البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي
عن الكتاب
حسب : بكسر السين : يحسب، بفتحها في المضارع وكسرها، من أخوات : ظن، في طلبها إسمين : هما في مشهور قول النحاة : مبتدأ وخبر، ومعناها نسبة الخبر عن المتيقن إلى المسند إليه، وقد يأتي في المتيقن قليلا، نحو قوله :
حسبت التقى والجود خير تجارة***
رباحاً إذا ما المرء أصبح ثاقلاً
ومصدرها : الحسبان، ويأتي : حسب أيضاً بمعنى : احمرّ تقول : حسب الرجل يحسب، وهو أحسب، كما تقول : شقر فهو أشقر، ولحسب أحكام ذكرت في النحو.
لما : الجازمة حرف، زعموا أنه مركب من : لم وما، ولها أحكام تخالف فيها : لم، منها : أنه يجوز حذف الفعل بعدها إذا دل على حذفه المعنى، وذلك في فصيح الكلام، ومنها : أنه يجب اتصال نفيها بالحال، ومنها : أنها لا تدخل على فعل شرط ولا فعل جزاء.
زلزل : قلقل وحرّك، وهو رباعي عند البصريين : كدحرج، هذا النوع من الرباعي فيه خلاف للكوفيين والزجاج مذكور في النحو.
﴿أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم﴾ نزلت في غزوة الخندق حين أصاب المسلمين ما أصاب من الجهد وشدّة الخوف والبرد وأنواع الأذى، كما قال تعالى :﴿وبلغت القلوب الحناجر﴾ قاله قتادة، والسدي.
أو في حرب أحد، قتل فيها جماعة من المسلمين، وجرت شدائد حتى قال عبد الله بن أبي وأصحابه : إلى متى تقتلون أنفسكم، وتهلكون أموالكم ؟ لو كان محمد نبياً لما سلط عليكم القتل والأسر، فقالوا : لا جرم من قتل منا دخل الجنة.
فقال : إلى متى تسألون أنفسكم بالباطل ؟
أو : في أوّل ما هاجروا إلى المدينة، دخلوها بلا مال، وتركوا ديارهم وأموالهم بأيدي المشركين، رضي الله تعالى عنهم، فأظهرت اليهود العداوة، وأسرّ قوم النفاق.
قاله عطاء.
قيل : ومناسبة هذه الآية لما قبلها أنه قال : يهدي من يشاء، والمراد إلى الحق الذي يفضي اتباعه إلى الجنة، فبين أن ذلك لا يتم إلاَّ باحتمال الشدائد والتكليف، أو : لما بين أنه هداهم، بين أنه بعد تلك الهداية احتملوا الشدائد في إقامة الحق، فكذا أنتم، أصحاب محمد، لا تستحقون الفضيلة في الدين إلاَّ بتحمل هذه المحن.
و : أم، هنا منقطعة مقدرة بل والهمزة فتتضمن أضراباً، وهو انتقال من كلام إلى كلام، ويدل على استفهام لكنه استفهام تقرير، وهي التي عبر عنها أبو محمد بن عطية : بأن أم قد تجيء ابتداء كلام، وإن لم يكن تقسيم ولا معادلة، ألف استفهام.
فقوله : قد تجيء ابتداء كلام ليس كما ذكر، لأنها تتقدّر، ببل والهمزة، فكما أن : بل، لا بد أن يتقدّمها كلام حتى يصير في حيز عطف الجمل، فكذلك ما تضمن معناه.
وزعم بعض اللغويين أنها تأتي بمنزلة همزة الإستفهام، ويبتدأ بها، فهذا يقتضي أن يكون التقدير : أحسبتم ؟ وقال الزجاج : بمعنى بل، قال :
بدت مثل قرن الشمس في رونق الضحى***
وصورتها، أم أنت في العين أملح ؟
ورام بعض المفسرين أن يجعلها متصلة، ويجعل قبلها جملة مقدرة تصير بتقديرها أم متصلة، فتقدير الآية : فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق، فصبروا على استهزاء قومهم بهم، أفتسلكون سبيلهم ؟ أم تحسبون أن تدخلوا الجنة من غير سلوك سبيلهم ؟
فتلخص في أم هنا أربعة أقوال : الانقطاع على انها بمعنى بل والهمزة، والاتصال : على إضمار جملة قبلها، والاستفهام بمعنى الهمزة، والإضراب بمعنى بل ؛ والصحيح هو القول الأوّل.
ومفعولاً : حسبتم، سدّت أن مسدّهما على مذهب سيبويه، وأما أبو الحسن فسدت عنده مسد المفعول الأوّل، والمفعول الثاني محذوف، وقد تقدم هذا المعنى في قوله :﴿الذين يظنون أنهم ملاقوا ربهم﴾ ﴿ولما يأتيكم مثل الذين خلوا من قبلكم﴾ الجملة حال، التقدير : غير آتيكم مثل الذين خلوا من قبلكم، أي : إن دخول الجنة لا بد أن يكون على ابتلاء شدائد، وصبر على ما ينال من أذى الكفار، والفقر والمجاهد في سبيل الله، وليس ذلك على مجرد الإيمان فقط بل، سبيلكم في ذلك سبيل من تقدمكم من اتباع الرسل.
