اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي
عن الكتاب
قرأ الجمهور :«قِتَالٍ » بالجَرِّ، وفيه ثلاثةُ أوجهٍ :
أحدها : أنه خفضٌ على البدلِ من «الشَّهْرِ » بدلِ الاشتمالِ ؛ إذ القتالُ واقعٌ فيه، فهو مشتملٌ عليه.
والثاني : أنه خفضٌ على التَّكرير، قال أبو البقاء(١) :«يريدُ أنَّ التقديرَ : عَنْ قِتَالٍ فيه ». وهو معنى قول الفراء (٢) إِلاَّ أَنَّهُ قال : هُوَ مَخْفُوضٌ ب «عَنْ » مُضْمرَةً. وهذا ضعيفٌ جدّاً ؛ لأنَّ حرف الجرِّ لا يبقى عملهُ بعد حذفه في الاختيار. وهذا لا ينبغي أن يُعَدَّ خلافاً بين البصريين، والكسائي، والفراءِ ؛ لأنَّ البدل عند جمهور البصريين على نيَّة تكرار العامل، وهذا هو بعينه قولُ الكسائي.
وقوله : لأنَّ حرف الجرِّ لا يبقى عمله بعد حذفه إِنْ أراد في غير البدل، فمُسَلَّمٌ، وإن أراد في البدلِ، فممنوعٌ، وهذا هو الذي عناه الكسائي.
الثالث : قال أبو عبيدة(٣) :«إِنه خفضٌ على الجِوَارِ ».
قال أبو البقاء(٤) :«وهو أَبْعَدُ مِنْ قولهما - يعني الكسائيَّ والفراء - لأنَّ الجوار من مواضع الضَّرورة أو الشذوذِ، فلا يُحْمَلُ عليه ما وجدت عنه مَندُوحةٌ » وقال ابن عطية :«هُوَ خَطَأٌ ». قال أبو حيَّان إن كان أبو عبيدة عَنَى بالجوار المصطلح عليه فهو خَطَأٌ. وجهةُ الخطأِ أنَّ الخفض على الجوار عبارةٌ عن أَنْ يكون الشيءُ تابعاً لمرفوع، أو منصوب، من حيثُ اللفظُ والمعنى، فيُعدل به عن تَبَعيَّته لمتبوعه لفظاً، ويُخْفَضَ لمجاورته لمخفوض ؛ كقولهم :«هذا جُحْرُ ضَبِّ خَرِبٍ »، وكان مِنْ حقِّه الرفع ؛ لأنه مِنْ صفاتِ الجُحْر، لا من صفاتِ الضبِّ، ولهذه المسألةِ مزيدُ بيانٍ يأتي في موضعه إِنْ شاء اللهُ تعالى، و«قِتَالٍ » هنا ليس تابعاً لمرفوعٍ، أو منصوبٍ، وجاورَ مَخفوضاً فخُفِض.
وإن كان عنى أنه تابعٌ لمخفوضٍ فخفضُه بكونه جاور مخفوضاً، أي : فصار تابعاً له، لم يكنْ خطأً، إِلاَّ أنه أغمضَ في عبارته ؛ فالتبس بالمصطلح عليه.
وقرأ ابن عباس(٥) والأَعمش :«عَنْ قِتَالٍ » بإظهارِ «عَنْ » وهي في مُصْحَف عبد الله كذلك. وقرأ عكرمة(٦) :«قتْلٍ فِيهِ، قُلْ قَتْلٌ فِيهِ » بغير ألف.
وقُرئ(٧) شاذّاً :«قِتَالٌ فيه » بالرفع وفيه وجهان :
أحدهما : أنه مبتدأٌ، والجارُّ والمجرورُ بعده خبرٌ، وسَوَّغ الابتداءُ به وهو نكرةٌ ؛ أنه على نيةِ همزةِ الاستفهام، تقديره : أَقِتَالٌ فيه.
والثاني : أنه مرفوعٌ باسم فاعلٍ تقديرُه : أجائزٌ قتالٌ فيه، فهو فاعلٌ به. وعَبَّر أبو البقاء(٨) في هذا الوجه بأن يكونَ خبرَ محذوفٍ، فجاءَ رفعُه من ثلاثةِ أوجهٍ : إِمَّا مبتدأٌ، وإِمَّا فاعلٌ، وإمَّا خبرُ مبتدأ. قالوا : ويظهرُ هذا مِنْ حَيثُ إِنَّ سؤالهم لم يكن عن كينونةِ القتالِ في الشهرِ أم لا، وإنَّما كان سؤالهم : هل يجوزُ القتالُ فيه أم لا ؟ وعلى كِلا هذين الوجهين، فهذه الجملةُ المُستفهمُ عنها في محلِّ جرٍّ ؛ بدلاً من الشهرِ الحرامِ، لأنَّ «سَأَلَ » قد أخذ مفعوليه فلا تكونُ هي المفعول، وإن كانت محَطَّ السؤال.
