محتويات صفحة تفسير الآية

تجد في هذه الصفحة تفسير الآية ٢١٩ من سورة البقرة في ١٢٨ كتابًا من كتب التفسير، ومعاني غريب كلماتها، وإعرابها، وقراءات القراء العشرة فيها، و١١٣ قولًا من التفسير بالمأثور، وما يتصل بها من الموضوعات والوقفات والترجمات.

تفسير الآية ٢١٩ من سورة البقرة

١٢٨ كتابًا من كتب التفسير

جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري

عن الكتاب

القول في تأويل قوله تعالى :


{ يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَآ إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنّاسِ وَإِثْمُهُمَآ أَكْبَرُ مِن نّفْعِهِمَا وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذَلِكَ يُبيّنُ اللّهُ لَكُمُ الآيات لَعَلّكُمْ تَتَفَكّرُونَ ) يعني بذلك جل ثناؤه : يسألك أصحابك يا محمد عن الخمر وشربها. والخمر : كل شراب خامر العقل فستره وغطى عليه، وهو من قول القائل : خَمَرت الإناء إذا غطيته، وخَمِرَ الرجل : إذا دخل في الخَمَرِ، ويقال : هو في خُمار الناس وغُمارهم، يراد به : دخل في عُرض الناس، ويقال للضبع : خامري أم عامر، أي استتري. وما خامر العقل من داء وسكر فخالطه وغمره فهو خمر، ومن ذلك أيضا خِمار المرأة، وذلك لأنها تستر به رأسها فتغطيه، ومنه يقال : هو يمشي لك الخَمَر، أي مستخفيا، كما قال العجاج :
فِي لامِعِ الِعقْبانِ لا يأتي الخَمَرْيُوجّهُ الأرْضَ ويَسْتاقُ الشّجَرْ
ويعني بقوله : لا يأتي الخمر : لا يأتي مستخفيا ولا مسارقة، ولكن ظاهرا برايات وجيوش والعقبان جمع عقاب، وهي الرايات.
وأما «الميسر » فإنها «المفعِل » من قول القائل : يسَر لي هذا الأمر : إذا وجب لي فهو يَيْسِر لي يَسَرا ومَيْسِرا، والياسر : الواجب، بقداح وجب ذلك أو مباحه أو غير ذلك، ثم قيل للمقامر : ياسر، ويَسَر، كما قال الشاعر :
فَبِتّ كأنّنِي يَسَرٌ غَبِينٌيُقَلّبُ بَعْدَما اخْتُلِعَ القِدَاحا
وكما قال النابغة :
أوْ ياسِرٌ ذَهَبَ القِداحُ بوَفْرِهأسِفٌ تآكَلَهُ الصّديقُ مُخَلّعُ
يعني بالياسر : المقامر، وقيل للقمار : ميسر، وكان مجاهد يقول نحو ما قلنا في ذلك.
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله : يَسألُونَكَ عَن الخَمْرِ وَالمَيْسِر قال : القمار، وإنما سمي الميسر لقولهم أيسروا واجزروا، كقولك ضع كذا وكذا.
حدثنا محمد بن بشار، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا سفيان، عن ليث، عن مجاهد، قال : كل القمار من الميسر، حتى لعب الصبيان بالجوز.
حدثنا محمد بن بشار، قال : حدثنا عبد الرحمن، قال : حدثنا سفيان، عن عبد الملك بن عمير، عن أبي الأحوص، قال : قال عبد الله : إياكم وهذه الكعاب الموسومة التي تزجرون بها زجرا فإنهن من الميسر.
حدثنا محمد بن المثنى، قال : حدثنا محمد بن جعفر، قال : حدثنا شعبة، عن عبد الملك بن عمير، عن أبي الأحوص، مثله.
حدثنا محمد بن المثنى، قال : حدثنا محمد بن نافع، قال : حدثنا شعبة، عن يزيد بن أبي زياد، عن أبي الأحوص، عن عبد الله أنه قال : إياكم وهذه الكعاب التي تزجرون بها زجرا، فإنها من الميسر.
حدثني عليّ بن سعيد الكندي، قال : حدثنا عليّ بن مسهر، عن عاصم، عن محمد بن سيرين، قال : القمار : ميسر.
حدثنا ابن بشار، قال : حدثنا أبو عامر، قال : حدثنا سفيان، عن عاصم الأحول، عن محمد بن سيرين، قال : كل شيء له خطر، أو في خطر أبو عامر شك فهو من الميسر.