خاطب بذلك الله تعالى عباده المؤمنين، ملتفتاً إليهم على سبيل التشجيع والثبيت لهم، وإعلاماً لهم أنه لا يضركون أعدائكم لا يوافقون، فقد اختلفت الأمم على أنبيائها، وصبروا، حتى آتاهم النصر.
و : لما، أبلغ في النفي من : لم، لأنها تدل على نفي الفعل متصلاً بزمان الحال، فهي لنفي التوقع.
والمثل : الشبه، إلاَّ أنه مستعار لحال غريبة، أو قضية عجيبة لها شأن، وهو على حذف مضاف، التقدير : مثل محنة الذين خلوا من قبلكم وعلى حذف موصوف تقديره : المؤمنين.
والذين خلوا من قبلكم، متعلق بخلوا، وهو كأنه توكيد، لأن الذين خلوا يقتضي التقدم.
﴿مستهم البأساء والضراء﴾ هذه الجملة تفسير للمثل وتبيين له، فليس لها موضع من الإعراب، وكأن قائلاً قال : ما ذلك المثل ؟ فقيل : مستهم البأساء والضراء.
والمسّ هنا معناه : الإصابة، وهو حقيقة في المسّ باليد، فهو هنا مجاز.
وأجاز أبو البقاء أن تكون الجملة من قولهم : مستهم، في موضع الحال على إضمار قد، وفيه بعد، وتكون الحال إذ ذاك من ضمير الفاعل في : خلوا.
وتقدّم شرح : البأساء والضراء، في قوله تعالى :﴿والصابرين في البأساء والضراء﴾ ﴿وزلزلوا﴾ أي أزعجوا إزعاجاً شديداً بالزلزلة، وبني الفعل للمفعول، وحذف الفاعل للعلم به، أي : وزلزلهم أعداؤهم.
﴿حتى يقول الرسول﴾ قرأ الأعمش : وزلوا، و : يقول الرسول، بالواو بدل : حتى، وفي مصحف عبد الله : وزلزلوا ثم زلزلوا ويقول الرسول.
وقرأ الجمهور : حتى، والفعل بعدها منصوب إما على الغاية، وإما على التعليل، أي : وزلزلوا إلى أن يقول الرسول، أو : وزلزلوا كي يقول الرسول، والمعنى الأول أظهر، لأن المس والزلزال ليسا معلولين لقول الرسول والمؤمنين.
وقرأ نافع برفع، يقول : بعد حتى، وإذا كان المضارع بعد حتى فعل حال فلا يخلو أن يكون حالاً في حين الإخبار، نحو : مرض حتى لا يرجونه، وإما أن يكون حالاً قد مضت، فيحكيها على ما وقعت، فيرفع الفعل على أحد هذين الوجهين، والمراد به هنا المضي، فيكون حالاً محكية، إذ المعنى : وزلزلوا فقال الرسول، وقد تكلمنا على مسائل : حتى، في كتاب ( التكميل ) وأشبعنا الكلام عليها هناك، وتقدّم الكلام عليها في هذا الكتاب.
﴿والذين آمنوا معه﴾ يحتمل معه أن يكون منصوباً بيقول، ويحتمل أن يكون منصوباً بآمنوا.
﴿متى نصر الله ألا إن نصر الله قريب﴾ متى : سؤال عن الوقت، فقيل : ذلك على سبيل الدعاء لله تعالى، والاستعلام لوقت النصر، فأجابهم الله تعالى فقال : ألا إن نصر الله قريب، وقيل : ذلك على سبيل الاستبطاء، إذ ما حصل لهم من الشدّة والابتلاء والزلزال هو الغاية القصوى، وتناهى ذلك وتمادى بالمؤمنين إلى أن نطقوا بهذا الكلام، فقيل : ذلك لهم إجابة لهم إلى طلبهم من تعجيل النصر، والذي يقتضيه النظر أن تكون الجملتان داخلتين تحت القول، وأن الجملة الأولى من قول المؤمنين، قالوا ذلك استبطاءً للنصر وضجراً مما نالهم من الشدّة، والجملة الثانية من قول رسولهم إجابة لهم وإعلاماً بقرب النصر، فتعود كل جملة لمن يناسبها، وصح نسبة المجموع للمجموع لا نسبة المجموع لكل نوع من القائلين.
