البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي
عن الكتاب
الصدّ : ناحية الشعب والوادي المانع السالك، وصدّه عن كذا كأنما جعل بينه وبين ما يريده صدّاً يمنعه. انتهى.
ويقال : صدّ يصدّ صدوداً : أعرض، وكان قياسه للزومه : يصدّ بالكسر، وقد سمع فيه، وصدّه يصده صدّاً منعه، وتصدّى للشيء تعرض له، وأصله تصدّد، نحو : تظنى بمعنى تظنن، فوزنه تفعل، ويجوز أن تكون تفعلى نحو : يعلني، فتكون الألف واللام للإلحاق، وتكون من مضاعف اللام.
زال : من أخوات كان، وهي التي مضارعها : يزال، وهي من ذوات الياء، ووزنها فعل بكسر العين، ويدل على أن عينها ياء ما حكاه الكسائي في مضارعها، وهو : يزيل، ولا تستعمل إلاَّ منفية بحرف نفي، أو بليس، أو بغير أو : لا، لنهي أو دعاء.
الحبوط : أصله الفساد، وحبوط العمل بطله، وحبط بطنه انتفخ، والحبطات قبيلة من بني تميم، والحبنطي : المنتفخ البطن.
﴿يسئلونك عن الشهر الحرام قتال فيه﴾ ؟ طوّل المفسرون في ذكر سبب نزول هذه الآية في عدّة أوراق، وملخصها وأشهرها : أنها نزلت في قصة عبد الله بن جحش الأسدي حين بعثه رسول الله ﷺ في ثمانية معه : سعد بن أبي وقاص، وعكاشة بن محيصن، وعقبة بن غزوان، وأبي حذيفة بن عتبة بن ربيعة، وسهيل بن بيضاء، وعامر بن ربيعة، ووافد بن عبد الله، وخال بن بكير، وأميرهم عبد الله يترصدون عير قريش ببطن نخلة، فوصلوها، ومرت العير فيها عمرو بن الحضرمي، والحكم بن كيسان، وعثمان بن عبد الله بن المغيرة، ونوفل بن عبد الله، وكان ذلك في آخر يوم من جمادى على ظنهم، وهو أوّل يوم من رجب، فرمى وافد عمراً بسهم فقتله، وكان أول قتيل من المشركين، وأسروا الحكم، وعثمان، وكانا أوّل أسيرين في الإسلام، وأفلت نوفل، وقدموا بالعير المدينة، فقالت قريش : استحل محمد الشهر الحرام، وأكثر الناس في ذلك، فوقف رسول الله ﷺ العير، وقال أصحاب السرية : ما نبرح حتى تنزل توبتنا، فنزلت الآية، فخمَّس العيرَ رسولُ الله ﷺ، فكان أوّل خمس في الإسلام.
، فوجهت قريش في فداء الأسيرين فقيل : حتى يقدم سعد وعتبة، وكانا قد أضلا بعيراً لهما قبل لقاء العير فخرجا في طلبه، فقدما، وفودي الأسيران.
فأما الحكم فأسلم وأقام بالمدينة وقتل شهيداً ببئر معونة، وأما عثمان فمات بمكة كافراً، وأما نوفل فضرب بطن فرسه يوم الأحزاب ليدخل الخندق على المسلمين، فوقع بالخندق مع فرسه، فتحطما وقتلهما الله.
وفي هذه القصة اختلاف في مواضع، وقد لخصّ السخاوندي هذا السبب فقال : نزلت في أول سرية الإسلام أميرهم عبد الله بن جحش، أغاروا على عير لقريش قافلة من الطائف وقتلوا عمرو بن الحضرمي آخر يوم من جمادى الآخرة، فاشتبه بأول رجب، فعيرهم أهل مكة باستحلاله.
وقيل : نزلت حين عاب المشركون القتال في شهر حرام عام الفتح، وقيل : نزلت في قتل عمرو بن أمية الضمري رجلين من كلاب كانا عند النبي ﷺ، وعمرو يعلم بذلك، وكان في أول يوم من رجب، فقالت قريش : قتلهما في الشهر الحرام، فنزلت.
