محتويات صفحة تفسير الآية

تجد في هذه الصفحة تفسير الآية ٢١٧ من سورة البقرة في ١٢٩ كتابًا من كتب التفسير، ومعاني غريب كلماتها، وإعرابها، وقراءات القراء العشرة فيها، و٥٩ قولًا من التفسير بالمأثور، وما يتصل بها من الموضوعات والوقفات والترجمات.

تفسير الآية ٢١٧ من سورة البقرة

١٢٩ كتابًا من كتب التفسير

جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري

عن الكتاب

القول في تأويل قوله تعالى :


﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدّ عَن سَبِيلِ اللّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِندَ اللّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتّىَ يَرُدّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِن اسْتَطَاعُواْ وَمَن يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلََئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدّنْيَا والآخرة وَأُوْلََئِكَ أَصْحَابُ النّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾
يعني بذلك جل ثناؤه : يسألك يا محمد أصحابك عن الشهر الحرام وذلك رجب عن قتال فيه. وخفض «القتال » على معنى تكرير عن عليه، وكذلك كانت قراءة عبد الله بن مسعود فيما ذكر لنا. وقد :
حدثت عن عمار بن الحسن، قال : حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع قوله : يَسألُونَكَ عَنِ الشّهْرِ الحَرَامِ قِتالٍ فِيهِ قال : يقول : يسألونك عن قتال فيه. قال : وكذلك كان يقرؤها :«عن قتال فيه ».
قال أبو جعفر : قل يا محمد قتال فيه، يعني في الشهر الحرام كبير : أي عظيم عند الله استحلاله، وسفك الدماء فيه.
ومعنى قوله : قِتالٍ فِيهِ قل القتال فيه كبير. وإنما قال : قل قتال فيه كبير، لأن العرب كانت لا تقرع فيه الأسنة، فيلقى الرجل قاتل أبيه أو أخيه فيه فلا يهيجه تعظيما له، وتسميه مضر «الأصمّ » لسكون أصوات السلاح وقعقعته فيه. وقد :
حدثني محمد بن عبد الله بن عبد الحكم المصري، قال : حدثنا شعيب بن الليث، قال : حدثنا الليث، قال : حدثنا الزبير، عن جابر قال : لم يكن رسول الله ﷺ يغزو في الشهر الحرام إلا أن يُغْزَى، أو يغزو حتى إذا حضر ذلك أقام حتى ينسلخ.
وقوله جل ثناؤه : وَصَدّ عَنْ سَبِيلِ اللّهِ ومعنى الصدّ عن الشيء : المنع منه، والدفع عنه، ومنه قيل : صدّ فلان بوجهه عن فلان : إذا أعرض عنه فمنعه من النظر إليه.
وقوله : وكُفْرٌ بِه يعني : وكفر بالله، والباء في به عائدة على اسم الله الذي في سبيل الله.
وتأويل الكلام : وصدّ عن سبيل الله، وكفر به، وعن المسجد الحرام وإخراج أهل المسجد الحرام، وهم أهله وولاته أكْبَرُ عِنْدَ اللّهِ من القتال في الشهر الحرام. فالصدّ عن سبيل الله مرفوع بقوله أكبرُ عنَد اللّهِ وقوله : وَإخْرَاجُ أهْلِهِ مِنْهُ عطف على الصدّ ثم ابتدأ الخبر عن الفتنة فقال : وَالفِتْنَةُ أكْبَرُ مِنَ القَتْلِ يعني : الشرك أعظم وأكبر من القتل، يعني من قتل ابن الحضرمي الذي استنكرتم قتله في الشهر الحرام.
وقد كان بعض أهل العربية يزعم أن قوله : وَالمَسْجِدِ الحَرَامِ معطوف على «القتال »، وأن معناه : يسألونك عن الشهر الحرام، عن قتال فيه، وعن المسجد الحرام، فقال الله جل ثناؤه : وَإخْرَاجُ أهْلِهِ مِنْهُ أكْبَرُ عِنْدَ اللّهِ من القتال في الشهر الحرام.
وهذا القول مع خروجه من أقوال أهل العلم، قول لا وجه له لأن القوم لم يكونوا في شكّ من عظيم ما أتى المشركون إلى المسلمين في إخراجهم إياهم من منازلهم بمكة، فيحتاجوا إلى أن يسألوا رسول الله ﷺ عن إخراج المشركين إياهم من منازلهم، وهل ذلك كان لهم ؟ بل لم يدّع ذلك عليهم أحد من المسلمين، ولا أنهم سألوا رسول الله ﷺ عن ذلك. وإذْ كان ذلك كذلك، فلم يكن القوم سألوا رسول الله ﷺ إلا عما ارتابوا بحكمه كارتيابهم في أمر قتل ابن الحضرمي، إذ ادّعوا أن قاتله من أصحاب رسول الله ﷺ قتله في الشهر الحرام، فسألوا عن أمره، لارتيابهم في حكمه. فأما إخراج المشركين أهل الإسلام من المسجد الحرام، فلم يكن فيهم أحد شاكا أنه كان ظلما منهم لهم فيسألوا عنه.
ولا خلاف بين أهل التأويل جميعا أن هذه الآية نزلت على رسول الله ﷺ في سبب قتل ابن الحضرمي وقاتله. ذكر الرواية عمن قال ذلك :
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا سلمة بن الفضل، عن ابن إسحاق، قال : ثني الزهري، ويزيد بن رومان عن عروة بن الزبير، قال : بعث رسول الله ﷺ عبد الله بن جحش في رجب مقفله من بدر الأولى، وبعث معه بثمانية رهط من المهاجرين، ليس فيهم من الأنصار أحد، وكتب له كتابا، وأمره أن لا ينظر فيه حتى يسير يومين ثم ينظر فيه فيمضي لما أمره، ولا يستكره من أصحابه أحدا. وكان أصحاب عبد الله بن جحش من المهاجرين من بني عبد شمس أبو حذيفة بن ربيعة ومن بني أمية بن عبد شمس، ثم من حلفائهم عبد الله بن جحش بن رياب، وهو أمير القوم، وعكّاشة بن محصن بن حرثان أحد بني أسد بن خزيمة، ومن بني نوفل بن عبد مناف عتبة بن غزوان حليف لهم، ومن بني زهرة بن كلاب : سعد بن أبي وقاص، ومن بني عديّ بن كعب عامر بن ربيعة حليف لهم، وواقد بن عبد الله بن مناة بن عويم بن ثعلبة بن يربوع بن حنظلة، وخالد بن البكير أحد بني سعد بن ليث حليف لهم، ومن بني الحرث بن فهر سهيل بن بيضاء. فلما سار عبد الله بن جحش يومين فتح الكتاب ونظر فيه، فإذا فيه :«إذا نظرت إلى كتابي هذا، فسر حتى تنزل نخلة بين مكة والطائف، فترصد بها قريشا، وتعلّم لنا من أخبارهم ». فلما نظر عبد الله بن جحش في الكتاب قال : سمعا وطاعة، ثم قال لأصحابه : قد أمرني رسول الله ﷺ أن أمضي إلى نخلة فأرصد بها قريشا حتى آتيه منهم بخبر، وقد نهاني أن أستكره أحدا منكم، فمن كان منكم يريد الشهادة ويرغب فيها فلينطلق، ومن كره ذلك فليرجع، فأما أنا فماض لأمر رسول الله ﷺ فمضى ومضى أصحابه معه، فلم يتخلف عنه أحد، وسلك على الحجاز، حتى إذا كان بمعدن فوق الفرُع يقال له نُجْران، أضل سعد بن أبي وقاص، وعتبة بن غزوان بعيرا لهما كانا عليه يعتقبانه، فتخلفا عليه في طلبه، ومضى عبد الله بن جحش وبقية أصحابه حتى نزل بنخلة، فمرّت به عير لقريش تحمل زبيبا وأدما وتجارة من تجارة قريش فيها منهم عمرو بن الحضرمي، وعثمان بن عبد الله بن المغيرة، وأخوه نوفل بن عبد الله بن المغيرة المخزوميان، والحكم بن كيسان مولى هشام بن المغيرة فلما رآهم القوم هابوهم، وقد نزلوا قريبا منهم، فأشرف لهم عكاشة بن محصن، وقد كان حلق رأسه فلما رأوه أمنوا وقالوا : عُمار فلا بأس علينا منهم وتشاور القوم فيهم، وذلك في أخر يوم من جمادى، فقال القوم : والله لئن تركتم القوم هذه الليلة ليدخلُنّ الحرم فليمتنعنّ به منكم، ولئن قتلتموهم لنقتلنهم في الشهر الحرام. فتردّد القوم فهابوا الإقدام عليهم، ثم شجعوا عليهم، وأجمعوا على قتل من قدروا عليه منهم، وأخذ ما معهم فرمى واقد بن عبد الله التميمي عمرو بن الحضرمي بسهم فقتله، واستأسر عثمان بن عبد الله، والحكم بن كيسان، وأفلت نوفل بن عبد الله فأعجزهم. وقدم عبد الله بن جحش وأصحابه بالعير والأسيرين، حتى قدموا على رسول الله ﷺ بالمدينة. وقد ذكر بعض آل عبد الله بن جحش أن عبد الله بن جحش قال لأصحابه : إن لرسول الله ﷺ مما غنمتم الخمس وذلك قبل أن يفرض الخمس من الغنائم. فعزل لرسول الله ﷺ خمس العير، وقسم سائرها على أصحابه فلما قدموا على رسول الله ﷺ قال :«ما أمَرْتُكُمْ بِقِتالٍ فِي الشّهْرِ الحَرَامِ »، فوقف العير والأسيرين، وأبى أن يأخذ من ذلك شيئا فلما قال رسول الله ﷺ ذلك، سُقِط في أيدي القوم، وظنوا أنهم قد هلكوا، وعنفهم المسلمون فيما صنعوا، وقالوا لهم : صنعتم ما لم تؤمروا به، وقاتلتم في الشهر الحرام ولم تؤمروا بقتال وقالت قريش : قد استحلّ محمد وأصحابه الشهر الحرام، فسفكوا فيه الدم، وأخذوا فيه الأموال وأسروا. فقال من يردّ ذلك عليهم من المسلمين ممن كان بمكة : إنما أصابوا ما أصابوا في جمادى وقالت يهود تتفاءل بذلك على رسول الله ﷺ : عمرو بن الحضرمي قتله واقد بن عبد الله، عمرو : عمرت الحرب، والحضرمي : حضرت الحرب، وواقد بن عبد الله : وقدت الحرب فجعل الله عليهم ذلك وبهم. فلما أكثر الناس في ذلك أنزل الله جل وعز على رسوله : يَسألُونَكَ عَنِ الشّهْرِ الحَرَامِ قِتالٍ فِيهِ أي عن قتال فيه قُلْ قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ إلى قوله : وَالفِتْنَةُ أكْبَرُ مِنَ القَتْلِ أي إن كنتم قتلتم في الشهر الحرام فقد صدوكم عن سبيل الله مع الكفر به، وعن المسجد الحرام، وإخراجكم عنه، إذ أنتم أهله وولاته، أكبر عند الله من قتل من قتلتم منهم وَالفِتْنَةُ أكْبَرُ مِنَ القَتْلِ أي قد كانوا يفتنون المسلم عن دينه حتى يردّوه إلى الكفر بعد إيمانه وذلك أكبر عند الله من القتل، ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا، أي هم مقيمون على أخبث ذلك وأعظمه، غير تائبين ولا نازعين فلما نزل القرآن بهذا من الأمر، وفرج الله عن المسلمين ما كانوا فيه من الشّفَق، قبض رسول الله ﷺ العير والأسيرين.
حدثني موسى بن هارون، قال : حدثنا عمرو بن حماد، قال : حدثنا أسباط، عن السدي : يَسألُونَكَ عَنِ الشّهْرِ الحَرَامِ قِتالٍ فِيهِ قُلْ قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وذلك أن رسول الله ﷺ بعث سرية وكانوا سبعة نفر، وأمّر عليهم عبد الله بن جحش الأسدي، وفيهم عمار بن ياسر، وأبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة، وسعد بن أبي وقاص، وعتبة بن غزوان السلمي حليف لبني نوفل، وسهيل بن بيضاء، وعامر بن فهيرة، وواقد بن عبد الله اليربوعي حليف لعمر بن الخطاب وكتب مع ابن جحش كتابا وأمره أن لا يقرأه حتى ينزل مَلَل، فلما نزل ببطن ملل فتح الكتاب، فإذا فيه : أن سر حتى تنزل بطن نخلة. فقال لأصحابه : من كان يريد الموت فليمض وليوص، فإني موص وماض لأمر رسول الله ﷺ فسار وتخلف عنه سعد بن أبي وقاص وعتبة بن غزوان أضلا راحلة لهما، فأتيا نُجْران يطلبانها، وسار ابن جحش إلى بطن نخلة، فإذا هم بالحكم بن كيسان، وعبد الله بن المغيرة، والمغيرة بن عثمان، وعمرو بن الحضرمي. فاقتتلوا، فأسروا الحكم بن كيسان وعبد الله بن المغيرة، وانفلت المغيرة، وقتل عمرو بن الحضرمي، قتله واقد بن عبد الله، فكانت أول غنيمة غنمها أصحاب محمد ﷺ فلما رجعوا إلى المدينة بالأسيرين وما غنموا من الأموال أراد أهل مكة أن يفادوا بالأسيرين، فقال النبيّ ﷺ :«حّتى نَنْظُرَ ما فَعَلَ صَاحِبانا » فلما رجع سعد وصاحبه فادى بالأسيرين، ففجر عليه المشركون وقالوا : محمد يزعم أنه يتبع طاعة الله، وهو أوّل من استحلّ الشهر الحرام وقتل صاحبنا في رجب، فقال المسلمون : إنما قتلناه في جمادى، وقيل في أول ليلة من رجب، وآخر ليلة من جمادى وغمد المسلمون سيوفهم حين دخل رجب، فأنزل الله جل وعز يعير أهل مكة : يَسألُونَكَ عَنِ الشّهْرِ الحَرَامِ قِتالٍ فِيهِ قُلْ قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ لا يحل
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
وأخرى، أن جميعَ أهل العلم بِسِيَر رسول الله ﷺ لا تتدافع أنّ بيعة الرضوان على قتال قريش كانت في ذي القعدة، وأنه ﷺ إنما دعا أصحابه إليها يومئذ، لأنه بلغه أن عثمان بن عفان قتله المشركون إذ أرسله إليهم بما أرسله به من الرسالة، فبايع ﷺ على أن يناجز القومَ الحربَ ويحاربَهم، حتى رجع عثمان بالرسالة، جرى بين النبي ﷺ وقريش الصلح، فكفَّ عن حربهم حينئذ وقتالهم. وكان ذلك في ذي القعدة، وهو من الأشهر الحرُم.
فإذ كان ذلك كذلك، فبيِّنٌ صحةُ ما قلنا في قوله:" يسألونك عن الشهر الحرام قتالٍ فيه قل قتالٌ فيه كبيرٌ"، وأنه منسوخ.
فإذا ظنّ ظانّ أن النهي عن القتال في الأشهر الحرُم كان بعد استحلال النبي ﷺ إياهن لما وصفنا من حروبه. فقد ظنّ جهلا. وذلك أن هذه الآية - أعني قوله:" يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه" - في أمر عبد الله بن جحش وأصحابه، وما كان من أمرهم وأمر القتيل الذي قتلوه، فأنزل الله في أمره هذه الآية في آخر جمادى الآخرة من السنة الثانية من مَقْدَم رسول الله ﷺ المدينةَ وهجرته إليها، وكانت وقعةُ حُنين والطائف في شوال من سنة ثمان من مقدمه المدينة وهجرته إليها، وبينهما من المدة ما لا يخفى على أحد.
* * *

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا﴾


قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره: ولا يزال مشركو قريش يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن قدروا على ذلك، كما:-
٤١٠٠ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة قال، حدثني ابن إسحاق قال، حدثني الزهري ويزيد بن رومان، عن عروة بن الزبير:" ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردُّوكم عن دينكم إن استطاعوا"، أي: هم مقيمون على أخبث ذلك وأعظمه، غيرُ تائبين ولا نازعين = يعني: على أن يفتنوا المسلمين عن دينهم حتى يردُّوهم إلى الكفر، كما كانوا يفعلون بمن قدروا عليه منهم قبل الهجرة. (١)
٤١٠١ - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله عز وجل:" ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردُّوكم عن دينكم إن استطاعوا"، قال: كفار قريش.
* * *
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢١٧)﴾
قال أبو جعفر: يعني بقوله جل ثناؤه:" ومن يرتدد منكم عن دينه"، من يرجع منكم عن دينه، كما قال جل ثناؤه: (فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا) [سورة الكهف: ٦٤] يعني بقوله:" فارتدَّا"، رجعا. ومن ذلك قيل:" استردّ فلان حقه من فلان"، إذا استرجعه منه. (٢)
وإنما أظهر التضعيف في قوله:" يرتدد" لأن لام الفعل ساكنة بالجزم، وإذا
(١) الأثر: ٤١٠٠ - هو بعض الأثر السالف: ٤٠٨٢. والكلام من أول قوله: "يعني: على أن يفتنوا... " ليس في سيرة ابن هشام، ولا في تاريخ الطبري. فإما أن يكون من كلام الطبري، أو من كلام ابن حميد، أو بعض رواة الأثر.
(٢) انظر ما سلف ٣: ١٦٣، وفهارس اللغة فيما سلف، ردد"