وتقدّم نظير هذا في بعض التخاريج لقوله تعالى :﴿قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك﴾
وإن قوله : أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء من قول إبليس، وإن قوله : ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك من قول الملائكة عن إبليس، وكان الجواب ذلك لما انتظم إبليس في الخطاب مع الملائكة في قوله :﴿وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة﴾
وقالت طائفة : في الكلام تقديم وتأخير، التقدير : حتى يقول الذين آمنوا متى نصر الله ؟ فيقول الرسول : ألا إن نصر الله قريب، فقدم الرسول في الرتبة لمكانته، وقدم قول المؤمنين لتقدمه في الزمان.
قال ابن عطية وهذا تحكم وحمل الكلام على وجهه غير متعذر. انتهى.
وقوله حسن، إذ التقديم والتأخير مما يختصان بالضرورة.
وفي قوله : والذين آمنوا، تفخيم لشأنهم حيث صرح بهم ظاهراً بهذا الوصف الشريف الذي هو الإيمان، ولم يأت، حتى يقول الرسول وهم، وهذا يدل على حذف ذلك الموصوف الذي قدرناه قبل مثل محنة المؤمنين الذين خلوا.
قال ابن عطية : وأكثر المتأولين على أن الكلام إلى آخر الآية من قول الرسول، والمؤمنين، ويكون ذلك من قول الرسول على طلب استعجال النصر، لا على شك ولا ارتياب، والرسول اسم الجنس، وذكره الله تعظيماً للنازلة التي دعت الرسول إلى هذا القول.
انتهى كلامه.
واللائق بأحوال الرسل هو القول الذي ذكرنا أنه يقتضيه النظر، والرسول كما ذكر ابن عطية اسم الجنس لا واحد بعينه، وقيل : هو اليسع، وقيل : هو شعيباً، وعلى هذا يكون الذين خلوا قوماً بأعيانهم، وهم أتباع هؤلاء الرسل.
وحكى بعض المفسرين أن الرسول هنا هو محمد ﷺ، وأن : الزلزلة، هنا مضافة لأمته، ولا يدل على ما ذكر سياق الكلام، وعلى هذا القول قال بعضهم، وفي هذا الكلام إجمال، وتفصيله أن أتباع محمد ﷺ قالوا : متى نصر الله ؟ فقال الرسول : ألا إن نصر الله قريب.
فتلخص من هذه النقول أن مجموع الجملتين من كلام الرسول والمؤمنين على سبيل التفصيل، أو على سبيل أن : الرسول والمؤمنين قال كل منهما الجملتين، فكأنهم قالوا : قد صبرنا ثقة بوعدك، أو : على أن الجملة الأولى من كلام الرسول والمؤمنين، والثانية من كلام الله تعالى.
ولما كان السؤال بمتى يشير إلى استعلام القرب، تضمن الجواب القرب، وظاهر هذا الإخبار أن قرب النصر هو : ينصرون في الدنيا على أعدائهم ويظفرون بهم، كقوله تعالى :﴿جاءهم نصرنا﴾ و ﴿إذا جاء نصر الله والفتح﴾ وقال ابن عباس : النصر في الآخرة لأن المؤمن لا ينفك عن الابتلاء، ومتى انقضى حرب جاءه آخر، فلا يزال في جهاد العدو، والأمر بالمعروف، وجهاد النفس إلى الموت.
وفي وصف أحوال هؤلاء الذين خلوا ما يدل على أنا يجري لنا ما جرى لهم، فنتأسى بهم، وننتظر الفرج من الله والنصر، فإنهم أجيبوا لذلك قريباً.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: وقد تضمنت هذه الآيات الكريمة إخبار الله تعالى عن القرون الماضية أنهم كانوا على سنن واحد، وأنه بعث إليهم النبيين مبشرين من أطاع بالثواب من الله تعالى، ومحذرين من عصى من عقاب الله، وقدم البشارة لأنها هي المفروح بها، ولأنها نتيجتها رضى الله عن من اتبع أوامره واجتنب نواهيه، وأنزل معهم كتاباً من عنده مصحوباً بالحق اللائح، ليكون أضبط لما أتوا به من الشرائع، لأن ما جاؤا به مما ليس في كتاب يقرأ ويدرس على مر الأعصار، وربما يذهب بذهابهم، فإذا كان ما شرع لهم مخلداً في الطروس كان أبقى، وإن ثمرة الكتب هي الفصل بين الناس فيما وقع فيه اختلافهم من أمر عقائدهم، وتكاليفهم، ومصالح دنياهم، ثم ذكر أنه ما اختلف فيما أختلف فيه إلا الذين أوتوه، أي : أوتوا الكتاب، ووصل إليهم من عند الله، وذلك بعد وضوح الآيات ومجيئها لهم، فكأن ما سبيله إلى الهداية والفصل في الإختلاف عند هؤلاء سبباً للاختلاف، فرتبوا على مجيء الشيء الواضح ضد مقتضاه، وأن الحامل على ذلك إنما هو البغي والظلم الذي صار بينهم، ثم هدى الله المؤمنين لاتباع الحق الذي أختلف فيه من اختلف، وذلك بتيسير الله تعالى لهم، ذلك من غير سابقة استحقاق، بل هدايته إياهم الحق هو بتمكينه تعالى لذلك.
