تأويلات أهل السنة — أبو منصور المَاتُرِيدي

عن الكتاب
الآية ٢١٤ وقوله تعالى :( أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ) ؛ قيل : معنى قوله :( أم حسبتم ) على إسقاط أم(١) وقيل :( أم حسبتم ) بمعنى : بل حسبتم.
وقوله :( ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم ) ؛ قيل : شبه، وقيل :( مثل الذين خلوا من قبلكم )، خبر ( الذين خلوا من قبلكم ) وقيل :[ ( مثل الذي خلوا من قبلكم ) سنن ( الذين خلوا من قبلكم ) ](٢) من البلاء والمحن التي أصابت الماضين من المؤمنين.
وقوله :( أم حسبتم ) الآية :( أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ) قبل أن تبتلوا كما ابتلي من قبلكم ؛ أي لا تظنوا ذلك جملة، وإن كان فيها من يدخل، والله أعلم، كقوله تعالى :( أحسب الناس ) [العنكبوت: ٢] [ إلى آخر الآية ](٣).
وقيل : إن القصة فيها(٤) أن المنافقين قالوا للمؤمنين : لم تقتلون أنفسكم /٣٤-أ/ وتهلكون أموالكم ؟ فإنه لو كان محمد نبيا لم نسلط عليه، فقال المؤمنون لهم : إن من قتل منا دخل الجنة، فقالوا : لم تمنون الباطل والبلايا ؟ فأنزل الله تعالى :( أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ) من غير أن تبتلوا، ويصيبكم الشدائد ( ولما يأتيكم ) خبر ( الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء ).
وقوله :( وزلزلوا ) ؛ قيل : حركوا، وقيل : جهدوا.
وقوله :( حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه ) [ يعني : قال الرسول ](٥) ( متى نصر الله ) ؟ ؛ قيل فيه بوجهين : قيل :[ ( يقول الرسول ) ](٦) والمؤمنون جميعا ( متى نصر الله ) ثم يقول الله لهم :( ألا إن نصر الله قريب )، [ وقيل : يقول المؤمنون )متى نصر الله ) ؟ يقول الرسول :( ألا إن نصر الله قريب ) ](٧). ويحتمل هذا في كل رسول بعثه الله إلى أمته ؛ يقول هذا، وأمته يقولون أيضا. ويحتمل أن كان هذا في [ رسول دون رسول ](٨) على ما قاله بعض أهل التأويل : إنه فلان. وليس لنا إلى معرفة ذلك سبيل إلا من جهة السمع، ولا حاجة لنا إلى معرفته.
[ وفي قوله :( أم حسبتم أن تتركوا ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ) [التوبة: ١٦]، وفي قوله :( أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ) [آل عمران: ١٤٢] وجه آخر، وهو أنهم، والله أعلم، ؟ ظنوا لما أتوا بالإيمان أن يدخلوا الجنة، ولا يبتلون بشيء من المحن والفتن وأنواع الشدائد، فأخبر عز وجل أن في الإيمان المحن والشدائد، لا بد منها، كقوله [ عليه السلام ](٩) : " حفت الجنة بالمكاره وحفت النار بالشهوات " [ مسلم : ٢٨٢٢ ]، والله أعلم. كقوله :( الم ) ( أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون ) [ العنكبوت ١ و ٢ ] ؛ ولأن الإيمان من حيث نفسه ليس بشديد، لأنه معرفة حق وقول صدق، ولا فرق بين قول الصدق [ وقول الكذب ](١٠)، ومعرفة الحق [ ومعرفة الباطل ](١١) في احتمال المؤن، والإيمان مخالفة الهوى والطبع ؛ وذلك في أنواع المحن ](١٢)، [ والله أعلم ](١٣).
١ - في الأصل و م: الميم..
٢ - في الأصل و م: سنن (الذين خلوا من قبلكم)، في ط ع: (مثل الذين خلوا من قبلكم)..
٣ - أدرج في ط ع تتمة الآية بدل هذه العبارة..
٤ في النسخ الثلاث: فيه.
٥ -ساقطة من ط ع..
٦ من ط ع..
٧ -من ط ع...
٨ -من ط ع و م..
٩ - من ط ع..
١٠ - من ط ع، في الأصل و م: والكذب..
١١ - من ط ع، في الأصل و م: والباطل..
١٢ - أدرجت هذه العبارة في الأصل وم في آخر تفسير الآية ٢١٥، بعد: وفيه دلالة لزوم نفقة الوالدين والمحارم..
١٣ - من ط ع..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى