: "لا يفتنه"..
٢ في أ: "من ذلك"..
٣ في أ، و: "فكيف كانت"..
٤ في أ: "الرجل يبتلى ثم تكون له العاقبة"..
٥ حديث هرقل رواه البخاري في صحيحه برقم (٧)..
٦ في أ، و: "الصبر"..
٧ في أ: "عجب ربكم"..
٨ في أ: "وقرب خيره"..
٩ في أ: "أن فرجكم"..
١٠ رواه ابن ماجة في السنن برقم (١٨١) من طريق يعلى بن عطاء، عن وكيع بن عدس، عن أبي رزين به، وقال البوصيري في الزوائد (١/٨٥): "هذا إسناد فيه مقال"..
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
خَلْقِهِ ﴿إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ أَيْ: وَلَهُ الْحُكْمُ (١) وَالْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ. وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ عَنْ عَائِشَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ يُصَلِّي يَقُولُ: "اللَّهُمَّ، رَبَّ جِبْرِيلَ وَمِيكَائِيلَ وَإِسْرَافِيلَ، فَاطِرَ السموات وَالْأَرْضِ، عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ أَنْتَ تَحْكُمُ (٢) بَيْنَ عِبَادِكَ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ، اهْدِنِي لِمَا اختلفَ فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِكَ، إِنَّكَ تَهْدِي مَنْ تَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ" (٣). وَفِي الدُّعَاءِ الْمَأْثُورِ: اللَّهُمَّ، أَرِنَا الْحَقَّ حَقّا وَارْزُقْنَا اتِّبَاعَهُ، وَأَرِنَا الْبَاطِلَ بَاطِلًا وَوَفِّقْنَا لِاجْتِنَابِهِ، وَلَا تَجْعَلْه مُلْتَبِسًا عَلَيْنَا فَنَضِلَّ، وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا.
﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ (٢١٤)﴾
يَقُولُ تَعَالَى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ﴾ قَبْلَ أَنْ تُبتَلُوا وَتُخْتَبَرُوا وَتُمْتَحَنُوا، كَمَا فُعِلِ بِالَّذِينِ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْأُمَمِ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ﴾ وَهِيَ: الْأَمْرَاضُ؛ وَالْأَسْقَامُ، وَالْآلَامُ، وَالْمَصَائِبُ وَالنَّوَائِبُ.
قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وَابْنُ عَبَّاسٍ، وَأَبُو الْعَالِيَةِ، وَمُجَاهِدٌ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، ومُرّة الهَمْداني، وَالْحَسَنُ، وَقَتَادَةُ، وَالضَّحَّاكُ، وَالرَّبِيعُ، وَالسُّدِّيُّ، وَمُقَاتِلُ بْنُ حَيّان: ﴿الْبَأْسَاءُ﴾ الْفَقْرُ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿وَالضَّرَّاءُ﴾ السَّقَمُ.
﴿وَزُلْزِلُوا﴾ خَوْفًا مِنَ الْأَعْدَاءِ زلْزالا شَدِيدًا، وَامْتُحِنُوا امْتِحَانًا عَظِيمًا، كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ عَنْ خَبَّاب بْنِ الأرَتّ قَالَ: قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَلَا تَسْتَنْصِرُ لَنَا؟ أَلَا تَدْعُو اللَّهَ لَنَا؟ فَقَالَ: "إِنَّ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ كَانَ أَحَدُهُمْ يُوضَعُ الْمِنْشَارُ عَلَى مفْرَق رَأْسِهِ فَيَخْلُصُ إِلَى قَدَمَيْهِ، لَا يَصْرفه (٤) ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ، ويُمْشَطُ بِأَمْشَاطِ الْحَدِيدِ مَا بَيْنَ لَحْمِهِ وَعَظْمِهِ، لَا يَصْرِفُهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ". ثُمَّ قَالَ: "وَاللَّهِ لَيُتِمَّنَّ اللَّهُ هَذَا الْأَمْرَ حَتَّى يَسِيرَ الرَّاكِبُ مِنْ صَنْعَاءَ إِلَى حَضْرَمَوْتَ لَا يَخَافُ إِلَّا اللَّهَ وَالذِّئْبَ عَلَى غَنَمِهِ، وَلَكِنَّكُمْ قَوْمٌ تَسْتَعْجِلُونَ".
وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿الم* أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ* وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ [الْعَنْكَبُوتِ: ١ -٣].
وَقَدْ حَصَلَ مِنْ هَذَا (٥) جَانِبٌ عَظِيمٌ لِلصَّحَابَةِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، فِي يَوْمِ الْأَحْزَابِ، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الأبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا* هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالا شَدِيدًا* وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلا غُرُورًا﴾
(١) في و: "وله الحكمة".
(٢) في أ: "أنت الحكيم".
(٣) صحيح مسلم برقم (٧٧٠).
(٤) في ط: "لا يفتنه".
(٥) في أ: "من ذلك".

تيسير الكريم الرحمن — السعدي

عن الكتاب
أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ ( ٢١٤ ).
يخبر تبارك وتعالى أنه لا بد أن يمتحن عباده بالسراء والضراء والمشقة كما فعل بمن قبلهم، فهي سنته الجارية، التي لا تتغير ولا تتبدل، أن من قام بدينه وشرعه، لا بد أن يبتليه، فإن صبر على أمر الله، ولم يبال بالمكاره الواقفة في سبيله، فهو الصادق الذي قد نال من السعادة كمالها، ومن السيادة آلتها.
ومن جعل فتنة الناس كعذاب الله، بأن صدته المكاره عما هو بصدده، وثنته المحن عن مقصده، فهو الكاذب في دعوى الإيمان، فإنه ليس الإيمان بالتحلي والتمني، ومجرد الدعاوى، حتى تصدقه الأعمال أو تكذبه.
فقد جرى على الأمم الأقدمين ما ذكر الله عنهم ( مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ ) أي : الفقر ( وَالضَّرَّاءُ ) أي : الأمراض في أبدانهم ( وَزُلْزِلُوا ) بأنواع المخاوف من التهديد بالقتل، والنفي، وأخذ الأموال، وقتل الأحبة، وأنواع المضار حتى وصلت بهم الحال، وآل بهم الزلزال، إلى أن استبطأوا نصر الله مع يقينهم به.
ولكن لشدة الأمر وضيقه قال ( الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ ).
فلما كان الفرج عند الشدة، وكلما ضاق الأمر اتسع، قال تعالى :( أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ ) فهكذا كل من قام بالحق فإنه يمتحن.
فكلما اشتدت عليه وصعبت، إذا صابر وثابر على ما هو عليه انقلبت المحنة في حقه منحة، والمشقات راحات، وأعقبه ذلك، الانتصار على الأعداء وشفاء ما في قلبه من الداء، وهذه الآية نظير قوله تعالى : أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ.
وقوله [ تعالى :] الم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ فعند الامتحان، يكرم المرء أو يهان.
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
{٢١٤} ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾.
يخبر تبارك وتعالى أنه لا بد أن يمتحن عباده بالسراء والضراء والمشقة كما فعل بمن قبلهم، فهي سنته الجارية، التي لا تتغير ولا تتبدل، أن من قام بدينه وشرعه، لا بد أن يبتليه، فإن صبر على أمر الله، ولم يبال بالمكاره الواقفة في سبيله، فهو الصادق الذي قد نال من السعادة كمالها، ومن السيادة آلتها.
ومن جعل فتنة الناس كعذاب الله، بأن صدته المكاره عما هو بصدده، وثنته المحن عن مقصده، فهو الكاذب في دعوى الإيمان، فإنه ليس الإيمان بالتحلي والتمني، ومجرد الدعاوى، حتى تصدقه الأعمال أو تكذبه.
فقد جرى على الأمم الأقدمين ما ذكر الله عنهم ﴿مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ﴾ أي: الفقر ﴿وَالضَّرَّاءُ﴾ أي: الأمراض في أبدانهم ﴿وَزُلْزِلُوا﴾ بأنواع المخاوف من التهديد بالقتل، والنفي، وأخذ الأموال، وقتل الأحبة، وأنواع المضار حتى وصلت بهم الحال، وآل بهم الزلزال، إلى أن استبطأوا نصر الله مع يقينهم به.
ولكن لشدة الأمر وضيقه قال ﴿الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ﴾.
فلما كان الفرج عند الشدة، وكلما ضاق الأمر اتسع، قال تعالى: ﴿أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ فهكذا كل من قام بالحق فإنه يمتحن.
فكلما اشتدت عليه وصعبت، إذا صابر وثابر على ما هو عليه انقلبت المحنة في حقه منحة، والمشقات راحات، وأعقبه ذلك، الانتصار على الأعداء وشفاء ما في قلبه من الداء، وهذه الآية نظير قوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾.
وقوله [تعالى:] ﴿الم أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ فعند الامتحان، يكرم المرء أو يهان.
جميع كتب التفسير لهذه الآية (١١٨ كتابًا)
جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري تفسير القرآن العظيم — ابن كثير تفسير القرآن العظيم — ابن كثير تيسير الكريم الرحمن — السعدي تيسير العلي القدير لاختصار تفسير ابن كثير — محمد نسيب الرفاعي أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير — أبو بكر الجزائري التفسير الميسر — مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور — حكمت بشير ياسين المختصر في تفسير القرآن الكريم — مركز تفسير للدراسات القرآنية غريب القرآن — زيد بن علي تفسير مقاتل بن سليمان — مقاتل بن سليمان معاني القرآن — الفراء معاني القرآن للفراء — الفراء مجاز القرآن — أبو عبيدة معمر بن المثنى مجاز القرآن — أبو عبيدة تفسير القرآن — الصنعاني غريب القرآن — ابن قتيبة الدِّينَوري تفسير التستري — سهل التستري معاني القرآن وإعرابه للزجاج — الزجاج تفسير ابن أبي حاتم — ابن أبي حاتم الرازي تأويلات أهل السنة — أبو منصور المَاتُرِيدي بحر العلوم — أبو الليث السمرقندي تفسير القرآن العزيز — ابن أبي زَمَنِين الكشف والبيان عن تفسير القرآن — الثعلبي الهداية الى بلوغ النهاية — مكي بن أبي طالب النكت والعيون — الماوردي النكت والعيون — الماوردي تفسير القشيري — القشيري لطائف الإشارات — القشيري التفسير البسيط — الواحدي الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — الواحدي تفسير السمعاني — أبو المظفر السمعاني تفسير الراغب الأصفهاني — الراغب الأصفهاني معالم التنزيل — البغوي معالم التنزيل — البغوي الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — الزمخشري المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز — ابن عطية إيجاز البيان عن معاني القرآن — بيان الحق النيسابوري تذكرة الاريب في تفسير الغريب — ابن الجوزي زاد المسير في علم التفسير — ابن الجوزي مفاتيح الغيب — فخر الدين الرازي أنوار التنزيل وأسرار التأويل — البيضاوي مدارك التنزيل وحقائق التأويل — أبو البركات النسفي التسهيل لعلوم التنزيل — ابن جُزَيِّ لباب التأويل في معاني التنزيل — الخازن البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي النهر الماد من البحر المحيط — أبو حيان الأندلسي الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحداد اليمني كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحداد اليمني تفسير ابن عرفة — ابن عرفة تفسير ابن عرفة — ابن عرفة التبيان في تفسير غريب القرآن — ابن الهائم تنوير المقباس من تفسير ابن عباس — الفيروزآبادي غرائب القرآن ورغائب الفرقان — نظام الدين القمي النيسابوري تفسير الجلالين — المَحَلِّي الجواهر الحسان في تفسير القرآن — الثعالبي نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — برهان الدين البقاعي جامع البيان في تفسير القرآن — الإيجي محيي الدين الدر المنثور في التأويل بالمأثور — السُّيوطي الدر المنثور في التأويل بالمأثور — السُّيوطي الصراط المستقيم في تبيان القرآن الكريم — الكَازَرُوني فتح الرحمن بكشف ما يلتبس في القرآن — زكريا الأنصاري فتح الرحمن في تفسير القرآن — مجير الدين العُلَيْمي السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير — الشربيني إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم — أبو السعود روح البيان — إسماعيل حقي التفسير المظهري — المظهري البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — ابن عجيبة البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — ابن عجيبة التفسير المظهري — محمد ثناء الله المظهري حاشية الصاوي على تفسير الجلالين — الصاوي فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني فتح البيان في مقاصد القرآن — صديق حسن خان محاسن التأويل — جمال الدين القاسمي روح المعاني — الألوسي تفسير المنار — محمد رشيد رضا تفسير المنار — رشيد رضا تفسير المراغي — أحمد بن مصطفى المراغي تفسير المراغي — المراغي المصحف المفسّر — فريد وجدي التفسير القرآني للقرآن — عبد الكريم يونس الخطيب تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد — ابن عاشور زهرة التفاسير — محمد أبو زهرة زهرة التفاسير — أبو زهرة بيان المعاني — ملا حويش أوضح التفاسير — محمد عبد اللطيف الخطيب إعراب القرآن وبيانه — محيي الدين الدرويش التفسير الحديث — محمد عزة دروزة التفسير الحديث — دروزة تيسير التفسير — إبراهيم القطان تيسير التفسير — إبراهيم القطان صفوة البيان لمعاني القرآن — حسنين مخلوف الموسوعة القرآنية — إبراهيم الإبياري تفسير الشعراوي — الشعراوي تفسير الشعراوي — الشعراوي تفسير القرآن الكريم — ابن عثيمين تفسير القرآن الكريم — عبد الله محمود شحاتة التفسير الوسيط — محمد سيد طنطاوي التفسير المنير — وهبة الزحيلي التفسير الوسيط — وهبة الزحيلي حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن — محمد الأمين الهرري فتح الرحمن في تفسير القرآن — تعيلب التفسير الشامل — أمير عبد العزيز الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور — بشير ياسين التفسير الميسر — التفسير الميسر المنتخب في تفسير القرآن الكريم — المنتخب أيسر التفاسير — أسعد حومد التفسير الميسر — مجموعة من المؤلفين التفسير الواضح — محمد محمود حجازي المنتخب في تفسير القرآن الكريم — مجموعة من المؤلفين تفسير غريب القرآن - الكواري — كَامِلَة بنت محمد الكَوارِي صفوة التفاسير — محمد علي الصابوني كتاب نزهة القلوب — أبى بكر السجستاني كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحدادي اليمني مختصر تفسير ابن كثير — محمد علي الصابوني معاني الكلمات من كتاب السراج في بيان غريب القرآن — محمد الخضيري

غريب الكلمات ومعانيها

معاني الكلمات الغريبة في الآية

السراج في بيان غريب القرآن
الْبَاسَاءُ
الفَقْرُ.
وَالضَّرَّاءُ
المَرَضُ.

إعراب الآية ٢١٤ من سورة البقرة

من كتاب: إعراب القرآن

قول أهل التفسير في المعنى، والتقدير في العربية: كان الناس أمة واحدة فاختلفوا فبعث الله النبيين ودلّ على هذا الحذف وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ أي كان الناس على دين الحق فاختلفوا. فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ أي «مبشّرين» من أطاع و «منذرين» من عصى وهما نصب على الحال. وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتابَ الكتاب بمعنى الكتب. لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ نصب بإضمار أن وهو مجاز مثل هذا كِتابُنا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ [الجاثية: ٢٩]، وقرأ عاصم الجحدري لِيَحْكُمَ شاذة لأنه قد تقدّم ذكر الكتاب. وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ موضع الذين رفع بفعلهم والذين اختلفوا فيه هم المخاطبون. فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ قال أبو جعفر: قد ذكرنا قول أهل التفسير فيه وربما أعدنا الشيء مما تقدّم لنزيده شرحا أو لنختار منه قولا. فمن أحسن ما قيل فيه: إن المعنى فهدى الله الذين آمنوا بأن بيّن لهم الحقّ مما اختلفت فيه من كان قبلهم، فأمّا الحديث «في يوم الجمعة فهم لنا تبع» «١» فمعناه فعليهم أن يتّبعونا لأن هذه الشريعة ناسخة لشرائعهم. قال أبو إسحاق «٢» : معنى بإذنه بعلمه. قال أبو جعفر: وهذا غلط وإنما ذلك الإذن والمعنى والله أعلم بأمره وإذا أذنت في الشيء فكأنك قد أمرت به أي فهدى الله الذين آمنوا بأن أمرهم بما يجب ن يستعملوه.

[سورة البقرة (٢) : آية ٢١٤]

أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْساءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ (٢١٤)
أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْ تقوم مقام المفعولين: وَلَمَّا يَأْتِكُمْ حذفت الياء للجزم وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ «٣» هذه قراءة أهل الحرمين، وقرأ أهل الكوفة والحسن وابن أبي إسحاق وأبو عمرو حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ بالنصب وهو اختيار أبي عبيد وله في ذلك حجّتان: إحداهما عن أبي عمرو: قال: «زلزلوا» فعل ماض و «يقول» فعل مستقبل فلما اختلفا كان الوجه النصب، والحجة الأخرى حكاها عن الكسائي، قال: إذا تطاول الفعل الماضي صار بمنزلة المستقبل. قال أبو جعفر: أما الحجّة الأولى بأنّ «زلزلوا» ماض و «يقول» مستقبل فشيء ليس فيه علّة الرفع ولا النصب لأن حتّى ليست من حروف العطف في الأفعال ولا هي البتّة من عوامل الأفعال وكذا قال الخليل وسيبويه «٤» : في نصبهم ما بعدها على إضمار «أن» إنما حذفوا أن لأنهم قد علموا أن حتى من عوامل الأسماء هذا معنى قولهما، وكأن هذه الحجة غلط وإنما تتكلم بها في
(١) أخرجه الطبري في تفسيره ٢/ ٣٣٨.
(٢) انظر إعراب القرآن ومعانيه للزجاج ٢٤٧، والبحر المحيط ٢/ ١٤٧.
(٣) انظر التيسير ٦٨.
(٤) انظر الكتاب ٣/ ١٦، والإنصاف مسألة ٨٣.
الإعراب الكامل من جميع الكتب مع تحليل الكلمات ←

سبب نزول الآية ٢١٤ من سورة البقرة

من كتاب: أسباب نزول القرآن - الواحدي

قوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ﴾ الآية. [٢١٤].
قال قتادة والسُّدِّي: نزلت هذه الآية في غزوة الخندق حين أصاب المسلمين ما أصابهم من الجهد والشدة والحر [والخوف] والبرد وضيق العيش وأنواع الأذى، وكان كما قال الله تعالى: ﴿وَبَلَغَتِ ٱلْقُلُوبُ ٱلْحَنَاجِرَ﴾.
وقال عطاء: لما دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأصحابه المدينة اشتد الضر عليهم لأنهم خرجوا بلا مال وتركوا ديارهم وأموالهم بأيدي المشركين، وآثروا رضا الله ورسوله، وأظهرت اليهود العداوة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وأَسَرَّ قومٌ من الأغنياء النفاق، فأنزل الله تعالى تطييباً لقلوبهم ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ﴾ الآية.

القراءات في الآية ٢١٤ من سورة البقرة

اختلاف القراء العشرة في كلمات الآية

حَتَّى يَقُولَ

(يقولُ) برفع اللام

ورش عن نافع قالون عن نافع

(يقولَ) بنصب اللام

إدريس عن خلف إسحاق عن خلف روح عن يعقوب رويس عن يعقوب ابن جمّاز عن أبي جعفر ابن وردان عن أبي جعفر الدوري عن الكسائي أبو الحارث عن الكسائي خلاد عن حمزة خلف عن حمزة حفص عن عاصم شعبة عن عاصم ابن ذكوان عن ابن عامر هشام عن ابن عامر السوسي عن أبي عمرو الدوري عن أبي عمرو قنبل عن ابن كثير البزي عن ابن كثير
صفحة القراءات الكاملة لهذه الآية ←

الموضوعات القرآنية للآية ٢١٤ من سورة البقرة

٨ موضوعات تتناولها هذه الآية

أقوال المفسرين في الآية — التفسير بالمأثور

٢٢ قولًا من موسوعة التفسير بالمأثور

تفسير

١١ قولًا
١
عن قتادة بن دِعامة، ﴿مثل الذين خلوا﴾، يقول: سنَن الذين خَلَوا ﴿من قبلكم﴾١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى عبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم.
٢
عن الربيع بن أنس -من طريق أبي جعفر- قوله: ﴿ولَمّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُمْ﴾ يقول: سنن الذين من قبلكم، ﴿مَسَّتْهُمُ البَأْساءُ والضَّرّاءُ وزلزلوا﴾١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٣‏/‏٦٣٨، وابن أبي حاتم ٢‏/‏٣٧٩ (١٩٩٨).
٣
قال مقاتل بن سليمان: يقول الله عز وجل: ﴿ولَمّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ﴾ يعني: سنة ﴿الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُمْ﴾ من البلاء، يعني: مؤمني الأمم الخالية١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ١‏/‏١٨٢.
٤
عن مُفَضَّلِ بن فضالة المصري، قال: سألت أبا صخر [الخراط حميد بن زياد] عن قوله: ﴿ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم﴾. يقول: ولَمْ أضرِبْكم ببلايا كما بَلَوْتُ الذين مِن قبلكم١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ٢‏/‏٣٧٩ (١٩٩٧).
٥
قال الحسن البصري: وذلك أنّ الله وعدهم النصر والظهور، فاستبطئوا ذلك؛ لِما وصَل إليهم من الشِّدَّة، فأخبر الله النبي عليه السلام والمؤمنين بأنّ مَن مضى قبلكم من الأنبياء والمؤمنين كان إذا بلغ البلاءُ منهم هذا عجَّلت لهم نصري؛ فإذا ابتُلِيتُم أنتم بذلك أيضًا فأَبْشِروا؛ فإنّ نصري قريب١
التخريج
  1. ١ذكره يحيى بن سلام -كما في تفسير ابن أبي زمنين ١‏/‏٢١٦-.
٦
عن قتادة بن دِعامة -من طريق شَيْبان-: ﴿حتى يقول الرسول﴾ خيرُهم وأصبَرُهم وأعلمُهم بالله: ﴿متى نصر الله ألا إن نصر الله قريب﴾، فهذا هو البلاء، والنقص الشديد، ابتلى الله به الأنبياء والمؤمنين قبلكم؛ لِيَعْلمَ أهلَ طاعته مِن أهلِ معصيته١٢
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ٢‏/‏٣٨٠. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد، وابن المنذر.
تعليقات المحققين