تفسير القرآن العظيم — ابن كثير

عن الكتاب
قال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي، حدثنا محمد بن أبي بكر المقدمي، حدثنا المعتمر بن سليمان، عن أبيه، حدثني الحَضْرَمي، عن أبي السَّوار، عن جُنْدَب بن عبد الله، أن رسول الله ﷺ بَعَثَ رَهْطًا، وبعث عليهم أبا عبيدة بن الجَرّاح [ أو عبيدة بن الحارث ](١) فلما ذهب ينطلق، بَكَى صَبَابة(٢) إلى رسول الله ﷺ، فَجَلَس، فبعث عليهم مكانه عبد الله بن جحش، وكتب له كتابًا، وأمره ألا يقرأ الكتاب حتى يبلغ مكان كذا وكذا، وقال : لا تُكْرِهَنّ أحدًا على السير معك من أصحابك. فلما قرأ الكتابَ استرجع، وقال : سمعًا وطاعة لله ولرسوله. فخبَّرهم الخبر، وقرأ عليهم الكتاب، فرجع رجلان، وبقي بقيَّتُهم، فلقوا ابن الحَضْرَمي فقتلوه، ولم يَدْرُوا أن ذلك اليوم من رجب أو من جُمَادى. فقال المشركون للمسلمين : قتلتم في الشهر الحرام ! فأنزل الله :﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ الآية.
وقال السدي، عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس - وعن مُرّة، عن ابن مسعود :﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ وذلك أن رسول الله ﷺ بعث سَرِيَّة، وكانوا سَبْعَة نفر، عليهم عبد الله بن جَحْش الأسدي، وفيهم عَمَّار بن ياسر، وأبو حذيفة بن عُتْبَة بن ربيعة، وسعد بن أبي وَقَّاص، وعتبة بن غَزْوان السُّلمي - حليف لبني نَوْفل - وسُهَيل بن بيضاء، وعامر بن فُهيرة، وواقد بن عبد الله اليَرْبوعي، حليف لعمر بن الخطاب. وكتب لابن جحش كتابًا، وأمره ألا يقرأه حتى ينزل بطن مَلَل(٣) فلما نزل بطن مَلَل(٤) فتح الكتاب، فإذا فيه : أنْ سِرْ حتى تنزل بطن نخلة. فقال لأصحابه : مَنْ كان يريد الموت فَلْيمض ولْيوص، فإنني مُوص وماض لأمر رسول الله ﷺ. فسار، فتخلف عنه سعد بن أبي وقَّاص، وعتبة، وأضلا راحلة لهما فَأتيا بُحْران(٥) يطلبانها، وسار ابنُ جحش إلى بطن نخلة، فإذا هو بالحكم بن كيسان، والمغيرة بن عثمان، وعمرو بن الحضرمي، وعبد الله بن المغيرة. وانفلت [ ابن ](٦) المغيرة، [ فأسروا الحكم بن كيسان والمغيرة ](٧) وقُتِل عَمْرو، قتله واقد بن عبد الله. فكانت أوّل غنيمة غنمها أصحاب النبي ﷺ.
فلما رجعوا إلى المدينة بالأسيرين(٨) وما أصابوا المال، أراد أهل مكة أن يفادوا الأسيرين، فقال النبي ﷺ :" حتى ننظر ما فعل صاحبانا " فلما رجع سعد وصاحبه، فادى بالأسيرين، ففجر عليه المشركون وقالوا : إن محمدًا يزعم أنه يتبع طاعة الله، وهو أول من استحل الشهر الحرام، وقتل صاحبنا في رجب. فقال المسلمون : إنما قتلناه في جمادى - وقيل : في أول رجب، وآخر ليلة من جمادى - وغمد المسلمون سيوفهم حين دخل شهر رجب. فأنزل الله يُعَيِّر أهل مكة :﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ لا يحل، وما صنعتم أنتم يا معشر المشركين أكبر من القتل في الشهر الحرام، حين كفرتم بالله، وصدَدْتم عنه محمدًا ﷺ وأصحابَه، وإخراجُ أهل المسجد الحرام منه، حين أخرجوا محمدًا ﷺ أكبر من القتل عند الله.
وقال العوفي، عن ابن عباس :﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ وذلك أنّ المشركين صَدّوا رسول الله ﷺ، وَرَدوه عن المسجد [ الحرام ](٩) في شهر حرام، ففتح الله على نبيه في شهر حَرَام من العام المقبل. فعاب المشركون على رسول الله ﷺ القتالَ في شهر حرام. فقال الله :﴿وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ﴾ من القتال فيه. وأنّ محمدًا ﷺ بعث سرية فلقوا عَمْرو بن الحضرمي، وهو مقبل من الطائف في آخر ليلة من جمادى، وأوّل ليلة من رجب. وأنّ أصحاب محمد ﷺ كانوا يظنون أن تلك الليلة من جمادى، وكانت أول رجب ولم يشعروا، فقتله رجل منهم وأخذوا ما كان معه. وأنّ المشركين أرسلوا يعيرونه بذلك. فقال الله :﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ وغير ذلك أكبر منه : صَدّ عن سبيل الله، وكفر به والمسجد الحرام، وإخراجُ أهله منه(١٠)، إخراج أهل المسجد الحرام أكبر من الذي أصابَ أصحابُ محمد ﷺ، والشرك أشد منه.
وهكذا روى أبو سَعد(١١) البقَّال، عن عكرمة، عن ابن عباس أنها أنزلت(١٢) في سَريَّة عبد الله بن جحش، وقتْل عمرو بن الحضرمي.
وقال محمد بن إسحاق : حدثني محمد بن السائب الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس قال : نزل فيما كان من مصاب عَمْرو بن الحضرمي :﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ﴾ إلى آخر الآية.
وقال عبد الملك بن هشام راوي السيرة، عن زياد بن عبد الله البكائي، عن محمد بن إسحاق بن يسار المدني، رحمه الله، في كتاب السيرة له، أنَّه قال : وبعث - يعني رسول الله ﷺ - عبد الله بن جَحش بن رئاب الأسدي في رجب، مَقْفَله من بدر الأولى، وبعث معه ثمانية رهط من المهاجرين، ليس فيهم من الأنصار أحد، وكتب له كتابًا، وأمره ألا ينظر فيه حتى يسير يومين ثم ينظر فيه، فيمضي لما أمره به، ولا يَسْتكره من أصحابه أحدًا. وكان أصحاب عبد الله بن جحش من المهاجرين. ثم من بني عبد شمس بن عبد مناف : أبو حذيفة بن عُتبة بن ربيعة بن عبد شمس بن عبد مناف، ومن حلفائهم : عبد الله بن جحش، وهو أمير القوم، وعُكَّاشة بن محْصن بن حُرْثان، أحد بني أسد ابن خزيمة، حليف لهم. ومن بني نَوفل بن عبد مناف : عتبة بن غَزْوَان بن جابر، حليف لهم. ومن بني زُهرة بن كلاب : سعد بن أبي وقاص. ومن بني عدي بن كعب : عامر بن ربيعة، حليف لهم من عَنز بن وائل، وواقد بن عبد الله بن عبد مناف بن عَرِين بن ثعلبة بن يربوع، أحد بني تميم، حليف لهم. وخالد بن البُكَير أحد بني سعد بن ليث، حليف لهم. ومن بني الحارث بن فِهْر : سُهَيل بن بيضاء.
فلما سار عبد الله بن جحش يومين فتح الكتاب فنظر فيه فإذا فيه :" إذا نظرت في كتابي هذا فامض حتى تنزل نخلة، بين مكة والطائف، ترصد بها قريشًا، وتعلم لنا من أخبارهم ". فلما نظر عبد الله بن جحش في الكتاب قال : سمعًا وطاعة. ثم قال لأصحابه : قد أمرني رسول الله ﷺ أن أمضي إلى نخلة، أرصد بها قريشًا، حتى آتيه منهم بخبر، وقد نهاني أن أستكره أحدًا منكم. فمن كان منكم يريد الشهادةَ ويرغب فيها فَلْيَنطلق، ومن كره ذلك فليرجع، فأما أنا فماض لأمر رسول الله ﷺ، فمضى ومضى معه أصحابه لم يتخلف عنه منهم أحد.
فسلك على الحجاز، حتى إذا كان بِمَعْدن، فوق الفُرْع، يقال له : بُحْران(١٣) أضلّ سعد بن أبي وقاص وعُتبة بن غزوان بعيرًا لهما، كانا يَعْتقبانه، فتخلفا عليه في طلبه، ومضى عبد الله بن جحش وبقية أصحابه حتى نزل بنخلة، فمرت به عير لقريش تحمل زبيبًا وأدمًا وتجارة من تجارة قريش، فيها : عمرو بن الحضرمي، وعثمان بن عبد الله بن المغيرة، وأخوه نوفل بن عبد الله المخزوميان، والحكم بن كَيسان، مولى هشام بن المغيرة.
فلما رآهم القوم هابوهم وقد نزلوا قريبًا منهم، فأشرف لهم عكاشة بن محصن، وكان قد حلق رأسه، فلما رأوه أمنُوا وقالوا : عُمَّار، لا بأس عليكم منهم. وتشاور القوم فيهم، وذلك في آخر يوم من رجب، فقال القوم : والله لئن تركتم القوم هذه الليلةَ ليدخلن الحرم، فليمتنعنّ منكم به، ولئن قتلتموهم لتقْتُلنَّهم في الشهر الحرام. فتردد القوم، وهابوا الإقدام عليهم، ثم شجعوا أنفسهم عليهم، وأجمعوا على قتل من قَدروا عليه منهم، وأخْذ ما معهم. فرمى واقدُ بن عبد الله التميمي(١٤) عمرَو بن الحضرمي بسهم فقتله، واستأسر عثمانَ بن عبد الله والحكم بن كيسان، وأفلت القوم نوفلُ بن عبد الله فأعجزهم. وأقبل عبد الله بن جحش وأصحابه بالعير والأسيرين، حتى قدموا على رسول الله ﷺ المدينة.
قال ابن إسحاق : وقد ذكر بعض آل عبد الله بن جحش : أن عبد الله قال لأصحابه : إن لرسول الله ﷺ مما غنمنا الخمس، وذلك قبل أن يَفْرض الله الخمس من المغانم، فعزل لرسول الله ﷺ خمس العير، وقسم سائرها بين أصحابه.
قال ابن إسحاق : فلما قدموا على رسول الله قال :" ما أمرتكم بقتال في الشهر الحرام ". فوقَّف العير والأسيرين، وأبى أن يأخذ من ذلك شيئًا، فلما قال ذلك رسول الله ﷺ أسقط في أيدي القوم، وظنوا أنهم قد هلكوا، وعنَّفهم إخوانهم من المسلمين فيما صنعوا. وقالت قريش : قد استحلّ محمد وأصحابه الشهرَ الحرام، وسفكوا فيه(١٥) الدم، وأخذوا فيه الأموال، وأسروا فيه الرجال. فقال من يَرُدّ عليهم من المسلمين ممن كان بمكة : إنما أصابوا ما أصابوا في شعبان.
وقالت : يهودُ تَفَاءلُ بذلك على رسول الله ﷺ : عمرو بن الحضرمي قتله واقد بن عبد الله : عمرو : عمرت الحرب، والحضرمي : حضرت الحرب، وواقد بن عبد الله : وقدت الحرب. فجعل الله عليهم ذلك لا لهم.
فلما أكثر الناس في ذلك أنزل الله على رسوله ﷺ :﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ﴾ أي : إن كنتم قتلتم في الشهر الحرام فقد صدوكم عن سبيل الله مع الكفر به، وعن المسجد الحرام، وإخراجكم منه وأنتم أهله أكبر عند الله من قتل من قتلتم (١٦) منهم، ﴿وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ﴾ أي : قد كانوا يفتنون المسلم في دينه، حتى يردوه إلى الكفر بعد إيمانه(١٧) فذلك أكبر عند الله من القتل :
﴿وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا﴾ أي : ثم هم مقيمون على أخبث ذلك وأعظمه، غير تائبين ولا نازعين.
قال ابن إسحاق : فلما نزل القرآن بهذا من الأمر، وفرج الله عن المسلمين ما كانوا فيه من الشَّفَق قبض رسول الله ﷺ العير والأسيرين، وبعثت إليه قريش في فداء عثمان بن عبد الله، والحكم بن كيسان، فقال رسول الله ﷺ : لا نُفْديكموهما حتى يقدم صاحبانا - يعني سعد بن أبي وقاص وعتبة ابن غَزْوان - فإنا نخشاكم عليهما، فإن تقتلوهما نقتل صاحبيكم. فقدم سعد وعتبة، فأفداهما رسول الله ﷺ منهم.
فأما الحكم بن كيسان فأسلم وحسُن إسلامه، وأقام عند رسول الله ﷺ حتى قتل يوم بئر معونة
١ زيادة من طـ، أ، و..
٢ في جـ: "بكى صبيانه"..
٣ في جـ: "مالك"..
٤ في جـ: "مالك"..
٥ في أ، و: "يجوبان"..
٦ زيادة من أ..
٧ زيادة من أ..
٨ في جـ، ط، أ، و: "بأسيرين"..
٩ زيادة من أ..
١٠ في جـ: "منه أكبر عند الله"..
١١ في ط: "أبو سعيد"..
١٢ في جـ، أ: "أنها نزلت"..
١٣ في جـ: "نجران"..
١٤ في أ: "السهمي"..
١٥ في جـ: "فيها"..
١٦ في جـ: "من قتل"..
١٧ في أ: "يفتنون المسلمين في دينهم حتى يردوهم إلى الكفر بعد إيمانهم"..
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
وَقَالَ الزُّهْرِيُّ: الجهادُ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ، غَزَا أَوْ قَعَدَ؛ فَالْقَاعِدُ عَلَيْهِ إذَا اسْتُعِينَ أَنْ يَعينَ، وَإِذَا استُغيثَ أَنْ يُغيثَ، وَإِذَا استُنْفرَ أَنْ يَنْفِرَ، وَإِنْ لَمْ يُحتَجْ إِلَيْهِ قَعَدَ.
قُلْتُ: وَلِهَذَا ثَبَت فِي الصَّحِيحِ (١) "مَنْ مَاتَ وَلَمْ يَغْزُ، وَلَمْ يُحَدِّثْ نَفْسَهُ بِغَزْوٍ مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً" (٢). وَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ يَوْمَ الْفَتْحِ: "لَا هِجْرَةَ، وَلَكِنْ جِهَادٌ ونيَّة، إِذَا اسْتُنْفِرْتُمْ فَانْفِرُوا" (٣).
وَقَوْلُهُ: ﴿وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ﴾ أَيْ: شَدِيدٌ عَلَيْكُمْ وَمَشَقَّةٌ. وَهُوَ كَذَلِكَ، فَإِنَّهُ إِمَّا أَنْ يُقْتَلَ أَوْ يجرحَ مَعَ (٤) مَشَقَّةِ السَّفَرِ ومجالدَة الْأَعْدَاءِ.
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ أَيْ: لِأَنَّ القتالَ يَعْقُبُهُ النَّصْرُ وَالظَّفَرُ عَلَى الْأَعْدَاءِ، وَالِاسْتِيلَاءُ عَلَى بِلَادِهِمْ، وَأَمْوَالِهِمْ، وذرَاريهم، وَأَوْلَادِهِمْ.
﴿وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ﴾ وَهَذَا عَامٌّ فِي الْأُمُورِ كُلِّهَا، قَدْ يُحِبّ المرءُ شَيْئًا، وَلَيْسَ لَهُ فِيهِ خِيَرَةٌ وَلَا مَصْلَحَةٌ. وَمِنْ ذَلِكَ القُعُود عَنِ الْقِتَالِ، قَدْ يَعْقُبُه اسْتِيلَاءُ الْعَدُوِّ عَلَى الْبِلَادِ وَالْحُكْمِ.
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ أَيْ: هُوَ أَعْلَمُ بِعَوَاقِبِ الْأُمُورِ مِنْكُمْ، وأخبَرُ بِمَا فِيهِ صَلَاحُكُمْ فِي دُنْيَاكُمْ وَأُخْرَاكُمْ؛ فَاسْتَجِيبُوا لَهُ، وَانْقَادُوا لِأَمْرِهِ، لَعَلَّكُمْ تَرْشُدُونَ.
﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢١٧) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَةَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢١٨)﴾
قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْمُقَدِّمِيُّ، حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ أَبِيهِ، حَدَّثَنِي الحَضْرَمي، عَنْ أَبِي السَّوار، عَنْ جُنْدَب بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثَ رَهْطًا، وَبَعَثَ عَلَيْهِمْ أَبَا عُبَيْدَةَ بْنَ الجَرّاح [أَوْ عُبَيْدَةَ بْنَ الْحَارِثِ] (٥) فَلَمَّا ذَهَبَ يَنْطَلِقُ، بَكَى صَبَابة (٦) إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَجَلَس، فَبَعَثَ عَلَيْهِمْ مَكَانَهُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جَحْشٍ، وَكَتَبَ لَهُ كِتَابًا، وَأَمَرَهُ ألا يقرأ
(١) في أ: "في الصحيحين".
(٢) صحيح مسلم برقم (١٩١٠) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
(٣) رواه البخاري في صحيحه برقم (١٨٣٤، ٢٧٨٣، ٢٨٢٥) ومسلم في صحيحه برقم (١٣٥٣) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما.
(٤) في أ: "على".
(٥) زيادة من طـ، أ، و.
(٦) في جـ: "بكى صبيانه".
الْكِتَابَ حَتَّى يَبْلُغَ مَكَانَ كَذَا وَكَذَا، وَقَالَ: لَا تُكْرِهَنّ أَحَدًا عَلَى السَّيْرِ مَعَكَ مِنْ أَصْحَابِكَ. فَلَمَّا قَرَأَ الكتابَ اسْتَرْجَعَ، وَقَالَ: سَمْعًا وَطَاعَةً لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ. فخبَّرهم الْخَبَرَ، وَقَرَأَ عَلَيْهِمُ الْكِتَابَ، فَرَجَعَ رَجُلَانِ، وَبَقِيَ بقيَّتُهم، فَلَقُوا ابْنَ الحَضْرَمي فَقَتَلُوهُ، وَلَمْ يَدْرُوا أَنَّ ذَلِكَ الْيَوْمَ مِنْ رَجَبٍ أَوْ مِنْ جُمَادى. فَقَالَ الْمُشْرِكُونَ لِلْمُسْلِمِينَ: قَتَلْتُمْ فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ! فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ الْآيَةَ.
وَقَالَ السُّدِّيُّ، عَنْ أَبِي مَالِكٍ، وَعَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ -وَعَنْ مُرّة، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ وَذَلِكَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثَ سَرِيَّة، وَكَانُوا سَبْعَة نَفَرٍ، عَلَيْهِمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَحْش الْأَسَدِيُّ، وَفِيهِمْ عَمَّار بْنُ يَاسِرٍ، وَأَبُو حُذَيْفَةَ بْنُ عُتْبَة بْنِ رَبِيعَةَ، وَسَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاص، وَعَتَبَةُ بْنُ غَزْوان السُّلمي -حَلِيفٌ لِبَنِي نَوْفل -وسُهَيل بْنُ بَيْضَاءَ، وَعَامِرُ بْنُ فُهيرة، وَوَاقِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ اليَرْبوعي، حَلِيفٌ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ. وَكَتَبَ لِابْنِ جَحْشٍ كِتَابًا، وَأَمَرَهُ أَلَّا يَقْرَأَهُ حَتَّى يَنْزِلَ بَطْنَ مَلَل (١) فَلَمَّا نَزَلَ بَطْنَ مَلَل (٢) فَتَحَ الْكِتَابَ، فَإِذَا فِيهِ: أنْ سِرْ حَتَّى تَنْزِلَ بَطْنَ نَخْلَةَ. فَقَالَ لِأَصْحَابِهِ: مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْمَوْتَ فَلْيمض ولْيوص، فَإِنَّنِي مُوص وَمَاضٍ لِأَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. فَسَارَ، فَتَخَلَّفَ عَنْهُ سَعْدُ بْنُ أَبِي وقَّاص، وَعُتْبَةُ، وَأَضَلَّا رَاحِلَةً لَهُمَا فَأتيا بُحْران (٣) يَطْلُبَانِهَا، وَسَارَ ابنُ جَحْشٍ إِلَى بَطْنِ نَخْلَةَ، فَإِذَا هُوَ بِالْحَكَمِ بْنِ كَيْسَانَ، وَالْمُغِيرَةِ بْنِ عُثْمَانَ، وَعَمْرِو بْنِ الْحَضْرَمِيِّ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُغِيرَةِ. وَانْفَلَتَ [ابْنُ] (٤) الْمُغِيرَةِ، [فَأَسَرُوا الْحَكَمَ بْنَ كَيْسَانَ وَالْمُغِيرَةَ] (٥) وقُتِل عَمْرو، قَتَلَهُ وَاقَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ. فَكَانَتْ أَوَّلَ غَنِيمَةٍ غَنِمَهَا أَصْحَابُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
فَلَمَّا رَجَعُوا إِلَى الْمَدِينَةِ بِالْأَسِيرَيْنِ (٦) وَمَا أَصَابُوا الْمَالَ، أَرَادَ أَهْلُ مَكَّةَ أَنْ يُفَادُوا الْأَسِيرَيْنِ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "حَتَّى نَنْظُرَ مَا فَعَلَ صَاحِبَانَا" فَلَمَّا رَجَعَ سَعْدٌ وَصَاحِبُهُ، فَادَى بِالْأَسِيرَيْنِ، فَفَجَرَ عَلَيْهِ الْمُشْرِكُونَ وَقَالُوا: إِنَّ مُحَمَّدًا يَزْعُمُ أَنَّهُ يَتْبَعُ طَاعَةَ اللَّهِ، وَهُوَ أَوَّلُ مَنِ اسْتَحَلَّ الشَّهْرَ الْحَرَامَ، وَقَتَلَ صَاحِبَنَا فِي رَجَبٍ. فَقَالَ الْمُسْلِمُونَ: إِنَّمَا قَتَلْنَاهُ فِي جُمَادَى -وَقِيلَ: فِي أَوَّلِ رَجَبٍ، وَآخِرِ لَيْلَةٍ مِنْ جُمَادَى -وَغَمَدَ الْمُسْلِمُونَ سُيُوفَهُمْ حِينَ دَخَلَ شَهْرُ رَجَبٍ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ يُعَيِّر أَهْلَ مَكَّةَ: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ لَا يَحِلُّ، وَمَا صَنَعْتُمْ أَنْتُمْ يَا مَعْشَرَ الْمُشْرِكِينَ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ، حِينَ كَفَرْتُمْ بِالْلَّهِ، وصدَدْتم عَنْهُ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأصحابَه، وإخراجُ أَهْلِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ مِنْهُ، حِينَ أَخْرَجُوا مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ عِنْدَ اللَّهِ.
وَقَالَ الْعَوْفِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ وَذَلِكَ أَنَّ الْمُشْرِكِينَ صَدّوا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَرَدوه عَنِ الْمَسْجِدِ [الْحَرَامِ] (٧) فِي شَهْرٍ حَرَامٍ، فَفَتَحَ اللَّهُ عَلَى نَبِيِّهِ فِي شَهْرٍ حَرَام مِنَ الْعَامِ الْمُقْبِلِ. فَعَابَ الْمُشْرِكُونَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ القتالَ فِي شَهْرٍ حَرَامٍ. فَقَالَ اللَّهُ: ﴿وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ﴾ مِنَ الْقِتَالِ فِيهِ. وَأَنَّ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثَ سَرِيَّةً فَلَقُوا عَمْرو بْنَ الْحَضْرَمِيِّ، وَهُوَ مُقْبِلٌ مِنَ الطَّائِفِ فِي آخِرِ لَيْلَةٍ مِنْ جُمَادَى، وَأَوَّلِ لَيْلَةٍ من
(١) في جـ: "مالك".
(٢) في جـ: "مالك".
(٣) في أ، و: "يجوبان".
(٤) زيادة من أ.
(٥) زيادة من أ.
(٦) في جـ، ط، أ، و: "بأسيرين".
(٧) زيادة من أ.
رَجَبٍ. وَأَنَّ أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانُوا يَظُنُّونَ أَنَّ تِلْكَ اللَّيْلَةَ مِنْ جُمَادَى، وَكَانَتْ أَوَّلَ رَجَبٍ وَلَمْ يَشْعُرُوا، فَقَتَلَهُ رَجُلٌ مِنْهُمْ وَأَخَذُوا مَا كَانَ مَعَهُ. وَأَنَّ الْمُشْرِكِينَ أَرْسَلُوا يُعَيِّرُونَهُ بِذَلِكَ. فَقَالَ اللَّهُ: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ وَغَيْرُ ذَلِكَ أَكْبَرُ مِنْهُ: صَدّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ، وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وإخراجُ أَهْلِهِ مِنْهُ (١)، إِخْرَاجُ أَهْلِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَكْبَرُ مِنَ الذِي أصابَ أصحابُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَالشَّرَكُ أَشَدُّ مِنْهُ.
وَهَكَذَا رَوَى أَبُو سَعد (٢) البقَّال، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهَا أُنْزِلَتْ (٣) فِي سَريَّة عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَحْشٍ، وقتْل عَمْرِو بْنِ الْحَضْرَمِيِّ.
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ السَّائِبِ الْكَلْبِيِّ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: نَزَلَ فِيمَا كَانَ مِنْ مُصَابِ عَمْرو بْنِ الْحَضْرَمِيِّ: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ﴾ إِلَى آخِرِ الْآيَةِ.
وَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ هِشَامٍ رَاوِي السِّيرَةِ، عَنْ زِيَادِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْبَكَّائِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ يَسَارٍ الْمَدَنِيِّ، رَحِمَهُ اللَّهُ، فِي كِتَابِ السِّيرَةِ لَهُ، أنَّه قَالَ: وَبَعَثَ -يَعْنِي رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -عبد اللَّهِ بْنَ جَحش بْنِ رِئَابٍ الْأَسَدِيَّ فِي رَجَبٍ، مَقْفَله مِنْ بَدْرٍ الْأُولَى، وَبَعَثَ مَعَهُ ثَمَانِيَةَ رَهْطٍ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ، لَيْسَ فِيهِمْ مِنَ الْأَنْصَارِ أَحَدٌ، وَكَتَبَ لَهُ كِتَابًا، وَأَمَرَهُ أَلَّا يَنْظُرَ فِيهِ حَتَّى يَسِيرَ يَوْمَيْنِ ثُمَّ يَنْظُرَ فِيهِ، فَيَمْضِي لِمَا أَمَرَهُ بِهِ، وَلَا يَسْتكره مِنْ أَصْحَابِهِ أَحَدًا. وَكَانَ أَصْحَابُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَحْشٍ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ. ثُمَّ مِنْ بَنِي عَبْدِ شَمْسِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ: أَبُو حُذَيْفَةَ بن عُتبة بن ربيعة بن عبد شمس بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ، وَمِنْ حُلَفَائِهِمْ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَحْشٍ، وَهُوَ أَمِيرُ الْقَوْمِ، وعُكَّاشة بْنُ محْصن بن حُرْثان، أحد بني أسد ابن خُزَيْمَةَ، حَلِيفٌ لَهُمْ. وَمِنْ بَنِي نَوفل بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ: عُتْبَةُ بْنُ غَزْوَان بْنِ جَابِرٍ، حَلِيفٌ لَهُمْ. وَمِنْ بَنِي زُهرة بْنِ كِلَابٍ: سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ. وَمِنْ بَنِي عَدِيِّ بْنِ كَعْبٍ: عَامِرُ بْنُ رَبِيعَةَ، حَلِيفٌ لَهُمْ مِنْ عَنز بْنِ وَائِلٍ، وَوَاقِدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ عَرِين بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ يَرْبُوعٍ، أَحَدُ بَنِي تَمِيمٍ، حَلِيفٌ لَهُمْ. وَخَالِدُ بْنُ البُكَير أَحَدُ بَنِي سَعْدِ بْنِ لَيْثٍ، حَلِيفٌ لَهُمْ. وَمِنْ بَنِي الْحَارِثِ بْنِ فِهْر: سُهَيل بْنُ بَيْضَاءَ.
فَلَمَّا سَارَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَحْشٍ يَوْمَيْنِ فَتَحَ الْكِتَابَ فَنَظَرَ فِيهِ فَإِذَا فِيهِ: "إِذَا نَظَرْتَ فِي كِتَابِي هَذَا فَامْضِ حَتَّى تَنْزِلَ نَخْلَةَ، بَيْنَ مَكَّةَ وَالطَّائِفِ، تَرْصُدَ بِهَا قُرَيْشًا، وَتَعْلَمَ لَنَا مِنْ أَخْبَارِهِمْ". فَلَمَّا نَظَرَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَحْشٍ فِي الْكِتَابِ قَالَ: سَمْعًا وَطَاعَةً. ثُمَّ قَالَ لِأَصْحَابِهِ: قَدْ أَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ أَمْضِيَ إِلَى نَخْلَةَ، أَرْصُدُ بِهَا قُرَيْشًا، حَتَّى آتِيَهُ مِنْهُمْ بِخَبَرٍ، وَقَدْ نَهَانِي أَنْ أَسْتَكْرِهَ أَحَدًا مِنْكُمْ. فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُرِيدُ الشهادةَ وَيَرْغَبُ فِيهَا فَلْيَنطلق، وَمَنْ كَرِهَ ذَلِكَ فَلْيَرْجِعْ، فَأَمَّا أَنَا فَمَاضٍ لِأَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَمَضَى وَمَضَى مَعَهُ أَصْحَابُهُ لَمْ يَتَخَلَّفْ عَنْهُ مِنْهُمْ أَحَدٌ.
فَسَلَكَ عَلَى الْحِجَازِ، حَتَّى إِذَا كَانَ بِمَعْدن، فَوْقَ الفُرْع، يُقَالُ لَهُ: بُحْران (٤) أضلّ سعد بن
(١) في جـ: "منه أكبر عند الله".
(٢) في ط: "أبو سعيد".
(٣) في جـ، أ: "أنها نزلت".
(٤) في جـ: "نجران".
أَبِي وَقَّاصٍ وعُتبة بْنُ غَزْوَانَ بَعِيرًا لَهُمَا، كَانَا يَعْتقبانه، فَتَخَلَّفَا عَلَيْهِ فِي طَلَبِهِ، وَمَضَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَحْشٍ وَبَقِيَّةُ أَصْحَابِهِ حَتَّى نَزَلَ بِنَخْلَةَ، فَمَرَّتْ بِهِ عِيرٌ لِقُرَيْشٍ تَحْمِلُ زَبِيبًا وَأُدْمًا وَتِجَارَةً مِنْ تِجَارَةِ قُرَيْشٍ، فِيهَا: عَمْرُو بْنُ الْحَضْرَمِيِّ، وَعُثْمَانُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُغِيرَةِ، وَأَخُوهُ نَوْفَلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْمَخْزُومِيَّانِ، وَالْحَكَمُ بْنُ كَيسان، مَوْلَى هِشَامِ بْنِ الْمُغِيرَةِ.
فَلَمَّا رَآهُمُ الْقَوْمُ هَابُوهُمْ وَقَدْ نَزَلُوا قَرِيبًا مِنْهُمْ، فَأَشْرَفَ لَهُمْ عُكَّاشَةُ بْنُ مِحْصَنٍ، وَكَانَ قَدْ حَلَقَ رَأْسَهُ، فَلَمَّا رَأَوْهُ أمنُوا وَقَالُوا: عُمَّار، لَا بَأْسَ عَلَيْكُمْ مِنْهُمْ. وَتَشَاوَرَ الْقَوْمُ فِيهِمْ، وَذَلِكَ فِي آخِرِ يَوْمٍ مِنْ رَجَبٍ، فَقَالَ الْقَوْمُ: وَاللَّهِ لَئِنْ تَرَكْتُمُ الْقَوْمَ هَذِهِ الليلةَ لَيَدْخُلُنَّ الْحَرَمَ، فَلَيَمْتَنِعُنَّ مِنْكُمْ بِهِ، وَلَئِنْ قَتَلْتُمُوهُمْ لتقْتُلنَّهم فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ. فَتَرَدَّدَ الْقَوْمُ، وَهَابُوا الْإِقْدَامَ عَلَيْهِمْ، ثُمَّ شَجَّعُوا أَنْفُسَهُمْ عَلَيْهِمْ، وَأَجْمَعُوا عَلَى قَتْلِ مَنْ قَدروا عَلَيْهِ مِنْهُمْ، وأخْذ مَا مَعَهُمْ. فَرَمَى واقدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ التَّمِيمِيُّ (١) عمرَو بْنَ الْحَضْرَمِيِّ بِسَهْمٍ فَقَتَلَهُ، وَاسْتَأْسَرَ عثمانَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ وَالْحَكَمَ بْنَ كَيْسَانَ، وَأَفْلَتَ الْقَوْمَ نوفلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ فَأَعْجَزَهُمْ. وَأَقْبَلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَحْشٍ وَأَصْحَابُهُ بِالْعِيرِ وَالْأَسِيرَيْنِ، حَتَّى قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَدِينَةَ.
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَقَدْ ذَكَرَ بَعْضُ آلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَحْشٍ: أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ قَالَ لِأَصْحَابِهِ: إِنَّ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِمَّا غَنِمْنَا الْخُمُسَ، وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يَفْرض اللَّهُ الْخُمُسَ مِنَ الْمَغَانِمِ، فَعَزَلَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خُمُسَ الْعِيرِ، وَقَسَمَ سَائِرَهَا بَيْنَ أَصْحَابِهِ.
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: فَلَمَّا قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ قَالَ: "مَا أَمَرْتُكُمْ بِقِتَالٍ فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ". فوقَّف الْعِيرَ وَالْأَسِيرَيْنِ، وَأَبَى أَنْ يَأْخُذَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا، فَلَمَّا قَالَ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُسْقِطَ فِي أَيْدِي الْقَوْمِ، وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ هَلَكُوا، وعنَّفهم إِخْوَانُهُمْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فِيمَا صَنَعُوا. وَقَالَتْ قُرَيْشٌ: قَدِ اسْتَحَلَّ مُحَمَّدٌ وَأَصْحَابُهُ الشهرَ الْحَرَامَ، وَسَفَكُوا فِيهِ (٢) الدَّمَ، وَأَخَذُوا فِيهِ الْأَمْوَالَ، وَأَسَرُوا فِيهِ الرِّجَالَ. فَقَالَ مَنْ يَرُدّ عَلَيْهِمْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ مِمَّنْ كَانَ بِمَكَّةَ: إِنَّمَا أَصَابُوا مَا أَصَابُوا فِي شَعْبَانَ.
وَقَالَتْ: يهودُ تَفَاءلُ بِذَلِكَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: عَمْرُو بْنُ الْحَضْرَمِيِّ قَتَلَهُ وَاقَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: عَمْرٌو: عَمَرَتِ الْحَرْبُ، وَالْحَضْرَمِيُّ: حَضَرَتِ الْحَرْبُ، وَوَاقِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: وَقَدَتِ الْحَرْبُ. فَجَعَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ لَا لَهُمْ.
فَلَمَّا أَكْثَرَ النَّاسُ فِي ذَلِكَ أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ﴾ أَيْ: إِنْ كُنْتُمْ قَتَلْتُمْ فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ فَقَدْ صَدُّوكُمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَعَ الْكُفْرِ بِهِ، وَعَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَإِخْرَاجُكُمْ مِنْهُ وَأَنْتُمْ أَهْلُهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ قَتْلِ مَنْ قَتَلْتُمْ (٣) مِنْهُمْ، ﴿وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ﴾ أَيْ: قَدْ كَانُوا يَفْتِنُونَ الْمُسْلِمَ فِي دِينِهِ، حَتَّى يَرُدُّوهُ إِلَى الْكُفْرِ بَعْدَ إِيمَانِهِ (٤) فَذَلِكَ أَكْبَرُ عند الله من القتل:
(١) في أ: "السهمي".
(٢) في جـ: "فيها".
(٣) في جـ: "من قتل".
(٤) في أ: "يفتنون المسلمين في دينهم حتى يردوهم إلى الكفر بعد إيمانهم".
﴿وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا﴾ أَيْ: ثُمَّ هُمْ مُقِيمُونَ عَلَى أَخْبَثِ ذَلِكَ وَأَعْظَمِهِ، غَيْرُ تَائِبِينَ وَلَا نَازِعِينَ.
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: فَلَمَّا نَزَلَ الْقُرْآنُ بِهَذَا مِنَ الْأَمْرِ، وَفَرَّجَ اللَّهُ عَنِ الْمُسْلِمِينَ مَا كَانُوا فِيهِ مِنَ الشَّفَق قَبَضَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْعِيرَ وَالْأَسِيرَيْنِ، وَبَعَثَتْ إِلَيْهِ قُرَيْشٌ فِي فِدَاءِ عُثْمَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، وَالْحَكَمِ بْنِ كَيْسَانَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَا نُفْديكموهما حَتَّى يَقْدَمَ صَاحِبَانَا -يَعْنِي سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ وعتبة ابن غَزْوان -فَإِنَّا نَخْشَاكُمْ عَلَيْهِمَا، فَإِنْ تَقْتُلُوهُمَا نَقْتُلْ صَاحِبَيْكُمْ. فَقَدِمَ سَعْدٌ وَعُتْبَةُ، فَأَفْدَاهُمَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْهُمْ.
فَأَمَّا الْحَكَمُ بْنُ كَيْسَانَ فَأَسْلَمَ وحسُن إِسْلَامُهُ، وَأَقَامَ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حتى قُتِلَ يَوْمَ بِئْرِ مَعُونَةَ شَهِيدًا. وَأَمَّا عُثْمَانُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ فَلَحِقَ بِمَكَّةَ، فَمَاتَ بِهَا كَافِرًا.
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: فَلَمَّا تَجَلَّى عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَحْشٍ وَأَصْحَابِهِ مَا كَانُوا فِيهِ حِينَ نَزَلَ الْقُرْآنُ، طَمعُوا فِي الْأَجْرِ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَنَطْمَعُ أَنْ تَكُونَ لَنَا غَزْوَةٌ نُعطَى فِيهَا أَجْرَ الْمُجَاهِدِينَ [الْمُهَاجِرِينَ] (١) ؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَةَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ فَوَضَعَهُمُ اللَّهُ مِنْ ذَلِكَ عَلَى أَعْظَمِ الرَّجَاءِ.
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَالْحَدِيثُ فِي هَذَا عَنِ الزُّهْرِيِّ، وَيَزِيدَ بْنِ رُومان، عَنْ عُرْوَةَ.
وَقَدْ رَوَى يُونُسُ بْنُ بُكَيْر، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ رُومَانَ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ قَرِيبًا مِنْ هَذَا السِّيَاقِ. وَرَوَى مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ عَنِ الزُّهْرِيِّ نَفْسِهِ، نَحْوَ ذَلِكَ.
وَرَوَى شُعَيْبُ بْنُ أَبِي حَمزة، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ نَحْوًا مِنْ هَذَا أَيْضًا، وَفِيهِ: فَكَانَ ابْنُ الْحَضْرَمِيِّ أَوَّلَ قَتِيلٍ قُتِلَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُشْرِكِينَ، فَرَكِبَ وَفْدٌ مِنْ كُفَّارِ قُرَيْشٍ حَتَّى قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْمَدِينَةِ فَقَالُوا: أَيَحِلُّ القتالُ فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ [قِتَالٍ فِيهِ] (٢)﴾ الْآيَةَ. وَقَدِ اسْتَقْصَى ذَلِكَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَيْهَقِيُّ فِي كِتَابِ "دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ".
ثُمَّ قَالَ ابْنُ هِشَامٍ عَنْ زِيَادٍ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ: وَقَدْ ذَكَرَ عَنْ بَعْضِ آلِ عَبْدِ اللَّهِ [بْنِ جَحْشٍ] (٣) أَنَّ اللَّهَ قَسَمَ الْفَيْءَ حِينَ أحلَّه، فَجَعَلَ أَرْبَعَةَ أَخْمَاسٍ لِمَنْ أَفَاءَهُ، وَخُمُسًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ. فَوَقَعَ عَلَى مَا كَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَحْشٍ صَنَعَ فِي تِلْكَ الْعِيرِ (٤).
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَهِيَ أَوَّلُ غَنِيمَةٍ غَنِمَهَا الْمُسْلِمُونَ. وَعَمْرُو بْنُ الْحَضْرَمِيِّ أَوَّلُ مَنْ قَتَلَ الْمُسْلِمُونَ، وَعُثْمَانُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وَالْحَكَمُ بْنُ كَيْسان أَوَّلُ مَنْ أَسَرَ الْمُسْلِمُونَ (٥).
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فِي غَزْوَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَحْشٍ، وَيُقَالُ: بَلْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَحْشٍ قَالَهَا، حِينَ قَالَتْ قُرَيْشٌ: قَدْ أَحَلَّ مُحَمَّدٌ وَأَصْحَابُهُ الشَّهْرَ الحرام، فسفكوا فيه
(١) زيادة من جـ.
(٢) زيادة من جـ، ط.
(٣) زيادة من أ.
(٤) السيرة النبوية لابن هشام (١/٦٠٥).
(٥) السيرة النبوية لابن هشام (١/٦٠٥).