ثم ذكر تعالى أن الهداية للصراط المستقيم إنما تكون لمن شاء تعالى هدايته.
ثم ذكر تعالى مخاطباً للمؤمنين، إذ كان قد أخبر ببعثة الرسل بالتكاليف الشرعية، أنه لا يحسب أن تنال الرتبة العالية من الفوز بدخول الجنة، ولما يقع ابتلاء لكم كما ابتلى من كان قبلكم، ثم فسر مثل الماضين بأنهم مستهم البأساء والضراء، وأنهم أزعجوا حتى سألوا ربهم عن وقت مجيء النصر لتصبر نفوسهم على ما ابتلاهم به، ولينتظروا الفرج من الله عن قرب، فأجيبوا بأن نصر الله قريب وما هو قريب، فالحاصل : فسكنت نفوسهم من ذلك الإزعاج بانتظار النصر القريب.
ثم سألوا رسول الله ﷺ عما ينفقون من أموالهم في وجوه البر ؟ فلم يبين لهم جنس ما ينفقون ولا مقداره، وذكر مصرف ذلك، لأنه هو الأهم في الجواب، وكأنه قيل : أي شيء ينفقون من قليل أو كثير فمصرفه لأقرب الناس إليكم، وهما : الوالدان : اللذان كانا سبباً في إيجادك وتربيتك من لدن خلقت إلى أن صار لك شيء من الدنيا، وفي الحنو عليك، ثم ذكر : الأقربين بصفة التفضيل، لأنهم هم الذين يشاركونك في النسب، والإنفاق عليهم صدقة وصلة، ثم ذكر اليتامى : وهم الذين قد توفي آباؤهم فليس لهم من يقوم بمصالحهم، فالإنفاق عليهم إحسان جزيل، ثم ذكر : المساكين، وهم الذين انتهوا، من الفقراء، إلى حالة المسكنة، وهي عدم الحركة والتصرف في أحوال الدنيا ومعاشها، ثم أخبر تعالى : أن ما أنفقتم فالله عليم به ومحصيه، فيجازي عليه ويثيب.
ثم أخبر تعالى عن فرض القتال على المؤمنين، وأنه مكروه للطباع لما فيه من إتلاف المهج وانتقاص الأموال، وانتهاك الأجساد بالسفر فيه وبغيره، ثم ذكر أن الإنسان قد يكره الشيء وهو خير له، لأن عقابه إلى خير، فالقتال، وإن كان مكروهاً للطبع، فإنه خير إن سلم، فخيره بالظفر بأعداء الله، وبالغنيمة، واستيلاء عليهم قتلاً ونهباً وتملك دار، وإن قتل فخيره أن له عند الله مرتبة الشهداء.
ويكفيك ما ورد في هذه المرتبة العظيمة في كتاب الله، وفيما صح عن رسول الله ﷺ، ثم ذكر مقابل هذا وهو قوله ﴿وعسى أن تحبوا شيئاً وهو شر لكم﴾ فمن المحبوب ترك القتال، وهو مدعاة إلى الدعاء والراحة، وفي ذلك الشر العظيم من تسلط أعداء الله والإيقاع بالمسلمين، واستئصال شأفتهم بالقتل والنهب وتملك ديارهم، فمتى أخلد الإنسان إلى الراحة طمع فيه عدوه، وبلغ منه مقاصده، ولقد أحسن زهير حيث قال :
جريء متى يظلم يعاقب بظلمه***
سريعاً، وإن لا يبد بالظلمُ يظلم
ثم ذكر تعالى أنه يعلم ما لا يعلمون حيث شرع القتال، فهو تعالى عالم بما يترتب لكم من المصالح الدينية والدنيوية على مشروعية القتال.
ثم ذكر تعالى أنهم سألوا رسول الله ﷺ عن القتال في الشهر الحرام، لما كان وقع ذلك منهم، لا على سبيل القصد، بل على سبيل الظن أن الزمان الذي وقع فيه ليس هو من الشهر الحرام، فأخبروا أن ذلك هو إثم كبير، إذ كانت العادة أن الأشهر الحرم لا قتال فيها، ثم ذكر أن أكبر من ذلك هو ما يرتكبه الكفار من صد المسلمين عن سبيل الله، ومن الكفر بالله، وبالمسجد الحرام، ومن إخراج أهله منه.
ثم ذكر تعالى أن الفتنة أكبر من القتل وهو فتنة الرجل المسلم عن دينه، أكبر من قتله وهو على دينه، لأن تلك الفتنة تؤول به إلى النار، وقتله هذا يؤول به إلى الجنة.