وقوله :«فِيهِ » على قراءةِ خفضِ «قِتَالٍ » فيه وجهان :
أحدهما : أنه في محلِّ خفضٍ ؛ لأنه صفةٌ ل «قِتَالٍ ».
والثاني : أنه في محلِّ نصبٍ ؛ لتعلُّقه بقتال، لكونه مصدراً.
وقال أبو البقاء(٩) : كما يتعلَّقُ ب «قِتَالٍ » ولا حاجة إلى هذا التشبيهِ، فإنَّ المصدر عاملٌ بالحَمْلِ على الفعل.
والضميرُ في «يَسْأَلُونك » قيل للمؤمنين لما يأتي في سبب النزول، ولأن أكثر الحاضرين عند رسول الله - ﷺ - كانُوا مسلمين، فما قبل هذه الآية ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ﴾ [البقرة: ٢١٤] ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ﴾ [البقرة: ٢١٥] حكاية عن المؤمنين، وما بعدها كذلك وهو قوله :﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ﴾ [البقرة: ٢١٩]، ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى﴾ [البقرة: ٢٢٠] فوجب أن تكون هذه كذلك.
وروى سعيد بن جبير عن ابن عبَّاسٍ أنه قال : ما رأيتُ قوماً كانوا خيراً من أصحاب رسول الله - ﷺ - ما سألوه إلاَّ عن ثلاث عشرة مسألةً حتى قُبض، كلهن في القُرآنِ(١٠)، ومنها ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ﴾.
وقيل : الضمير للكفارِ ؛ سأَلُوا النبي - ﷺ - عن القتال في الشهر الحرام، فأَخبَرَهُم أنه حرامٌ ؛ فتركوا، واستحلوا قتالهم فيه فأنزل الله :﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ ولكن الصدّ عن سبيل اللهِ، وعن المسجدِ الحرام، والكُفرِ به، أكبرُ من هذا القتالِ. ﴿وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ﴾ فبيَّن تعالى أَنَّ غرضهم من هذا السؤال، أَنْ يقاتِلُوا المسلمين، ثم أنزل الله تعالى :﴿الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤] فصرَّح في هذه الآية بأن القتال على سبيل الدفع جائزٌ والألف واللامُ في «الشَّهْرِ الحرام » قيل : للعهد، وهو رجبٌ، وقيل : للجنسِ، فيعمُّ جميع الأشهرِ الُحُرُمِ.
قوله :﴿قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ جملةٌ من مبتدأ وخبرٍ، محلُّها النصبُ بقُلْ والمعنى : القتال في الشهر الحرام وجازَ الابتداءُ بالنكرةِ لأحدِ وجهينِ :
إمَّا الوصفُ، إذا جعلنا قوله :«فيه » صفةً له.
وإمَّا التخصيصُ بالعمل، إذا جعلناه متعلقاً بقتال، كما تقدَّم في نظيره.
فإِنْ قيل : قد تقدَّم لفظُ نكرة، وأُعيدت من غير دخول ألفٍ ولام عليها، وكان حقُّها ذلك، كقوله تعالى :﴿كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولاً فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ﴾ [المزمل: ١٥-١٦] لإِنَّه لو لم يكن كذلك، كان المذكور الثاني غير الأول، وهذا غيرُ واضحٍ ؛ لإِنَّ الألف كقوله :﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً﴾ [الشرح: ٥، ٦].
فقال أبو البقاء(١١) :«ليسَ المرادُ تعظيم القتالِ المذكور المسؤولِ عنه، حتى يُعادَ بالألف واللامِ، بل المراد تعظيمُ أيِّ قتالٍ كان، فعلى هذا «قِتَالٌ » الثاني غيرُ الأولِ، وهذا غيرُ واضحٍ ؛ لأنَّ الألف واللامَ في الاسمِ السَّابق المُعادِ أولاً لا تفيدُ تعظيماً، بل إنما تفيدُ العهدَ في الاسمِ السابقِ. وأَحسنُ منه قولُ بعضهم : إنَّ الثَّاني غير الأولِ، وذلك أنَّ سؤالهم عن قتالِ عبد الله جحش، وكان لنُصرة الإِسلامِ وخُذلان الكفرِ ؛ فليس من الكبائرِ، بل الذي من الكبائرِ قتالٌ غير هذا، وهو ما كانَ فيه إذلالُ الإِسلامِ، ونصرةُ الكُفْرِ، فاختير التنكير في هذين اللفظين ؛ لهذه الدقيقة، ولو جِيءَ بهما معرفتين، أو بأحدهما مُعرَّفاً، لَبَطَلَتْ هذه الفائدةُ.
