الهداية الى بلوغ النهاية — مكي بن أبي طالب

عن الكتاب
قوله :( اَمْ حَسِبْتُمُ أَن تَدْخُلُوا الجَنَّةَ ) الآية [ ٢١٢ ].
" أم " (١) للخروج(٢) من حديث إلى حديث(٣).
وقال الطبري : " أم " للاستفهام، ومعنى اللام " أحسبتم ". قال : وإنما تكون " أم " للاستفهام(٤) إذا(٥) تقدمها كلام، فإن لم يتقدمها كلام لم تقع كذلك " (٦).
قوله :( حَتَّى يَقُولُ الرَّسُولُ ) [ ٢١٢ ].
النصب(٧) فيه على الغاية كأنك قلت : " وزلزلوا إلى أن يقول الرسول ". فيكون الفعلان قد مضيا. ويجوز النصب في غير القرآن على أن الثاني من أجله وقع الأول، كأنك قلت : " كي يقول " (٨)، فالأول حدث كي يكون الثاني، ولا يحسن هذا في الآية(٩).
والرفع في الآية على أن يكون ما بعدها جملة لا تعمل " حتى " فيه، أي " وزلزلوا، فقال الرسول "، ويكون الفعلان أيضاً مضيا(١٠) أي حتى هذه حال(١١) الرسول(١٢)، ويجوز الرفع في الكلام على أن يكون الألف قد مضى، والثاني في الحال ؛ تقول : " سرت حتى أدخلها " أي حتى أنا الآن أدخلها، فالسير مضى(١٣)، والدخول(١٤) الآن، ولا يجوز هذا في الآية(١٥).
وقال أبو عمرو(١٦) : " لما اختلف الفعلان في الآية، كان الوجه في الثاني النصب ".
قوله :( أَلاَ إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ )(١٧) [ ٢١٢ ].
يجوز في " قريب " النصب على أنه نعت لظرف(١٨) محذوف. ولا يثنى(١٩) قريب ولا يجمع ولا يؤنث إلا أن يكون للنسب والقرابة، فيجوز ذلك فيه(٢٠).
ومعنى الآية : أحسبتم أيها المؤمنون أن تدخلوا الجنة(٢١) ولم يصبكم مثل(٢٢) ما أصاب من كان قبلكم من اتباع الأنبياء من الشدائد والخوف حتى قال الرسول والذين معه(٢٣) :( مَتَى نَصْرُ اللَّهِ )، كأنهم استبطأوا النصر فأخبرهم(٢٤) الله(٢٥) تعالى أن/نصر الله قريب(٢٦).
وقيل : إن في الآية تقديماً وتأخيراً وحذفاً للاختصار والتقدير : وزلزلوا حتى يقولوا ؟ ( مَتَى نَصْرُ اللَّهِ )، ويقول لهم/الرسول :( أَلاَ إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ ) استبطأوا النصر وزاد عليهم الخوف، فقالوا : متى نصر الله ؟ فقال لهم الرسول :( أَلاَ إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ )(٢٧).
فقوله :( أَلاَ إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ ) من قول الرسول، وقوله :( مَتَى نَصْرُ اللَّهِ ) من قول المؤمنين من أمة الرسول.
وهذه الآية في قول السدي وقتادة نزلت يوم الخندق حين اشتد على المؤمنين أمر الأحزاب وآذاهم البرد(٢٨) وضيق العيش، وفيه نزل(٢٩) :( يَأَيُّهَا الذِينَ ءَامَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمُ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ ) إلى ( قَدِيراً )(٣٠) [الأحزاب: ٩-٢٧](٣١).
قال السدي :[ اشتد على/المؤمنين الأمر ](٣٢) حتى قال قائلهم :( مَّا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلاَّ غُرُوراً )(٣٣)(٣٤). يريد قاله بعض المنافقين.
( وَالذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَّرَضٌ )(٣٥). أي شك. قالوا(٣٦) ذلك أيضاً/كذلك حكى الله عنهم في سورة الأحزاب. وقيل(٣٧) : " إنها نزلت في المهاجرين إذ تركوا أموالهم ودورهم(٣٨) بمكة، فحكم فيها المشركون، فضاقت بهم(٣٩) الحال في المدينة فَآخَى النبي [ عليه السلام ](٤٠) بينهم وبين الأنصار فَوَاسَوْهُمْ فنزلت الآية تعزية لهم وتصبيراً(٤١).
وذكر وهب بن(٤٢) منبه : " أن سبعين نبياً دفنوا في مسجد الخيف(٤٣)، كلهم ماتوا من الجوع والقمل " (٤٤).
وقال النبي [ ﷺ ](٤٥) : سأل نبي من الأنبياء سعة الرزق فأوحى الله إليه :( أَمَا يَكْفِيكَ أَنِّي عَصَمْتُكَ مِنَ الكُفْرِ ).
فلو رضيَ اللَّهُ الدنيا لأحد من أوليائه ما نال منها الكافر جرعة ماء، ولكن الله لم يجعلها ثواباً لمؤمن(٤٦) ولا عقاباً لكافر.