ومناسبة هذه الآية لما قبلها أنه لما فرض القتال لم يخصّ بزمان دون زمان، وكان من العوائد السابقة أن الشهر الحرام لا يستباح فيه القتال، فبين حكم القتال في الشهر الحرام.
وسيأتي معنى قوله ﴿قل قتال فيه كبير﴾ كما جاء :﴿واقتلوهم حيث ثقفتموهم﴾ وجاء بعده :﴿ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام﴾
ذلك التخصيص في المكان، وهذا في الزمان.
وضمير الفاعل في يسألونك، قيل : يعود على المشركين، سألوا تعييباً لهتك حرمة الشهداء، وقصداً للفتك، وقيل : يعود على المؤمنين، سألوا استعظاماً لما صدر من ابن جحش واستيضاحاً للحكم.
والشهر الحرام، هنا هو رجب بلا خلاف، هكذا قالوا، وذلك على أن تكون الألف واللام فيه للعهد، ويحتمل أن تكون للجنس، فيراد به الأشهر الحرام وهي : ذو القعدة، ذو الحجة، والمحرم ورجب.
وسميت حرماً لتحريم القتال فيها، وتقدّم شيء من هذا في قوله :﴿الشهر الحرام بالشهر الحرام﴾ وقرأ الجمهور : قتال فيه، بالكسر وهو بدل من الشهر، بدل اشتمال.
وقال الكسائي : هو مخفوض على التكرير، وهو معنى قول الفراء، لأنه قال : مخفوض بعن مضمرة، ولا يجعل هذا خلافاً كما يجعله بعضهم، لإن قول البصريين إن البدل على نية تكرار العامل هو قول الكسائي، والفراء.
لا فرق بين هذه الأقوال، هي كلها ترجع لمعنى واحد.
وقال أبو عبيدة : قتال فيه، خفض على الجوار، قال ابن عطية : هذا خطأ. انتهى.
فإن كان أبو عبيدة عنى الخفض على الجوار الذي اصطلح عليه النحاة، فهو كما قال ابن عطية : وجه الخطاً فيه هو أن يكون تابعاً لما قبله في رفع أو نصب من حيث اللفظ والمعنى، فيعدل به عن ذلك الإعراب إلى إعراب الخفض لمجاورته لمخفوض لا يكون له تابعاً من حيث المعنى، وهنا لم يتقدّم لا مرفوع، ولا منصوب، فيكون : قتال، تابعاً له، فيعدل به عن إعرابه إلى الخفض على الجوار، وإن كان أبو عبيدة عنى الخفض على الجوار أنه تابع لمخفوض، فخفضه بكونه جاور مخفوضاً أي : صار تابعاً له، ولا نعني به المصطلح عليه، جاز ذلك ولم يكن خطأ، وكان موافقاً لقول الجمهور، إلاَّ أنه أغمض في العبارة، وألبس في المصطلح.
وقرأ ابن عباس، والربيع، والأعمش : عن قتال فيه، بإظهار : عن، وهكذا هو في مصحف عبد الله.
وقرئ شاذاً : قتال فيه، بالرفع، وقرأ عكرمة : قتل فيه قل قتل فيه، بغير ألف فيهما.
ووجه الرفع في قراءة : قتال فيه، أنه على تقدير الهمزة فهو مبتدأ، وسوغ جواز الابتداء فيه، وهو نكرة، لنية همزة الاستفهام، وهذه الجملة المستفهم عنها هي في موضع البدل من : الشهر الحرام، لأن : سأل، قد أخذ مفعوليه، فلا يكون في موضع المفعول، وإن كانت هي محط السؤال، وزعم بعضهم أنه مرفوع على إضمار اسم فاعل تقديره : أجائز قتال فيه ؟ قيل : ونظير هذا، لأن السائلين لم يسألوا عن كينونة القتال في الشهر الحرام، إنما سألوا : أيجوز القتال في الشهر الحرام ؟ فهم سألوا عن مشروعيته لا عن كينونته فيه.