حدثنا الوليد بن شجاع أبو همام، قال : حدثنا عليّ بن مسهر، عن عاصم، عن محمد بن سيرين، قال : كل قمار ميسر حتى اللعب بالنرد على القيام والصياح والريشة يجعلها الرجل في رأسه.
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا جرير، عن عاصم، عن ابن سيرين، قال : كل لعب فيه قمار من شرب أو صياح أو قيام فهو من الميسر.
حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال : حدثنا خالد بن الحرث، قال : حدثنا الأشعث، عن الحسن، أنه قال : الميسر : القمار.
حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال : حدثنا المعتمر، عن ليث، عن طاوس وعطاء قالا : كل قمار فهو من الميسر، حتى لعب الصبيان بالكعاب والجوز.
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا حكام، عن عمرو، عن عطاء، عن سعيد، قال : الميسر : القمار.
حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال : حدثنا هشيم، قال : أخبرنا عبد الملك بن عمير، عن أبي الأحوص، عن عبيد الله قال : إياكم وهاتين الكعبتين يزجر بهما زجرا فإنهما من الميسر.
حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال : حدثنا ابن علية، عن ابن أبي عروبة، عن قتادة، قال : أما قوله والميسر، فهو القمار كله.
حدثني يونس بن عبد الأعلى، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : أخبرني يحيى بن عبد الله بن سالم، عن عبيد الله بن عمر أنه سمع عمر بن عبيد الله يقول للقاسم بن محمد : النرد : ميسر، أرأيت الشطرنج ميسر هو ؟ فقال القاسم : كل ما ألهى عن ذكر الله وعن الصلاة، فهو ميسر.
حدثني عليّ بن داود، قال : حدثنا أبو صالح، قال : ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قال : الميسر : القمار، كان الرجل في الجاهلية يخاطر على أهله وماله، فأيهما قمر صاحبه ذهب بأهله وماله.
حدثني موسى بن هارون، قال : حدثنا عمرو بن حماد، قال : حدثنا أسباط، عن السدي، قال : الميسر القمار.
حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا معمر، عن قتادة، قال : الميسر القمار.
حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا معمر، عن الليث، عن مجاهد وسعيد بن جبير، قالا : الميسر : القمار كله، حتى الجوز الذي يلعب به الصبيان.
حدثت عن الحسين، قال : سمعت أبا معاذ الفضل بن خالد، قال : سمعت عبيد بن سليمان يحدث عن الضحاك قوله : الميسر : قال : القمار.
حدثنا بشر بن معاذ، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، قال : الميسر : القمار.
حدثنا المثنى، قال : حدثنا إسحاق، قال : حدثنا أبو بدر شجاع بن الوليد، قال : حدثنا موسى بن عقبة، عن نافع أن ابن عمر كان يقول : القمار من الميسر.
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، قال : الميسر قداح العرب، وكعاب فارس. قال : وقال ابن جريج، وزعم عطاء بن ميسرة أن الميسر : القمار كله.
حدثنا ابن البرقي، قال : حدثنا عمرو بن أبي سلمة، عن سعيد بن عبد العزيز، قال : قال مكحول : الميسر : القمار.
حدثنا الحسين بن محمد الذارع، قال : حدثنا الفضل بن سليمان وشجاع بن الوليد، عن موسى بن عقبة، عن نافع، عن ابن عمر، قال : الميسر : القمار.
وأما قوله : قُلْ فِيهِمَا إثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنافِعُ للنّاسِ فإنه يعني بذلك جل ثناؤه : قل يا محمد لهم فيهما، يعني في الخمر والميسر إثم كبير. فالإثم الكبير الذي فيهما ما ذكر عن السدي فيما :
حدثني به موسى بن هارون، قال : حدثنا عمرو بن حماد، قال : حدثنا أسباط، عن السدي : أما قوله : فِيهِمَا إثْمٌ كَبِيرٌ فإثم الخمر أن الرجل يشرب فيسكر فيؤذي الناس. وإثم الميسر أن يقامر الرجل فيمنع الحق ويظلم.
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد : قُلْ فِيهِمَا إثْمٌ كَبِيرٌ قال : هذا أول ما عيبت به الخمر.
حدثني عليّ بن داود، قال : حدثنا أبو صالح، قال : ثني معاوية بن صالح، عن عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله : قُلْ فِيهِمَا إثْمٌ كَبِيرٌ يعني ما ينقص من الدين عند من يشربها.
والذي هو أولى بتأويل الآية، الإثم الكبير الذي ذكر الله جل ثناؤه أنه في الخمر والميسر، فالخمر ما قاله السدي : زوال عقل شارب الخمر إذا سكر من شربه إياها حتى يعزب عنه معرفة ربه، وذلك أعظم الآثام، وذلك معنى قول ابن عباس إن شاء الله. وأما في الميسر فما فيه من الشغل به عن ذكر الله، وعن الصلاة، ووقوع العداوة والبغضاء بين المتياسرين بسببه، كما وصف ذلك به ربنا جل ثناؤه بقوله : إنّمَا يُريدُ الشّيْطانُ أنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ العَدَاوَةَ والبَغْضَاءَ فِي الخَمْرِ وَالمَيْسِرِ وَيَصُدّكُمْ عَنْ ذِكْرِ الله وَعَنِ الصّلاةِ.
وأما قوله : وَمَنافِعُ للنّاسِ فإن منافع الخمر كانت أثمانها قبل تحريمها، وما يصلون إليه بشربها من اللذة، كما قال الأعشى في صفتها :
لنَا مِنْ ضُحاها خُبْثُ نَفْسٍ وكأْبَةٌ* وَذِكْرَى هَمُومٍ ما تَفُكّ أذَاتُها
وَعِندَ العِشاءِ طِيبُ نَفْسٍ وَلَذّةٌومالٌ كَثِيرٌ عِدّةٌ نَشَوَاتُها
وكما قال حسان :
فَنَشْرَبُها فتترُكُنا مُلُوكاوأُسْدا ما يُنَهْنِهُنا اللّقاءُ
وأما منافع الميسر فيما يصيبون فيه من أنصباء الجزور، وذلك أنهم كانوا يياسرون على الجزور، وإذا أفلج الرجل منهم صاحبه نحره، ثم اقتسموا أعشارا على عدد القداح، وفي ذلك يقول أعشى بني ثعلبة :
وجَزُورِ أيْسارٍ دَعَوْتُ إلى النّدَىونِياطِ مُقْفِرَةٍ أخافُ ضَلاَلهَا
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قال : المنافع ههنا : ما يصيبون من الجزور.
حدثني موسى بن هارون، قال : حدثنا عمرو بن حماد، قال : حدثنا أسباط عن السدي : أما منافعهما فإن منفعة الخمر في لذته وثمنه، ومنفعة الميسر فيما يصاب من القمار.
حدثنا أبو هشام الرفاعي، قال : حدثنا ابن أبي زائدة، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد : قُلْ فِيهِمَا إثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنافِعُ للنّاسِ قال : منافعهما قبل أن يحرّما.
حدثنا عليّ بن داود، قال : حدثنا أبو صالح، قال : ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس : وَمَنافعُ للنّاسِ قال : يقول فيما يصيبون من لذتها وفرحها إذا شربوها.
واختلف القراء في قراءة ذلك، فقرأه عظم أهل المدينة وبعض الكوفيين والبصريين قُلْ فِيهِمَا إثْمٌ كَبِيرٌ بالباء، بمعنى : قل في شرب هذه والقمار هذا كبير من الاَثام. وقرأه آخرون من أهل المصرين، البصرة والكوفة :«قُلْ فِيهِمَا إثْمٌ كَبِيرٌ » بمعنى الكثرة من الاَثام، وكأنهم رأوا أن الإثم بمعنى الاَثام، وإن كان في اللفظ واحدا فوصفوه بمعناه من الكثرة.
وأولى القراءتين في ذلك بالصواب قراءة من قرأه بالباء : قُلْ فِيهِمَا إثْمٌ كَبِيرٌ لإجماع جميعهم على قوله : وإثْمُهُما أكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا وقراءته بالباء وفي ذلك دلالة بينة على أن الذي وصف به الإثم الأول من ذلك هو العظم والكبر، لا الكثرة في العدد. ولو كان الذي وصف به من ذلك الكثرة، لقيل وإثمهما أكثر من نفعهما.