روى أكثرُ المفسرين عن ابن عباسٍ : سبب نزولِ هذه الآية أن رسول الله - ﷺ - بعث عبد الله بن جحش الأَسديّ، وهو ابن عمَّته قبل قتال بدرٍ بشهرين على رأس سبعة شهراً من الهجرة وبعث معه ثمانية رهطٍ، من المهاجرين ؛ سعد بن أبي وقَّاص الزهري وعُكاشة بن محصن الأسدي، وعتبة بن غزوان السَّلَمي، وأبا حذيفة بن عتبة بن ربيعة، وسهيل ابن بيضاء، وعامر بن ربيعة، وواقد بن عبد الله الحنظليّ، وخالد بن بُكَير، وكتب معهم لأميرهم عبد الله بن جحش كتاباً وعهداً، ودفعه إليه، وقال : سِر على اسم الله، ولا تنظر في الكتاب حتى تسير يومين، فإذا نزلتَ، فافتح الكتاب واقرأه على أصحابك، ثُمَّ امْضِ إلى ما أمرتُك، ولا تستكرِهنَّ أَحَداً مِنْ أصحابك على السَّير معك، فسار عبد الله يومين، ثم نزل وفتح الكتاب، وإذا فيه «بسم اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم » أمَّا بعد : فسر على بركة اللهِ بمنْ معك مِنْ أصحابك ؛ حتَّى تنزل بطن نخلة(١٢)، فترصُد بها عير قريش ؛ لعلك تأتينا منهم بخبرٍ، فلمَّا نظر في الكتاب، قال سَمْعاً وطاعة، ثم قال لأَصحابه ذلك، وقال : إنَّهُ نَهَاني أَن أَستكره أحداً منكم ؛ فمن كان يريد الشهادة، فلينطلق معي، ومنْ كرِه، فليَرْجِع، ثم مَضَى، ومَضَى معه أصحابه، لم يتخلّف عنه منهم أحدٌ، حتى كان بمعدن فوق الفُرع يقال له نجران، أضلَّ سعد بن أبي وقَّاصٍ، وعتبة بن غزوان بعيراً لهما، كانا يعتقبانه ؛ فتخلفا عليه في طلبه ومضى ببقيةِ أصحابِه، حتى نزل «ببطنِ نَخْلَةَ » بين «مَكَّةَ » و«الطائف » فبينما هم كذلك، مرت عيرٌ لقريشٍ تحملُ زبيباً، وأدماً، وتجارة مِنْ تجارات الطائف فيهم عمرو بن الحضرمي والحكم بن كيسان، وعثمان بن عبد الله بن المغيرة، ونوفلُ بن عبد الله المخزوميَّان، فلما رأوْا أصحاب رسولِ الله - ﷺ - هابوهم، فقال عبد الله بن جحش إنَّ القومَ قد ذُعِروا منكم، فاحلقُوا رأس رجُلٍ منكم ؛ وليتعرض لهم، فحلقُوا رأس عُكَاشة، ثم أَشرفوا عليهم ؛ فقالوا : قومٌ عمَّارٌ، لا بأس عليكم فأمنوهم وكان ذلك في آخر يوم من جمادى الآخرة. فكانوا يرون أنَّه من جمادى، وهو مِنْ رجبٍ فتشاور القومُ، وقالوا : لئن تركتموهم الليلة ؛ ليدخُلنَّ الحرمَ، فليمنعُنّ به منكم، فأجمعوا أمرهم في مواقفة القومِ، فَرَمَى واقدُ بن عبد الله السَّهمي عمرو بن الحضرميّ بسهمٍ، فقتله، فكان أوَّلَ قتيلٍ من المشركين، واستأْسَرَ الحكم وعثمان، فكانا أَوَّلَ أَسيرين في الإسلام، وأفلت نوفلٌ فأعجزهم، واستاقَ المؤمنين العير والأَسيرين، حتَّى قَدِمُوا على رسول الله - ﷺ - في المدينةِ، فقالت قريشٌ : لقد استَحَلَّ محمدٌ الشهرَ الحرامَ ؛ فسفك فيه الدِّماءَ، وأخذ الأموال فما شَهْر يأْمَنُ فيه الخَائِنُ، وغير ذلك، فقال أهلُ «مكَّةَ » مَنْ كان بها من المسلمين وقالوا : يا معشرَ الصَّبَأة، استحللتُم الشهر الحرام، وقاتلتم فيه، فقال عبد الله بن جحش : يا رسول اللهِ : إنَّا قتلنا ابن الحضرمي، ثم أمسينا فنظرنا إلى هلال رجب فلا ندري : أفي رجبٍ أصبناه، أم في جمادى.
فوقَّف رسول اللهِ - ﷺ - العير، والأسَارى ؛ وأبى أن يأخُذ شيئاً من ذلك، فعظم ذلك على أصحاب السريَّة، وظنُّوا أن قد هلكُوا، وسُقِط في أيديهم، وأكثر الناس في ذلك، فأنزل اللهُ هذه الآية، فأخذ رسول الله - ﷺ - العير، فعزل منه الخمس، فكان أولَ خُمُسٍ في الإسلام، وقسَّمَ الباقي بين أصحاب السَّريَّةِ، وكان أول غنيمةٍ في الإسلام وبعث أهل مكة في فداء أسيرهما فقال : بل نبقيهما حتَّى يقدم سعدٌ وعتبة، وإنْ لم يَقْدُمَا، قتلناهُما بهما، فلمَّا قدما ؛ فاداهما، فأمَّا الحكم بن كيسان، فأسلَمَ، وأقام مع رسول الله - ﷺ - بالمدينةِ، فقُتِل يوم بئر معونة(١٣) شهيداً، وأَمَّا عثمان بن عبد الله، فرجع إلى مكة ؛ فمات بها كافِراً، وأَمَّا نوفل فضرب بطن فرسه يوم الأحزابِ(١٤) ؛ لي
أحدها : أنه خفضٌ على البدلِ من «الشَّهْرِ » بدلِ الاشتمالِ ؛ إذ القتالُ واقعٌ فيه، فهو مشتملٌ عليه.
والثاني : أنه خفضٌ على التَّكرير، قال أبو البقاء(١) :«يريدُ أنَّ التقديرَ : عَنْ قِتَالٍ فيه ». وهو معنى قول الفراء (٢) إِلاَّ أَنَّهُ قال : هُوَ مَخْفُوضٌ ب «عَنْ » مُضْمرَةً. وهذا ضعيفٌ جدّاً ؛ لأنَّ حرف الجرِّ لا يبقى عملهُ بعد حذفه في الاختيار. وهذا لا ينبغي أن يُعَدَّ خلافاً بين البصريين، والكسائي، والفراءِ ؛ لأنَّ البدل عند جمهور البصريين على نيَّة تكرار العامل، وهذا هو بعينه قولُ الكسائي.
وقوله : لأنَّ حرف الجرِّ لا يبقى عمله بعد حذفه إِنْ أراد في غير البدل، فمُسَلَّمٌ، وإن أراد في البدلِ، فممنوعٌ، وهذا هو الذي عناه الكسائي.
الثالث : قال أبو عبيدة(٣) :«إِنه خفضٌ على الجِوَارِ ».
قال أبو البقاء(٤) :«وهو أَبْعَدُ مِنْ قولهما - يعني الكسائيَّ والفراء - لأنَّ الجوار من مواضع الضَّرورة أو الشذوذِ، فلا يُحْمَلُ عليه ما وجدت عنه مَندُوحةٌ » وقال ابن عطية :«هُوَ خَطَأٌ ». قال أبو حيَّان إن كان أبو عبيدة عَنَى بالجوار المصطلح عليه فهو خَطَأٌ. وجهةُ الخطأِ أنَّ الخفض على الجوار عبارةٌ عن أَنْ يكون الشيءُ تابعاً لمرفوع، أو منصوب، من حيثُ اللفظُ والمعنى، فيُعدل به عن تَبَعيَّته لمتبوعه لفظاً، ويُخْفَضَ لمجاورته لمخفوض ؛ كقولهم :«هذا جُحْرُ ضَبِّ خَرِبٍ »، وكان مِنْ حقِّه الرفع ؛ لأنه مِنْ صفاتِ الجُحْر، لا من صفاتِ الضبِّ، ولهذه المسألةِ مزيدُ بيانٍ يأتي في موضعه إِنْ شاء اللهُ تعالى، و«قِتَالٍ » هنا ليس تابعاً لمرفوعٍ، أو منصوبٍ، وجاورَ مَخفوضاً فخُفِض.
وإن كان عنى أنه تابعٌ لمخفوضٍ فخفضُه بكونه جاور مخفوضاً، أي : فصار تابعاً له، لم يكنْ خطأً، إِلاَّ أنه أغمضَ في عبارته ؛ فالتبس بالمصطلح عليه.
وقرأ ابن عباس(٥) والأَعمش :«عَنْ قِتَالٍ » بإظهارِ «عَنْ » وهي في مُصْحَف عبد الله كذلك. وقرأ عكرمة(٦) :«قتْلٍ فِيهِ، قُلْ قَتْلٌ فِيهِ » بغير ألف.
وقُرئ(٧) شاذّاً :«قِتَالٌ فيه » بالرفع وفيه وجهان :
أحدهما : أنه مبتدأٌ، والجارُّ والمجرورُ بعده خبرٌ، وسَوَّغ الابتداءُ به وهو نكرةٌ ؛ أنه على نيةِ همزةِ الاستفهام، تقديره : أَقِتَالٌ فيه.
والثاني : أنه مرفوعٌ باسم فاعلٍ تقديرُه : أجائزٌ قتالٌ فيه، فهو فاعلٌ به. وعَبَّر أبو البقاء(٨) في هذا الوجه بأن يكونَ خبرَ محذوفٍ، فجاءَ رفعُه من ثلاثةِ أوجهٍ : إِمَّا مبتدأٌ، وإِمَّا فاعلٌ، وإمَّا خبرُ مبتدأ. قالوا : ويظهرُ هذا مِنْ حَيثُ إِنَّ سؤالهم لم يكن عن كينونةِ القتالِ في الشهرِ أم لا، وإنَّما كان سؤالهم : هل يجوزُ القتالُ فيه أم لا ؟ وعلى كِلا هذين الوجهين، فهذه الجملةُ المُستفهمُ عنها في محلِّ جرٍّ ؛ بدلاً من الشهرِ الحرامِ، لأنَّ «سَأَلَ » قد أخذ مفعوليه فلا تكونُ هي المفعول، وإن كانت محَطَّ السؤال.
وقوله :«فِيهِ » على قراءةِ خفضِ «قِتَالٍ » فيه وجهان :
أحدهما : أنه في محلِّ خفضٍ ؛ لأنه صفةٌ ل «قِتَالٍ ».
والثاني : أنه في محلِّ نصبٍ ؛ لتعلُّقه بقتال، لكونه مصدراً.
وقال أبو البقاء(٩) : كما يتعلَّقُ ب «قِتَالٍ » ولا حاجة إلى هذا التشبيهِ، فإنَّ المصدر عاملٌ بالحَمْلِ على الفعل.
فصل
والضميرُ في «يَسْأَلُونك » قيل للمؤمنين لما يأتي في سبب النزول، ولأن أكثر الحاضرين عند رسول الله - ﷺ - كانُوا مسلمين، فما قبل هذه الآية ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ﴾ [البقرة: ٢١٤] ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ﴾ [البقرة: ٢١٥] حكاية عن المؤمنين، وما بعدها كذلك وهو قوله :﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ﴾ [البقرة: ٢١٩]، ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى﴾ [البقرة: ٢٢٠] فوجب أن تكون هذه كذلك.
وروى سعيد بن جبير عن ابن عبَّاسٍ أنه قال : ما رأيتُ قوماً كانوا خيراً من أصحاب رسول الله - ﷺ - ما سألوه إلاَّ عن ثلاث عشرة مسألةً حتى قُبض، كلهن في القُرآنِ(١٠)، ومنها ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ﴾.
وقيل : الضمير للكفارِ ؛ سأَلُوا النبي - ﷺ - عن القتال في الشهر الحرام، فأَخبَرَهُم أنه حرامٌ ؛ فتركوا، واستحلوا قتالهم فيه فأنزل الله :﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ ولكن الصدّ عن سبيل اللهِ، وعن المسجدِ الحرام، والكُفرِ به، أكبرُ من هذا القتالِ. ﴿وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ﴾ فبيَّن تعالى أَنَّ غرضهم من هذا السؤال، أَنْ يقاتِلُوا المسلمين، ثم أنزل الله تعالى :﴿الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤] فصرَّح في هذه الآية بأن القتال على سبيل الدفع جائزٌ والألف واللامُ في «الشَّهْرِ الحرام » قيل : للعهد، وهو رجبٌ، وقيل : للجنسِ، فيعمُّ جميع الأشهرِ الُحُرُمِ.