تيسير الكريم الرحمن — السعدي

عن الكتاب
ولما كان الأمر بالقتال، لو لم يقيد، لشمل الأشهر الحرم وغيرها، استثنى تعالى، القتال في الأشهر الحرم فقال :﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾
الجمهور على أن تحريم القتال في الأشهر الحرم، منسوخ بالأمر بقتال المشركين حيثما وجدوا، وقال بعض المفسرين : إنه لم ينسخ، لأن المطلق محمول على المقيد، وهذه الآية مقيدة لعموم الأمر بالقتال مطلقا، ولأن من جملة مزية الأشهر الحرم، بل أكبر مزاياها، تحريم القتال فيها، وهذا إنما هو في قتال الابتداء، وأما قتال الدفع فإنه يجوز في الأشهر الحرم، كما يجوز في البلد الحرام.
ولما كانت هذه الآية نازلة بسبب ما حصل، لسرية عبد الله بن جحش، وقتلهم عمرو بن الحضرمي، وأخذهم أموالهم، وكان ذلك - على ما قيل - في شهر رجب، عيرهم المشركون بالقتال بالأشهر الحرم، وكانوا في تعييرهم ظالمين، إذ فيهم من القبائح ما بعضه أعظم مما عيروا به المسلمين، قال تعالى في بيان ما فيهم :﴿وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أي : صد المشركين من يريد الإيمان بالله وبرسوله، وفتنتهم من آمن به، وسعيهم في ردهم عن دينهم، وكفرهم الحاصل في الشهر الحرام، والبلد الحرام، الذي هو بمجرده، كاف في الشر، فكيف وقد كان في شهر حرام وبلد حرام ؟ ! ﴿وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ﴾ أي : أهل المسجد الحرام، وهم النبي ﷺ وأصحابه، لأنهم أحق به من المشركين، وهم عماره على الحقيقة، فأخرجوهم ﴿مِنْهُ﴾ ولم يمكنوهم من الوصول إليه، مع أن هذا البيت سواء العاكف فيه والباد، فهذه الأمور كل واحد منها ﴿أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ﴾ في الشهر الحرام، فكيف وقد اجتمعت فيهم ؟ ! فعلم أنهم فسقة ظلمة، في تعييرهم المؤمنين.
ثم أخبر تعالى أنهم لن يزالوا يقاتلون المؤمنين، وليس غرضهم في أموالهم وقتلهم، وإنما غرضهم أن يرجعوهم عن دينهم، ويكونوا كفارا بعد إيمانهم حتى يكونوا من أصحاب السعير، فهم باذلون قدرتهم في ذلك، ساعون بما أمكنهم، ﴿ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون﴾
وهذا الوصف عام لكل الكفار، لا يزالون يقاتلون غيرهم، حتى يردوهم عن دينهم، وخصوصا، أهل الكتاب، من اليهود والنصارى، الذين بذلوا الجمعيات، ونشروا الدعاة، وبثوا الأطباء، وبنوا المدارس، لجذب الأمم إلى دينهم، وتدخيلهم عليهم، كل ما يمكنهم من الشبه، التي تشككهم في دينهم.
ولكن المرجو من الله تعالى، الذي مَنّ على المؤمنين بالإسلام، واختار لهم دينه القيم، وأكمل لهم دينه، أن يتم عليهم نعمته بالقيام به أتم القيام، وأن يخذل كل من أراد أن يطفئ نوره، ويجعل كيدهم في نحورهم، وينصر دينه، ويعلي كلمته.
وتكون هذه الآية صادقة على هؤلاء الموجودين من الكفار، كما صدقت على من قبلهم :﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ﴾
ثم أخبر تعالى أن من ارتد عن الإسلام، بأن اختار عليه الكفر واستمر على ذلك حتى مات كافرا، ﴿فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ لعدم وجود شرطها وهو الإسلام، ﴿وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾
ودلت الآية بمفهومها، أن من ارتد ثم عاد إلى الإسلام، أنه يرجع إليه عمله الذي قبل ردته، وكذلك من تاب من المعاصي، فإنها تعود إليه أعماله المتقدمة.
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
{٢١٧} ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾.
الجمهور على أن تحريم القتال في الأشهر الحرم، منسوخ بالأمر بقتال المشركين حيثما وجدوا، وقال بعض المفسرين: إنه لم ينسخ، لأن المطلق محمول على المقيد، وهذه الآية مقيدة لعموم الأمر بالقتال مطلقا؛ ولأن من جملة مزية الأشهر الحرم، بل أكبر مزاياها، تحريم القتال فيها، وهذا إنما هو في قتال الابتداء، وأما قتال الدفع فإنه يجوز في الأشهر الحرم، كما يجوز في البلد الحرام.
ولما كانت هذه الآية نازلة بسبب ما حصل، لسرية عبد الله بن جحش، وقتلهم عمرو بن الحضرمي، وأخذهم أموالهم، وكان ذلك - على ما قيل - في شهر رجب، عيرهم المشركون بالقتال بالأشهر الحرم، وكانوا في تعييرهم ظالمين، إذ فيهم من القبائح ما بعضه أعظم مما عيروا به المسلمين، قال تعالى في بيان ما فيهم: ﴿وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أي: صد المشركين من يريد الإيمان بالله وبرسوله، وفتنتهم من آمن به، وسعيهم في ردهم عن دينهم، وكفرهم الحاصل في الشهر الحرام، والبلد الحرام، الذي هو بمجرده، كاف في الشر، فكيف وقد كان في شهر حرام وبلد حرام؟! ﴿وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ﴾ أي: أهل المسجد الحرام، وهم النبي ﷺ وأصحابه، لأنهم أحق به من المشركين، وهم عماره على الحقيقة، فأخرجوهم ﴿مِنْهُ﴾ ولم يمكنوهم من الوصول إليه، مع أن هذا البيت سواء العاكف فيه والباد، فهذه الأمور كل واحد منها ﴿أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ﴾ في الشهر الحرام، فكيف وقد اجتمعت فيهم؟! فعلم أنهم فسقة ظلمة، في تعييرهم المؤمنين.
ثم أخبر تعالى أنهم لن يزالوا يقاتلون المؤمنين، وليس غرضهم في أموالهم وقتلهم، وإنما غرضهم أن يرجعوهم عن دينهم، ويكونوا كفارا بعد إيمانهم حتى يكونوا من أصحاب السعير، فهم باذلون قدرتهم في ذلك، ساعون بما أمكنهم، ﴿ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون﴾.
وهذا الوصف عام لكل الكفار، لا يزالون يقاتلون غيرهم، حتى يردوهم عن دينهم، وخصوصا، أهل الكتاب، من اليهود والنصارى، الذين بذلوا الجمعيات، ونشروا الدعاة، وبثوا الأطباء، وبنوا المدارس، لجذب الأمم إلى دينهم، وتدخيلهم عليهم، كل ما يمكنهم من الشبه، التي تشككهم في دينهم.
ولكن المرجو من الله تعالى، الذي مَنّ على المؤمنين بالإسلام، واختار لهم دينه القيم، وأكمل لهم دينه، أن يتم عليهم نعمته بالقيام به أتم القيام، وأن يخذل كل من أراد أن يطفئ نوره، ويجعل كيدهم في نحورهم، وينصر دينه، ويعلي كلمته.
وتكون هذه الآية صادقة على هؤلاء الموجودين من الكفار، كما صدقت على من قبلهم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ﴾.
ثم أخبر تعالى أن من ارتد عن الإسلام، بأن اختار عليه الكفر واستمر على ذلك حتى مات كافرا، ﴿فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ﴾ لعدم وجود شرطها وهو الإسلام، ﴿وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾.
-[٩٨]-
ودلت الآية بمفهومها، أن من ارتد ثم عاد إلى الإسلام، أنه يرجع إليه عمله الذي قبل ردته، وكذلك من تاب من المعاصي، فإنها تعود إليه أعماله المتقدمة.
جميع كتب التفسير لهذه الآية (١٢٩ كتابًا)
جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري تفسير القرآن العظيم — ابن كثير تفسير القرآن العظيم — ابن كثير تيسير الكريم الرحمن — السعدي أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — الشنقيطي - أضواء البيان تيسير العلي القدير لاختصار تفسير ابن كثير — محمد نسيب الرفاعي أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير — أبو بكر الجزائري التفسير الميسر — مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور — حكمت بشير ياسين المختصر في تفسير القرآن الكريم — مركز تفسير للدراسات القرآنية تفسير مجاهد — مجاهد بن جبر غريب القرآن — زيد بن علي تفسير مقاتل بن سليمان — مقاتل بن سليمان تفسير الإمام مالك — مالك بن أنس تفسير الشافعي — الشافعي معاني القرآن — الفراء معاني القرآن للفراء — الفراء مجاز القرآن — أبو عبيدة معمر بن المثنى مجاز القرآن — أبو عبيدة تفسير القرآن — الصنعاني معاني القرآن — الأخفش غريب القرآن — ابن قتيبة الدِّينَوري تفسير التستري — سهل التستري معاني القرآن وإعرابه للزجاج — الزجاج تفسير ابن أبي حاتم — ابن أبي حاتم الرازي تأويلات أهل السنة — أبو منصور المَاتُرِيدي أحكام القرآن — الجصاص بحر العلوم — أبو الليث السمرقندي التقييد الكبير للبسيلي — البسيلي تفسير القرآن العزيز — ابن أبي زَمَنِين الكشف والبيان عن تفسير القرآن — الثعلبي الهداية الى بلوغ النهاية — مكي بن أبي طالب النكت والعيون — الماوردي النكت والعيون — الماوردي آراء ابن حزم الظاهري في التفسير — ابن حزم جهود ابن عبد البر في التفسير — ابن عبد البر تفسير القشيري — القشيري لطائف الإشارات — القشيري التفسير البسيط — الواحدي الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — الواحدي تفسير السمعاني — أبو المظفر السمعاني تفسير الراغب الأصفهاني — الراغب الأصفهاني أحكام القرآن — إلكيا الهراسي معالم التنزيل — البغوي معالم التنزيل — البغوي الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — الزمخشري المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز — ابن عطية أحكام القرآن — ابن العربي أحكام القرآن — ابن الفرس تذكرة الاريب في تفسير الغريب — ابن الجوزي زاد المسير في علم التفسير — ابن الجوزي مفاتيح الغيب — فخر الدين الرازي تفسير العز بن عبد السلام — عز الدين بن عبد السلام جهود القرافي في التفسير — القرافي أنوار التنزيل وأسرار التأويل — البيضاوي مدارك التنزيل وحقائق التأويل — أبو البركات النسفي التسهيل لعلوم التنزيل — ابن جُزَيِّ لباب التأويل في معاني التنزيل — الخازن البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي النهر الماد من البحر المحيط — أبو حيان الأندلسي الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحداد اليمني كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحداد اليمني تفسير ابن عرفة — ابن عرفة تفسير ابن عرفة — ابن عرفة التبيان في تفسير غريب القرآن — ابن الهائم تنوير المقباس من تفسير ابن عباس — الفيروزآبادي غرائب القرآن ورغائب الفرقان — نظام الدين القمي النيسابوري تفسير الجلالين — المَحَلِّي الجواهر الحسان في تفسير القرآن — الثعالبي نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — برهان الدين البقاعي جامع البيان في تفسير القرآن — الإيجي محيي الدين الدر المنثور في التأويل بالمأثور — السُّيوطي الدر المنثور في التأويل بالمأثور — السُّيوطي الصراط المستقيم في تبيان القرآن الكريم — الكَازَرُوني فتح الرحمن في تفسير القرآن — مجير الدين العُلَيْمي السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير — الشربيني إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم — أبو السعود روح البيان — إسماعيل حقي التفسير المظهري — المظهري البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — ابن عجيبة البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — ابن عجيبة التفسير المظهري — محمد ثناء الله المظهري حاشية الصاوي على تفسير الجلالين — الصاوي فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني فتح البيان في مقاصد القرآن — صديق حسن خان محاسن التأويل — جمال الدين القاسمي روح المعاني — الألوسي تفسير المنار — محمد رشيد رضا تفسير المنار — رشيد رضا تفسير المراغي — أحمد بن مصطفى المراغي تفسير المراغي — المراغي المصحف المفسّر — فريد وجدي التفسير القرآني للقرآن — عبد الكريم يونس الخطيب تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد — ابن عاشور زهرة التفاسير — محمد أبو زهرة زهرة التفاسير — أبو زهرة بيان المعاني — ملا حويش أوضح التفاسير — محمد عبد اللطيف الخطيب إعراب القرآن وبيانه — محيي الدين الدرويش التفسير الحديث — محمد عزة دروزة التفسير الحديث — دروزة تيسير التفسير — إبراهيم القطان تيسير التفسير — إبراهيم القطان صفوة البيان لمعاني القرآن — حسنين مخلوف الموسوعة القرآنية — إبراهيم الإبياري تفسير الشعراوي — الشعراوي تفسير الشعراوي — الشعراوي تفسير القرآن الكريم — ابن عثيمين تفسير القرآن الكريم — عبد الله محمود شحاتة التفسير الوسيط — محمد سيد طنطاوي التفسير المنير — وهبة الزحيلي حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن — محمد الأمين الهرري فتح الرحمن في تفسير القرآن — تعيلب التفسير الشامل — أمير عبد العزيز الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور — بشير ياسين التفسير الميسر — التفسير الميسر المنتخب في تفسير القرآن الكريم — المنتخب أيسر التفاسير — أسعد حومد التفسير الميسر — مجموعة من المؤلفين التفسير الواضح — محمد محمود حجازي المنتخب في تفسير القرآن الكريم — مجموعة من المؤلفين تفسير غريب القرآن - الكواري — كَامِلَة بنت محمد الكَوارِي صفوة التفاسير — محمد علي الصابوني كتاب نزهة القلوب — أبى بكر السجستاني كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحدادي اليمني مختصر تفسير ابن كثير — محمد علي الصابوني معاني الكلمات من كتاب السراج في بيان غريب القرآن — محمد الخضيري

غريب الكلمات ومعانيها

معاني الكلمات الغريبة في الآية

السراج في بيان غريب القرآن
وَالْفِتْنَةُ
الشِّرْكُ.

إعراب الآية ٢١٧ من سورة البقرة

من كتاب: إعراب القرآن

الخبر وهو بمعنى الذي وحذفت الياء لطول الاسم أي ما الذي ينفقونه وإن شئت كانت «ما» في موضع نصب بينفقون و «ذا» مع «ما» بمنزلة شيء واحد. قُلْ ما أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ «ما» في موضع نصب بأنفقتم وكذا وما تنفقوا وهو شرط والجواب: فَلِلْوالِدَيْنِ وكذا وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ.

[سورة البقرة (٢) : آية ٢١٦]

كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (٢١٦)
كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ اسم ما لم يسمّ فاعله. وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ ابتداء وخبر.

[سورة البقرة (٢) : آية ٢١٧]

يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ قِتالٍ فِيهِ قُلْ قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَإِخْراجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلا يَزالُونَ يُقاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كافِرٌ فَأُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (٢١٧)
يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ قِتالٍ فِيهِ وفي قراءة عبد الله عن قتال فيه وقراءة عكرمة «١» عن الشهر الحرام قتل فيه بغير ألف وكذا: قل قتل فيه كبير. وقرأ الأعرج ويسئلونك بالواو. عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ قِتالٍ فِيهِ قال أبو جعفر: الخفض عند البصريين على بدل الاشتمال، وقال الكسائي «٢» : هو مخفوض على التكرير أي عن قتال فيه، وقال الفراء «٣» : هو مخفوض على نيّة «عن»، وقال أبو عبيدة «٤» : هو مخفوض على الجوار. قال أبو جعفر: لا يجوز أن يعرب شيء على الجوار في كتاب الله عزّ وجلّ ولا في شيء من الكلام وإنما الجوار غلط وإنما وقع في شيء شاذّ وهو قولهم، هذا جحر ضبّ خرب. والدليل على أنه غلط قول العرب في التثنية: هذان جحرا ضبّ خربان، وإنما هذا بمنزلة الإقواء ولا يحمل شيء من كتاب الله عزّ وجلّ على هذا، ولا يكون إلّا بأفصح اللّغات وأصحّها، ولا يجوز إضمار «عن»، والقول فيه أنه بدل، وأنشد سيبويه: [الطويل] ٤٨-
فما كان قيس هلكه هلك واحدولكنّه بنيان قوم تهدّما «٥»
(١) عكرمة مولى ابن عباس. وردت عنه الرواية في حروف القرآن، روى عن مولاه وابن عمر. عرض عليه عمرو بن العلاء (ت ١٠٥ هـ)، ترجمته في غاية النهاية ١/ ٥١٥.
(٢) انظر البحر المحيط ٢/ ١٥٤.
(٣) انظر معاني القرآن للفراء ١/ ١٤١، والبحر المحيط: ٢/ ١٥٤.
(٤) انظر مجاز القرآن ١/ ٧٢.
(٥) الشاهد لعبدة بن الطبيب في ديوانه ٨٨، والأغاني ١٤/ ٧٨، ٢١/ ٢٩، وخزانة الأدب ٥/ ٢٠٤، وديوان المعاني ٢/ ١٧٥، وشرح ديوان الحماسة للمرزوقي ص ٧٩٢، وشرح المفصل ٣/ ٦٥، والشعر والشعراء ٢/ ٧٣٢، والكتاب ١/ ٢٠٨، ولمرداس بن عبدة في الأغاني ١٤/ ٨٦.
الإعراب الكامل من جميع الكتب مع تحليل الكلمات ←