ثم أخبر تعالى عن دوام عداء عداوة الكفار، وأن مقصدهم إنما هو فتنتكم عن دينكم ورجوعكم إلى ما هم عليه من الضلال، وأنه متى أمكنهم ذلك وقدروا عليه قاتلوكم، ثم أخبر تعالى أن من رجع عن دينه الحق إلى دينه الباطل، ووافى على ذلك، فجميع ما تقدّم من أعماله الصالحات قد بطلت في الدنيا بإلحاقه بالكفار، وإجراء أحكام المرتدين عليه، وفي الآخرة فلا يبقى لها ثمرة يرتجي بها غفراناً لما اجترح، بل مآله إلى النار خالداً فيها.
ثم لما ذكر حال المرتد عن دينه، ذكر حال من آمن بالله وثبت على إيمانه، وهاجر من وطنه الذي هو محل الكفر إلى دار الإسلام، ثم جاهد في سبيل الله من كفر بالله، وأنه طامع في رحمة الله.
ثم ذكر تعالى أنه غفور لما وقع منه قبل الإيمان ولما يتخلل في حالة الإيمان من بعض المخالفة، وأنه رحيم له، فهو يحقق له ما طمع فيه من رحمته.
حسبت التقى والجود خير تجارة***
رباحاً إذا ما المرء أصبح ثاقلاً
ومصدرها : الحسبان، ويأتي : حسب أيضاً بمعنى : احمرّ تقول : حسب الرجل يحسب، وهو أحسب، كما تقول : شقر فهو أشقر، ولحسب أحكام ذكرت في النحو.
لما : الجازمة حرف، زعموا أنه مركب من : لم وما، ولها أحكام تخالف فيها : لم، منها : أنه يجوز حذف الفعل بعدها إذا دل على حذفه المعنى، وذلك في فصيح الكلام، ومنها : أنه يجب اتصال نفيها بالحال، ومنها : أنها لا تدخل على فعل شرط ولا فعل جزاء.
زلزل : قلقل وحرّك، وهو رباعي عند البصريين : كدحرج، هذا النوع من الرباعي فيه خلاف للكوفيين والزجاج مذكور في النحو.
﴿أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم﴾ نزلت في غزوة الخندق حين أصاب المسلمين ما أصاب من الجهد وشدّة الخوف والبرد وأنواع الأذى، كما قال تعالى :﴿وبلغت القلوب الحناجر﴾ قاله قتادة، والسدي.
أو في حرب أحد، قتل فيها جماعة من المسلمين، وجرت شدائد حتى قال عبد الله بن أبي وأصحابه : إلى متى تقتلون أنفسكم، وتهلكون أموالكم ؟ لو كان محمد نبياً لما سلط عليكم القتل والأسر، فقالوا : لا جرم من قتل منا دخل الجنة.
فقال : إلى متى تسألون أنفسكم بالباطل ؟
أو : في أوّل ما هاجروا إلى المدينة، دخلوها بلا مال، وتركوا ديارهم وأموالهم بأيدي المشركين، رضي الله تعالى عنهم، فأظهرت اليهود العداوة، وأسرّ قوم النفاق.
قاله عطاء.
قيل : ومناسبة هذه الآية لما قبلها أنه قال : يهدي من يشاء، والمراد إلى الحق الذي يفضي اتباعه إلى الجنة، فبين أن ذلك لا يتم إلاَّ باحتمال الشدائد والتكليف، أو : لما بين أنه هداهم، بين أنه بعد تلك الهداية احتملوا الشدائد في إقامة الحق، فكذا أنتم، أصحاب محمد، لا تستحقون الفضيلة في الدين إلاَّ بتحمل هذه المحن.
و : أم، هنا منقطعة مقدرة بل والهمزة فتتضمن أضراباً، وهو انتقال من كلام إلى كلام، ويدل على استفهام لكنه استفهام تقرير، وهي التي عبر عنها أبو محمد بن عطية : بأن أم قد تجيء ابتداء كلام، وإن لم يكن تقسيم ولا معادلة، ألف استفهام.
فقوله : قد تجيء ابتداء كلام ليس كما ذكر، لأنها تتقدّر، ببل والهمزة، فكما أن : بل، لا بد أن يتقدّمها كلام حتى يصير في حيز عطف الجمل، فكذلك ما تضمن معناه.
وزعم بعض اللغويين أنها تأتي بمنزلة همزة الإستفهام، ويبتدأ بها، فهذا يقتضي أن يكون التقدير : أحسبتم ؟ وقال الزجاج : بمعنى بل، قال :
بدت مثل قرن الشمس في رونق الضحى***
وصورتها، أم أنت في العين أملح ؟
ورام بعض المفسرين أن يجعلها متصلة، ويجعل قبلها جملة مقدرة تصير بتقديرها أم متصلة، فتقدير الآية : فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق، فصبروا على استهزاء قومهم بهم، أفتسلكون سبيلهم ؟ أم تحسبون أن تدخلوا الجنة من غير سلوك سبيلهم ؟
فتلخص في أم هنا أربعة أقوال : الانقطاع على انها بمعنى بل والهمزة، والاتصال : على إضمار جملة قبلها، والاستفهام بمعنى الهمزة، والإضراب بمعنى بل ؛ والصحيح هو القول الأوّل.