﴿قل قتال فيه كبير﴾ هذه الجملة مبتدأ وخبر، و : قتال، نكرة، وسوغ الابتداء بها كونها وصفت بالجار والمجرور، وهكذا قالوا، ويجوز أن يكون : فيه، معمولاً لقتال، فلا يكون في موضع الصفة، وتقييد النكرة بالمعمول مسوغ أيضاً لجواز الابتداء بالنكرة، وحدّ الاسم إذا تقدّم نكرة، وكان إياها، أن يعود معرفاً بالألف واللام، تقول : لقيت رجلاً فضربت الرجل، كما قال تعالى :
﴿كما أرسلنا إلى فرعون رسولاً فعصى فرعون الرسول﴾ قيل : وإنما لم يعد بالألف واللام هنا لأنه ليس المراد تعظيم القتال المذكور المسئول عنه.
حتى يعاد بالألف واللام، بل المراد تعظيم : أي قتال كان في الشهر الحرام، فعلى هذا : قتال الثاني، غير الأوّل انتهى.
وليست الألف واللام تفيد التعظيم في الاسم، إذ كانت النكرة السابقة، بل هي فيه للعهد السابق، وقيل : في ( المنتخب ) : إنما نكر فيهما لأن النكرة الثانية هي غير الأولى، وذلك أنهم أرادوا بالأول الذي سألوا عنه، فقال عبد الله بن جحش، وكان لنصرة الإسلام وإذلال الكفر، فلا يكون هذا من الكبائر، بل الذي يكون كبيراً هو قتال غير هذا، وهو ما كان الفرض فيه هدم الإسلام وتقوية الكفر، فاختير التنكير في اللفظين لأجل هذه الدقيقة، ولو وقع التعبير عنهما، أو عن أحدهما، بلفظ التعريف لبطلت هذه الفائدة. انتهى.
واتفق الجمهور على أن حكم هذه الآية حرمة القتال في الشهر الحرام، إذ المعنى : قل قتال فيه لهم كبير، فقال ابن عباس، وقتادة، وابن المسيب، والضحاك، والأوزاعي : إنها منسوخة بآية السيف :﴿فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم﴾ إذ يلزم من عموم المكان عموم الزمان.
وقيل : هي منسوخة بقوله :﴿وقاتلوا المشركين كافة﴾ وإلى هذا ذهب الزهري، ومجاهد، وغيرهما.
وقيل : نسخهما غزو النبي ﷺ ثقيفاً في الشهر الحرام، وإغزاؤه أبا عامر إلى أوطاس في الشهر الحرام.
وقيل : نسخها بيعة الرضوان والقتال في ذي القعدة، وضعف هذا القول بأن تلك البيعة كانت على الدفع لا على الابتداء بالقتال.
وقال عطاء لم تنسخ، وحلف بالله ما يحل للناس أن يغزو في الحرم، ولا في الشهر الحرام إلاّ أن يقاتلوا فيه، وروي هذا القول عن مجاهد أيضاً ؟ وروى جابر أن رسول الله ﷺ لم يكن يغزو في الأشهر الحرم إلاَّ أن يغزى، وذلك قوله : قل قتال فيه كبير.
ورجح كونها محكمة بهذا الحديث، وبما رواه ابن وهب، أن النبي ﷺ ودى ابن الحضرمي، ورد الغنيمة والاسيرين، وبأن الآيات التي وردت بعدها عامة في الأزمنة وهذا خاص، والعام لا ينسخ الخاص باتفاق.
﴿وصدّ عن سبيل الله وكفر به والمسجد الحرام واخراج أهله منه أكبر عند الله والفتنة أكبر من القتل﴾ هذة جملة من مبتدأ وخبر معطوفة على قوله تعالى : فيه كبير، وكلا الجملتين مقولة، أي : قل لهم قتال في الشهر الحرام إثم كبير، وقل لهم : صدّ عن كذا إلى آخره، أكبر من القتال، ويحتمل أن يكون مقطوعاً من القول، بل إخبار مجرد عن أن الصدّ عن سبيل الله، وكذا وكذا، أكبر، والمعنى : أنكم يا كفار قريش تستعظمون منا القتال في الشهر الحرام، وما تفعلون أنتم : من الصدّ عن سبيل الله لمن أراد الإسلام، ومن كفركم بالله، واخراجكم أهل المسجد منه كما فعلوا برسول الله ﷺ وأصحابه، أكبر جرماً عند الله مما فعلته السرية من القتال في الشهر الحرام، على سبيل البناء على الظن.