سبب نزول الآية ٢١٧ من سورة البقرة

من كتاب: أسباب نزول القرآن - الواحدي

قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ﴾ الآية. [٢١٧].
أخبرنا أبو عبد الله محمد بن عبد الله الشيرازي، حدَّثنا أبو الفضل محمد بن عبد الله بن خِمَيْرُوَيْةِ الهروي، أخبرنا أبو الحسن علي بن محمد الخزاعي، حدَّثنا أبو اليمان: الحكم بن نافع، أخبرني شعيب بن أبي حمزة، عن الزهري، قال:
أخبرني عروة بن الزبير أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، بعث سرّية من المسلمين وأمرَ عليهم عبد الله بن جَحْش الأسدي، فانطلقوا حتى هبطوا نَخْلَة فوجدوا بها عمرو بن الحضرمي في عير تجارة لقريش، في يوم يقي من الشهر الحرام؛ فاختصم المسلمون فقال قائل منهم: لا نعلم هذا اليوم إلاَّ من الشهر الحرام، ولا نرى أن تستحلوه لطمع أَشْفَيْتُم عليه. فغلب عَلَى الأمْر الذين يريدون عرض الدنيا، فشدوا على ابن الحضرمي فقتلوه وغنموا عيره، فبلغ ذلك كفار قريش، وكان ابن الحضرمي أول قتيل قتل بين المسلمين وبين المشركين، فركب وفد من كفار قريش حتى قدموا على النبي صلى الله عليه وسلم، فقالوا: أَتُحِلُّ القتال في الشهر الحرام؟ فأنزل الله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلشَّهْرِ ٱلْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ﴾ إلى آخر الآية.
أخبرنا أبو بكر أحمد بن محمد الحارثي. أخبرني عبد الله بن محمد بن جعفر، حدَّثنا عبد الرحمن بن محمد الرازيّ، حدَّثنا سهل بن عثمان، حدَّثنا يحيى بن أبي زائدة عن محمد بن إسحاق، عن الزّهري قال.
بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم، عبد الله بن جحش ومعه نفر من المهاجرين، فقتل عبد الله بن وَاقِد الليثيُّ عمرو بن الحضرمي، في آخر يوم من رجب وأسروا رجلين، واستاقوا العير، فوقف على ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، وقال: لم آمركم بالقتال في الشهر الحرام. فقالت قريش: استحل محمد الشهر الحرام، فنزلت ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلشَّهْرِ ٱلْحَرَامِ﴾ إلى قوله: ﴿وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ﴾ أي قد كانوا يفتنونكم وأنتم في حرم الله بعد إيمانكم، وهذا أكبر عند الله من أن تقتلوهم في الشهر الحرام مع كفرهم بالله.
قال الزهري: لما نزل هذا قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم العير وفَادَى الأسيرين. ولما فرّج الله تعالى عن أهل تلك السرية ما كانوا فيه من غم، طمعوا فيما عند الله من ثوابه، فقالوا: يا نبي الله أنطمع أن تكون غزوة ولا نعطى فيها أجر المجاهدين في سبيل الله، فأنزل الله تعالى فيها: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ﴾ الآية.
قال المفسرون: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم، عبد الله بن جحش، وهو ابن عمة النبي صلى الله عليه وسلم، في جمادى الآخرة، قبل قتال بدر بشهرين، على رأس سبعة عشر شهراً من مقدمه المدينة، وبعث معه ثمانية رهط من المهاجرين: سعد بن أبي وقّاص الزهري، وعُكَّاشَة بن محْصَن الأسدي، وعُتْبة بن غَزْوان السلمي، وأبا حُذَيْفَة بن عتبة بن ربيعة، وسُهَيْل بن بيضاء، وعامر بن ربيعة، ووَاقِد بن عبد الله، وخالد بن بُكَيْر؛ وكتب لأميرهم عبد الله بن جحش كتاباً وقال: سر على اسم الله، ولا تنظر في الكتاب حتى تسير يومين، فإذا نزلت منزلين فافتح الكتاب واقرأه على أصحابك، ثم امض لما أمرتك، ولا تستكرهن أحداً من أصحابك على المسير معك، فسار عبد الله يومين، ثم نزل وفتح الكتاب فإذا فيه: "بسم الله الرحمن الرحيم. أما بعد، فسر على بركة الله بمن تبعك من أصحابك حتى تنزل بطن نَخْلَةَ، فترصَّد بها عير قريش لعلّك أن تأتينا منه بخبر" فلما نظر عبد الله في الكتاب قال: سمعاً وطاعة، ثم قال لأصحابه ذلك وقال: إنه قد نهاني أن أستكره أحداً منكم، حتى إذا كان بمَعْدِن فوق الفُرُع، وقد أضل سعد بن ابي وقّاص وعُتْبة بن غَزْوان بعيراً لهما كانا يَعْتَقِبَانِه، فأستأذنا أن يتخلفا في طلب بعيرهما، فأذن لهما، فتخلفا في طلبه، ومضى عبد الله ببقية أصحابه حتى وصلوا بَطْنَ نَخْلة بين مكة والطائف، فبيناهم كذلك إذ مرت بهم عير لقريش تحمل زبيباً وأَدَماً وتجارة من تجارة الطائف، فيهم عمرو بن الحَضْرَمِيّ، والحكم بن كَيْسَان، وعثمان بن عبد الله بن المغيرة، ونَوْفل بن عبد الله، المَخْزُومِيَّان. فلما رأوا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، هابوهم، فقال عبد الله بن جحش: إن القوم قد ذعروا منكم، فاحلقوا رأس رجل منكم فليتعرض لهم، فإذا رأوه محلوقاً أمنوا وقالوا: قوم عُمَّار، فحلقوا رأس عُكَّاشَة، ثم أشرف عليهم فقالوا: قوم عُمَّار لا بأس عليكم. فأمنوهم، وكان ذلك في آخر يوم من جمادى الآخرة، وكانوا يرون أنه من جمادى أو هو رجب، فتشاور القوم فيهم وقالوا: لئن تركتموهم هذه الليلة ليَدخلُن الحَرمَ فليمتنعن منكم، فاجمعوا أمرهم في مُوَاقَعَة القوم، فرمى وَاقِد بن عبد الله التَّمِيمِي عمرو بن الحضرمي بسهم فقتله، فكان أول قتيل من المشركين، واستأسر الحكم وعثمان، فكانا أول أسيرين في الإسلام. وأفلت نوفل وأعجزهم. واستاق المؤمنون العير والأسيرين حتى قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، بالمدينة فقالت قريش: قد استحل محمد الشهر الحرام، شهراً يأمن فيه الخائف ويَيْذَعِرُّ الناس لمعاشهم، فسفكَ فيه الدماء وأخذ فيه الحَرَائب، وعير بذلك أهلُ مكة من كان بها من المسلمين فقالوا: يا معشر الصُّبَاة، استحللتم الشهر الحرام فقاتلتم فيه. وتفاءلت اليهود بذلك وقالوا وَاقِد: وقَدَت الحرب وعمْرو: عَمَرَت الحرب والحَضْرَمي: حَضَرَت الحرب، وبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال لابن جحش واصحابه: ما أمرتكم بالقتال في الشهر الحرام، ووَقَّفَ العير والأسيرين، وأبى أن يأخذ من ذلك شيئاً، فعظم ذلك على أصحاب السرية، وظنوا أن قد هلكوا، وسُقِطَ في أيديهم، وقالوا: يا رسول الله، إنا قتلنا ابن الحضرمي ثم أمسينا فنظرنا إلى هلال رجب، فلا ندري أفي رجب أصبناه أو في جمادى؟ وأكثر الناس في ذلك، فأنزل الله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلشَّهْرِ ٱلْحَرَامِ﴾ الآية. فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم العير فعزل منها الخمس، فكان أول خمس في الإسلام، وقسم الباقي بين اصحاب السَّرِيَّة فكان أول غنيمة في الإسلام. وبعث أهل مكة في فداء أسيريهم فقال: بل نَقِفُهما حتى يقدم سعد وعتبة، فإن لم يقدما قتلناهما بهما. فلما قدما فاداهما.
وأما الحكم بن كَيْسَان فأسلم وأقام مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة فقتل يوم بئر معونة شهيداً.
وأما عثمان بن عبد الله فرجع إلى مكة فمات بها كافراً.
وأما نَوْفَل فَضَرَب بطنَ فرسه يوم الأحزاب ليدخل الخندق على المسلمين فوقع في الخندق مع فرسه فتحطما جميعاً. فقتله الله تعالى وطلب المشركون جيفته بالثمن، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: خذوه فإنه خبيث الجيفة، خبيث الدية.
فهذا سبب نزول قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلشَّهْرِ ٱلْحَرَامِ﴾ والآية التي بعدها.

القراءات في الآية ٢١٧ من سورة البقرة

اختلاف القراء العشرة في كلمات الآية

النَّارِ

بالإمالة

الدوري عن أبي عمرو السوسي عن أبي عمرو الدوري عن الكسائي

بالتقليل

ورش عن نافع

بالفتح

إدريس عن خلف قالون عن نافع إسحاق عن خلف روح عن يعقوب رويس عن يعقوب ابن جمّاز عن أبي جعفر ابن وردان عن أبي جعفر أبو الحارث عن الكسائي خلاد عن حمزة خلف عن حمزة حفص عن عاصم شعبة عن عاصم ابن ذكوان عن ابن عامر هشام عن ابن عامر قنبل عن ابن كثير البزي عن ابن كثير
صفحة القراءات الكاملة لهذه الآية ←

الموضوعات القرآنية للآية ٢١٧ من سورة البقرة

١٧ موضوعًا تتناولها هذه الآية

أقوال المفسرين في الآية — التفسير بالمأثور

٥٩ قولًا من موسوعة التفسير بالمأثور

تفسير

٣٣ قولًا
١
عن إسماعيل السُّدِّيِّ -من طريق أسباط- قال: وإخراجُ أهل المسجد الحرام منه -حين أخرجوا محمدًا وأصحابَه- أكبرُ من القتل عند الله١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٣‏/‏٦٥٤-٦٥٥، وفي تاريخه ٢‏/‏٤١٣-٤١٤.
٢
قال مقاتل بن سليمان: ﴿وصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ يعني: دين الإسلام، ﴿وكُفْرٌ بِهِ﴾ أي: وكفرٌ بالله، ﴿وصد عن المَسْجِدِ الحَرامِ وإخْراجُ أهْلِهِ مِنهُ﴾ من عند المسجد الحرام، فذلك صَدُّهم، وذلك أنّهم أخْرَجُوا النبي ﷺ وأصحابَه من مكة ﴿أكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ فهذا أكبر عند الله مِن القتل، والأَسْر، وأَخْذِ الأموال١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ١‏/‏١٨٦.
٣
عن عبد الله بن عمر: ﴿والفِتْنَةُ أكْبَرُ مِنَ القَتْلِ﴾، قال: الشرك١
التخريج
  1. ١علَّقه ابن أبي حاتم ٢‏/‏٣٨٧ (عَقِب ٢٠٣٥). وعزاه السيوطي إلى ابن المنذر.
٤
عن جُندُب بن عبد الله -من طريق أبي السَّوّار- ﴿والفِتْنَةُ أكْبَرُ مِنَ القَتْلِ﴾، قال: الشِّرْك١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٣‏/‏٦٥٦، وابن أبي حاتم ٢‏/‏٣٨٧ (٢٠٣٥).
٥
عن عروة بن الزبير -من طريق الزهري، ويزيد بن رُومان- في قوله تعالى: ﴿قل قتال فيه كبير﴾ إلى قوله: ﴿والفتنة أكبر من القتل﴾، أي: قد كانوا يَفْتِنونكم في دينكم وأنتُم في حُرْمَةِ الله، حتى تكفروا بعد إيمانكم، فهذا أكبرُ عند الله من أن تقتلوهم في الشهر الحرام١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٣‏/‏٦٥٣، وابن أبي حاتم ٢‏/‏٣٨٦ (٢٠٣٤) واللفظ له.
٦
عن مِقْسَم -من طريق مَعْمَر، عن الزُّهْرِيِّ- قوله: ﴿والفتنة﴾، يقول: الشِّرْكُ الذي أنتم فيه أكبر من ذلك أيضًا١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٣‏/‏٦٥٧.
٧
قال مجاهد بن جبر -من طريق ابن أبي نَجِيح- ﴿والفتنة أكبر من القتل﴾، يعني: الكفر بالله وعبادة الأوثان أكبرُ من هذا كله١
التخريج
  1. ١تفسير مجاهد ص٢٣٢، وأخرجه ابن جرير ٣‏/‏٦٥٩ من طريق ابن جريج، وكذا الحربيُّ في غريب الحديث ٣‏/‏٩٣١ نحوه.
٨
عن عامر الشعبي -من طريق إسماعيل بن سالم- في قوله: ﴿والفتنة أكبر من القتل﴾، قال: يعني به: الكفر١٢
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٣‏/‏٦٦٠.
تعليقات المحققين
  1. ٢ذكر ابنُ عطية (١/٥٢٥) أنّ المعنى على هذا القول: كفرُكم أشدُّ من قتلِنا أولئك. وذكر أنّ هناك من قال: والفتنةُ أكبرُ مِن أن لو قتلوا ذلك المفتون. وعلَّق عليه بقوله: «أي: فعلُكم على كل إنسان أشدُّ مِن فعلِنا».
٩
عن أبي مالك الغِفارِي -من طريق حُصَيْن بن عبد الرحمن- قال: ﴿والفتنة﴾ التي أنتم عليها مقيمون، يعني: الشرك ﴿أكبر من القتل﴾١
التخريج
  1. ١أخرجه آدم بن أبي إياس -كما في تفسير مجاهد ص٢٣٢-، وابن جرير ٣‏/‏٦٥٩. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد.
١٠
عن قتادة بن دِعامة -من طريق سعيد- ﴿وإخراجُ أهله منه أكبر عند الله﴾ من ذلك. ثُمَّ عَيَّر المشركين بأعمالهم؛ أعمالِ السوء، فقال: ﴿والفتنة أكبر من القتل﴾ أي: الشرك بالله أكبرُ من القتل١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٣‏/‏٦٦٠.
١١
عن إسماعيل السدي -من طريق أسباط- ﴿والفتنة﴾: وهي الشرك، أعظمُ عند الله من القتل في الشهر الحرام١٢
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٣‏/‏٦٥٤-٦٥٥، وفي تاريخه ٢‏/‏٤١٣-٤١٤.
تعليقات المحققين
  1. ٢علَّق ابنُ القيم (١/١٧٣) على تفسير الفتنة بالشرك مُسْتَدِلًّا بالقرآن بقوله: «ويدُلُّ عليه قولُه: ﴿ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا والله ربنا ما كنا مشركين﴾ [الأنعام:٢٣]، أي: لم يكن مآلُ شركهم وعاقبتُه وآخرُ أمرِهم إلا أن تَبَرَّءوا منه وأنكروه». ثُمَّ قال: «وحقيقتُها: أنها الشرك الذي يدعو صاحبُه إليه، ويُقاتِل عليه، ويُعاقِب من لم يَفْتَتِن به، ولهذا يُقال لهم وقت عذابهم بالنار وفتنتهم بها: ﴿ذوقوا فتنتكم﴾ [الذاريات:١٤]».
١٢
قال مقاتل بن سليمان: ثُمَّ قال سبحانه: ﴿والفِتْنَةُ﴾ يعني: الإشراك الذي أنتم فيه ﴿أكْبَرُ﴾ عند الله ﴿مِنَ القَتْلِ﴾١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ١‏/‏١٨٦.
١٣
عن عروة بن الزبير -من طريق الزهري، ويزيد بن رُومان- في قوله تعالى: ﴿ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردُّوكم عن دينكم إن استطاعوا﴾، أي: هم مقيمون على أخبثِ ذلك وأعظمِه، غير تائبين ولا نازعين١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٣‏/‏٦٥٣، ٦٦٥، وابن أبي حاتم ٢‏/‏٣٨٧ (٢٠٣٨).
١٤
عن مجاهد بن جبر -من طريق ابن أبي نَجِيح- ﴿ولا يَزالُونَ يُقاتِلُونَكُمْ﴾، قال: كُفّارُ قريش١
التخريج
  1. ١تفسير مجاهد ص٣٣٢، وأخرجه ابن جرير ٣‏/‏٦٦٥، وابن أبي حاتم ٢‏/‏٣٨٧ (٢٠٣٦). وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد.
١٥
قال مقاتل بن سليمان: ثُمَّ أخبر عز وجل عن رأيِ مشركي العرب في المسلمين، فقال سبحانه: ﴿ولا يَزالُونَ يُقاتِلُونَكُمْ﴾ يعني: مشركي مكة ﴿حَتّى يَرُدُّوكُمْ﴾ يا معشر المؤمنين ﴿عَنْ دِينِكُمْ﴾ الإسلام ﴿إنِ اسْتَطاعُوا﴾١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ١‏/‏١٨٦.
١٦
عن محمد بن كعب القُرَظِيّ -من طريق أبي صخر- قوله: ﴿ومَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَنْ دِينِهِ﴾، قال: مَن يرتدَّ عن الحق١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ٢‏/‏٣٨٧ (٢٠٣٩).
١٧
قال مقاتل بن سليمان: ثُمَّ خَوَّفهم، فقال: ﴿ومَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَنْ دِينِهِ﴾ الإسلام، يقول: ومَن ينقلب كافرًا بعد إيمانه ﴿فَيَمُتْ وهُوَ كافِرٌ فَأُولئِكَ حَبِطَتْ﴾ يعني: بَطَلَت ﴿أعْمالُهُمْ﴾ الخبيثة؛ فلا ثواب لهم في الدنيا ولا في الآخرة، ﴿وأُولئِكَ أصْحابُ النّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ﴾ يعني: لا يموتون١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ١‏/‏١٨٧.
١٨
عن إسماعيل السدي -من طريق أسباط- ﴿قل قتال فيه كبير﴾، قال: لا يحِلُّ، وما صنعتم -أنتم يا معشر المشركين- أكبرُ من القتل في الشهر الحرام١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٣‏/‏٦٥٥، وابن أبي حاتم ٢‏/‏٣٨٥ (٢٠٢٧).
١٩
قال مقاتل بن سليمان: ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الحَرامِ قِتالٍ فِيهِ قُلْ قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾، ولَم يُرَخَّص فيه القتالُ١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ١‏/‏١٨٦.
٢٠
عن عبد الله بن عباس -من طريق العوفي- قوله: ﴿وصد عن سبيل الله وكفر به والمسجد الحرام وإخراج أهله منه﴾: إخراج أهل المسجد الحرام أكبرُ من الذي أصابَ أصحابَ محمد، والشركُ بالله أشدُّ١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٣‏/‏٦٥٧-٦٥٨، وابن أبي حاتم ٢‏/‏٣٨٥، ٣٨٦ (٢٠٢٧، ٢٠٣١، ٢٠٣٢).
٢١
عن عروة بن الزبير -من طريق الزُّهْرِيِّ- في قوله: ﴿يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير وصد عن سبيل الله﴾ إلى آخر الآية، قال: فحدَّثهم اللهُ في كتابه: إنّ القتال في الشهر الحرام حرامٌ كما كان، وإنّ الذي يَسْتَحِلُّون من المؤمنين هو أكبر من ذلك؛ مِن صدِّهم عن سبيل الله حين يسجنونهم، ويعذبونهم، ويحبسونهم أن يهاجروا إلى رسول الله ﷺ، وكفرهم بالله، وصدِّهم المسلمين عن المسجد الحرام في الحج والعمرة والصلاة فيه، وإخراجهم أهلَ المسجد الحرام، وهم سكانه من المسلمين، وفَتْنهم إيّاهم عن الدين١
التخريج
  1. ١أخرجه البيهقي في الدلائل ٣‏/‏١٧-١٨.
٢٢
عن مِقْسَم -من طريق مَعْمَر، عن الزهري- قوله: ﴿وصد عن سبيل الله وكفر به والمسجد الحرام﴾ يقول: وصد عن سبيل الله، وكفر بالله، ﴿والمسجد الحرام﴾ وصد عن المسجد الحرام، ﴿وإخراج أهله منه أكبر عند الله﴾ من قتل عمرو بن الحضرمي١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٣‏/‏٦٥٧، وابن أبي حاتم ٢‏/‏٣٨٦ (٢٠٣٠، ٢٠٣٣).
٢٣
عن مجاهد بن جبر -من طريق ابن أبي نَجِيح- ﴿قل قتال فيه كبير﴾ الآية، يقول: كفرٌ بالله، وعبادةُ الأوثان أكبرُ من قتلِ ابن الحضرمي١
التخريج
  1. ١تفسير مجاهد ص٢٣١. وذكره يحيى بن سلام -كما في تفسير ابن أبي زمنين ١‏/‏٢١٧-. وعزاه السيوطي إلى الفريابي، وعبد بن حميد، وابن المنذر.
٢٤
قال مجاهد بن جبر -من طريق ابن جُرَيْج- ﴿قل قتالٌ فيه كبيرٌ وصد عن سبيل الله وكفر به والمسجد الحرام﴾، قال: يقول: صَدٌّ عن المسجد الحرام، وإخراجُ أهله منه، فكل هذا أكبرُ من قتل ابن الحضرمي١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٣‏/‏٦٥٩.
٢٥
عن الضحاك بن مُزاحِم -من طريق عبيد بن سليمان- في قوله: ﴿يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتالٌ فيه كبير﴾، قال: كان أصحاب محمد ﷺ قتلوا ابن الحضرميِّ في الشهر الحرام، فعَيَّر المشركون المسلمين بذلك، فقال الله: قتالٌ في الشهر الحرام كبيرٌ، وأكبرُ من ذلك صدٌّ عن سبيل الله، وكفرٌ به، وإخراجُ أهل المسجد الحرام من المسجد الحرام١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٣‏/‏٦٦٠.
٢٦
عن أبي مالك الغِفارِيِّ -من طريق حُصَيْن بن عبد الرحمن- قال: ﴿وصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وكُفْرٌ بِهِ والمَسْجِدِ الحَرامِ وإخْراجُ أهْلِهِ مِنهُ أكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ مِن الذي استكبرتم١ من قتل ابن الحضرمي٢
التخريج
  1. ١كذا في تفسير ابن جرير والدر المنثور، من الاستكبار: وهو استعظام الشيء. وفي تفسير مجاهد بلفظ: استنكرتم.
  2. ٢أخرجه آدم بن أبي إياس -كما في تفسير مجاهد ص٢٣٢-، وابن جرير ٣‏/‏٦٥٨. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد.
٢٧
عن قتادة بن دِعامة -من طريق شَيْبان- ﴿وإخْراجُ أهْلِهِ مِنهُ﴾، قال: إخراجُ محمد وأصحابه من مكة أكبرُ عند الله من القتال في الشهر الحرام١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ٢‏/‏٣٨٦.
٢٨
عن عبد الله بن عباس -من طريق جُوَيْبِر، عن الضَّحّاك- قال: قوله: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الحَرامِ قِتالٍ فِيهِ﴾، أي: في الشهر الحرام١
التخريج
  1. ١أخرجه النحاس في ناسخه ص١٢٢.
٢٩
عن عروة بن الزبير -من طريق الزهري، ويزيد بن رُومان- في قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الحَرامِ قِتالٍ فِيهِ﴾، أي: عن قتالٍ فيه١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٣‏/‏٦٥٣، وابن أبي حاتم ٢‏/‏٣٨٥ (٢٠٢٤).
٣٠
عن عكرمة مولى ابن عباس، نحوه١
التخريج
  1. ١علَّقه ابن أبي حاتم ٢‏/‏٣٨٥ (عَقِب ٢٠٢٤).
٣١
عن الربيع بن أنس -من طريق أبي جعفر- في قوله: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الحَرامِ قِتالٍ فِيهِ﴾، قال: يقول: يسألونك عن قتالٍ فيه. قال: وكذلك كان يقرؤها: (عَن قِتالٍ فِيهِ)١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٣‏/‏٦٤٨.
٣٢
عن عبد الله بن عباس -من طريق جُوَيْبِر، عن الضحاك- قال: قوله: ﴿قل قتال فيه كبير﴾، أي: عظيم١
التخريج
  1. ١أخرجه النحاس في ناسخه ص١٢٢.
٣٣
عن عبد الله بن عباس -من طريق العوفي- قوله: ﴿قل قتال فيه كبير﴾، قال: وغير ذلك أكبر منه١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٣‏/‏٦٥٧-٦٥٨، وابن أبي حاتم ٢‏/‏٣٨٥ (٢٠٢٦).

