جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري
القول في تأويل قوله تعالى :
﴿إِنّ الّذِينَ آمَنُواْ وَالّذِينَ هَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أُوْلََئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَةَ اللّهِ وَاللّهُ غَفُورٌ رّحِيمٌ﴾
يعني بذلك جل ذكره : إن الذين صدّقوا بالله وبرسوله، وبما جاء به. وبقوله : وَالّذِينَ هاجَرُوا : الذين هجروا مساكنة المشركين في أمصارهم، ومجاورتهم في ديارهم، فتحوّلوا عنهم، وعن جوارهم وبلادهم إلى غيرها، هجرة. . . لما انتقل عنه إلى ما انتقل إليه. وأصل المهاجرة المفاعلة، من هجرة الرجل الرجل للشحناء تكون بينهما، ثم تستعمل في كل من هجر شيئا لأمر كرهه منه.
وإنما سمي المهاجرون من أصحاب رسول الله ﷺ مهاجرين لما وصفنا من هجرتهم دورهم ومنازلهم، كراهة منهم النزول بين أظهر المشركين وفي سلطانهم، بحيث لا يأمنون فتنتهم على أنفسهم في ديارهم إلى الموضع الذي يأمنون ذلك.
وأما قوله : وَجاهَدُوا فإنه يعني : وقاتلوا وحاربوا وأصل المجاهدة المفاعلة، من قول الرجل : قد جهد فلان فلانا على كذا، إذا كربه وشقّ عليه يجهده جهدا. فإذا كان الفعل من اثنين كل واحد منهما يكابد من صاحبه شدة ومشقة، قيل : فلان يجاهد فلانا، يعني أن كل واحد منهما يفعل بصاحبه ما يجهده ويشقّ عليه، فهو يجاهده مجاهدة وجهادا. وأما سبيل الله : فطريقه ودينه.
فمعنى قوله إذا : وَالّذِينَ هَاجَرُوا وَجاهَدُوا في سَبِيلِ اللّهِ والذين تحوّلوا من سلطان أهل الشرك هجرة لهم، وخوف فتنتهم على أديانهم، وحاربوهم في دين الله ليدخلوهم فيه، وفيما يرضى الله، أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحَمةَ اللّهِ أي يطمعون أن يرحمهم الله فيدخلهم جنته بفضل رحمته إياهم، واللّهُ غَفُورٌ أي ساتر ذنوب عباده بعفوه عنها، متفضل عليهم بالرحمة.
وهذه الآية أيضا ذكر أنها نزلت في عبد الله بن جحش وأصحابه. ذكر من قال ذلك :
حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال : حدثنا المعتمر بن سليمان، عن أبيه أنه حدّثه رجل، عن أبي السوار يحدثه، عن جندب بن عبد الله قال : لما كان من أمر عبد الله بن جحش وأصحابه، وأمر ابن الحضرمي ما كان قال بعض المسلمين إن لم يكونوا أصابوا في سفرهم، أظنه قال : وزرا، فليس لهم فيه أجر، فأنزل الله : إنّ الّذِينَ آمَنُوا والّذِينَ هَاجَرُوا وَجاهَدُوا في سَبِيلِ اللّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَةَ اللّهِ وَاللّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ.
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال : ثني الزهري، ويزيد بن رومان، عن عروة بن الزبير قال : أنزل الله عز وجل القرآن بما أنزل من الأمر، وفرج الله عن المسلمين في أمر عبد الله بن جحش وأصحابه، يعني في قتلهم ابن الحضرمي، فلما تجلى عن عبد الله بن جحش وأصحابه ما كانوا فيه حين نزل القرآن، طمعوا في الأجر، فقالوا : يا رسول الله أنطمع أن تكون لنا غزوة نعطى فيها أجر المجاهدين ؟ فأنزل الله عز وجل فيهم : إنّ الّذِينَ آمَنُوا والّذِينَ هَاجَرُوا وَجاهَدُوا في سَبِيلِ اللّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَةَ اللّهِ وَاللّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ فوقفهم الله من ذلك على أعظم الرجاء.
حدثنا بشر بن معاذ، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، قال : أثنى الله على أصحاب نبيه محمد ﷺ أحسن الثناء، فقال : إنّ الّذِينَ آمَنُوا والّذِينَ هَاجَرُوا وَجاهَدُوا في سَبِيلِ اللّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَةَ اللّهِ وَاللّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ هؤلاء خيار هذه الأمة، ثم جعلهم الله أهل رجاء كما تسمعون، وأنه من رجا طلب، ومن خاف هرب.
حدثت عن عمار، قال : حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، مثله.