وتقدّم لنا أن هذه الجملة من مبتدأ وخبر، فالمبتدأ : صدّ، وهو نكرة مقيدة بالجار والمجرور، فساغ الابتداء، وهو مصدر محذوف فاعله ومفعوله للعلم بهما، أي : وصدّكم المسلمين عن سبيل الله.
وسبيل الله : الإسلام.
قاله مقاتل، أو : الحج، لأنهم صدّوا رسول الله ﷺ عن مكة قاله ابن عباس، والسدّي عن أشياخه، أو : الهجرة، صدّوا المسلمين عنها.
و : كفر به، معطوف على : وصدّ، وهو أيضاً مصدر لازم حذف فاعله، تقديره : وكفركم به، والضمير في : به، يعود على السبيل لأنه هو المحدّث عنه بأنه صدّ عنه، والمعنى : وكفر بسبيل الله، وهو دين الله وشريعته، وقيل : يعود الضمير في : به، على الله تعالى، قاله الحوفي.
والمسجد الحرام : هو الكعبة، وقرئ شاذاً والمسجدُ الحرام بالرفع، ووجهه أنه عطفه على قوله : وكفر به، ويكون على حذف مضاف، أي : وكفر بالمسجد الحرام، ثم حذف الباء وأضاف الكفر إلى المسجد، ثم حذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه، فيؤول إلى معنى قراءة الجمهور من خفض المسجد الحرام على أحسن التأويلات التي نذكرها، فنقول : اختلفوا فيما عطف عليه والمسجد، فقال ابن عطية، والزمخشري، وتبعا في ذلك المبرد : هو معطوف على : سبيل الله، قال ابن عطية : وهذا هو الصحيح، ورد هذا القول بأنه إذا كان معطوفاً على : سبيل الله، كان متعلقاً بقوله : وصدّ إذ التق
ويقال : صدّ يصدّ صدوداً : أعرض، وكان قياسه للزومه : يصدّ بالكسر، وقد سمع فيه، وصدّه يصده صدّاً منعه، وتصدّى للشيء تعرض له، وأصله تصدّد، نحو : تظنى بمعنى تظنن، فوزنه تفعل، ويجوز أن تكون تفعلى نحو : يعلني، فتكون الألف واللام للإلحاق، وتكون من مضاعف اللام.
زال : من أخوات كان، وهي التي مضارعها : يزال، وهي من ذوات الياء، ووزنها فعل بكسر العين، ويدل على أن عينها ياء ما حكاه الكسائي في مضارعها، وهو : يزيل، ولا تستعمل إلاَّ منفية بحرف نفي، أو بليس، أو بغير أو : لا، لنهي أو دعاء.
الحبوط : أصله الفساد، وحبوط العمل بطله، وحبط بطنه انتفخ، والحبطات قبيلة من بني تميم، والحبنطي : المنتفخ البطن.
﴿يسئلونك عن الشهر الحرام قتال فيه﴾ ؟ طوّل المفسرون في ذكر سبب نزول هذه الآية في عدّة أوراق، وملخصها وأشهرها : أنها نزلت في قصة عبد الله بن جحش الأسدي حين بعثه رسول الله ﷺ في ثمانية معه : سعد بن أبي وقاص، وعكاشة بن محيصن، وعقبة بن غزوان، وأبي حذيفة بن عتبة بن ربيعة، وسهيل بن بيضاء، وعامر بن ربيعة، ووافد بن عبد الله، وخال بن بكير، وأميرهم عبد الله يترصدون عير قريش ببطن نخلة، فوصلوها، ومرت العير فيها عمرو بن الحضرمي، والحكم بن كيسان، وعثمان بن عبد الله بن المغيرة، ونوفل بن عبد الله، وكان ذلك في آخر يوم من جمادى على ظنهم، وهو أوّل يوم من رجب، فرمى وافد عمراً بسهم فقتله، وكان أول قتيل من المشركين، وأسروا الحكم، وعثمان، وكانا أوّل أسيرين في الإسلام، وأفلت نوفل، وقدموا بالعير المدينة، فقالت قريش : استحل محمد الشهر الحرام، وأكثر الناس في ذلك، فوقف رسول الله ﷺ العير، وقال أصحاب السرية : ما نبرح حتى تنزل توبتنا، فنزلت الآية، فخمَّس العيرَ رسولُ الله ﷺ، فكان أوّل خمس في الإسلام.
، فوجهت قريش في فداء الأسيرين فقيل : حتى يقدم سعد وعتبة، وكانا قد أضلا بعيراً لهما قبل لقاء العير فخرجا في طلبه، فقدما، وفودي الأسيران.
فأما الحكم فأسلم وأقام بالمدينة وقتل شهيداً ببئر معونة، وأما عثمان فمات بمكة كافراً، وأما نوفل فضرب بطن فرسه يوم الأحزاب ليدخل الخندق على المسلمين، فوقع بالخندق مع فرسه، فتحطما وقتلهما الله.
وفي هذه القصة اختلاف في مواضع، وقد لخصّ السخاوندي هذا السبب فقال : نزلت في أول سرية الإسلام أميرهم عبد الله بن جحش، أغاروا على عير لقريش قافلة من الطائف وقتلوا عمرو بن الحضرمي آخر يوم من جمادى الآخرة، فاشتبه بأول رجب، فعيرهم أهل مكة باستحلاله.
وقيل : نزلت حين عاب المشركون القتال في شهر حرام عام الفتح، وقيل : نزلت في قتل عمرو بن أمية الضمري رجلين من كلاب كانا عند النبي ﷺ، وعمرو يعلم بذلك، وكان في أول يوم من رجب، فقالت قريش : قتلهما في الشهر الحرام، فنزلت.
ومناسبة هذه الآية لما قبلها أنه لما فرض القتال لم يخصّ بزمان دون زمان، وكان من العوائد السابقة أن الشهر الحرام لا يستباح فيه القتال، فبين حكم القتال في الشهر الحرام.
وسيأتي معنى قوله ﴿قل قتال فيه كبير﴾ كما جاء :﴿واقتلوهم حيث ثقفتموهم﴾ وجاء بعده :﴿ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام﴾
ذلك التخصيص في المكان، وهذا في الزمان.
وضمير الفاعل في يسألونك، قيل : يعود على المشركين، سألوا تعييباً لهتك حرمة الشهداء، وقصداً للفتك، وقيل : يعود على المؤمنين، سألوا استعظاماً لما صدر من ابن جحش واستيضاحاً للحكم.
والشهر الحرام، هنا هو رجب بلا خلاف، هكذا قالوا، وذلك على أن تكون الألف واللام فيه للعهد، ويحتمل أن تكون للجنس، فيراد به الأشهر الحرام وهي : ذو القعدة، ذو الحجة، والمحرم ورجب.
وسميت حرماً لتحريم القتال فيها، وتقدّم شيء من هذا في قوله :﴿الشهر الحرام بالشهر الحرام﴾ وقرأ الجمهور : قتال فيه، بالكسر وهو بدل من الشهر، بدل اشتمال.
وقال الكسائي : هو مخفوض على التكرير، وهو معنى قول الفراء، لأنه قال : مخفوض بعن مضمرة، ولا يجعل هذا خلافاً كما يجعله بعضهم، لإن قول البصريين إن البدل على نية تكرار العامل هو قول الكسائي، والفراء.
لا فرق بين هذه الأقوال، هي كلها ترجع لمعنى واحد.
وقال أبو عبيدة : قتال فيه، خفض على الجوار، قال ابن عطية : هذا خطأ. انتهى.
فإن كان أبو عبيدة عنى الخفض على الجوار الذي اصطلح عليه النحاة، فهو كما قال ابن عطية : وجه الخطاً فيه هو أن يكون تابعاً لما قبله في رفع أو نصب من حيث اللفظ والمعنى، فيعدل به عن ذلك الإعراب إلى إعراب الخفض لمجاورته لمخفوض لا يكون له تابعاً من حيث المعنى، وهنا لم يتقدّم لا مرفوع، ولا منصوب، فيكون : قتال، تابعاً له، فيعدل به عن إعرابه إلى الخفض على الجوار، وإن كان أبو عبيدة عنى الخفض على الجوار أنه تابع لمخفوض، فخفضه بكونه جاور مخفوضاً أي : صار تابعاً له، ولا نعني به المصطلح عليه، جاز ذلك ولم يكن خطأ، وكان موافقاً لقول الجمهور، إلاَّ أنه أغمض في العبارة، وألبس في المصطلح.
وقرأ ابن عباس، والربيع، والأعمش : عن قتال فيه، بإظهار : عن، وهكذا هو في مصحف عبد الله.
وقرئ شاذاً : قتال فيه، بالرفع، وقرأ عكرمة : قتل فيه قل قتل فيه، بغير ألف فيهما.
ووجه الرفع في قراءة : قتال فيه، أنه على تقدير الهمزة فهو مبتدأ، وسوغ جواز الابتداء فيه، وهو نكرة، لنية همزة الاستفهام، وهذه الجملة المستفهم عنها هي في موضع البدل من : الشهر الحرام، لأن : سأل، قد أخذ مفعوليه، فلا يكون في موضع المفعول، وإن كانت هي محط السؤال، وزعم بعضهم أنه مرفوع على إضمار اسم فاعل تقديره : أجائز قتال فيه ؟ قيل : ونظير هذا، لأن السائلين لم يسألوا عن كينونة القتال في الشهر الحرام، إنما سألوا : أيجوز القتال في الشهر الحرام ؟ فهم سألوا عن مشروعيته لا عن كينونته فيه.
﴿قل قتال فيه كبير﴾ هذه الجملة مبتدأ وخبر، و : قتال، نكرة، وسوغ الابتداء بها كونها وصفت بالجار والمجرور، وهكذا قالوا، ويجوز أن يكون : فيه، معمولاً لقتال، فلا يكون في موضع الصفة، وتقييد النكرة بالمعمول مسوغ أيضاً لجواز الابتداء بالنكرة، وحدّ الاسم إذا تقدّم نكرة، وكان إياها، أن يعود معرفاً بالألف واللام، تقول : لقيت رجلاً فضربت الرجل، كما قال تعالى :
﴿كما أرسلنا إلى فرعون رسولاً فعصى فرعون الرسول﴾ قيل : وإنما لم يعد بالألف واللام هنا لأنه ليس المراد تعظيم القتال المذكور المسئول عنه.
حتى يعاد بالألف واللام، بل المراد تعظيم : أي قتال كان في الشهر الحرام، فعلى هذا : قتال الثاني، غير الأوّل انتهى.
وليست الألف واللام تفيد التعظيم في الاسم، إذ كانت النكرة السابقة، بل هي فيه للعهد السابق، وقيل : في ( المنتخب ) : إنما نكر فيهما لأن النكرة الثانية هي غير الأولى، وذلك أنهم أرادوا بالأول الذي سألوا عنه، فقال عبد الله بن جحش، وكان لنصرة الإسلام وإذلال الكفر، فلا يكون هذا من الكبائر، بل الذي يكون كبيراً هو قتال غير هذا، وهو ما كان الفرض فيه هدم الإسلام وتقوية الكفر، فاختير التنكير في اللفظين لأجل هذه الدقيقة، ولو وقع التعبير عنهما، أو عن أحدهما، بلفظ التعريف لبطلت هذه الفائدة. انتهى.
واتفق الجمهور على أن حكم هذه الآية حرمة القتال في الشهر الحرام، إذ المعنى : قل قتال فيه لهم كبير، فقال ابن عباس، وقتادة، وابن المسيب، والضحاك، والأوزاعي : إنها منسوخة بآية السيف :﴿فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم﴾ إذ يلزم من عموم المكان عموم الزمان.