ومفعولاً : حسبتم، سدّت أن مسدّهما على مذهب سيبويه، وأما أبو الحسن فسدت عنده مسد المفعول الأوّل، والمفعول الثاني محذوف، وقد تقدم هذا المعنى في قوله :﴿الذين يظنون أنهم ملاقوا ربهم﴾ ﴿ولما يأتيكم مثل الذين خلوا من قبلكم﴾ الجملة حال، التقدير : غير آتيكم مثل الذين خلوا من قبلكم، أي : إن دخول الجنة لا بد أن يكون على ابتلاء شدائد، وصبر على ما ينال من أذى الكفار، والفقر والمجاهد في سبيل الله، وليس ذلك على مجرد الإيمان فقط بل، سبيلكم في ذلك سبيل من تقدمكم من اتباع الرسل.
خاطب بذلك الله تعالى عباده المؤمنين، ملتفتاً إليهم على سبيل التشجيع والثبيت لهم، وإعلاماً لهم أنه لا يضركون أعدائكم لا يوافقون، فقد اختلفت الأمم على أنبيائها، وصبروا، حتى آتاهم النصر.
و : لما، أبلغ في النفي من : لم، لأنها تدل على نفي الفعل متصلاً بزمان الحال، فهي لنفي التوقع.
والمثل : الشبه، إلاَّ أنه مستعار لحال غريبة، أو قضية عجيبة لها شأن، وهو على حذف مضاف، التقدير : مثل محنة الذين خلوا من قبلكم وعلى حذف موصوف تقديره : المؤمنين.
والذين خلوا من قبلكم، متعلق بخلوا، وهو كأنه توكيد، لأن الذين خلوا يقتضي التقدم.
﴿مستهم البأساء والضراء﴾ هذه الجملة تفسير للمثل وتبيين له، فليس لها موضع من الإعراب، وكأن قائلاً قال : ما ذلك المثل ؟ فقيل : مستهم البأساء والضراء.
والمسّ هنا معناه : الإصابة، وهو حقيقة في المسّ باليد، فهو هنا مجاز.
وأجاز أبو البقاء أن تكون الجملة من قولهم : مستهم، في موضع الحال على إضمار قد، وفيه بعد، وتكون الحال إذ ذاك من ضمير الفاعل في : خلوا.
وتقدّم شرح : البأساء والضراء، في قوله تعالى :﴿والصابرين في البأساء والضراء﴾ ﴿وزلزلوا﴾ أي أزعجوا إزعاجاً شديداً بالزلزلة، وبني الفعل للمفعول، وحذف الفاعل للعلم به، أي : وزلزلهم أعداؤهم.
﴿حتى يقول الرسول﴾ قرأ الأعمش : وزلوا، و : يقول الرسول، بالواو بدل : حتى، وفي مصحف عبد الله : وزلزلوا ثم زلزلوا ويقول الرسول.
وقرأ الجمهور : حتى، والفعل بعدها منصوب إما على الغاية، وإما على التعليل، أي : وزلزلوا إلى أن يقول الرسول، أو : وزلزلوا كي يقول الرسول، والمعنى الأول أظهر، لأن المس والزلزال ليسا معلولين لقول الرسول والمؤمنين.
وقرأ نافع برفع، يقول : بعد حتى، وإذا كان المضارع بعد حتى فعل حال فلا يخلو أن يكون حالاً في حين الإخبار، نحو : مرض حتى لا يرجونه، وإما أن يكون حالاً قد مضت، فيحكيها على ما وقعت، فيرفع الفعل على أحد هذين الوجهين، والمراد به هنا المضي، فيكون حالاً محكية، إذ المعنى : وزلزلوا فقال الرسول، وقد تكلمنا على مسائل : حتى، في كتاب ( التكميل ) وأشبعنا الكلام عليها هناك، وتقدّم الكلام عليها في هذا الكتاب.
﴿والذين آمنوا معه﴾ يحتمل معه أن يكون منصوباً بيقول، ويحتمل أن يكون منصوباً بآمنوا.
﴿متى نصر الله ألا إن نصر الله قريب﴾ متى : سؤال عن الوقت، فقيل : ذلك على سبيل الدعاء لله تعالى، والاستعلام لوقت النصر، فأجابهم الله تعالى فقال : ألا إن نصر الله قريب، وقيل : ذلك على سبيل الاستبطاء، إذ ما حصل لهم من الشدّة والابتلاء والزلزال هو الغاية القصوى، وتناهى ذلك وتمادى بالمؤمنين إلى أن نطقوا بهذا الكلام، فقيل : ذلك لهم إجابة لهم إلى طلبهم من تعجيل النصر، والذي يقتضيه النظر أن تكون الجملتان داخلتين تحت القول، وأن الجملة الأولى من قول المؤمنين، قالوا ذلك استبطاءً للنصر وضجراً مما نالهم من الشدّة، والجملة الثانية من قول رسولهم إجابة لهم وإعلاماً بقرب النصر، فتعود كل جملة لمن يناسبها، وصح نسبة المجموع للمجموع لا نسبة المجموع لكل نوع من القائلين.