النسخ في الآية

٨ أقوال
١
عن عبد الله بن عباس -من طريق جُوَيْبِر، عن الضَّحّاك- قال: قوله: ﴿قل قتال فيه كبير﴾، أي: عظيم، فكان القتال محظورًا، حتى نسخته آية السيف في براءة: ﴿فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم﴾ [التوبة:٥]، فأَبِيحُوا القتالَ في الأشهر الحرام وفي غيرها١
التخريج
  1. ١أخرجه النحاس في ناسخه ص١٢٢.
٢
عن عروة بن الزبير -من طريق الزُّهْرِيِّ- قال:... فبَلَغَنا: أنّ النبي ﷺ عَقَل ابنَ الحضرمي، وحَرَّم الشهر الحرام كما كان يُحَرِّمُه، حتى أنزل الله عز وجل: ﴿براءة من الله ورسوله﴾ [التوبة:١]١
التخريج
  1. ١أخرجه البيهقي في الدلائل ٣‏/‏١٧-١٨.
٣
عن عطاء بن أبي رَباح -من طريق ابن جُرَيْج- في قوله: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الحَرامِ قِتالٍ فِيهِ﴾، أنه قيل له: ما لهم! وإذ ذاك لا يحِلُّ لهم أن يغزوا أهل الشرك في الشهر الحرام، ثم غَزَوْهم بعدُ فيه. فحلف عطاءُ بالله: ما يحِلُّ للناس أن يغزوا في الشهر الحرام، ولا أن يُقاتِلوا فيه، وما يُستَحَبُّ. قال: ولا يُدْعَوْن إلى الإسلام قبل أن يُقاتَلوا، ولا إلى الجزية، تركوا ذلك١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٣‏/‏٦٦٣.
٤
عن قتادة بن دِعامة -من طريق سعيد- في قوله: ﴿ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه﴾، فأَمَر نبيَّه ﷺ أن لا يقاتلوهم عند المسجد الحرام إلا أن يبدؤوا فيه بقتال، ثم نسخها: ﴿يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير﴾ [البقرة:٢١٧]. نَسَخَ هاتين الآيتين جميعًا في براءة قولُه: ﴿فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم﴾ [التوبة:٥]، ﴿وقاتلوا المشركين كافة﴾ [التوبة:٣٦]١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي شيبة (ت: محمد عوامة) ٢٠‏/‏٣٠٠ (٣٧٨٠٧)، والنحاس في ناسخه ص١١١. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد، وأبي داود في ناسخه. كما أخرج نحوه عبد الرزاق في تفسيره ١‏/‏٧٣ مختصرًا من طريق معمر.
٥
قال محمد ابن شهاب الزُّهْرِي -من طريق مَعْمَر-: كان النبي ﷺ -فيما بَلَغَنا- يُحَرِّم القتالَ في الشهر الحرام، ثم أُحِلَّ بَعْدُ١
التخريج
  1. ١أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ١‏/‏٨٧-٨٨، وابن جرير ٣‏/‏٦٥٧، وابن أبي حاتم ٢‏/‏٣٨٤ (٢٠٢٣). وعزاه السيوطي إلى أبي داود في ناسخه.
٦
عن عطاء بن مَيْسَرَة -من طريق ابن جُرَيْج- قال: أُحِلَّ القتالُ في الشهر الحرام في براءة في قوله: ﴿فلا تظلموا فيهن أنفسكم وقاتلوا المشركين كافة﴾ [التوبة:٣٦]١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٣‏/‏٦٦٣. وعزاه السيوطي إلى ابن أبي داود. وعطاء بن ميسرة هو عطاء بن أبي مسلم الخراساني.
٧
عن أبي إسحاق الفَزارِيّ، قال: سألتُ سفيان الثوري عن قول الله: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الحَرامِ قِتالٍ فِيهِ﴾. فقال: هذا شيء منسوخ، وقد مضى، ولا بأس بالقتال في الشهر الحرام وفي غيره١٢
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ٢‏/‏٣٨٥.
تعليقات المحققين
  1. ٢اختُلِف هل القتال في الأشهر الحرم منسوخ أم لا؟ ورجَّح ابنُ جرير (٣/٦٦٣-٦٦٤) القولَ الأولَ بالنسخ الذي قاله عطاء بن ميسرة، والزهري مستندًا لتظاهر الأخبار عن النبي ﷺ بغزوه في الأشهر الحرم، بما مفاده الآتي: ١- تظاهر الأخبار عن النبي ﷺ أنه غزا هوازن بحنين، وثقيفًا بالطائف، وأرسل أبا عامر إلى أوطاس لحرب مَن بها من المشركين في شوال وبعض ذي القعدة، وهو من الأشهر الحرم، فلو كان القتال فيهنَّ حرامًا كان أبعد الناس من فعله ﷺ. ٢- إجماع أهل السِّيَر على أنّ بَيْعَة الرضوان على قتال قريش كانت في أول ذي القعدة، وهو من الأشهر الحرم. ثم قال (٣/٦٦٤-٦٦٥): «فإذا ظَنَّ ظانٌّ أنّ النهي عن القتال في الأشهر الحرم كان بعد استحلال النبي ﷺ إيّاهن لِما وصَفْنا مِن حروبه فقد ظنَّ جَهْلًا؛ وذلك أنّ هذه الآية -أعني: قوله: ﴿يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه﴾- في أمر عبد الله بن جحش وأصحابه، وما كان من أمرهم وأمر القتيل الذي قتلوه، فأنزل الله في أمره هذه الآية في آخر جمادى الآخرة من السنة الثانية من مَقْدَم رسول الله ﷺ المدينة وهجرته إليها، وكانت وقعة حنين والطائف في شوال من سنة ثمان من مقدمه المدينة وهجرته إليها، وبينهما من المُدَّة ما لا يخفى على أحد». وانتَقَدَهُ ابنُ عطية (١/٥٢٢)، فقال بعد ذِكْرِه: «وهذا ضعيف».
٨
قال يحيى بن سلام: وكان هذا قبل أن يُؤْمَر بقتالهم عامَّة١
التخريج
  1. ١ذكره يحيى بن سلام -كما في تفسير ابن أبي زمنين ١‏/‏٢١٨-.

آثار متعلقة بالآية

قول واحد
١
عن جابر، قال: لم يكن رسول الله ﷺ يغزو في الشهر الحرام إلا أن يُغْزى، أو يغزو حتى إذا حضر ذلك أقامَ حتى ينسلخ١
التخريج
  1. ١أخرجه أحمد ٢٢‏/‏٤٣٩، ٢٣‏/‏٦٠ (١٤٥٨٣، ١٤٧١٣)، وابن جرير ٣‏/‏٦٤٨، والنحاس في ناسخه (ت: اللاحم) ١‏/‏٥٣٥.