  1. ٢اخْتار ابنُ عطية (١/٥١٦) أنّ الكلام إلى آخر الآية من قول الرسول والمؤمنين، مستندًا للسياق، فقال: «وأكثر المتأولين على أنّ الكلام إلى آخر الآية من قول الرسول والمؤمنين، ويكون ذلك من قول الرسول على طلب استعجال النصر، لا على شَكٍّ ولا ارتياب». ثُمَّ ذكر (١/٥١٧) قولًا لطائفة أخرى قالت: في الكلام تقديم وتأخير، والتقدير: حتى يقول الذين آمنوا متى نصر الله؟ فيقول الرسول: ألا إنّ نصر الله قريب. فقدم الرسول في الرتبة لمكانته، ثم قدم قول المؤمنين لأنه المتقدم في الزمان. وانتَقَدَه، فقال: «وهذا تحُكُّم، وحملُ الكلام على وجهه غيرُ مُتَعَذِّر». ثم أورد احتمالًا آخر، فقال: «ويحتمل أن يكون: ﴿ألا إن نصر الله قريب﴾ إخبارًا من الله تعالى مؤتنفًا بعد تمام ذكر القول».
٧
قال مقاتل بن سليمان: ﴿حَتّى يَقُولَ الرَّسُولُ﴾ وهو اليَسَع ﴿والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾ وهُوَ حِزْقِيا الملِك حين حضر القتال ومَن معه من المؤمنين: ﴿مَتى نَصْرُ اللَّهِ﴾. فقال الله عز وجل: ﴿ألا إنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ يعني: سريع. وإنّ مِيشا بن حِزْقِيا قَتَل اليسع، واسمه أشْعِيا١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ١‏/‏١٨٢.
٨
عن عبد الملك ابن جُرَيْج -من طريق حجاج- قوله: ﴿حتى يقول الرسول والذين آمنوا﴾، قال: هو خيرُهم وأعلمُهم بالله١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٣‏/‏٦٣٨.
٩
عن الربيع بن أنس -من طريق أبي جعفر- قوله: ﴿أمْ حَسِبْتُمْ أنْ تَدْخُلُوا الجَنَّةَ ولَمّا يَأْتِكُمْ﴾، قال: يقول: أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولَمّا تُبْتَلَوْا١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٣‏/‏٦٣٨، وابن أبي حاتم ٢‏/‏٣٧٩ (١٩٩٨).
١٠
قال مقاتل بن سليمان: ثُمَّ بيَّن للمؤمنين أن لا بُدَّ لهم من البلاء والمشقة في ذات الله، فقال سبحانه: ﴿أمْ حَسِبْتُمْ أنْ تَدْخُلُوا الجَنَّةَ﴾. نظيرها فِي آل عمران [١٤٢] قوله سبحانه: ﴿أمْ حَسِبْتُمْ أنْ تَدْخُلُوا الجَنَّةَ ولَمّا يَعْلَمِ اللَّهُ﴾، وفي العنكبوت [١-٢]: ﴿ألم، أحَسِبَ النّاسُ أنْ يُتْرَكُوا أنْ يَقُولُوا آمَنّا وهُمْ لا يُفْتَنُونَ﴾١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ١‏/‏١٨٢، وعَقَّب على ذلك بقوله: وذلك أنّ المنافقين قالوا للمؤمنين في قتال أحد: لِمَ تقتلون أنفسَكم وتهلكون أموالكم؟! فإنه لو كان محمد بيننا لَمْ يُسَلَّط عليكم القتل. فرد المؤمنون عليهم، فقالوا: قال الله: من قُتِل مِنّا دخل الجنة. فقال المنافقون:لِمَ تُمَنُّون أنفسكم بالباطل؟!. فأنزل الله عز وجل يوم أحد: ﴿أمْ حَسِبْتُمْ أنْ تَدْخُلُوا الجَنَّةَ﴾، نزلت في عثمان بن عفّان وأصحابه.
١١
عن مُفَضَّلِ بن فَضالة المصري، قال: سألتُ أبا صخر [الخَرّاط حميد بن زياد] عن قول الله: ﴿أم حسبتم أن تدخلوا الجنة﴾. قال: إنّ الله -تبارك اسمُه- قال للناس: أفحسبتم أن يدخل الجنةَ كلُّ من قال: إني مؤمن، ﴿ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم﴾ يقول: أفحسبتم أن تدخلوا الجنة حتى يصيبكم مثل ما أصيب به الذين من قبلكم من البلايا، حتى أختبرَ فيه أمرَكم، وأنظر فيه إلى صدقكم وطاعتكم في البلاء١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ٢‏/‏٣٧٩ (١٩٩٦).

قراءات

قول واحد
١
قال ابن إدريس في قراءتهم: ﴿وزُلْزِلُواْ﴾: (فَزُلْزِلُوا يَقُولُ حَقِيقَة الرَّسُولِ والَّذِينَ آمَنُوا)١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي داود في المصاحف ١‏/‏٣٠٢ (١٥٢). وهي قراءة شاذة؛ لمخالفتها رسم المصاحف.

