زاد المسير في علم التفسير — ابن الجوزي

عن الكتاب
قوله تعالى :﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ﴾ في سبب نزولها ثلاثة أقوال : أحدها : أن الصحابة أصابهم يوم الأحزاب بلاء وحصر، فنزلت هذه الآية، ذكره السدي عن أشياخه، وهو قول قتادة. والثاني : أن النبي ﷺ، لما دخل المدينة هو وأصحابه اشتد بهم الضر، فنزلت هذه الآية، قاله عطاء. والثالث : أن المنافقين قالوا للمؤمنين : لو كان محمد نبيا لم يسلط عليكم القتل، فأجابوهم : من قتل منا دخل الجنة، فقالوا : لم تمنون أنفسكم بالباطل ؟ فنزلت هذه الآية، قاله مقاتل. وزعم أنها نزلت يوم أحد. قال الفراء :﴿أَمْ حَسِبْتُمْ﴾ بمعنى : أظننتم، وقال الزجاج :﴿أم﴾ بمعنى : بل. وقد شرحنا ﴿أم﴾ فيما تقدم شرحا كافيا. والمثل بمعنى : الصفة. و﴿زلزلوا﴾ خُوفوا وحُركوا بما يؤذي، وأصل الزلزلة في اللغة من : زل الشيء عن مكانه، فإذا قلت : زلزلته، فتأويله : كررت زلزلته من مكانه، وكل ما كان فيه ترجيع كررت فيه فاء الفعل، تقول : أقل فلان الشيء : إذا رفعه من مكانه، فإذا كرر رفعه وردّه، قيل : قلقله. فالمعنى أنه تكرر عليهم التحريك بالخوف، قاله ابن عباس. البأساء : الشدة والبؤس، والضراء : البلاء والمرض. وكل رسول بعث إلى أمته يقول :﴿مَتَى نَصْرُ اللَّهِ﴾ والنصر : الفتح، والجمهور على فتح لام ﴿حتى يقول﴾، وضمها نافع.

فصل :


ومعنى الآية : أن البلاء والجهد بلغ بالأمم المتقدمة إلى أن استبطؤوا النصر لشدة البلاء. وقد دلت على أن طريق الجنة إنما هو الصبر على البلاء. قالت عائشة : ما شبع رسول الله ﷺ، ثلاثة أيام تباعا من خبز بر حتى مضى لسبيله. وقال حذيفة : أقرّ أيامي لعيني، يوم أرجع إلى أهلي فيشكون إليّ الحاجة. قيل : ولم ذلك ؟ قال : لأني سمعت رسول الله ﷺ، يقول :( إن الله يتعاهد المؤمن بالبلاء كما يتعاهد الوالد ولده بالخير، وإن الله ليحمي المؤمن من الدنيا، كما يحمي المريض أهله الطعام ) أخبرنا أبو بكر الصوفي، قال : أخبرنا أبو سعيد ابن أبي صادق، قال :
أخبرنا أبو عبد الله الشيرازي، قال : سمعت أبا الطيّب بن الفرخان يقول : سمعت الجنيد يقول : دخلت على سري السقطي وهو يقول :
وما رمت الدخول عليه حتىحللت محله العبد الذليل
وأغضيت الجفون على قذاهاوصنت النفس عن قال وقيل

تفسير هذه الآية من كتب أخرى