قوله :( البَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ ) [ ٢١٢ ] الفقر والمرض(٤٧).
وقيل : القتل والفقر.
وقال القتبي(٤٨) : " البأساء : الشدة، والضراء : البلاء " (٤٩).
ومعنى ( وَزُلْزِلُوا ) خوفوا(٥٠) وحركوا(٥١).
وأصله من " زال الشيء من مكانه ". ومعنى " زلزلته " (٥٢) كررت(٥٣) زلزلته(٥٤).
١ - في ع٣: أي أم..
٢ - في ع٢: هي لخروج، وفي ق: لخروج..
٣ - سقط قوله: "إلى حديث" من ق..
٤ - قوله: "ومعنى الكلام... للاستفهام" ساقط من ع٣..
٥ - في ع٣: إذ..
٦ - انظر: جامع البيان ٤/٢٨٧-٢٨٨. وهو أيضاً اختيار الفراء وابن الأنباري. انظر: معاني الفراء ١/١٢٢، والبيان ١/١٤٩..
٧ - وينصب "يقول" قرأ السبعة إلا نافعاً فقد قرأها بالرفع. انظر: كتاب السبعة ١٨١-١٨٢، والكشف ١/٢٨٩، والتبصرة ١٦٠، وكتاب العنوان ٧٣، والحجة ١٣١، والنشر ٢/٢٢٧، وتحبير التيسير ٩١..
٨ - في ع٢، ع٣: تقول. وهو خطأ..
٩ - انظر: هذا التوجيه في إعراب القرآن ١/٢٥٥، ومشكل الإعراب ١/١٢٧، والكشف ١/٢٩٠، والحجة ١٣١..
١٠ - في ع٣: ماضياً. وهو خطأ..
١١ - سقط من ع٣..
١٢ - وهو نفس ما ورد في إعراب القرآن ١/٢٥٦، ومشكل الإعراب ١/١٢٦، والمصدرين السابقين..
١٣ - في ق: مضى. والثاني..
١٤ - سقط حرف الواو من ع٢..
١٥ - انظر: الكتاب ٣/٢٥-٢٦، والمقتضب ٢/٤٢-٤٣، والمصادر السابقة..
١٦ - في ع٢، ع٣: عمر، وهو تحريف..
١٧ - في ع٣: قريباً. وهو خطأ..
١٨ - في ق: الطرف، وهو تصحيف..
١٩ - في ع٢: شيء. وفي ع٣: ثنى..
٢٠ - انظر: هذا التوجيه في: إعراب القرآن ١/٢٥٦، ومشكل الإعراب ١/١٢٧..
٢١ - سقط من ع٣..
٢٢ - سقط من ع٣..
٢٣ - في ق: آمنوا معه..
٢٤ - في ع٢: فأخبر..
٢٥ - سقط لفظ الجلالة "الله" من ع٢، ق..
٢٦ - انظر: معنى الآية في جامع البيان ٤/٢٨٨..
٢٧ - انظر: تفسير القرطبي ٣/٣٥-٣٦..
٢٨ - في ع٢: البر، وهو تحريف..
٢٩ - في ع٣: نزلت..
٣٠ - في ع٢، ع٣: قدير. وهو خطأ..
٣١ - انظر: أسباب النزول ٦٠، ولباب النقول ٤١..
٣٢ - في ع٢: شد على المؤمنين أمر الأحزاب وأذاهم البرد..
٣٣ - الأحزاب آية ١٢..
٣٤ - في ع٢: غرور. وانظر قول السدي في جامع البيان ٤/٢٨٩، والمحرر الوجيز ٢/١٥٥..
٣٥ - الأنفال آية ٤٩..
٣٦ - في ع٢: أي قولوا. وفي ع٣: أي قالوا..
٣٧ - انظر: تفسير القرطبي ٣/٣٤. وهو قول عطاء في أسباب النزول ٦٠..
٣٨ - في ع٣: ديورهم..
٣٩ - في ع٣: به..
٤٠ - في ع٣: صلى الله عليه وسلم..
٤١ - في ع٣: تصبراً..
٤٢ - في ع١، ق، ع٣: ابن..
٤٣ - في ق: الحيف، وهو تصحيف..
٤٤ - انظر: تفسير القرطبي ٣/٣٤..
٤٥ - في ع٢: عليه السلام..
٤٦ - سقط من ق..
٤٧ - انظر: هذا التفسير في تفسير ابن مسعود ٢/١٠٩، وإصلاح الوجوه والنظائر ٦٢..
٤٨ - في ق: القتني. وهو تحريف..
٤٩ - انظر تفسير الغريب ٨١..
٥٠ - في ع٢: خوفاً..
٥١ - انظر: هذا التفسير في تفسير ابن مسعود ٢/١٠٩، ومجاز القرآن ١/٧٢، وتفسير الغريب ٨١، ومفردات الراغب ٢١٩..
٥٢ - في ع٣: زلزلت..
٥٣ - في ع٢: كرت..
٥٤ - انظر: مفردات الراغب ٢١٩..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى