مفاتيح الغيب — فخر الدين الرازي
عن الكتاب
قوله تعالى ﴿يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير وصد عن سبيل الله وكفر به والمسجد الحرام وإخراج أهله منه أكبر عنه الله والفتنة أكبر من القتل ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا ومن يرتدد عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون﴾
في الآية مسائل :
المسألة الأولى : اختلفوا في أن هذا السائل أكان من المسلمين أو من الكافرين والقائلون بأنه من المسلمين فريقان الأول : الذين قالوا إنه تعالى لما كتب عليهم القتال وقد كان عند القوم الشهر الحرام والمسجد الحرام أعظم الحرمة في المنع من القتال لم يبعد عندهم أن يكون الأمر بالقتال مقيدا بأن يكون في غير هذا الزمان وفي غير هذا المكان فدعاهم ذلك إلى أن سألوا النبي ﷺ، فقالوا : أيحل لنا قتالهم في هذا الشهر وفي هذا الموضع ؟ فنزلت الآية، فعلى هذا الوجه الظاهر أن هذا السؤال كان من المسلمين.
الفريق الثاني : وهم أكثر المفسرين : رووا عن ابن عباس أنه قال : إن رسول الله ﷺ بعث عبد الله بن جحش الأسدي وهو ابن عمته قبل قتال بدر بشهرين، وبعد سبعة عشر شهرا من مقدمه المدينة في ثمانية رهط، وكتب له كتابا وعهدا ودفعه إليه، وأمره أن يفتحه بعد منزلتين، ويقرأه على أصحابه، ويعمل بما فيه، فإذا فيه : أما بعد فسر على بركة الله تعالى بمن اتبعك حتى تنزل بطن نخل، فترصد بها عير قريش لعلك أن تأتينا منه بخير، فقال عبد الله : سمعا وطاعة لأمره فقال لأصحابه : من أحب منكم الشهادة فلينطلق معي فإني ماض لأمره، ومن أحب التخلف فليتخلف فمضى حتى بلغ بطن نخل بين مكة والطائف، فمر عليهم عمرو بن الحضرمي وثلاثة معه، فلما رأوا أصحاب رسول الله ﷺ حلقوا رأس واحد منهم وأوهموا بذلك أنهم قوم عمار، ثم أتى واقد بن عبد الله الحنظلي وهو أحد من كان مع عبد الله بن جحش ورمى عمرو بن الحضرمي فقتله، وأسروا اثنين وساقوا العير بما فيه حتى قدموا على رسول الله ﷺ، فضجت قريش وقالوا : قد استحل محمد الشهر الحرام، شهر يأمن فيه الخائف فيسفك فيه الدماء، والمسلمون أيضا قد استبعدوا ذلك، فقال عليه الصلاة والسلام : إني ما أمرتكم بالقتال في الشهر الحرام، وقال عبد الله بن جحش يا رسول الله إنا قتلنا ابن الحضرمي، ثم أمسينا فنظرنا إلى هلال رجب فلا ندري أفي رجب أصبناه أم في جمادى فوقف رسول الله ﷺ العير والأسارى، فنزلت هذه الآية، فأخذ رسول الله عليه الصلاة والسلام الغنيمة، وعلى هذا التقدير فالأظهر أن هذا السؤال إنما صدر عن المسلمين لوجوه أحدها : أن أكثر الحاضرين عند رسول الله ﷺ كانوا مسلمين وثانيها : أن ما قبل هذه الآية وما بعدها خطاب مع المسلمين أما ما قبل هذه الآية فقوله :﴿أم حسبتم أن تدخلوا الجنة﴾ وهو خطاب مع المسلمين وقوله :
﴿يسألونك عن الخمر والميسر ويسألونك عن اليتامى﴾ وثالثها : روى سعيد بن جبير عن ابن عباس أنه قال : ما رأيت قوما كانوا خيرا من أصحاب رسول الله ﷺ ما سألوه إلا عن ثلاث عشرة مسألة حتى قبض كلهن في القرآن منها ﴿يسألونك عن الشهر الحرام﴾.