نزول الآية

١٤ قولًا
١
عن عبد الله بن عباس -من طريق عكرمة-: أنّ النبي ﷺ بَعَثَ صفوان ابن بيضاء في سَرِيَّة عبد الله بن جحشٍ قِبَل الأَبْواء، فغَنِمُوا، وفيهم نزلت: ﴿يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه﴾ الآية١
التخريج
  1. ١أخرجه أبو نعيم في معرفة الصحابة ٣‏/‏١٥٠٤ (٣٨٢٥)، وابن عساكر في تاريخه ٢٤‏/‏١٧٧ (٢٨٩١) في ترجمة صفوان بن بيضاء. قال ابن عساكر: «قال ابن منده: هذا حديث غريب بهذا الإسناد؛ تفرد به ابن عائذ». وفيه عثمان بن عطاء بن أبي مسلم الخراساني أبو مسعود المقدسي، ضعيف كما في التقريب (٤٥٣٤).
٢
عن عروة بن الزبير -من طريق الزُّهْرِيِّ-: أنّ رسول الله ﷺ بعث سَرِيَّةً من المسلمين، وأمَّر عليهم عبد الله بن جحش الأسدي، فانطلقوا حتى هبطوا نَخْلَة، فوجدوا بها عمرو بن الحضرميِّ في عِير تجارة لقريش في يوم بَقِي من الشهر الحرام، فاختصم المسلمون؛ فقال قائل منهم: هذه غِرَّةٌ من عدوٍّ، وغُنْمٌ رُزِقْتُموه، ولا ندري أمن الشهر الحرام هذا اليوم أم لا؟ وقال قائل منهم: لا نعلم اليوم إلا من الشهر الحرام، ولا نرى أن تَسْتَحِلُّوه لطَمَعٍ أشْفَيْتُم عليه. فغَلَبَ على الأمر الذين يريدون عَرَضَ الدنيا، فشدُّوا على ابن الحضرميِّ، فقتلوه، وغنموا عِيرَه، فبلغ ذلك كفّار قريش، وكان ابنُ الحضرميِّ أولَ قتيل قُتِل بين المسلمين والمشركين، فركب وفدُ كفار قريش حتى قدموا على النبي ﷺ بالمدينة، فقالوا: أتُحِلُّ القتال في الشهر الحرام؟! فأنزل الله عز وجل: ﴿يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير وصد عن سبيل الله﴾ إلى آخر الآية... فبَلَغَنا: أنّ النبي ﷺ عَقَلَ ابنَ الحضرمي١، وحرَّم الشهر الحرام كما كان يُحَرِّمُه، حتى أنزل الله عز وجل: ﴿براءة من الله ورسوله﴾ [التوبة:١]٢
التخريج
  1. ١عَقَلَ القتيلَ: وداه. يعني: دفع ديته. لسان العرب (عقل).
  2. ٢أخرجه البيهقي في الدلائل ٣‏/‏١٧-١٨.
٣
عن عروة بن الزبير -من طريق يزيد بن رَوْمان- قال: بعث رسولُ الله ﷺ عبد الله بن جحش إلى نَخْلَة، فقال له: «كُن بها حتى تأتينا بخبرٍ من أخبار قريش». ولم يأمره بقتال، وذلك في الشهر الحرام، وكتب له كتابًا قبل أن يُعْلِمَه أين يسير، فقال: «اخرج أنت وأصحابُك، حتى إذا سِرْتَ يومين فافتح كتابك، وانظر فيه، فما أمرْتُك به فامضِ له، ولا تَسْتَكْرِهَنَّ أحدًا من أصحابك على الذهاب معك». فلمّا سار يومين فتح الكتاب، فإذا فيه أن: «امضِ حتى تنزل نخلةً، فتأتينا من أخبار قريش بما اتَّصل إليك منهم». فقال لأصحابه حين قرأ الكتاب: سمعٌ وطاعةٌ، مَن كان منكم له رغبة في الشهادة فلينطلق معي، فإنِّي ماضٍ لأمر رسول الله ﷺ، ومَن كَرِه ذلك منكم فلْيَرْجِع، فإنّ رسول الله ﷺ قد نهاني أن أسْتَكْرِه منكم أحدًا. فمضى معه القوم، حتى إذا كانوا ببُحْران أضَلَّ سعدُ بنُ أبي وقاص وعتبةُ بن غَزْوان بعيرًا لهما كانا يَتَعَقَّبانِه، فتخلَّفا عليه يَطْلُبانِه، ومضى القوم حتى نزلوا نخلةً، فمَرَّ بهم عمرو بن الحضرمي، والحكم بن كَيْسان، وعثمان والمغيرة ابنا عبد الله، معهم تجارة قد مَرُّوا بها من الطائف؛ أُدْمٌ١، وزبيب، فلمّا رآهم القومُ أشرف لهم واقدُ بن عبد الله، وكان قد حَلَق رأسه، فلما رأوه حَلِيقًا قالوا: عُمّار، ليس عليكم منهم بأس. وائْتَمَر القوم بهم أصحاب رسول الله ﷺ، وهو آخرُ يوم من رجب، فقالوا: لَئِن قتلتموهم إنّكم لتقتلونهم في الشهر الحرام، ولئن تركتموهم ليدخُلُنَّ في هذه الليلة مكة الحرم، فَلَيَمْتَنِعُنَّ منكم. فأجمع القوم على قتلهم، فرمى واقدُ بن عبد الله التميمي عمرَو بن الحضرميِّ فقتله، واسْتَأْسَر عثمانَ بن عبد الله، والحكمَ بن كيسان، وهرب المغيرةُ فأَعْجَزَهم، واسْتاقُوا العِيرَ، فقَدِموا بها على رسول الله ﷺ، فقال لهم: «واللهِ، ما أمرتُكم بقتالٍ في الشهر الحرام!». فأوقف رسول الله ﷺ الأسيرين والعِير، فلم يأخُذْ منها شيئًا، فلمّا قال لهم رسول الله ﷺ ما قال سُقِط في أيديهم، وظنُّوا أن قد هَلَكوا، وعنَّفهم إخوانُهم من المسلمين، وقالت قريش حين بلغهم أمر هؤلاء: قد سفك محمدٌ الدمَ الحرامَ، وأخذ المال، وأسر الرجال، واستحل الشهر الحرام. فأنزل الله: ﴿يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه﴾ الآية. فلمّا نزل ذلك أخذ رسول الله ﷺ العيرَ، وفَدى الأسيرين، فقال المسلمون: يا رسول الله، أتَطْمَعُ أن يكون لنا غزوة؟ فأنزل الله: ﴿إن الذين آمنوا والذين هاجروا وجاهدوا في سبيل الله أولئك يرجون رحمة الله﴾. وكانوا ثمانية، وأميرُهم التاسع عبدُ الله بن جحش٢
التخريج
  1. ١أدم -بالضم-: ما يؤكل بالخبز أي شيء كان. لسان العرب (أدم).
  2. ٢أخرجه ابن إسحاق -كما في سيرة ابن هشام ١‏/‏٦٠١-٦٠٥-، والبيهقي في الكبرى ٩‏/‏٩٩-١٠٠ (١٧٩٨٩)، وابن جرير ٣‏/‏٦٥٠-٦٥٣، وابن أبي حاتم ٢‏/‏٣٨٨ (٢٠٤٢). قال ابن حجر في تغليق التعليق ٢‏/‏٧٦: «رواه عبد الملك بن هشام في تهذيب السيرة، عن زياد بن عبد الله، عن ابن إسحاق نحوه، وهو مرسل جَيِّدٌ قوي الإسناد، وقد صرح فيه ابن إسحاق بالسماع».
٤
عن مِقْسَم -من طريق مَعْمَر، عن الزُّهْرِيِّ- قال: لَقِي واقدُ بنُ عبد الله عمروَ بنَ الحضرميِّ أوَّل ليلةٍ من رجب، وهو يرى أنه من جُمادى، فقتله، فَعَيَّر المشركون المسلمين، فقالوا: أتقتلون في الشهر الحرام؟! فأنزل الله: ﴿يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه﴾ الآية١
التخريج
  1. ١أخرجه عبد الرزاق١‏/‏٨٧-٨٨، وابن جرير ٣‏/‏٦٥٧، وابن أبي حاتم ٢‏/‏٣٨٤ (٢٠٢٣). وعزاه السيوطي إلى أبي داود في ناسخه، وذكره عن مقسم والزهري من قولهما معًا، وفي المصادر السابقة عن مقسم من طريق الزهري.
٥
عن مجاهد بن جَبْر -من طريق ابن أبي نَجِيح- قال: إن رجلًا من بني تميم أرسله النبي ﷺ في سَرِيَّة، فمَرَّ بابن الحضرمي يحمل خمرًا من الطائف إلى مكة، فرماه بسهم، فقتله، وكان بين قريش ومحمد عَقْدٌ، فقتله في آخر يوم من جمادى الآخرة وأول يوم من رجب، فقالت قريش: في الشهر الحرام ولنا عهد! فأنزل الله: ﴿قل قتال فيه كبير﴾ الآية١
التخريج
  1. ١تفسير مجاهد ص٢٣١، وأخرجه ابن جرير ٣‏/‏٦٥٦-٦٥٧. وذكره يحيى بن سلام -كما في تفسير ابن أبي زمنين ١‏/‏٢١٧-. وعزاه السيوطي إلى الفريابي، وعبد بن حميد، وابن المنذر.
٦
عن مجاهد بن جبر، وعكرمة مولى ابن عباس، ومحمد ابن شهاب الزهري -من طريق ابن جُرَيْج- في قوله: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الحَرامِ قِتالٍ فِيهِ﴾ أنّها نزلت في عمرو بن الحضرمي١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٣/ ٦٥٩.
٧
عن أبي مالك الغِفارِيِّ -من طريق حصين بن عبد الرحمن- قال: بعث رسول الله ﷺ عبد الله بن جحش، فلقي ناسًا من المشركين ببطَنِ نَخْلة، والمسلمون يحسبون أنه آخر يوم من جمادى، وهو أول يوم من رجب، فقتل المسلمون ابن الحضرمي، فقال المشركون: ألستم تزعمون أنكم تُحَرِّمون الشهر الحرام، والبلد الحرام، وقد قتلتم في الشهر الحرام؟! فأنزل الله: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الحَرامِ قِتالٍ فِيهِ﴾١
التخريج
  1. ١أخرجه آدم بن أبي إياس -كما في تفسير مجاهد ص٢٣٢-، وابن جرير ٣‏/‏٦٥٨. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد.
٨
عن قتادة بن دِعامة -من طريق أبي جعفر- قال: -وكان يُسَمِّيهُما- يقول: لَقِيَ واقدُ بن عبد الله التميميُّ عمروَ بن الحضرميِّ ببَطْنِ نخلةَ، فقتله١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٣‏/‏٦٥٩.
٩
عن إسماعيل السُّدِّيِّ -من طريق أسْباط-: أنّ رسول الله ﷺ بعث سَرِيَّة، وكانوا سبعة نفر، عليهم عبد الله بن جحش الأسدي، وفيهم عمار بن ياسر، وأبو حذيفة ابن عتبة بن ربيعة، وسعد بن أبي وقاص، وعتبة بن غَزْوان السُّلَمِيّ حليفٌ لبني نَوْفَل، وسهيل بن بيضاء، وعامر بن فُهَيْرَة، وواقد بن عبد الله اليَرْبُوعِيّ حليفٌ لعمر بن الخطاب، وكتب مع ابن جحش كتابًا، أمره ألّا يقرأه حتى ينزل مَلَل، فلما نزل ببَطْنِ مَلَل فتح الكتاب، فإذا فيه أن: «سِر حتى تنزل بَطْنَ نَخْلَة». قال لأصحابه: مَن كان يريد الموت فليمضِ ولْيُوصِ، فإني مُوصٍ وماضٍ لأمر رسول الله ﷺ. فسار، وتخلَّف عنه سعد بن أبي وقاص، وعُتْبَةُ بن غُزْوان، أضَلّا راحلةً لهما، وسار ابن جحش إلى بطن نخلة، فإذا هم بالحكم بن كَيْسان، وعبد الله بن المغيرة، والمغيرة بن عثمان، وعمرو بن الحضرمي، فاقتتلوا، فأسروا الحكم بن كيسان، وعبد الله بن المغيرة، وانقلب المغيرة، وقُتِل عمرو الحضرمي، قَتَله واقدُ بن عبد الله، فكانت أولَ غنيمة غنمها أصحاب محمد ﷺ، فلمّا رجعوا إلى المدينة بالأسيرين وما غَنِموا من الأموال قال المشركون: محمد يَزْعُمُ أنه يتَّبِعُ طاعةَ الله، وهو أوَّلُ مَنِ اسْتَحَلَّ الشهرَ الحرامَ، وقتل صاحبنا في رجب! فقال المسلمون: إنّما قتلناه في جُمادى. فأنزل الله: ﴿يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير﴾١٢
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٣‏/‏٦٥٤-٦٥٥، وفي تاريخه ٢‏/‏٤١٣-٤١٤ مرسلًا.
تعليقات المحققين
  1. ٢اختُلِفَ هل كان لقاء سرية عبد الله بن جحش بابن الحضرمي ومن معه في آخر يوم من رجب؟ أم في آخر يوم من جمادى الآخرة؟ أم كان في أول ليلة من رجب؟ ذكر ذلك ابنُ عطية (١/٥٢٠) وقال: إنّ «القول الأول أشهر».
١٠
قال مقاتل بن سليمان: ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الحَرامِ﴾، وذلك أنّ النبي ﷺ بعث عُبَيْدة بن الحارِث بن عبد المطَّلِب على سَرِيَّة في جمادى الآخرة قبل قتال بدر بشهرين، على رأس ستة عشر شهرًا بعد قدوم النبي ﷺ المدينة، فلَمّا ودَّع رسولَ الله ﷺ فاضت عيناه، ووَجِدَ مِن فِراق النبي ﷺ بعد أن عَقَدَ له اللِّواء، فلَمّا رَأى النبيُّ ﷺ وجْدَه بَعَثَ مكانه عبد الله بن جَحْشٍ الأَسَديّ -من بني غَنْم بن دُودان، وأُمُّه عَمَّة النبي ﷺ أُمَيْمَةُ بنت عبد المطَّلِب، وهو حليفٌ لبني عبد شمس-، وكتب له كتابًا، وأمره أن يَتَوَجَّهَ قِبَل مكة، ولا يقرأ الكتابَ حتّى يسيرَ ليلتين، فلَمّا سار عبدُ الله ليلتين قرأ الكتاب، فإذا فيه: «سِرْ باسم الله إلى بَطْنِ نَخْلَة على اسم الله وبركته، ولا تُكْرِهَن أحدًا من أصحابك على السَّيْر، وامضِ لأمري ومَنِ اتَّبَعَك منهم، فتَرَصَّد بها عِير قريش». فلَمّا قرأ الكتابَ اسْتَرْجَعَ عبدُ الله، وأَتْبَع اسْتِرْجاعَه بسمعٍ وطاعةٍ لله عز وجل، ولرسوله ﷺ، ثُمَّ قال عبد الله لأصحابه: مَن أحَبَّ منكم أن يسير معي فلْيَسِرْ، ومَن أحَبَّ أن يرجع فلْيَرْجِع. وهم ثمانية رهط من المهاجرين: عبد الله بن جحش الأَسَديّ، وسعد بن أبي وقّاص الزُّهْرِيّ، وعُتْبَة بن غَزْوان المُزَني حليف لقريش، وأبي حُذَيْفة ابن عُتْبَة بن ربيعة بن عبد شمس، وسهل بن بيضاء القُرَشِيّ، ويُقال: سهل من بني الحارِث بن فهد، وعامر بن رَبِيعَة القُرَشِيّ من بني عَدِيّ بن كَعْب، وواقِد بن عبد الله التَّميْميّ. فرجع من القوم سعدُ بن أبي وقّاص، وعُتْبَة بن غَزْوان، وسار عبد الله ومعه خمسة نفر، وهو سادسُهم، فلَمّا قَدِموا لبَطْنِ نَخْلَةَ بين مكة والطائف حملوا على أهل العِير، فقتلوا عمرو بن الحَضْرَمِيِّ القُرَشِيَّ، قتله واقِدُ بن عبد الله التَّميْميّ، رماه بسهم، فكان أول قتيل في الإسلام من المشركين، وأسروا عثمان بن عبد الله بن المُغِيرَة، والحَكَم بن كَيْسان مَوْلى هشام بن المُغِيرَة المَخْزُومِيّ، فغَدَيا بعد ذلك في المدينة، وأَفْلَتَهم نوفلُ بن عبد الله بن المغيرة المَخْزُومِيّ على فرس له جواد أنثى، فقَدِم مكةَ من الغد، وأخبر الخبر مشركي مكة، وكَرِهوا الطَّلَب؛ لأنّه أول يوم من رجب، وسار المسلمون بالأُسارى والغنيمة حتى قدِموا المدينة، فقالوا: يا نبي الله، أصَبْنا القومَ نهارًا، فلَمّا أمْسَيْنا رأينا هلال رجب، فما ندري أصبناهم في رجب أو في آخر يوم من جمادى الآخرة. وأَقْبَل مُشْرِكو مكة على مُسْلِمِيهم، فقالوا: يا مَعْشَر الصُّباة، ألا ترون أنّ إخوانكم اسْتَحَلُّوا القتال في الشهر الحرام، وأخذوا أُسارانا وأموالنا، وأنتم تزعمون أنّكم على دين الله، أفَوَجدتُم هذا في دين الله حيثُ أمِن الخائفُ، ورُبِطَتِ الخيلُ، ووُضِعَتِ الأَسِنَّةُ، وبدأ١ الناس لِمعاشهم؟! فقال المسلمون: الله ورسوله أعلم. وكتب مسلمو مكة إلى عبد الله بن جحش: أنّ المشركين عابُونا في القتال وأَخْذِ الأسرى والأموال فِي الشهر الحرام، فاسألْ رسول الله ﷺ: ألَنا في ذلك مُتَكَلَّمٌ، أو أنزل الله بذلك قرآنًا؟ فدفع عبدُ الله بنُ جَحْشٍ الأَسَديُّ الكتاب إلى النبي ﷺ؛ فأنزل الله عز وجل: ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الحَرامِ قِتالٍ فِيهِ قُلْ قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وكُفْرٌ بِهِ والمَسْجِدِ الحَرامِ وإخْراجُ أهْلِهِ مِنهُ أكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ والفِتْنَةُ أكْبَرُ مِنَ القَتْلِ﴾، ... فكتب عبدُ الله بنُ جحش إلى مسلمي أهل مكة بهذه الآية، وكتب إليهم: إنْ عَيَّروكم فعَيِّرُوهم بما صنعوا.... فكانت هذه أوَّل سرية، وأوَّل غنيمة، وأوَّل خُمُس، وأوَّل قتيل، وأوَّل أسْر كان في الإسلام. فأمّا نَوْفَلُ بن عبد الله الذي أفْلَتَ يومئذ فإنّه يوم الخندق ضرب بَطْنَ فرسه ليدخل الخندق على المسلمين في غزوة الأحزاب، فوقع في الخندق، فتَحَطَّم هو وفرسُه، فقتله الله تعالى، وطَلَب المشركون جِيفَتَه بثَمَنٍ، فقال ﷺ: «خُذُوه؛ فإنّه خبيثُ الجِيفَةِ، خبيثُ الدِّيَة»٢٣
التخريج
  1. ١هكذا في الأصل.
  2. ٢تفسير مقاتل بن سليمان ١‏/‏١٨٤-١٨٨.
تعليقات المحققين
  1. ٣ذكر ابن عطية (١/٥٢١) أن المهدوي قال بأن سبب هذه الآية أن عمرو بن أمية الضَّمْرِي قتل رجلين من بني كلاب في رجب، وانتقده بقوله: «وهذا تخليط من المهدوي».
١١
عن جُندُب بن عبد الله -من طريق أبي السَّوّارِ- عن النبي ﷺ: أنّه بَعَثَ رَهْطًا، وبعث عليهم أبا عبيدة ابن الجراح، أو عبيدة بن الحارث، فلمّا ذهب لينطلق بكى صَبابَة إلى رسول الله ﷺ، فجلس، وبعث مكانه عبد الله بن جَحْش، وكتب له كتابًا، وأمره ألا يقرأ الكتاب حتى يَبْلُغَ مكان كذا وكذا، وقال: «لا تُكْرِهَنَّ أحدًا من أصحابك على المسير معك». فلما قرأ الكتاب اسْتَرْجَعَ، وقال: سمعًا وطاعة لله ولرسوله. فخَبَّرهم الخبرَ، وقرأ عليهم الكتاب، فرجع رجلان، ومضى بَقِيَّتُهم، فلَقُوا ابن الحَضْرَمِيِّ فقتلوه، ولم يدروا أنّ ذلك اليوم من رجب أو جُمادى، فقال المشركون للمسلمين: قتلتم في الشهر الحرام. فأنزل الله: ﴿يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه﴾١
التخريج
  1. ١أخرجه النسائي في الكبرى ٨‏/‏١٠٧ (٨٧٥٢)، وابن جرير ٣‏/‏٦٥٥-٦٥٦، وابن أبي حاتم ٢‏/‏٣٨٤ (٢٠٢٢)، والطبراني في الكبير ٢‏/‏١٦٢ (١٦٧٠). قال الهيثمي في المجمع ٦‏/‏١٩٨ (١٠٣٣٦): «رواه الطبراني، ورجاله ثقات». وقال ابن حجر في العُجاب في بيان الأسباب ١‏/‏٥٣٩: «أخرج الطبراني في المعجم الكبير... وهذا سنده حسن، وقد علَّق البخاري طَرَفًا منه في كتاب العلم من صحيحه». وقال السيوطي: «بسند صحيح».
١٢
عن عبد الله بن عباس: في قوله: ﴿يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه﴾، قال: بعث رسول الله ﷺ عبد الله بن فلان في سَرِيَّة، فلَقُوا عمرو بن الحضرميِّ ببَطْنِ نَخْلَة١. فذكر الحديث٢
التخريج
  1. ١بطن نخلة: موضع بين مكة والطائف. لسان العرب (نخل).
  2. ٢أخرجه البزار -كما في كشف الأستار ٣‏/‏٤١ (٢١٩١)-. قال الهيثمي في المجمع ٦‏/‏١٩٨-١٩٩ (١٠٣٣٧): «رواه البزار، وفيه أبو سعيد البَقّال، وهو ضعيف».
١٣
عن عبد الله بن عباس -من طريق العوفي- قال: إنّ المشركين صَدُّوا رسولَ الله ﷺ، وردُّوه عن المسجد الحرام في شهرٍ حرام، ففتح الله على نبيِّه في شهرٍ حرام من العام المقبل، فعاب المشركون على رسول الله ﷺ القتالَ في شهر حرام، فقال الله: ﴿قل قتال فيه كبير وصد عن سبيل الله وكفر به والمسجد الحرام وإخراج أهله منه أكبر عند الله﴾ من القتال فيه، وإنّ محمدًا ﷺ بعث سَرِيَّةً، فلَقُوا عمرو بن الحضرميِّ وهو مُقْبِلٌ من الطائف في آخر ليلة من جمادى وأول ليلة من رجب، وإنّ أصحاب محمد كانوا يظُنُّون أنّ تلك الليلة من جمادى، وكانت أول رجب ولم يشعروا، فقتله رجل منهم، وأخذوا ما كان معه، وإن المشركين أرسلوا يعيِّرونه بذلك؛ فقال الله: ﴿يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه﴾١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٣‏/‏٦٥٧-٦٥٨، وابن أبي حاتم ٢‏/‏٣٨٥ (٢٠٢٨)، عن محمد بن سعد العوفي، عن أبيه، عن عمه الحسين بن الحسن، عن أبيه، عن جده، عن ابن عباس. وهذا إسناد مسلسل بالضعفاء، كما بين ذلك الشيخ أحمد شاكر في تحقيقه لتفسير الطبري ١‏/‏٢٦٣.
١٤
عن عبد الله بن عباس -من طريق الكلبي، عن أبي صالح- قال: نزل فيما كان من مُصاب عمرو بن الحضرميِّ: ﴿يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه﴾ إلى آخر الآية١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن إسحاق -كما في تفسير ابن كثير ١‏/‏٥٧٥-. وإسناده تالف، شيخ ابن إسحاق هو محمد بن السائب الكلبي، متهم بالكذب. ينظر: ميزان الاعتدال ٣‏/‏٥٥٦.

قراءات

٣ أقوال
١
عن الأعمش، قال: في قراءة عبد الله [بن مسعود]: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الحَرامِ عَن قِتالٍ فِيهِ)١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي داود في المصاحف ص٥٨. وهي قراءة شاذة، تروى أيضًا عن ابن عباس، والربيع بن أنس. انظر: البحر المحيط ٢‏/‏١٥٤.
٢
عن عكرمة مولى ابن عباس، أنّه كان يقرأ هذا الحرف: (قَتْلٍ فِيهِ)١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي داود ص٨٩. وهي قراءة شاذة، تروى أيضًا عن عكرمة، وأبي السمال. انظر: مختصر ابن خالويه ص٢٠.
٣
عن الربيع بن أنس -من طريق أبي جعفر- أنّه كان يقرؤها: (عَن قِتالٍ فِيهِ)١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٣‏/‏٦٤٨.
التفسير بالمأثور لسورة البقرة كاملة ←

وقفات تدبرية في الآية ٢١٧ من سورة البقرة

١٨ وقفةً في هذه الآية

  • ﴿ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ ۖ وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِندَ اللَّهِ ۚ﴾ منهج القرآن لمعالجة أخطاء المجاهدين حيث تكتمل الصورة .

    — عبدالله بلقاسم

  • مجالس في تدبر القران تدبر أية 217 سورة البقرة

    — خالد السبت

  • مجالس في تدبر القرآن سورة البقرة - آيه 217

    — خالد السبت

  • سلسلة ( ختمة تعارف) سورة البقرة آية 217

    — حازم شومان

  • آية (٢١٧) : (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ اللّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِندَ اللّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىَ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُواْ وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلَـئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُوْلَـئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) * (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ) قتال هي بدل اشتمال. * قيّد الله تعالى قدرتهم على إخراج المسلمين من الدين بقوله (إِنِ اسْتَطَاعُواْ) لئلا يظن السامع أن المؤمن سهلٌ إخراجه عن إيمانه ، واستعمل تعالى حرف الشرط (إن) وهو يدل على الشك لا اليقين ليطمئن أن استطاعتهم في ذلك أمر بعيد المنال لقوة الإيمان التي تتغلغل في القلب فلا يفارقه. * استعمل الفاء التي تفيد الترتيب والتعقيب وقال (وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ) بدل (ثم) التي تفيد التراخي والمهلة في الزمن ونحن نعلم أن معظم المرتدين لا تحضر آجالهم عقب الارتداد بل قد يعمّر المرتد طويلاً ، وفي هذا ارتباط بديع في أن المرتد يُعاقب بالموت عقوبة شرعية. * جاءت (يرتدد) لأن فكّ الإدغام يسري على جميع المضعّفات في حالة الجزم إذا أُسند إلى ضمير مستتر أو اسم ظاهر.