تفسير الآية

٥ أقوال
١
عن عبد الله بن عباس -من طريق علي بن أبي طلحة- قال: أخبر اللهُ المؤمنين أنّ الدنيا دار بلاء، وأنّه مبتليهم فيها، وأخبرهم أنّه هكذا فعل بأنبيائه وصفوته؛ لتطيب أنفسُهم، فقال: ﴿مستهم البأساء والضراء﴾ فالبأساء: الفتن. والضراء: السقَمُ، ﴿وزلزلوا﴾ بالفتنِ، وأذى الناسِ إيّاهم١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ٢‏/‏٣٧٩-٣٨٠. وعزاه السيوطي إلى ابن المنذر.
٢
عن عبيد بن عمير -من طريق مجاهد- في قول الله: ﴿مستهم البأساء والضراء﴾، قال: ﴿البأساء﴾: البُؤْس. ﴿والضراء﴾: الضُّرُّ. ثم قال: ﴿السراء﴾: الرَّخاء. والضراء: الشِّدَّة١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه (ت: محمد عوامة) ١٩‏/‏٣١١ (٣٦١٤٨).
٣
عن قتادة بن دِعامة: ﴿مستهم البأساءْ﴾ قالوا: الفقر، ﴿والضراء﴾ قال: السقم، ﴿وزلزلوا﴾ بالفتن، وأذى الناس لهم١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى عبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم. هذا وقد تقدم تفسير البأساء والضراء في قوله تعالى: ﴿والصّابِرِينَ فِي البَأْساءِ والضَّرّاءِ﴾ [البقرة:١٧٧] بما يغني عن إعادته.
٤
قال مقاتل بن سليمان: ثُمَّ أخْبَر عنهم؛ لِيَعِظَ أصحاب النبي ﷺ، فقال سبحانه: ﴿مَسَّتْهُمُ﴾ يعني: أصابتهم ﴿البَأْساءُ﴾ يعني: الشدة، وهي البلاء، ﴿والضَّرّاءُ﴾ يعني: البلاء، ﴿وزُلْزِلُوا﴾ يعني: وخُوِّفوا١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ١‏/‏١٨٢.
٥
عن مُفَضَّلِ بن فضالة المصري، قال: سألت أبا صخر [الخراط، حميد بن زياد] عن قوله: ﴿مَسَّتْهُمُ البَأْساءُ والضَّرّاءُ وزُلْزِلُوا﴾: بلوتهم بالبأساء والضراء، وزُلْزِلُوا١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ٢‏/‏٣٧٩ (١٩٩٧، ٢٠٠١).

آثار متعلقة بالآية

قولانِ
١
عن خَبّاب بن الأَرَتِّ، قال: قلنا: يا رسول الله، ألا تَسْتَنصِرُ لنا؟ ألا تدعو الله لنا؟ فقال: «إنّ مَن كان قبلكم كان أحدُهم يُوضَعُ المِنشار على مَفْرِقِ رأسه، فيَخْلُص إلى قدميه، لا يصرِفُه ذلك عن دينه، ويُمشَطُ بأمشاطِ الحديد ما بين لحمه وعظمه، لا يصرِفُه ذلك عن دينه». ثم قال: «واللهِ، ليَتِمَّن هذا الأمرُ؛ حتى يسير الراكبُ من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا اللهَ والذئبَ على غنمه، ولكنكم تستعجلون»١
التخريج
  1. ١أخرجه البخاري ٤‏/‏٢٠١ (٣٦١٢)، ٥‏/‏٤٥ (٣٨٥٢)، ٩‏/‏٢٠ (٦٩٤٣). وأورده الثعلبي ٤‏/‏٣٤٠.
٢
عن أبي أُمامة، قال: قال رسول الله ﷺ: «إنّ الله لَيُجَرِّبُ أحدَكم بالبلاء، وهو أعلم به، كما يُجَرِّبُ أحدُكم ذهبَه بالنار؛ فمنهم من يخرج كالذهب الإبْرِيز١، فذلك الذي نَجّاه الله من السَّيِّئات، ومنهم من يخرج كالذهب الأسود، فذلك الذي افْتُتِن»٢
التخريج
  1. ١الإبْرِيز: الخالص. لسان العرب (برز).
  2. ٢أخرجه الحاكم ٤‏/‏٣٥٠ (٧٨٧٨). قال الحاكم: «هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه». وقال الذهبي في التلخيص: «صحيح». وقال الهيثمي في المجمع ٢‏/‏٢٩١ (٣٧٣١): «رواه الطبراني في الكبير، وفيه عفير بن معدان، وهو ضعيف». وقال الألباني في الضعيفة ١٠‏/‏٧٦٩ (٤٩٩٥): «ضعيف جِدًّا».

