جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري
القول في تأويل قوله تعالى :
﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدّ عَن سَبِيلِ اللّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِندَ اللّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتّىَ يَرُدّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِن اسْتَطَاعُواْ وَمَن يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلََئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدّنْيَا والآخرة وَأُوْلََئِكَ أَصْحَابُ النّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾
يعني بذلك جل ثناؤه : يسألك يا محمد أصحابك عن الشهر الحرام وذلك رجب عن قتال فيه. وخفض «القتال » على معنى تكرير عن عليه، وكذلك كانت قراءة عبد الله بن مسعود فيما ذكر لنا. وقد :
حدثت عن عمار بن الحسن، قال : حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع قوله : يَسألُونَكَ عَنِ الشّهْرِ الحَرَامِ قِتالٍ فِيهِ قال : يقول : يسألونك عن قتال فيه. قال : وكذلك كان يقرؤها :«عن قتال فيه ».
قال أبو جعفر : قل يا محمد قتال فيه، يعني في الشهر الحرام كبير : أي عظيم عند الله استحلاله، وسفك الدماء فيه.
ومعنى قوله : قِتالٍ فِيهِ قل القتال فيه كبير. وإنما قال : قل قتال فيه كبير، لأن العرب كانت لا تقرع فيه الأسنة، فيلقى الرجل قاتل أبيه أو أخيه فيه فلا يهيجه تعظيما له، وتسميه مضر «الأصمّ » لسكون أصوات السلاح وقعقعته فيه. وقد :
حدثني محمد بن عبد الله بن عبد الحكم المصري، قال : حدثنا شعيب بن الليث، قال : حدثنا الليث، قال : حدثنا الزبير، عن جابر قال : لم يكن رسول الله ﷺ يغزو في الشهر الحرام إلا أن يُغْزَى، أو يغزو حتى إذا حضر ذلك أقام حتى ينسلخ.
وقوله جل ثناؤه : وَصَدّ عَنْ سَبِيلِ اللّهِ ومعنى الصدّ عن الشيء : المنع منه، والدفع عنه، ومنه قيل : صدّ فلان بوجهه عن فلان : إذا أعرض عنه فمنعه من النظر إليه.
وقوله : وكُفْرٌ بِه يعني : وكفر بالله، والباء في به عائدة على اسم الله الذي في سبيل الله.
وتأويل الكلام : وصدّ عن سبيل الله، وكفر به، وعن المسجد الحرام وإخراج أهل المسجد الحرام، وهم أهله وولاته أكْبَرُ عِنْدَ اللّهِ من القتال في الشهر الحرام. فالصدّ عن سبيل الله مرفوع بقوله أكبرُ عنَد اللّهِ وقوله : وَإخْرَاجُ أهْلِهِ مِنْهُ عطف على الصدّ ثم ابتدأ الخبر عن الفتنة فقال : وَالفِتْنَةُ أكْبَرُ مِنَ القَتْلِ يعني : الشرك أعظم وأكبر من القتل، يعني من قتل ابن الحضرمي الذي استنكرتم قتله في الشهر الحرام.
وقد كان بعض أهل العربية يزعم أن قوله : وَالمَسْجِدِ الحَرَامِ معطوف على «القتال »، وأن معناه : يسألونك عن الشهر الحرام، عن قتال فيه، وعن المسجد الحرام، فقال الله جل ثناؤه : وَإخْرَاجُ أهْلِهِ مِنْهُ أكْبَرُ عِنْدَ اللّهِ من القتال في الشهر الحرام.