    — مختصر لمسات بيانية

  • *ما الفرق بين(وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ ﴿191﴾ البقرة)و(وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ﴿217﴾ البقرة) قال تعالى:(وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ ﴿191﴾ البقرة) وفي آية أخرى (وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ﴿217﴾ البقرة). كلنا نعرف أن القتل من الجرائم العظيمة والأحاديث في ذلك مخيفة جداً (أول ما يقضى بين الناس يوم القيامة الدماء). إذاً هذا القتل تصور لو أن رجلاً كما وقع في التاريخ المعاصر لو أن رجلاً قتل مدينة كاملة فيها ملايين كما هو في هيروشيما وناكازاكي والخ والبقية تأتي. كيف يمكن أن تتخيل عقابه يوم القيامة؟ لا بد أن يكون عقابه كبيراً من حيث الكمّ وشديداً من حيث الكيف. هذا الفرق بين (وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ﴿217﴾ البقرة) هذا حجماً (وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ ﴿191﴾ البقرة) يعني كيفاً أنت قد تعذب واحد بالضرب مليون سنة هذا كبير ولكنه ليس شديداً وقد تعذبه مليون سنة بالخوازيق والنار والأفاعي والعقارب وأنواع الحريق الخ هذا شدة. إذاً بقدر ما أن القتل سواء كان لفردٍ واحد (مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا) بحيث لو اجتمعت مدينة كاملة على قتل رجلٌ واحد لكان ينبغي أن يقتل رجال هذه المدينة بالكامل من كل من اشترك في قتله. تأمل هذا، تأمل هذه الأحاديث الواردة في هذا الباب أنه لو اجتمع عليه أهل السموات والأرض لو اجتمع على قتل رجل بغير حق قتل إنسان اجتمعت السموات والأرض كلهم ومن فيهن لأكبهم الله في النار من أجل قتل واحد هذا القتل يهون إلى جانب الفتنة. والفتنة لكي نكون واضحين في المعنى عندنا بلاء وعندنا فتنة هذان الأسلوبان من أساليب تمحيص الإيمان (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ ﴿31﴾ محمد) (أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آَمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ ﴿2﴾ العنكبوت) إذاً امتحان الإيمان إما ببلاء تكرهه نفسك وإما بفتنة تحبها نفسك. قد يمحص إيمانك بما تكرهه مرض، سرطان، ظلم، عمى، يعني أنواع الأشياء المكروهة فقر شديد كل هذا ابتلاء لكي الله رب العالمين يعلمك تشكر وتصبر أو تكفر. وهذا دأبنا جميعاً كلنا نصاب ببلاء تكرهه أنفسنا من فقر أو مرضٍ أو سجنٍ أو ما شاكل ذلك منا من يصبر صبراً مطلقاً ومنا نسبياً ومنا من لا يصبر يجزع. هذا عن البلاء فيما تكرهه نفسك أما الفتنة فيما تحبه نفسك في النِعم كنت فقيراً فصرت غنياً جداً هل ستستعمل هذه النعمة في شكر الله في الصالحات تعين الناس؟ أم سوف يدعوك هذا إلى التكبر والطغيان والجبروت؟ الحُكم صرت ملكاً أو أميراً أو شيخاً أو رئيس جمهورية أو ما شاكل ذلك بعد أن كنت مغموراً هل هذه النعمة التي أنعم الله بها عليك ستستعملها في طاعته بالعدل والرحمة والشفقة وإحقاق الحق أو لا بالقتل والظلم والتعذيب في السجون وما إلى ذلك؟ العلم، الأولاد (أَنْ كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ ﴿14﴾ إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آَيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ ﴿15﴾ القلم) إذاً هكذا الفرق بين الفتنة والبلاء أن البلاء فيما تكرهه نفسك والفتنة فيما تحبه نفسك وفي كلا الحالتين أنت ممتحن. بل أن النعم أحياناً أقسى من النقمة أحياناً تصبر على البلاء سجنت وعذبت وضربت وافتقرت صبرت ولكن عندما أصابتك النعمة لم تصبر طغيت صار عندك مال ونفوذ وحكم وهذا العصر هكذا نشهد كل هؤلاء الناس هناك طبقات من الناس تكافح حاكماً ظالماً، أحزاب وجماعات يسجنون تقطع أوصالهم بالتعذيب الذي فاحت روائحه يصبرون يخرجون من السجن أبطالاً وقد صبروا على أنواع التعذيب اللامحدود ثم قفزوا إلى الحكم وإذا بهم أسوأ من ذلك الظالم ألف مليون مرة. يعني لما أصابهم البلاء صبروا ولما أصابتهم النعمة لم يصبروا أشبعوا الناس ظلماً وقهراً وسرقات وفساد كما يحث في بعض دول العالم الآن. هذا الفرق إذاً بين الفتنة وبين البلاء. كيف الفتنة أكبر من القتل؟الفتنة أكبر من من القتل بكثير لأنها تمتد قروناً من العداوة والبغضاء مثل الأوس والخزرج دامت الحرب بينهما 120 عاماً فلما جاء الإسلام وحّد بينهم (وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴿63﴾ الأنفال) إذاً قد يصطلحان بعد حرب دامت قرناً. حينئذٍ الفتنة أكثر من هذا تدوم قروناً طويلة لأنك أنت عملت فتنة لم تعمل قتلاً فالقتل يزول والفتنة لا تزول.

    — أحمد الكبيسي

  • ما دلالة قوله تعالى (وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىَ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُواْ (217))؟ أثير انتباهك أخي المؤمن إلى هذه اللفتة الإلهية فالله تعالى أخبرنا بأن الكافرين مستمرون على زعزعة إيماننا وإخراجنا من دوحة الإسلام ما قُدِّر لهم ذلك. لاحظ قوله تعالى (إن استطاعوا) فقد قيّد قدرتهم على إخراجك من الدين بقوله (إن استطاعوا) وهذا احتراس لئلا يظن السامع أن المؤمن سهلٌ إخراجه عن إيمانه فاستعمل تعالى حرف الشرط (إن) وهو يدل على الشك لا اليقين ليطمئن أن استطاعتهم في ذلك ولو على آحاد المسلمين أمر بعيد المنال لهم لقوة الإيمان التي تتغلغل في القلب فلا يفارقه.

    — برنامج ورتل القران ترتيلا

  • *(وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ (217) البقرة) لِمَ استعمل الفاء بدل (ثم)؟ استعمل حرف العطف الفاء في قوله (فيمت) وهو حرف يفيد الترتيب والتعقيب ولم يستعمل (ثم) التي تفيد التراخي والمهلة في الزمن أي قال (وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ) ولم يقل ثم يمت وهو كافر؟ نحن نعلم أن معظم المرتدين لا تحضر آجالهم عقب الارتداد بل قد يعمّر المرتد طويلاً والفاء تفيد الترتيب والتعقيب أن يقع الأمران متعاقبين متتاليين فما وجه استعمال الفاء إذن؟ في هذا ارتباط بديع في أن المرتد يُعاقب بالموت عقوبة شرعية فإن ارتدّ فيُقتل حدّاً.

    — برنامج ورتل القران ترتيلا

  • لماذا جاءت (يرتدد) بفك الإدغام؟ فكّ الادغام يكون مع الجزم و قوله تعالى (وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (217) وهذا يسري على جميع المضعّفات في حالة الجزم إذا أُسند إلى ضمير مستتر أو اسم ظاهر.

    — فاضل السامرائي

  • وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (217) البقرة) - (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ (54) المائدة)ما الفرق بين (يرتد)و(يرتدد)؟ يرتدد هي ارتد والدال مدغومة فكّها قال (وَمَنْ يَرْتَدِدْ) وفي المائدة قال من يرتد منكم ولم يقل من يرتدد، فرق بين ارتد وارتدد. ارتد هو ارتد جاء ناس وجعلوه شيوعي قال أنا شيوعي ما في لا الله ولا كذا كله هذا كلام فاضي، خلاص ارتد رأساً وقسم من الذين أسلموا ارتدوا وإلى الآن تجد ناس يرتدّون عن أي ديانة عن المسيحية عن اليهودية عن الإسلام هذا ارتد. إذا كان بعد معالجات من خصومٍ آخرين ناس جاءوا عليه بإعلام وأفلام ودعايات وبرامج يعني شوشوا على الرجل ليل نهار ليل نهار ناس توسوس له (شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا (112) الأنعام) كلمات وطبعاً أفلام وطعن بالنبي صلى الله عليه وسلم وطعن بالإسلام كما يحدث الآن في كل العالم إلى أن هذا يوم ليل نهار ليل نهار يسمع هذه الإيحاءات وهذه المحاولات وما يعرف رد لها حتى وصل إلى حد يعني فقد التوازن وفقد العقل وفقد الفهم فقال أنا خلاص تركت الإسلام هذا ارتدد (وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ) فإذا تاب تاب الله عليه فيمت وهو كافر انتهينا أنت خسرت ولهذا لماذا؟ لأنك أنت أنزل عليك الفرقان طبعاً هذا من يرتد رأساً دخل الإسلام ثاني يوم ارتد هذا هو اختار لكن واحد وُلِد على الإسلام وتربّى منذ الطفولة على الإسلام هذا ليس من السهولة أن يرتد محاولات طويلة عريضة وأفلام ومدارس تبشيرية ومبشرين ودعايات وفضائيات تنخر في جسم الأمة اليوم ليل نهار كالكلاب النابحة لا تعرف من أين ينبح عليك؟ الثابت ثابت (فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ (125) الأنعام) (يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ (27) إبراهيم) في قد يكون واحد اثنين ثلاثة يصير تشويش عليه بحيث يضيع أو عاش في الغرب وارتد عن الدين لأنهم أغروه بمنصب صار رئيس أمريكا الخ قال لك يللا بلا إسلام بلا بطيخ حتى أصير شيئاً وفعلاً هناك مناصب عليا رؤساء شركات ورؤساء جمهوريات في البرازيل وغيره وغيره واحد اثنين ثلاثة أربعة ارتدوا قال لك دعني أصير رئيساً يعني في عدة عوائل مسلمة وصار بعدها رئيس هذا ارتدد بناء على محاولات وغسل دماغ فكل من يرتدّ اليوم هو مرتد لشدة المحاولات التي تجري عليه، هذا الفرق بين من يرتد وبين من يرتدد. وطبعاً الله سبحانه وتعالى فتح الباب يعني هناك ناس ارتددوا ثم عادوا يعني مثلاً رحمة الله على الجميع طه حسين بدأ يشكك بالقرآن والشعر الجاهلي والقرآن كلام محمد الخ وجعلوا من طه حسين عميد الأدب ومش عارف آية ثم تاب إلى الله وكتب على هامش السيرة والخ محمد حسين هيكل صاحب كتاب محمد، يعني كان الثمن لكي يرفعوك ويجعلون منك شيئاً عظيماً أن تكفر بدينك هذه واحدة من بنغلاديش كفرت بالله والخ جعلوا منها رئيسة بنغلاديش وبعدين يتوبون يعني كثير كتاب وأدباء يقول لك دنيا يعني مغنيين وممثلين رفعوهم إلى السموات وآخر عمره ندم وفعلاً يرجع إذا رجع رب العالمين سيتوب عليه. هذا من يرتدد محاولات بعد أن كان مسلماً قوياً هذا الفرق بين يرتد ثاني يوم ثالث يوم كما ارتد بعض العرب الجاهليين وبين يرتدد لماذا؟ يقول لك (وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا).

    — أحمد الكبيسي

  • هل البَدَل يفيد التوكيد؟ للبدل أنواع منها الاشتمال والتخصيص والمدح أو الذمّ و التوكيد و التفخيم و الإيضاح و غيره . و فى قوله تعالى (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ) قتال هي بدل اشتمال.

    — فاضل السامرائي

  • هل كل ما جاء عطف بيان يُعرب بدلاً؟ عطف البيان هو قريب من البدل نقول مثلاً: أقبل أخوك محمد، محمد يمكن أن تُعرب بدل أو عطف بيان. لكن هنالك مواطن ينفرد فيها عطف البيان عن البدل. وقسم من النحاة يذكرون الفروق بين عطف البيان والبدل ثم يقول أشهر النحاة بعد ذكر هذه الفروق:" لم يتبين لي فرق بين عطف البيان والبدل". عطف البيان على أي حال قريب من البدل ويصح أن يُعرب بدل إلا في مواطن: • عطف البيان لا يمكن أن يكون فعل بينما البدل قد يكون فعلاً. • عطف البيان لا يمكن أن يكون مضمراً أو تابعاً لمضمر (ضميراً أو تابع لضمير) بينما البدل يصح أن يكون . • عطف البيان لا يمكن أن يكون جملة ولا تابع لجملة بينما البدل يمكن أن يكون كذلك. وهناك مسألتين أساسيتين يركزون عليهما: 1. البدل على نيّة إحلاله محل الأول. 2. البدل على نية تكرار العامل أو على نية من جملة ثانية. على سبيل المثال وحتى لا ندخل في النحو كثيراً نقول: يا غلام محمداً هذه جملة صحيحة الغلام اسمه محمد هذا لا يمكن أن يكون بدلاً لأنه لا يصح أن يحل محل الأول لأننا قلنا سابقاً أن البدل على نية إحلاله محل الأول ومحمد علم مفرد يكون مبني على الضمّ مثل (يا نوحُ) (يوسفُ أعرض عن هذا) ولا نقول يا محمداً. وكذلك إذا قلنا: يا أيها الرجل غلام زيد. لا يمكن أن يكون بدل فلو حذفنا الرجل تصير الجملة يا أيها غلام زيد لا تصحّ. مثال آخر: زيد أفضل الناس الرجال والنساء . إذا حذفنا الناس لا تصح الجملة ولا يمكن أن تكون الناس بدل لأنه لا يصح قول: زيد أفضل الرجال والنساء. وإنما تُعرب عطف بيان. وهناك مواطن أخرى عند غير الفرّاء مثال: أنا الضارب الرجل زيد. لا يمكن أن يكون الرجل بدل فلا يصح أن يقال أنا الضارب زيدٍ لأنه إذا عرّف الأول فيجب أن يعرّف الثاني. فليس دائماً يمكن أن يُعرب عطف البيان والبدل أحدهما مكان الآخر وإنما هناك مواطن يذكرها النحاة لكننا نقول أن عطف البيان موجود في اللغة. وفي قوله تعالى (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ) قتال تُعرب بدل اشتمال ولا يجوز إعرابها عطف بيان لأنهما اختلفا تنكيراً وتعريفا وفُقِد الشرط. ومع ذكر كل الفروق بين عطف البيان والبدل كما ذكرنا سابقاً يأتي أشهر النحاة فيقول أنه لم يتبين له الفرق بينهما وأنا في الحقيقة من هذا الرأي أيضاً.

    — فاضل السامرائي

و٦ وقفات أخرى لهذه الآية في الوقفات التدبرية.

الناسخ والمنسوخ في الآية ٢١٧ من سورة البقرة

من كتاب: الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه

﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلشَّهْرِ ٱلْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِندَ ٱللَّهِ وَٱلْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ ٱلْقَتْلِ وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىٰ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِن اسْتَطَاعُواْ وَمَن يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلـٰئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةِ وَأُوْلـٰئِكَ أَصْحَابُ ٱلنَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴾

قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَن الشَّهْرِ الحَرَامِ قِتالٍ فِيهِ، قُلْ قِتَالٌ فيه كبير﴾
أكثرُ العلماءِ أنَّ هذه الآيةَ منسوخةٌ؛ لأنَّ اللهَ عظَّمَ القتالَ في الشهر الحرام. ثم نسخَ ذلك في براءة بقوله: ﴿فَاقْتُلوا المُشْرِكينَ حيث وجدتموهم﴾ [التوبة: ٥] وبقوله: ﴿قَاتِلوا الذِينَ لاَ يؤمِنُونَ باللهِ ولاَ باليوم الآخر﴾ [التوبة: ٢٩]. فأباح قتلَهم وقتالهم في كُلِّ موضِعٍ، وفي كُلِّ وقتٍ من شهر حرام وغيره، وهو (قولُ) ابنِ عبَّاس، وقتادة، والضَّحَّاك، والأوزاعي، وابنِ المسَيِّب. وقال عطاءٌ ومجاهدٌ: الآيةُ محكمةٌ، ولا يجوزُ القتالُ في الأشهرِ الحُرمِ. والجماعةُ على خلاف ذلك.
والأَشهُرُ الحرُمُ التي كان الله قد حرَّم فيها القتالَ ثُمَّ نسخَه لم يختلف فيه أعيانها، وهي: المحرَّمُ، ورجبٌ، وذو القعدة وذو الحجّة. واختُلِفَ في ترتيبها:
فقال (قوم مِن) أهلِ المدينة: هي ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب. يجعلونها من سنتين.
وقال بعض المدنيين: أوّلُها رجب، وهي من سنتين؛ لأن النبيَّ - عليه السلام - قدم المدينة (في ربيع الآخر وقد قيل) في ربيع الأول (وأول شهر كان بعد قدومه من الحُرُم) رجب.
وقال الكوفيون: هي من سنة واحدة، وأولها المحرّم، وهي المذكورة في قوله تعالى: ﴿مِنْهَا أربَعَةٌ حُرُم﴾. [التوبة: ٣٦].
وأمّا الأشهرُ الحرُمُ المذكورة في أول سورة براءة في قوله: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الأَشْهُر الحُرُمُ﴾ [التوبة: ٥] (فليست الحُرُمَ) التي كان قد حُرِّمَ فيها القتال المذكور في (سورة) البقرة، ولا هي المذكورةُ في قوله تعالى:﴿مِنْهَا أربَعَةٌ حُرُم﴾ [التوبة: ٣٦].
إنما هي أربعةُ أشهرٍ بعد يوم النَّحْرِ من ذلك العام، وهو عهدٌ كان بين النبي - صلى الله عليه وسلم - وبين قريش، ويقال لها: أَشهرُ السِّياحة، أمرَ الله المؤمنين أن يَقتلوا المشركين حيثُ وجدوهم بعد انقضاءِ أربعةِ أشهرٍ من يوم النّحر من ذلك العام، وهي آخرُ العهدِ الذي انعقَد بين النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - وبين قريش.
وأشهرُ الحجِّ: شوّال وذو القعدة وعَشْرٌ مِن ذي الحجَّة، (هذا قولُ أبي حنيفة) - رضي الله عنه -.
وقال الشافعي: تسعٌ من ذي الحجة.
وعن مالك: وذو الحجّة كُلُّه.

ترجمات معاني الآية ٢١٧ من سورة البقرة

ترجمة معاني الآية إلى ٦٠ لغةً

(217) They ask you about the sacred month[78] - about fighting therein. Say, "Fighting therein is great [sin], but averting [people] from the way of Allāh and disbelief in Him and [preventing access to] al-Masjid al-Ḥarām and the expulsion of its people therefrom are greater [evil] in the sight of Allāh. And fitnah[79] is greater than killing." And they will continue to fight you until they turn you back from your religion if they are able. And whoever of you reverts from his religion [to disbelief] and dies while he is a disbeliever - for those, their deeds have become worthless in this world and the Hereafter, and those are the companions of the Fire; they will abide therein eternally.
[78]- See footnote to 2:194.
[79]- See footnote to 2:191.
— الترجمة الإنجليزية - صحيح انترناشونال