وتقدّم نظير هذا في بعض التخاريج لقوله تعالى :﴿قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك﴾
وإن قوله : أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء من قول إبليس، وإن قوله : ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك من قول الملائكة عن إبليس، وكان الجواب ذلك لما انتظم إبليس في الخطاب مع الملائكة في قوله :﴿وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة﴾
وقالت طائفة : في الكلام تقديم وتأخير، التقدير : حتى يقول الذين آمنوا متى نصر الله ؟ فيقول الرسول : ألا إن نصر الله قريب، فقدم الرسول في الرتبة لمكانته، وقدم قول المؤمنين لتقدمه في الزمان.
قال ابن عطية وهذا تحكم وحمل الكلام على وجهه غير متعذر. انتهى.
وقوله حسن، إذ التقديم والتأخير مما يختصان بالضرورة.
وفي قوله : والذين آمنوا، تفخيم لشأنهم حيث صرح بهم ظاهراً بهذا الوصف الشريف الذي هو الإيمان، ولم يأت، حتى يقول الرسول وهم، وهذا يدل على حذف ذلك الموصوف الذي قدرناه قبل مثل محنة المؤمنين الذين خلوا.
قال ابن عطية : وأكثر المتأولين على أن الكلام إلى آخر الآية من قول الرسول، والمؤمنين، ويكون ذلك من قول الرسول على طلب استعجال النصر، لا على شك ولا ارتياب، والرسول اسم الجنس، وذكره الله تعظيماً للنازلة التي دعت الرسول إلى هذا القول.
انتهى كلامه.
واللائق بأحوال الرسل هو القول الذي ذكرنا أنه يقتضيه النظر، والرسول كما ذكر ابن عطية اسم الجنس لا واحد بعينه، وقيل : هو اليسع، وقيل : هو شعيباً، وعلى هذا يكون الذين خلوا قوماً بأعيانهم، وهم أتباع هؤلاء الرسل.
وحكى بعض المفسرين أن الرسول هنا هو محمد ﷺ، وأن : الزلزلة، هنا مضافة لأمته، ولا يدل على ما ذكر سياق الكلام، وعلى هذا القول قال بعضهم، وفي هذا الكلام إجمال، وتفصيله أن أتباع محمد ﷺ قالوا : متى نصر الله ؟ فقال الرسول : ألا إن نصر الله قريب.
فتلخص من هذه النقول أن مجموع الجملتين من كلام الرسول والمؤمنين على سبيل التفصيل، أو على سبيل أن : الرسول والمؤمنين قال كل منهما الجملتين، فكأنهم قالوا : قد صبرنا ثقة بوعدك، أو : على أن الجملة الأولى من كلام الرسول والمؤمنين، والثانية من كلام الله تعالى.
ولما كان السؤال بمتى يشير إلى استعلام القرب، تضمن الجواب القرب، وظاهر هذا الإخبار أن قرب النصر هو : ينصرون في الدنيا على أعدائهم ويظفرون بهم، كقوله تعالى :﴿جاءهم نصرنا﴾ و ﴿إذا جاء نصر الله والفتح﴾ وقال ابن عباس : النصر في الآخرة لأن المؤمن لا ينفك عن الابتلاء، ومتى انقضى حرب جاءه آخر، فلا يزال في جهاد العدو، والأمر بالمعروف، وجهاد النفس إلى الموت.
وفي وصف أحوال هؤلاء الذين خلوا ما يدل على أنا يجري لنا ما جرى لهم، فنتأسى بهم، وننتظر الفرج من الله والنصر، فإنهم أجيبوا لذلك قريباً.
ثم ذكر تعالى أن الهداية للصراط المستقيم إنما تكون لمن شاء تعالى هدايته.
ثم ذكر تعالى مخاطباً للمؤمنين، إذ كان قد أخبر ببعثة الرسل بالتكاليف الشرعية، أنه لا يحسب أن تنال الرتبة العالية من الفوز بدخول الجنة، ولما يقع ابتلاء لكم كما ابتلى من كان قبلكم، ثم فسر مثل الماضين بأنهم مستهم البأساء والضراء، وأنهم أزعجوا حتى سألوا ربهم عن وقت مجيء النصر لتصبر نفوسهم على ما ابتلاهم به، ولينتظروا الفرج من الله عن قرب، فأجيبوا بأن نصر الله قريب وما هو قريب، فالحاصل : فسكنت نفوسهم من ذلك الإزعاج بانتظار النصر القريب.