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
* * *
وقوله:" فيمت وهو كافر"، يقول: من يرجع عن دينه دين الإسلام،" فيمت وهو كافر"، فيمت قبل أن يتوب من كفره، فهم الذين حبَطت أعمالهم.
* * *
يعني بقوله:" حبطت أعمالهم"، بطلت وذهبت. وبُطولها: ذهابُ ثوابها، وبطول الأجر عليها والجزاء في دار الدنيا والآخرة.
* * *
وقوله:" وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون"، يعني: الذين ارتدُّوا عن دينهم فماتوا على كفرهم، هم أهل النار المخلَّدون فيها. (١)
* * *
وإنما جعلهم" أهلها" لأنهم لا يخرجون منها، فهم سكانها المقيمون فيها، كما يقال:" هؤلاء أهل محلة كذا"، يعني: سكانها المقيمون فيها.
* * *
ويعني بقوله:" هم فيها خالدون"، هم فيها لابثون لَبْثًا، من غير أمَدٍ ولا نهاية. (٢)
* * *
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَةَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢١٨)﴾
قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ذكره: إنّ الذين صَدَّقوا بالله وبرسوله وبما جاء به = وبقوله:" والذين هاجروا" الذين هجروا مُساكنة المشركين في أمصارهم
(٢) انظر معنى"خالد" فيما سلف ٢: ٢٨٦- ٢٨٧، وفهارس اللغة.
* * *
وأما قوله:" وجاهدوا" فإنه يعني: وقاتلوا وحاربوا.
* * *
وأصل" المجاهدة"" المفاعلة" من قول الرجل:" قد جَهَد فلان فلانًا على كذا" -إذا كرَبَه وشقّ عليه-" يجهده جهدًا". فإذا كان الفعل من اثنين، كل واحد منهما يكابد من صَاحبه شدة ومشقة، قيل:" فلانٌ يجاهد فلانًا" - يعني: أن كل واحد منهما يفعل بصاحبه ما يجهده ويشق عليه -" فهو يُجاهده مجاهدة وجهادًا".
* * *
وأما" سبيل الله"، فطريقه ودينه. (٣)
* * *
(٢) مكان هذه النقط خرم لا شك فيه، كأن ناسخًا أسقط سطرًا أو سطرين، وكان صدر الكلام فيما أتوهم. "هجر المكان يهجره هجرًا وهجرانًا وهجرة: كرهه فخرج منه، تاركًا لما انتقل عنه إلى ما انتقل إليه" - أو كلامًا هذا معناه.
(٣) انظر معنى"سبيل الله" فيما سلف، ٢: ٤٩٧/ ٣: ٥٦٤، ٥٨٣.
=" والله غفور"، أي ساتر ذنوبَ عباده بعفوه عنها، متفضل عليهم بالرحمة. (١)
* * *
وهذه الآية أيضًا ذُكر أنها نزلت في عبد الله بن جحش وأصحابه.
* ذكر من قال ذلك:
٤١٠٢ - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا المعتمر بن سليمان، عن أبيه، أنه حدثه رجل، عن أبي السَّوار، يحدثه عن جندب بن عبد الله قال: لما كان من أمر عبد الله بن جحش وأصحابه وأمر ابن الحضرمي ما كان، قال بعض المسلمين: إن لم يكونوا أصابوا في سفرهم -أظنه قال: - وِزْرًا، فليس لهم فيه أجرٌ. فأنزل الله:" إنّ الذين آمنوا والذين هاجروا وجاهدوا في سبيل الله أولئك يرجون رحمة الله والله غفور رحيم". (٢)
٤١٠٣ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحق قال، حدثني الزهري ويزيد بن رومان، عن عروة بن الزبير قال: أنزل الله عز وجل القرآنَ بما أنزلَ من الأمر، وفرَّج الله عن المسلمين في أمر عبد الله بن جحش وأصحابه - يعني: في قتلهم ابن الحضرمي - فلما تجلى عن عبد الله بن جحش وأصحابه ما كانوا فيه حين نزل القرآن، طمعوا في الأجر، فقالوا: يا رسول الله، أنطمعُ أن تكون لنا غزوة نُعْطى فيها أجرَ المجاهدين؟ فأنزل الله عز وجل فيهم:" إنّ الذين آمنوا والذين هاجروا وجاهدوا في سبيل الله أولئك يرجون رحمة الله والله غفورٌ رحيمٌ".
(٢) الأثر: ٤١٠٢ - هو من تمام الأثر السالف رقم: ٤٠٨٤، وهو بتمامه في الدر المنثور ١: ٢٥٠