والقول الثاني : أن هذا السؤال كان من الكفار قالوا : سألوا الرسول عليه الصلاة والسلام عن القتال في الشهر الحرام حتى لو أخبرهم بأنه حلال فتكوا به واستحلوا قتاله فيه فأنزل الله تعالى هذه الآية :﴿يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه﴾ أي يسألونك عن قتال في الشهر الحرام ﴿قل قتال فيه كبير﴾ ولكن الصد عن سبيل الله وعن المسجد الحرام والكفر به أكبر من ذلك القتال ﴿ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم﴾ فبين تعالى أن غرضهم من هذا السؤال أن يقاتلوا المسلمين ثم أنزل الله تعالى بعده قوله :﴿الشهر الحرام بالشهر الحرام والحرمات قصاص فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم﴾ فصرح في هذه الآية بأن القتال على سبيل الدفع جائز.
المسألة الثانية : قوله تعالى :﴿قتال فيه﴾ خفض على البدل من الشهر الحرام، وهذا يسمى بدل الاشتمال، كقولك : أعجبني زيد علمه ونفعني زيد كلامه وسرق زيد ماله، وسلب زيد ثوابه، قال تعالى :﴿قتل أصحاب الأخدود النار ذات الوقود﴾ وقال بعضهم الخفض في قتال على تكرير العامل والتقدير : يسألونك عن الشهر الحرام عن قتال فيه، وهكذا هو في قراءة ابن مسعود والربيع، ونظيره قوله تعالى :﴿للذين استضعفوا لمن آمن منهم﴾ وقرأ عكرمة ﴿قتل فيه﴾.
أما قوله تعالى :﴿قل قتال فيه كبير﴾ ففيه مسألتان :
المسألة الأولى : ﴿قتال فيه﴾ مبتدأ و ﴿كبير﴾ خبره، وقوله :﴿قتال﴾ وإن كان نكرة إلا أنه تخصص بقوله :﴿فيه﴾ فحسن جعله مبتدأ والمراد من قوله :﴿كبير﴾ أي عظيم مستنكر كما يسمى الذنب العظيم كبيرة قال تعالى :﴿كبرت كلمة تخرج من أفواههم﴾.
فإن قيل : لم نكر القتال في قوله تعالى :﴿قتال فيه﴾ ومن حق النكرة إذا تكررت أن تجيء باللام حتى يكون المذكور الثاني هو الأول، لأنه لو لم يكن كذلك كان المذكور الثاني غير الأول كما في قوله تعالى :﴿إن مع العسر يسرا﴾.
قلنا : نعم ما ذكرتم أن اللفظ إذا تكرر وكانا نكرتين كان المراد بالثاني إذن غير الأول والقوم أرادوا بقولهم :﴿يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه﴾ ذلك القتال المعين الذي أقدم عليه عبد الله بن جحش، فقال تعالى :﴿قل قتال فيه كبير﴾ وفيه تنبيه على أن القتال الذي يكون كبيرا ليس هو هذا القتال الذي سألتم عنه، بل هو قتال آخر لأن هذا القتال كان الغرض به نصرة الإسلام وإذلال الكفر فكيف يكون هذا من الكبائر، إنما القتال الكبير هو الذي يكون الغرض فيه هدم الإسلام وتقوية الكفر فكان اختيار التنكير في اللفظين لأجل هذه الدقيقة إلا أنه تعالى ما صرح بهذا الكلام لئلا تضيق قلوبهم بل أبهم الكلام بحيث يكون ظاهره كالموهم لما أرادوه، وباطنه يكون موافقا للحق، وهذا إنما حصل بأن ذكر هذين اللفظين على سبيل التنكير، ولو أنه وقع التعبير عنهما أو عن أحدهما بلفظ التعريف لبطلت هذه الفائدة الجليلة، فسبحان من له تحت كل كلمة من كلمات هذا الكتاب سر لطيف لا يهتدي إليه إلا أولوا الألباب.
المسألة الثانية : اتفق الجمهور على أن حكم هذه الآية حرمة القتال في الشهر الحرام ثم اختلفوا أن ذلك الحكم هل بقي أم نسخ فنقل عن ابن جريج أنه قال : حلف لي عطاء بالله أنه لا يحل للناس الغزو في الحرم، ولا في الأشهر الحرم، إلا على سبيل الدفع، روى جابر قال : لم يكن رسول الله ﷺ يغزو في الشهر الحرام إلا أن يغزى وسئل سعيد بن المسيب هل يصلح للمسلمين أن يقاتلوا الكفار في الشهر الحرام ؟ قال نعم، قال أبو عبيد : والناس بالثغور اليوم جميعا على هذا القول يرون الغزو مباحا في الشهور كلها، ولم أر أحدا من علماء الشام والعراق ينكره عليهم كذلك حسب قول أهل الحجاز.
والحجة في إباحته قوله تعالى :﴿فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم﴾ وهذه الآية ناسخة لتحريم القتال في الشهر الحرام، والذي عندي أن قوله تعالى :﴿قل قتال فيه كبير﴾ هذا نكرة في سياق الإثبات فيتناول فردا واحدا، ولا يتناول كل الأفراد، فهذه الآية لا دلالة فيها على تحريم القتال مطلقا في الشهر الحرام، فلا حاجة إلى تقدير النسخ فيه.
أما قوله تعالى :﴿وصد عن سبيل الله وكفر به والمسجد الحرام وإخراج أهله منه أكبر عند الله﴾ ففيه مسألتان :
المسألة الأولى : للنحويين في هذه الآية وجوه الأول : قول البصريين وهو الذي اختاره الزجاج، أن قوله :﴿وصد عن سبيل الله وكفر به والمسجد الحرام وإخراج أهله منه﴾ كلها مرفوعة بالابتداء، وخبرها قوله :﴿أكبر عند الله﴾ والمعنى : أن القتال الذي سألتم عنه، وإن كان كبيرا، إلا أن هذه الأشياء أكبر منه، فإذا لم تمتنعوا عنها في الشهر الحرام، فكيف تعيبون عبد الله بن جحش على ذلك القتال مع أن له فيه عذرا ظاهرا، فإنه كان يجوز أن يكون ذلك القتل واقعا في جمادى الآخرة، ونظيره قوله تعالى لبني إسرائيل :﴿أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم، لم تقولون ما لا تفعلون﴾ وهذا وجه ظاهر، إلا أنهم اختلفوا في الجر في قوله :﴿والمسجد الحرام﴾ وذكروا فيه وجهين أحدهما : أنه عطف على الهاء في به والثاني : وهو قول الأكثرين : أنه عطف على ﴿سبيل الله﴾ قالوا : وهو متأكد بقوله تعالى :﴿إن الذين كفروا ويصدون عن سبيل الله والمسجد الحرام﴾.
واعترضوا على الوجه الأول بأنه لا يجوز العطف على الضمير، فإنه لا يقال : مررت به وعمرو، وعلى الثاني بأن على هذا الوجه يكون تقدير الآية : صد عن سبيل الله وعن المسجد الحرام، فقوله : عن المسجد الحرام صلة للصد، والصلة والموصول في حكم الشيء الواحد، فإيقاع الأجنبي بينهما لا يكون جائزا.
أجيب عن الأول : لم لا يجوز إضمار حرف الجر فيه حتى يكون التقدير : وكفر به وبالمسجد الحرام، والإضمار في كلام الله ليس بغريب، ثم يتأكد هذا بقراءة حمزة ﴿تساءلون به والأرحام﴾ على سبيل الخفض ولو أن حمزة روى هذه اللغة لكان مقبولا بالاتفاق، فإذا قرأ به في كتاب الله تعالى كان أولى أن يكون مقبولا، وأما الأكثرون الذين اختاروا القول الثاني قالوا : لا شك أنه يقتضي وقوع الأجنبي بين الصلة والموصول، والأصل أنه لا يجوز إلا أنا تحملناه ههنا لوجهين الأول : أن الصد عن سبيل الله والكفر به كالشيء الواحد في المعنى، فكأنه لا فصل الثاني : أن موضع قوله :﴿وكفر به﴾ عقيب قوله :﴿والمسجد الحرام﴾ إلا أنه قدم عليه لفرط العناية، كقوله تعالى :﴿ولم يكن له كفؤا أحدا﴾ كان من حق الكلام أن يقال : ولم يكن له أحد كفؤا إلا أن فرط العناية أوجب تقديمه فكذا ههنا.
الوجه الثاني : في هذه الآية، وهو اختيار الفراء وأبي مسلم الأصفهاني أن قوله تعالى :﴿والمسجد الحرام﴾ عطف بالواو على الشهر الحرام، والتقدير : يسألونك عن قتال في الشهر الحرام والمسجد الحرام، ثم بعد هذا طريقان أحدهما : أن قوله :﴿قتال فيه﴾ مبتدأ، وقوله :﴿كبير وصد عن سبيل الله وكفر به﴾ خبر بعد خبر، والتقدير : إن قتلا فيه محكوم عليه بأنه كبير وبأنه صد عن سبيل الله، وبأنه كفر بالله.
والطريق الثاني : أن يكون قوله :﴿قتال فيه كبير﴾ جملة مبتدأ وخبر، وأما قوله :﴿وصد عن سبيل الله﴾ فهو مرفوع بالابتداء، وكذا قوله :﴿وكفر به﴾ والخبر محذوف لدلالة ما تقدم عليه، والتقدير : قل قتال فيه كبير وصد عن سبيل الله كبير وكفر به كبير، ونظيره قولك : زيد منطلق وعمرو، تقديره : وعمرو منطلق، طعن البصريون في هذا الجواب فقالوا : أما قولكم تقدير الآية : يسألونك عن قتال في المسجد الحرام فهو ضعيف لأن السؤال كان واقعا عن القتال في الشهر الحرام لا عن القتال في المسجد الحرام، وطعنوا في الوجه الأول بأنه يقتضي أن يكون القتال في الشهر الحرام كفرا بالله، وهو خطأ بالإجماع، وطعنوا في الوجه الثاني بأنه لما قال بعد ذلك :﴿وإخراج أهله منه أكبر﴾ أي أكبر من كل ما تقدم فيلزم أن يكون إخراج أهل المسجد من المسجد أكبر عند الله من الكفر، وهو خطأ بالإجماع.
وأقول : للفراء أن يجي
في الآية مسائل :
المسألة الأولى : اختلفوا في أن هذا السائل أكان من المسلمين أو من الكافرين والقائلون بأنه من المسلمين فريقان الأول : الذين قالوا إنه تعالى لما كتب عليهم القتال وقد كان عند القوم الشهر الحرام والمسجد الحرام أعظم الحرمة في المنع من القتال لم يبعد عندهم أن يكون الأمر بالقتال مقيدا بأن يكون في غير هذا الزمان وفي غير هذا المكان فدعاهم ذلك إلى أن سألوا النبي ﷺ، فقالوا : أيحل لنا قتالهم في هذا الشهر وفي هذا الموضع ؟ فنزلت الآية، فعلى هذا الوجه الظاهر أن هذا السؤال كان من المسلمين.
الفريق الثاني : وهم أكثر المفسرين : رووا عن ابن عباس أنه قال : إن رسول الله ﷺ بعث عبد الله بن جحش الأسدي وهو ابن عمته قبل قتال بدر بشهرين، وبعد سبعة عشر شهرا من مقدمه المدينة في ثمانية رهط، وكتب له كتابا وعهدا ودفعه إليه، وأمره أن يفتحه بعد منزلتين، ويقرأه على أصحابه، ويعمل بما فيه، فإذا فيه : أما بعد فسر على بركة الله تعالى بمن اتبعك حتى تنزل بطن نخل، فترصد بها عير قريش لعلك أن تأتينا منه بخير، فقال عبد الله : سمعا وطاعة لأمره فقال لأصحابه : من أحب منكم الشهادة فلينطلق معي فإني ماض لأمره، ومن أحب التخلف فليتخلف فمضى حتى بلغ بطن نخل بين مكة والطائف، فمر عليهم عمرو بن الحضرمي وثلاثة معه، فلما رأوا أصحاب رسول الله ﷺ حلقوا رأس واحد منهم وأوهموا بذلك أنهم قوم عمار، ثم أتى واقد بن عبد الله الحنظلي وهو أحد من كان مع عبد الله بن جحش ورمى عمرو بن الحضرمي فقتله، وأسروا اثنين وساقوا العير بما فيه حتى قدموا على رسول الله ﷺ، فضجت قريش وقالوا : قد استحل محمد الشهر الحرام، شهر يأمن فيه الخائف فيسفك فيه الدماء، والمسلمون أيضا قد استبعدوا ذلك، فقال عليه الصلاة والسلام : إني ما أمرتكم بالقتال في الشهر الحرام، وقال عبد الله بن جحش يا رسول الله إنا قتلنا ابن الحضرمي، ثم أمسينا فنظرنا إلى هلال رجب فلا ندري أفي رجب أصبناه أم في جمادى فوقف رسول الله ﷺ العير والأسارى، فنزلت هذه الآية، فأخذ رسول الله عليه الصلاة والسلام الغنيمة، وعلى هذا التقدير فالأظهر أن هذا السؤال إنما صدر عن المسلمين لوجوه أحدها : أن أكثر الحاضرين عند رسول الله ﷺ كانوا مسلمين وثانيها : أن ما قبل هذه الآية وما بعدها خطاب مع المسلمين أما ما قبل هذه الآية فقوله :﴿أم حسبتم أن تدخلوا الجنة﴾ وهو خطاب مع المسلمين وقوله :
﴿يسألونك عن الخمر والميسر ويسألونك عن اليتامى﴾ وثالثها : روى سعيد بن جبير عن ابن عباس أنه قال : ما رأيت قوما كانوا خيرا من أصحاب رسول الله ﷺ ما سألوه إلا عن ثلاث عشرة مسألة حتى قبض كلهن في القرآن منها ﴿يسألونك عن الشهر الحرام﴾.
والقول الثاني : أن هذا السؤال كان من الكفار قالوا : سألوا الرسول عليه الصلاة والسلام عن القتال في الشهر الحرام حتى لو أخبرهم بأنه حلال فتكوا به واستحلوا قتاله فيه فأنزل الله تعالى هذه الآية :﴿يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه﴾ أي يسألونك عن قتال في الشهر الحرام ﴿قل قتال فيه كبير﴾ ولكن الصد عن سبيل الله وعن المسجد الحرام والكفر به أكبر من ذلك القتال ﴿ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم﴾ فبين تعالى أن غرضهم من هذا السؤال أن يقاتلوا المسلمين ثم أنزل الله تعالى بعده قوله :﴿الشهر الحرام بالشهر الحرام والحرمات قصاص فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم﴾ فصرح في هذه الآية بأن القتال على سبيل الدفع جائز.
المسألة الثانية : قوله تعالى :﴿قتال فيه﴾ خفض على البدل من الشهر الحرام، وهذا يسمى بدل الاشتمال، كقولك : أعجبني زيد علمه ونفعني زيد كلامه وسرق زيد ماله، وسلب زيد ثوابه، قال تعالى :﴿قتل أصحاب الأخدود النار ذات الوقود﴾ وقال بعضهم الخفض في قتال على تكرير العامل والتقدير : يسألونك عن الشهر الحرام عن قتال فيه، وهكذا هو في قراءة ابن مسعود والربيع، ونظيره قوله تعالى :﴿للذين استضعفوا لمن آمن منهم﴾ وقرأ عكرمة ﴿قتل فيه﴾.
أما قوله تعالى :﴿قل قتال فيه كبير﴾ ففيه مسألتان :
المسألة الأولى : ﴿قتال فيه﴾ مبتدأ و ﴿كبير﴾ خبره، وقوله :﴿قتال﴾ وإن كان نكرة إلا أنه تخصص بقوله :﴿فيه﴾ فحسن جعله مبتدأ والمراد من قوله :﴿كبير﴾ أي عظيم مستنكر كما يسمى الذنب العظيم كبيرة قال تعالى :﴿كبرت كلمة تخرج من أفواههم﴾.
فإن قيل : لم نكر القتال في قوله تعالى :﴿قتال فيه﴾ ومن حق النكرة إذا تكررت أن تجيء باللام حتى يكون المذكور الثاني هو الأول، لأنه لو لم يكن كذلك كان المذكور الثاني غير الأول كما في قوله تعالى :﴿إن مع العسر يسرا﴾.
قلنا : نعم ما ذكرتم أن اللفظ إذا تكرر وكانا نكرتين كان المراد بالثاني إذن غير الأول والقوم أرادوا بقولهم :﴿يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه﴾ ذلك القتال المعين الذي أقدم عليه عبد الله بن جحش، فقال تعالى :﴿قل قتال فيه كبير﴾ وفيه تنبيه على أن القتال الذي يكون كبيرا ليس هو هذا القتال الذي سألتم عنه، بل هو قتال آخر لأن هذا القتال كان الغرض به نصرة الإسلام وإذلال الكفر فكيف يكون هذا من الكبائر، إنما القتال الكبير هو الذي يكون الغرض فيه هدم الإسلام وتقوية الكفر فكان اختيار التنكير في اللفظين لأجل هذه الدقيقة إلا أنه تعالى ما صرح بهذا الكلام لئلا تضيق قلوبهم بل أبهم الكلام بحيث يكون ظاهره كالموهم لما أرادوه، وباطنه يكون موافقا للحق، وهذا إنما حصل بأن ذكر هذين اللفظين على سبيل التنكير، ولو أنه وقع التعبير عنهما أو عن أحدهما بلفظ التعريف لبطلت هذه الفائدة الجليلة، فسبحان من له تحت كل كلمة من كلمات هذا الكتاب سر لطيف لا يهتدي إليه إلا أولوا الألباب.
المسألة الثانية : اتفق الجمهور على أن حكم هذه الآية حرمة القتال في الشهر الحرام ثم اختلفوا أن ذلك الحكم هل بقي أم نسخ فنقل عن ابن جريج أنه قال : حلف لي عطاء بالله أنه لا يحل للناس الغزو في الحرم، ولا في الأشهر الحرم، إلا على سبيل الدفع، روى جابر قال : لم يكن رسول الله ﷺ يغزو في الشهر الحرام إلا أن يغزى وسئل سعيد بن المسيب هل يصلح للمسلمين أن يقاتلوا الكفار في الشهر الحرام ؟ قال نعم، قال أبو عبيد : والناس بالثغور اليوم جميعا على هذا القول يرون الغزو مباحا في الشهور كلها، ولم أر أحدا من علماء الشام والعراق ينكره عليهم كذلك حسب قول أهل الحجاز.
والحجة في إباحته قوله تعالى :﴿فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم﴾ وهذه الآية ناسخة لتحريم القتال في الشهر الحرام، والذي عندي أن قوله تعالى :﴿قل قتال فيه كبير﴾ هذا نكرة في سياق الإثبات فيتناول فردا واحدا، ولا يتناول كل الأفراد، فهذه الآية لا دلالة فيها على تحريم القتال مطلقا في الشهر الحرام، فلا حاجة إلى تقدير النسخ فيه.
أما قوله تعالى :﴿وصد عن سبيل الله وكفر به والمسجد الحرام وإخراج أهله منه أكبر عند الله﴾ ففيه مسألتان :
المسألة الأولى : للنحويين في هذه الآية وجوه الأول : قول البصريين وهو الذي اختاره الزجاج، أن قوله :﴿وصد عن سبيل الله وكفر به والمسجد الحرام وإخراج أهله منه﴾ كلها مرفوعة بالابتداء، وخبرها قوله :﴿أكبر عند الله﴾ والمعنى : أن القتال الذي سألتم عنه، وإن كان كبيرا، إلا أن هذه الأشياء أكبر منه، فإذا لم تمتنعوا عنها في الشهر الحرام، فكيف تعيبون عبد الله بن جحش على ذلك القتال مع أن له فيه عذرا ظاهرا، فإنه كان يجوز أن يكون ذلك القتل واقعا في جمادى الآخرة، ونظيره قوله تعالى لبني إسرائيل :﴿أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم، لم تقولون ما لا تفعلون﴾ وهذا وجه ظاهر، إلا أنهم اختلفوا في الجر في قوله :﴿والمسجد الحرام﴾ وذكروا فيه وجهين أحدهما : أنه عطف على الهاء في به والثاني : وهو قول الأكثرين : أنه عطف على ﴿سبيل الله﴾ قالوا : وهو متأكد بقوله تعالى :﴿إن الذين كفروا ويصدون عن سبيل الله والمسجد الحرام﴾.