وهذا القول مع خروجه من أقوال أهل العلم، قول لا وجه له لأن القوم لم يكونوا في شكّ من عظيم ما أتى المشركون إلى المسلمين في إخراجهم إياهم من منازلهم بمكة، فيحتاجوا إلى أن يسألوا رسول الله ﷺ عن إخراج المشركين إياهم من منازلهم، وهل ذلك كان لهم ؟ بل لم يدّع ذلك عليهم أحد من المسلمين، ولا أنهم سألوا رسول الله ﷺ عن ذلك. وإذْ كان ذلك كذلك، فلم يكن القوم سألوا رسول الله ﷺ إلا عما ارتابوا بحكمه كارتيابهم في أمر قتل ابن الحضرمي، إذ ادّعوا أن قاتله من أصحاب رسول الله ﷺ قتله في الشهر الحرام، فسألوا عن أمره، لارتيابهم في حكمه. فأما إخراج المشركين أهل الإسلام من المسجد الحرام، فلم يكن فيهم أحد شاكا أنه كان ظلما منهم لهم فيسألوا عنه.
ولا خلاف بين أهل التأويل جميعا أن هذه الآية نزلت على رسول الله ﷺ في سبب قتل ابن الحضرمي وقاتله. ذكر الرواية عمن قال ذلك :
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا سلمة بن الفضل، عن ابن إسحاق، قال : ثني الزهري، ويزيد بن رومان عن عروة بن الزبير، قال : بعث رسول الله ﷺ عبد الله بن جحش في رجب مقفله من بدر الأولى، وبعث معه بثمانية رهط من المهاجرين، ليس فيهم من الأنصار أحد، وكتب له كتابا، وأمره أن لا ينظر فيه حتى يسير يومين ثم ينظر فيه فيمضي لما أمره، ولا يستكره من أصحابه أحدا. وكان أصحاب عبد الله بن جحش من المهاجرين من بني عبد شمس أبو حذيفة بن ربيعة ومن بني أمية بن عبد شمس، ثم من حلفائهم عبد الله بن جحش بن رياب، وهو أمير القوم، وعكّاشة بن محصن بن حرثان أحد بني أسد بن خزيمة، ومن بني نوفل بن عبد مناف عتبة بن غزوان حليف لهم، ومن بني زهرة بن كلاب : سعد بن أبي وقاص، ومن بني عديّ بن كعب عامر بن ربيعة حليف لهم، وواقد بن عبد الله بن مناة بن عويم بن ثعلبة بن يربوع بن حنظلة، وخالد بن البكير أحد بني سعد بن ليث حليف لهم، ومن بني الحرث بن فهر سهيل بن بيضاء. فلما سار عبد الله بن جحش يومين فتح الكتاب ونظر فيه، فإذا فيه :«إذا نظرت إلى كتابي هذا، فسر حتى تنزل نخلة بين مكة والطائف، فترصد بها قريشا، وتعلّم لنا من أخبارهم ». فلما نظر عبد الله بن جحش في الكتاب قال : سمعا وطاعة، ثم قال لأصحابه : قد أمرني رسول الله ﷺ أن أمضي إلى نخلة فأرصد بها قريشا حتى آتيه منهم بخبر، وقد نهاني أن أستكره أحدا منكم، فمن كان منكم يريد الشهادة ويرغب فيها فلينطلق، ومن كره ذلك فليرجع، فأما أنا فماض لأمر رسول الله ﷺ فمضى ومضى أصحابه معه، فلم يتخلف عنه أحد، وسلك على الحجاز، حتى إذا كان بمعدن فوق الفرُع يقال له نُجْران، أضل سعد بن أبي وقاص، وعتبة بن غزوان بعيرا لهما كانا عليه يعتقبانه، فتخلفا عليه في طلبه، ومضى عبد الله بن جحش وبقية أصحابه حتى نزل بنخلة، فمرّت به عير لقريش تحمل زبيبا وأدما وتجارة من تجارة قريش فيها