ثم سألوا رسول الله ﷺ عما ينفقون من أموالهم في وجوه البر ؟ فلم يبين لهم جنس ما ينفقون ولا مقداره، وذكر مصرف ذلك، لأنه هو الأهم في الجواب، وكأنه قيل : أي شيء ينفقون من قليل أو كثير فمصرفه لأقرب الناس إليكم، وهما : الوالدان : اللذان كانا سبباً في إيجادك وتربيتك من لدن خلقت إلى أن صار لك شيء من الدنيا، وفي الحنو عليك، ثم ذكر : الأقربين بصفة التفضيل، لأنهم هم الذين يشاركونك في النسب، والإنفاق عليهم صدقة وصلة، ثم ذكر اليتامى : وهم الذين قد توفي آباؤهم فليس لهم من يقوم بمصالحهم، فالإنفاق عليهم إحسان جزيل، ثم ذكر : المساكين، وهم الذين انتهوا، من الفقراء، إلى حالة المسكنة، وهي عدم الحركة والتصرف في أحوال الدنيا ومعاشها، ثم أخبر تعالى : أن ما أنفقتم فالله عليم به ومحصيه، فيجازي عليه ويثيب.
ثم أخبر تعالى عن فرض القتال على المؤمنين، وأنه مكروه للطباع لما فيه من إتلاف المهج وانتقاص الأموال، وانتهاك الأجساد بالسفر فيه وبغيره، ثم ذكر أن الإنسان قد يكره الشيء وهو خير له، لأن عقابه إلى خير، فالقتال، وإن كان مكروهاً للطبع، فإنه خير إن سلم، فخيره بالظفر بأعداء الله، وبالغنيمة، واستيلاء عليهم قتلاً ونهباً وتملك دار، وإن قتل فخيره أن له عند الله مرتبة الشهداء.
ويكفيك ما ورد في هذه المرتبة العظيمة في كتاب الله، وفيما صح عن رسول الله ﷺ، ثم ذكر مقابل هذا وهو قوله ﴿وعسى أن تحبوا شيئاً وهو شر لكم﴾ فمن المحبوب ترك القتال، وهو مدعاة إلى الدعاء والراحة، وفي ذلك الشر العظيم من تسلط أعداء الله والإيقاع بالمسلمين، واستئصال شأفتهم بالقتل والنهب وتملك ديارهم، فمتى أخلد الإنسان إلى الراحة طمع فيه عدوه، وبلغ منه مقاصده، ولقد أحسن زهير حيث قال :
جريء متى يظلم يعاقب بظلمه***
سريعاً، وإن لا يبد بالظلمُ يظلم
ثم ذكر تعالى أنه يعلم ما لا يعلمون حيث شرع القتال، فهو تعالى عالم بما يترتب لكم من المصالح الدينية والدنيوية على مشروعية القتال.
ثم ذكر تعالى أنهم سألوا رسول الله ﷺ عن القتال في الشهر الحرام، لما كان وقع ذلك منهم، لا على سبيل القصد، بل على سبيل الظن أن الزمان الذي وقع فيه ليس هو من الشهر الحرام، فأخبروا أن ذلك هو إثم كبير، إذ كانت العادة أن الأشهر الحرم لا قتال فيها، ثم ذكر أن أكبر من ذلك هو ما يرتكبه الكفار من صد المسلمين عن سبيل الله، ومن الكفر بالله، وبالمسجد الحرام، ومن إخراج أهله منه.
ثم ذكر تعالى أن الفتنة أكبر من القتل وهو فتنة الرجل المسلم عن دينه، أكبر من قتله وهو على دينه، لأن تلك الفتنة تؤول به إلى النار، وقتله هذا يؤول به إلى الجنة.
ثم أخبر تعالى عن دوام عداء عداوة الكفار، وأن مقصدهم إنما هو فتنتكم عن دينكم ورجوعكم إلى ما هم عليه من الضلال، وأنه متى أمكنهم ذلك وقدروا عليه قاتلوكم، ثم أخبر تعالى أن من رجع عن دينه الحق إلى دينه الباطل، ووافى على ذلك، فجميع ما تقدّم من أعماله الصالحات قد بطلت في الدنيا بإلحاقه بالكفار، وإجراء أحكام المرتدين عليه، وفي الآخرة فلا يبقى لها ثمرة يرتجي بها غفراناً لما اجترح، بل مآله إلى النار خالداً فيها.
ثم لما ذكر حال المرتد عن دينه، ذكر حال من آمن بالله وثبت على إيمانه، وهاجر من وطنه الذي هو محل الكفر إلى دار الإسلام، ثم جاهد في سبيل الله من كفر بالله، وأنه طامع في رحمة الله.
ثم ذكر تعالى أنه غفور لما وقع منه قبل الإيمان ولما يتخلل في حالة الإيمان من بعض المخالفة، وأنه رحيم له، فهو يحقق له ما طمع فيه من رحمته.