واعترضوا على الوجه الأول بأنه لا يجوز العطف على الضمير، فإنه لا يقال : مررت به وعمرو، وعلى الثاني بأن على هذا الوجه يكون تقدير الآية : صد عن سبيل الله وعن المسجد الحرام، فقوله : عن المسجد الحرام صلة للصد، والصلة والموصول في حكم الشيء الواحد، فإيقاع الأجنبي بينهما لا يكون جائزا.
أجيب عن الأول : لم لا يجوز إضمار حرف الجر فيه حتى يكون التقدير : وكفر به وبالمسجد الحرام، والإضمار في كلام الله ليس بغريب، ثم يتأكد هذا بقراءة حمزة ﴿تساءلون به والأرحام﴾ على سبيل الخفض ولو أن حمزة روى هذه اللغة لكان مقبولا بالاتفاق، فإذا قرأ به في كتاب الله تعالى كان أولى أن يكون مقبولا، وأما الأكثرون الذين اختاروا القول الثاني قالوا : لا شك أنه يقتضي وقوع الأجنبي بين الصلة والموصول، والأصل أنه لا يجوز إلا أنا تحملناه ههنا لوجهين الأول : أن الصد عن سبيل الله والكفر به كالشيء الواحد في المعنى، فكأنه لا فصل الثاني : أن موضع قوله :﴿وكفر به﴾ عقيب قوله :﴿والمسجد الحرام﴾ إلا أنه قدم عليه لفرط العناية، كقوله تعالى :﴿ولم يكن له كفؤا أحدا﴾ كان من حق الكلام أن يقال : ولم يكن له أحد كفؤا إلا أن فرط العناية أوجب تقديمه فكذا ههنا.
الوجه الثاني : في هذه الآية، وهو اختيار الفراء وأبي مسلم الأصفهاني أن قوله تعالى :﴿والمسجد الحرام﴾ عطف بالواو على الشهر الحرام، والتقدير : يسألونك عن قتال في الشهر الحرام والمسجد الحرام، ثم بعد هذا طريقان أحدهما : أن قوله :﴿قتال فيه﴾ مبتدأ، وقوله :﴿كبير وصد عن سبيل الله وكفر به﴾ خبر بعد خبر، والتقدير : إن قتلا فيه محكوم عليه بأنه كبير وبأنه صد عن سبيل الله، وبأنه كفر بالله.
والطريق الثاني : أن يكون قوله :﴿قتال فيه كبير﴾ جملة مبتدأ وخبر، وأما قوله :﴿وصد عن سبيل الله﴾ فهو مرفوع بالابتداء، وكذا قوله :﴿وكفر به﴾ والخبر محذوف لدلالة ما تقدم عليه، والتقدير : قل قتال فيه كبير وصد عن سبيل الله كبير وكفر به كبير، ونظيره قولك : زيد منطلق وعمرو، تقديره : وعمرو منطلق، طعن البصريون في هذا الجواب فقالوا : أما قولكم تقدير الآية : يسألونك عن قتال في المسجد الحرام فهو ضعيف لأن السؤال كان واقعا عن القتال في الشهر الحرام لا عن القتال في المسجد الحرام، وطعنوا في الوجه الأول بأنه يقتضي أن يكون القتال في الشهر الحرام كفرا بالله، وهو خطأ بالإجماع، وطعنوا في الوجه الثاني بأنه لما قال بعد ذلك :﴿وإخراج أهله منه أكبر﴾ أي أكبر من كل ما تقدم فيلزم أن يكون إخراج أهل المسجد من المسجد أكبر عند الله من الكفر، وهو خطأ بالإجماع.
وأقول : للفراء أن يجي