منهم عمرو بن الحضرمي، وعثمان بن عبد الله بن المغيرة، وأخوه نوفل بن عبد الله بن المغيرة المخزوميان، والحكم بن كيسان مولى هشام بن المغيرة فلما رآهم القوم هابوهم، وقد نزلوا قريبا منهم، فأشرف لهم عكاشة بن محصن، وقد كان حلق رأسه فلما رأوه أمنوا وقالوا : عُمار فلا بأس علينا منهم وتشاور القوم فيهم، وذلك في أخر يوم من جمادى، فقال القوم : والله لئن تركتم القوم هذه الليلة ليدخلُنّ الحرم فليمتنعنّ به منكم، ولئن قتلتموهم لنقتلنهم في الشهر الحرام. فتردّد القوم فهابوا الإقدام عليهم، ثم شجعوا عليهم، وأجمعوا على قتل من قدروا عليه منهم، وأخذ ما معهم فرمى واقد بن عبد الله التميمي عمرو بن الحضرمي بسهم فقتله، واستأسر عثمان بن عبد الله، والحكم بن كيسان، وأفلت نوفل بن عبد الله فأعجزهم. وقدم عبد الله بن جحش وأصحابه بالعير والأسيرين، حتى قدموا على رسول الله ﷺ بالمدينة. وقد ذكر بعض آل عبد الله بن جحش أن عبد الله بن جحش قال لأصحابه : إن لرسول الله ﷺ مما غنمتم الخمس وذلك قبل أن يفرض الخمس من الغنائم. فعزل لرسول الله ﷺ خمس العير، وقسم سائرها على أصحابه فلما قدموا على رسول الله ﷺ قال :«ما أمَرْتُكُمْ بِقِتالٍ فِي الشّهْرِ الحَرَامِ »، فوقف العير والأسيرين، وأبى أن يأخذ من ذلك شيئا فلما قال رسول الله ﷺ ذلك، سُقِط في أيدي القوم، وظنوا أنهم قد هلكوا، وعنفهم المسلمون فيما صنعوا، وقالوا لهم : صنعتم ما لم تؤمروا به، وقاتلتم في الشهر الحرام ولم تؤمروا بقتال وقالت قريش : قد استحلّ محمد وأصحابه الشهر الحرام، فسفكوا فيه الدم، وأخذوا فيه الأموال وأسروا. فقال من يردّ ذلك عليهم من المسلمين ممن كان بمكة : إنما أصابوا ما أصابوا في جمادى وقالت يهود تتفاءل بذلك على رسول الله ﷺ : عمرو بن الحضرمي قتله واقد بن عبد الله، عمرو : عمرت الحرب، والحضرمي : حضرت الحرب، وواقد بن عبد الله : وقدت الحرب فجعل الله عليهم ذلك وبهم. فلما أكثر الناس في ذلك أنزل الله جل وعز على رسوله : يَسألُونَكَ عَنِ الشّهْرِ الحَرَامِ قِتالٍ فِيهِ أي عن قتال فيه قُلْ قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ إلى قوله : وَالفِتْنَةُ أكْبَرُ مِنَ القَتْلِ أي إن كنتم قتلتم في الشهر الحرام فقد صدوكم عن سبيل الله مع الكفر به، وعن المسجد الحرام، وإخراجكم عنه، إذ أنتم أهله وولاته، أكبر عند الله من قتل من قتلتم منهم وَالفِتْنَةُ أكْبَرُ مِنَ القَتْلِ أي قد كانوا يفتنون المسلم عن دينه حتى يردّوه إلى الكفر بعد إيمانه وذلك أكبر عند الله من القتل، ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا، أي هم مقيمون على أخبث ذلك وأعظمه، غير تائبين ولا نازعين فلما نزل القرآن بهذا من الأمر، وفرج الله عن المسلمين ما كانوا فيه من الشّفَق، قبض رسول الله ﷺ العير والأسيرين.