نزول الآية

٣ أقوال
١
قال عطاء: لَمّا دخل رسول الله ﷺ وأصحابُه المدينةَ اشتد الضُرُّ عليهم؛ لأنهم خرجوا بغير مال، وتركوا ديارهم وأموالهم بأيدي المشركين، وآثَروا رضا الله ورسوله، وأظهرت اليهودُ العداوةَ لرسول الله ﷺ، وأسَرَّ قومٌ من الأغنياء النفاقَ؛ فأنزل الله تعالى تطييبًا لقلوبهم: ﴿أم حَسِبتُم﴾ الآية١
التخريج
  1. ١تفسير الثعلبي ٢‏/‏١٣٥، وأسباب النزول للواحدي (ت: الفحل) ص١٨٠، وتفسير البغوي ١‏/‏٢٤٥.
٢
عن قتادة بن دِعامة -من طريق مَعْمَر- في قوله: ﴿أم حسبتم﴾ الآية، قال: نزلت في يوم الأحزاب، أصاب النبي ﷺ وأصحابه يومئذ بلاء وحَصْر١
التخريج
  1. ١أخرجه عبد الرزاق ١‏/‏٨٣، وابن جرير ٣‏/‏٦٣٧. وعزاه السيوطي إلى ابن المنذر.
٣
عن إسماعيل السدي -من طريق أسباط- في قوله: ﴿ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم﴾، قال: أصابهم هذا يوم الأحزاب، حتى قال قائلهم: ﴿ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا﴾ [الأحزاب:١٢]١٢
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٣‏/‏٦٣٧، وابن أبي حاتم ٢‏/‏٣٨٠.
تعليقات المحققين
  1. ٢ذكر ابنُ عطية (١/٥١٦) أن هذا القول قاله أكثر المفسرين.
التفسير بالمأثور لسورة البقرة كاملة ←

وقفات تدبرية في الآية ٢١٤ من سورة البقرة

٤٥ وقفةً في هذه الآية

  • أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مسَّتهم البأساءُ والضراء" الأوجاع دربٌ من دروب الجنة .

    — خالد العيد

  • واسي بها قلبك المكلوم على مصائب أمتك {أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء....ألا إن نصر الله قريب}.

    — أبرار فهد القاسم

  • "أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين" سلعة الرحمن غالية لا تنال بالراحة ولا بالتمني لابد من مجاهدة ومصابرة.

    — أبرار فهد القاسم

  • (مستهم البأساء والضراء وزلزلوا) (وزلزلوا) أي : زعزعت ثقتهم وأرعبوا من الناس من يصبر على الضراء ويفشل عند (الزعزعة).

    — عقيل الشمري

  • (مستهم البأساء والضراء وزلزلوا...نصر الله قريب) الزلزلة والزعزعة هي آخر (أسلحة) العدو ، وأول مراحل (الفرج).

    — عقيل الشمري

  • " مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله" اليسر يكون في الساعات الأخيرة من اشتداد العسر.

    — نوال العيد

  • الإيمان سبب في الهداية للحق حال الاختلاف { فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه }.

    — محمد الربيعة

  • "حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله ألا إن نصر الله قريب" حين تثور أسئلة استبطاء الفرج في داخلك فاعلم أن الفرج سيقرع بابك قريبا.

    — عبدالله بلقاسم

  • ﴿ مستهم (البأساء والضراء وزلزلوا) حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله ؟ ألا إن نصر الله قريب﴾ كلما كانت حاجتك أشد كان الفرج أقرب.

    — نايف الفيصل

  • لا تشغل نفسك بـ ﴿متى نصر الله﴾ ؟ فإن نصر الله قريب .. الأهم : هـل أنت على الحق..أو الباطل ؟! يسأل : متى نصر الله ؟ فيجيبه القرآن : قريب ﴿ ألاَ إنّ نصر الله قريب ﴾ .

    — نايف الفيصل

  • ﴿ ...وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله ﴾ اصبر على البلاء...وارض بالقضاء.. فلست بأكرم على الله من رسول الله ﷺ !

    — نايف الفيصل

  • قد يغيب النصر فلا تراه ولا يراه من هو خير منك؛ إلا إنه قريب (حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله ألا إن نصر الله قريب) اللهم نصرك.

    — ابتسام الجابري

و٣٣ وقفةً أخرى لهذه الآية في الوقفات التدبرية.

ترجمات معاني الآية ٢١٤ من سورة البقرة

ترجمة معاني الآية إلى ٦٠ لغةً

(214) Or do you think that you will enter Paradise while such [trial] has not yet come to you as came to those who passed on before you? They were touched by poverty and hardship and were shaken until [even their] messenger and those who believed with him said, "When is the help of Allāh?" Unquestionably, the help of Allāh is near.
— الترجمة الإنجليزية - صحيح انترناشونال