قوله :﴿قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ جملةٌ من مبتدأ وخبرٍ، محلُّها النصبُ بقُلْ والمعنى : القتال في الشهر الحرام وجازَ الابتداءُ بالنكرةِ لأحدِ وجهينِ :
إمَّا الوصفُ، إذا جعلنا قوله :«فيه » صفةً له.
وإمَّا التخصيصُ بالعمل، إذا جعلناه متعلقاً بقتال، كما تقدَّم في نظيره.
فإِنْ قيل : قد تقدَّم لفظُ نكرة، وأُعيدت من غير دخول ألفٍ ولام عليها، وكان حقُّها ذلك، كقوله تعالى :﴿كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولاً فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ﴾ [المزمل: ١٥-١٦] لإِنَّه لو لم يكن كذلك، كان المذكور الثاني غير الأول، وهذا غيرُ واضحٍ ؛ لإِنَّ الألف كقوله :﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً﴾ [الشرح: ٥، ٦].
فقال أبو البقاء(١١) :«ليسَ المرادُ تعظيم القتالِ المذكور المسؤولِ عنه، حتى يُعادَ بالألف واللامِ، بل المراد تعظيمُ أيِّ قتالٍ كان، فعلى هذا «قِتَالٌ » الثاني غيرُ الأولِ، وهذا غيرُ واضحٍ ؛ لأنَّ الألف واللامَ في الاسمِ السَّابق المُعادِ أولاً لا تفيدُ تعظيماً، بل إنما تفيدُ العهدَ في الاسمِ السابقِ. وأَحسنُ منه قولُ بعضهم : إنَّ الثَّاني غير الأولِ، وذلك أنَّ سؤالهم عن قتالِ عبد الله جحش، وكان لنُصرة الإِسلامِ وخُذلان الكفرِ ؛ فليس من الكبائرِ، بل الذي من الكبائرِ قتالٌ غير هذا، وهو ما كانَ فيه إذلالُ الإِسلامِ، ونصرةُ الكُفْرِ، فاختير التنكير في هذين اللفظين ؛ لهذه الدقيقة، ولو جِيءَ بهما معرفتين، أو بأحدهما مُعرَّفاً، لَبَطَلَتْ هذه الفائدةُ.
فصل
روى أكثرُ المفسرين عن ابن عباسٍ : سبب نزولِ هذه الآية أن رسول الله - ﷺ - بعث عبد الله بن جحش الأَسديّ، وهو ابن عمَّته قبل قتال بدرٍ بشهرين على رأس سبعة شهراً من الهجرة وبعث معه ثمانية رهطٍ، من المهاجرين ؛ سعد بن أبي وقَّاص الزهري وعُكاشة بن محصن الأسدي، وعتبة بن غزوان السَّلَمي، وأبا حذيفة بن عتبة بن ربيعة، وسهيل ابن بيضاء، وعامر بن ربيعة، وواقد بن عبد الله الحنظليّ، وخالد بن بُكَير، وكتب معهم لأميرهم عبد الله بن جحش كتاباً وعهداً، ودفعه إليه، وقال : سِر على اسم الله، ولا تنظر في الكتاب حتى تسير يومين، فإذا نزلتَ، فافتح الكتاب واقرأه على أصحابك، ثُمَّ امْضِ إلى ما أمرتُك، ولا تستكرِهنَّ أَحَداً مِنْ أصحابك على السَّير معك، فسار عبد الله يومين، ثم نزل وفتح الكتاب، وإذا فيه «بسم اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم » أمَّا بعد : فسر على بركة اللهِ بمنْ معك مِنْ أصحابك ؛ حتَّى تنزل بطن نخلة(١٢)، فترصُد بها عير قريش ؛ لعلك تأتينا منهم بخبرٍ، فلمَّا نظر في الكتاب، قال سَمْعاً وطاعة، ثم قال لأَصحابه ذلك، وقال : إنَّهُ نَهَاني أَن أَستكره أحداً منكم ؛ فمن كان يريد الشهادة، فلينطلق معي، ومنْ كرِه، فليَرْجِع، ثم مَضَى، ومَضَى معه أصحابه، لم يتخلّف عنه منهم أحدٌ، حتى كان بمعدن فوق الفُرع يقال له نجران، أضلَّ سعد بن أبي