حدثني موسى بن هارون، قال : حدثنا عمرو بن حماد، قال : حدثنا أسباط، عن السدي : يَسألُونَكَ عَنِ الشّهْرِ الحَرَامِ قِتالٍ فِيهِ قُلْ قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وذلك أن رسول الله ﷺ بعث سرية وكانوا سبعة نفر، وأمّر عليهم عبد الله بن جحش الأسدي، وفيهم عمار بن ياسر، وأبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة، وسعد بن أبي وقاص، وعتبة بن غزوان السلمي حليف لبني نوفل، وسهيل بن بيضاء، وعامر بن فهيرة، وواقد بن عبد الله اليربوعي حليف لعمر بن الخطاب وكتب مع ابن جحش كتابا وأمره أن لا يقرأه حتى ينزل مَلَل، فلما نزل ببطن ملل فتح الكتاب، فإذا فيه : أن سر حتى تنزل بطن نخلة. فقال لأصحابه : من كان يريد الموت فليمض وليوص، فإني موص وماض لأمر رسول الله ﷺ فسار وتخلف عنه سعد بن أبي وقاص وعتبة بن غزوان أضلا راحلة لهما، فأتيا نُجْران يطلبانها، وسار ابن جحش إلى بطن نخلة، فإذا هم بالحكم بن كيسان، وعبد الله بن المغيرة، والمغيرة بن عثمان، وعمرو بن الحضرمي. فاقتتلوا، فأسروا الحكم بن كيسان وعبد الله بن المغيرة، وانفلت المغيرة، وقتل عمرو بن الحضرمي، قتله واقد بن عبد الله، فكانت أول غنيمة غنمها أصحاب محمد ﷺ فلما رجعوا إلى المدينة بالأسيرين وما غنموا من الأموال أراد أهل مكة أن يفادوا بالأسيرين، فقال النبيّ ﷺ :«حّتى نَنْظُرَ ما فَعَلَ صَاحِبانا » فلما رجع سعد وصاحبه فادى بالأسيرين، ففجر عليه المشركون وقالوا : محمد يزعم أنه يتبع طاعة الله، وهو أوّل من استحلّ الشهر الحرام وقتل صاحبنا في رجب، فقال المسلمون : إنما قتلناه في جمادى، وقيل في أول ليلة من رجب، وآخر ليلة من جمادى وغمد المسلمون سيوفهم حين دخل رجب، فأنزل الله جل وعز يعير أهل مكة : يَسألُونَكَ عَنِ الشّهْرِ الحَرَامِ قِتالٍ فِيهِ قُلْ قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ لا يحل
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
فإذ كان ذلك كذلك، فبيِّنٌ صحةُ ما قلنا في قوله:" يسألونك عن الشهر الحرام قتالٍ فيه قل قتالٌ فيه كبيرٌ"، وأنه منسوخ.
فإذا ظنّ ظانّ أن النهي عن القتال في الأشهر الحرُم كان بعد استحلال النبي ﷺ إياهن لما وصفنا من حروبه. فقد ظنّ جهلا. وذلك أن هذه الآية - أعني قوله:" يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه" - في أمر عبد الله بن جحش وأصحابه، وما كان من أمرهم وأمر القتيل الذي قتلوه، فأنزل الله في أمره هذه الآية في آخر جمادى الآخرة من السنة الثانية من مَقْدَم رسول الله ﷺ المدينةَ وهجرته إليها، وكانت وقعةُ حُنين والطائف في شوال من سنة ثمان من مقدمه المدينة وهجرته إليها، وبينهما من المدة ما لا يخفى على أحد.
* * *
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا﴾
قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره: ولا يزال مشركو قريش يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن قدروا على ذلك، كما:-
٤١٠١ - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله عز وجل:" ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردُّوكم عن دينكم إن استطاعوا"، قال: كفار قريش.
* * *
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢١٧)﴾
قال أبو جعفر: يعني بقوله جل ثناؤه:" ومن يرتدد منكم عن دينه"، من يرجع منكم عن دينه، كما قال جل ثناؤه: (فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا) [سورة الكهف: ٦٤] يعني بقوله:" فارتدَّا"، رجعا. ومن ذلك قيل:" استردّ فلان حقه من فلان"، إذا استرجعه منه. (٢)
وإنما أظهر التضعيف في قوله:" يرتدد" لأن لام الفعل ساكنة بالجزم، وإذا
(٢) انظر ما سلف ٣: ١٦٣، وفهارس اللغة فيما سلف، ردد"