وقيل : هي منسوخة بقوله :﴿وقاتلوا المشركين كافة﴾ وإلى هذا ذهب الزهري، ومجاهد، وغيرهما.
وقيل : نسخهما غزو النبي ﷺ ثقيفاً في الشهر الحرام، وإغزاؤه أبا عامر إلى أوطاس في الشهر الحرام.
وقيل : نسخها بيعة الرضوان والقتال في ذي القعدة، وضعف هذا القول بأن تلك البيعة كانت على الدفع لا على الابتداء بالقتال.
وقال عطاء لم تنسخ، وحلف بالله ما يحل للناس أن يغزو في الحرم، ولا في الشهر الحرام إلاّ أن يقاتلوا فيه، وروي هذا القول عن مجاهد أيضاً ؟ وروى جابر أن رسول الله ﷺ لم يكن يغزو في الأشهر الحرم إلاَّ أن يغزى، وذلك قوله : قل قتال فيه كبير.
ورجح كونها محكمة بهذا الحديث، وبما رواه ابن وهب، أن النبي ﷺ ودى ابن الحضرمي، ورد الغنيمة والاسيرين، وبأن الآيات التي وردت بعدها عامة في الأزمنة وهذا خاص، والعام لا ينسخ الخاص باتفاق.
﴿وصدّ عن سبيل الله وكفر به والمسجد الحرام واخراج أهله منه أكبر عند الله والفتنة أكبر من القتل﴾ هذة جملة من مبتدأ وخبر معطوفة على قوله تعالى : فيه كبير، وكلا الجملتين مقولة، أي : قل لهم قتال في الشهر الحرام إثم كبير، وقل لهم : صدّ عن كذا إلى آخره، أكبر من القتال، ويحتمل أن يكون مقطوعاً من القول، بل إخبار مجرد عن أن الصدّ عن سبيل الله، وكذا وكذا، أكبر، والمعنى : أنكم يا كفار قريش تستعظمون منا القتال في الشهر الحرام، وما تفعلون أنتم : من الصدّ عن سبيل الله لمن أراد الإسلام، ومن كفركم بالله، واخراجكم أهل المسجد منه كما فعلوا برسول الله ﷺ وأصحابه، أكبر جرماً عند الله مما فعلته السرية من القتال في الشهر الحرام، على سبيل البناء على الظن.
وتقدّم لنا أن هذه الجملة من مبتدأ وخبر، فالمبتدأ : صدّ، وهو نكرة مقيدة بالجار والمجرور، فساغ الابتداء، وهو مصدر محذوف فاعله ومفعوله للعلم بهما، أي : وصدّكم المسلمين عن سبيل الله.
وسبيل الله : الإسلام.
قاله مقاتل، أو : الحج، لأنهم صدّوا رسول الله ﷺ عن مكة قاله ابن عباس، والسدّي عن أشياخه، أو : الهجرة، صدّوا المسلمين عنها.
و : كفر به، معطوف على : وصدّ، وهو أيضاً مصدر لازم حذف فاعله، تقديره : وكفركم به، والضمير في : به، يعود على السبيل لأنه هو المحدّث عنه بأنه صدّ عنه، والمعنى : وكفر بسبيل الله، وهو دين الله وشريعته، وقيل : يعود الضمير في : به، على الله تعالى، قاله الحوفي.
والمسجد الحرام : هو الكعبة، وقرئ شاذاً والمسجدُ الحرام بالرفع، ووجهه أنه عطفه على قوله : وكفر به، ويكون على حذف مضاف، أي : وكفر بالمسجد الحرام، ثم حذف الباء وأضاف الكفر إلى المسجد، ثم حذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه، فيؤول إلى معنى قراءة الجمهور من خفض المسجد الحرام على أحسن التأويلات التي نذكرها، فنقول : اختلفوا فيما عطف عليه والمسجد، فقال ابن عطية، والزمخشري، وتبعا في ذلك المبرد : هو معطوف على : سبيل الله، قال ابن عطية : وهذا هو الصحيح، ورد هذا القول بأنه إذا كان معطوفاً على : سبيل الله، كان متعلقاً بقوله : وصدّ إذ التق