وقَّاصٍ، وعتبة بن غزوان بعيراً لهما، كانا يعتقبانه ؛ فتخلفا عليه في طلبه ومضى ببقيةِ أصحابِه، حتى نزل «ببطنِ نَخْلَةَ » بين «مَكَّةَ » و«الطائف » فبينما هم كذلك، مرت عيرٌ لقريشٍ تحملُ زبيباً، وأدماً، وتجارة مِنْ تجارات الطائف فيهم عمرو بن الحضرمي والحكم بن كيسان، وعثمان بن عبد الله بن المغيرة، ونوفلُ بن عبد الله المخزوميَّان، فلما رأوْا أصحاب رسولِ الله - ﷺ - هابوهم، فقال عبد الله بن جحش إنَّ القومَ قد ذُعِروا منكم، فاحلقُوا رأس رجُلٍ منكم ؛ وليتعرض لهم، فحلقُوا رأس عُكَاشة، ثم أَشرفوا عليهم ؛ فقالوا : قومٌ عمَّارٌ، لا بأس عليكم فأمنوهم وكان ذلك في آخر يوم من جمادى الآخرة. فكانوا يرون أنَّه من جمادى، وهو مِنْ رجبٍ فتشاور القومُ، وقالوا : لئن تركتموهم الليلة ؛ ليدخُلنَّ الحرمَ، فليمنعُنّ به منكم، فأجمعوا أمرهم في مواقفة القومِ، فَرَمَى واقدُ بن عبد الله السَّهمي عمرو بن الحضرميّ بسهمٍ، فقتله، فكان أوَّلَ قتيلٍ من المشركين، واستأْسَرَ الحكم وعثمان، فكانا أَوَّلَ أَسيرين في الإسلام، وأفلت نوفلٌ فأعجزهم، واستاقَ المؤمنين العير والأَسيرين، حتَّى قَدِمُوا على رسول الله - ﷺ - في المدينةِ، فقالت قريشٌ : لقد استَحَلَّ محمدٌ الشهرَ الحرامَ ؛ فسفك فيه الدِّماءَ، وأخذ الأموال فما شَهْر يأْمَنُ فيه الخَائِنُ، وغير ذلك، فقال أهلُ «مكَّةَ » مَنْ كان بها من المسلمين وقالوا : يا معشرَ الصَّبَأة، استحللتُم الشهر الحرام، وقاتلتم فيه، فقال عبد الله بن جحش : يا رسول اللهِ : إنَّا قتلنا ابن الحضرمي، ثم أمسينا فنظرنا إلى هلال رجب فلا ندري : أفي رجبٍ أصبناه، أم في جمادى.
فوقَّف رسول اللهِ - ﷺ - العير، والأسَارى ؛ وأبى أن يأخُذ شيئاً من ذلك، فعظم ذلك على أصحاب السريَّة، وظنُّوا أن قد هلكُوا، وسُقِط في أيديهم، وأكثر الناس في ذلك، فأنزل اللهُ هذه الآية، فأخذ رسول الله - ﷺ - العير، فعزل منه الخمس، فكان أولَ خُمُسٍ في الإسلام، وقسَّمَ الباقي بين أصحاب السَّريَّةِ، وكان أول غنيمةٍ في الإسلام وبعث أهل مكة في فداء أسيرهما فقال : بل نبقيهما حتَّى يقدم سعدٌ وعتبة، وإنْ لم يَقْدُمَا، قتلناهُما بهما، فلمَّا قدما ؛ فاداهما، فأمَّا الحكم بن كيسان، فأسلَمَ، وأقام مع رسول الله - ﷺ - بالمدينةِ، فقُتِل يوم بئر معونة(١٣) شهيداً، وأَمَّا عثمان بن عبد الله، فرجع إلى مكة ؛ فمات بها كافِراً، وأَمَّا نوفل فضرب بطن فرسه يوم الأحزابِ(١٤) ؛ لي
١ - الإملاء لأبي البقاء ١/٩٢..
٢ - ينظر: معاني القرآن للفراء ١/١٤١..
٣ - ينظر: مجاز القرآن ١/٧٢..
٤ - ينظر: الإملاء لأبي البقاء ١/٩٢..
٥ - انظر: المحرر الوجيز ١/٢٩٠، والتخريجات النحوية ١٥١، والبحر المحيط ٢/١٥٤، ونسبها أيضا إلى الربيع. وانظر: الدر المصون ١/٥٢٧..
٦ - انظر: السابق..
٧ - نسبها القرطبي إلى الأعرج ٤٠، وانظر: البحر المحيط ٢/١٥٤، والدر المصون ١/٥٢٨..
٨ - ينظر: الإملاء لأبي البقاء ١/٩٢..
٩ - ينظر: الإملاء لأبي البقاء ١/ ٩٢..
١٠ - ينظر: تفسير الفخر الرازي (٦/ ٢٧)..
١١ - ينظر: الإملاء ١/٩٢..
١٢ - قرية قريبة من المدينة على طريق البصرة ينظر معجم البلدان ١/ ٥٣٣..
١٣ - قال ابن إسحاق: بئر معونة بين أرض بني عامر وحرة بني سليم وقيل: بئر معونة بين جبال يقال لها: أبلى في الطريق المصعد من المدينة إلى مكة وهي لبني سليم؛ قاله عرام. وقال أبو عبيدة في كتاب مقاتل الفرسان: بئر معونة ماء لبني عامر بن صعصعة. ينظر معجم البلدان ١/٣٥٨، ٣٥٩..
١٤ - في شوال سنة خمس من الهجرة خرجت قريش وغطفان في عشرة آلاف مقاتل، بعد أن دفعهم نفر من اليهود إلى ذلك، وما أن علم الرسول بخروجهم حتى ضرب الخندق على المدينة بمشورة سلمان الفارسي، وأقبلت قريش ومن تبعها من كنانة وأهل تهامة، حتى نزلت بمجتمع الأسيال، ونزلت غطفان، ومن تبعهم بجانب «أحد» وخرج الرسول-عليه السلام- في ثلاثة آلاف من المسلمين، فجعل ظهره إلى سهل «سلع» وضرب هنالك عسكره، والخندق بينه وبين القوم، وانضم بنو قريظة إلى جيش الأحلاف، فعظم بذلك البلاء على المسلمين، وبينما المسلمون على ذلك إذا بالخلاف يدب بين جيش الكفار بوساطة نعيم بن مسعود الغطفاني، وتهب عاصفة شديدة فتقلع الخيام، وتقلب قدور الطعام، وتهدم المعسكر فيرتحلون جميعا بغيظهم لم ينالوا خيرا، ويكفي الله المؤمنين شر القتال..
٢ - ينظر: معاني القرآن للفراء ١/١٤١..
٣ - ينظر: مجاز القرآن ١/٧٢..
٤ - ينظر: الإملاء لأبي البقاء ١/٩٢..
٥ - انظر: المحرر الوجيز ١/٢٩٠، والتخريجات النحوية ١٥١، والبحر المحيط ٢/١٥٤، ونسبها أيضا إلى الربيع. وانظر: الدر المصون ١/٥٢٧..
٦ - انظر: السابق..
٧ - نسبها القرطبي إلى الأعرج ٤٠، وانظر: البحر المحيط ٢/١٥٤، والدر المصون ١/٥٢٨..
٨ - ينظر: الإملاء لأبي البقاء ١/٩٢..
٩ - ينظر: الإملاء لأبي البقاء ١/ ٩٢..
١٠ - ينظر: تفسير الفخر الرازي (٦/ ٢٧)..
١١ - ينظر: الإملاء ١/٩٢..
١٢ - قرية قريبة من المدينة على طريق البصرة ينظر معجم البلدان ١/ ٥٣٣..
١٣ - قال ابن إسحاق: بئر معونة بين أرض بني عامر وحرة بني سليم وقيل: بئر معونة بين جبال يقال لها: أبلى في الطريق المصعد من المدينة إلى مكة وهي لبني سليم؛ قاله عرام. وقال أبو عبيدة في كتاب مقاتل الفرسان: بئر معونة ماء لبني عامر بن صعصعة. ينظر معجم البلدان ١/٣٥٨، ٣٥٩..
١٤ - في شوال سنة خمس من الهجرة خرجت قريش وغطفان في عشرة آلاف مقاتل، بعد أن دفعهم نفر من اليهود إلى ذلك، وما أن علم الرسول بخروجهم حتى ضرب الخندق على المدينة بمشورة سلمان الفارسي، وأقبلت قريش ومن تبعها من كنانة وأهل تهامة، حتى نزلت بمجتمع الأسيال، ونزلت غطفان، ومن تبعهم بجانب «أحد» وخرج الرسول-عليه السلام- في ثلاثة آلاف من المسلمين، فجعل ظهره إلى سهل «سلع» وضرب هنالك عسكره، والخندق بينه وبين القوم، وانضم بنو قريظة إلى جيش الأحلاف، فعظم بذلك البلاء على المسلمين، وبينما المسلمون على ذلك إذا بالخلاف يدب بين جيش الكفار بوساطة نعيم بن مسعود الغطفاني، وتهب عاصفة شديدة فتقلع الخيام، وتقلب قدور الطعام، وتهدم المعسكر فيرتحلون جميعا بغيظهم لم ينالوا خيرا، ويكفي الله المؤمنين شر القتال..