القول في تأويل قوله تعالى : وإثْمُهُما أكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا.


يعني بذلك عزّ ذكره : والإثم بشرب هذه والقمار هذا، أعظم وأكبر مضرّة عليهم من النفع الذي يتناولون بهما. وإنما كان ذلك كذلك، لأنهم كانوا إذا سكروا وثب بعضهم على بعض وقاتل بعضهم بعضا، وإذا ياسروا وقع بينهم فيه بسببه الشرّ، فأدّاهم ذلك إلى ما يأثمون به.
ونزلت هذه الآية في الخمر قبل أن يصرّح بتحريمها، فأضاف الإثم جل ثناؤه إليهما، وإنما الإثم بأسبابهما، إذ كان عن سببهما يحدث.
وقد قال عدد من أهل التأويل : معنى ذلك : وإثمهما بعد تحريمهما أكبر من نفعهما قبل تحريمهما. ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن سعد، قال : ثني أبي، قا
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
فوضعهم الله من ذلك على أعظم الرجاء. (١)
٤١٠٤ - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قال: أثنى الله على أصحاب نبيه محمد ﷺ أحسنَ الثناء فقال:" إن الذين آمنوا والذين هاجروا وجاهدوا في سبيل الله أولئك يرجون رحمه الله والله غفورٌ رحيم"، هؤلاء خيارُ هذه الأمة. ثم جعلهم الله أهل رجاء كما تسمعون، وأنه من رجَا طلب، ومن خاف هرب.
٤١٠٥ - حدثت عن عمار قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، مثله.
* * *
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾
قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: يسألك أصحابك يا محمد عن الخمر وشُربها.
* * *
و"الخمر" كل شراب خمَّر العقل فستره وغطى عليه. وهو من قول القائل:" خَمَرت الإناء" إذا غطيته، و"خَمِر الرجل"، إذا دخل في الخَمَر. ويقال:" هو في خُمار الناس وغُمارهم"، يراد به دخل في عُرْض الناس. ويقال للضبع:" خامري أم عامر"، أي استتري. وما خامر العقل من داء وسكر فخالطه وغَمَره فهو"خمر".
(١) الأثر: ٣١٠٣ - سيرة ابن هشام ٢: ٢٥٥، وهو تمام الأثر السالف: ٤٠٨٢. وكان في المطبوعة هنا: "فوفقهم الله من ذلك... "، والصواب ما أثبت من ابن هشام.
ومن ذلك أيضا"خِمار المرأة"، وذلك لأنها تستر [به] رأسها فتغطيه. ومنه يقال:" هو يمشي لك الخمَر"، أي مستخفيًا، كما قال العجاج:
فِي لامِعِ العِقْبَانِ لا يَأتي الْخَمَرْيُوَجِّهُ الأرْضَ وَيَسْتَاقُ الشَّجَرْ (١)
ويعني بقوله:" لا يأتي الخمر"، لا يأتي مستخفيًا ولا مُسارَقةً، ولكن ظاهرًا برايات وجيوش. و"العقبان" جمع"عُقاب"، وهي الرايات.
* * *
وأما"الميسر" فإنها"المفعل" من قول القائل:" يسَرَ لي هذا الأمر"، إذا وجب لي" فهو يَيْسِر لي يَسَرًا وَميسِرًا" (٢) و"الياسر" الواجب، بقداح وَجب ذلك، أو فُتاحة أو غير ذلك. (٣) ثم قيل للمقامر،" ياسرٌ ويَسَر"، كما قال الشاعر:
فَبِتُّ كَأَنَّنِي يَسَرٌ غَبِينٌيُقَلِّبُ، بَعْدَ مَا اخْتُلِعَ، القِدَاحَا (٤)
وكما قال النابغة: (٥)
(١) ديوانه: ١٧، من قصيدة يذكر فيها فتوح عمر بن عبيد الله بن معمر التيمي، سلف منها بيتان في ٢: ١٥٧. واقرأ التعليق هناك رقم: ٢. ولمعت الرايات: خفقت. وقوله: "يوجه الأرض" يعني جيش عمر، أي يقشر وجهها من شدة وطئه وكثرته وسرعة سيره، يشبهه بالسيل. يقال: " وجه المطر الأرض"، قشر وجهها وأثر فيه. وقوله: "يستاق الشجر"، يقول: جيشه كالسيل المنفجر المتدافع يقشر الأرض، ويختلع شجرها، ويسوقه.
(٢) هذا المعنى لم أصبه في كتب اللغة، وأنا أظنه مجازًا من"الميسر"، لا أصلا في اشتقاق الميسر منه، لأن حظ صاحب الميسر واجب الأداء إذا خرج قدحه.
(٣) في المطبوعة: "أو مباحه"، ولا معنى لها، وكأن الصواب ما أثبت. والفتاحة (بضم الفاء) : الحكم بين الخصمين يختصمان إليك.
(٤) لم أعرف قائله. والغبين والمغبون: الخاسر. واختلع (بالبناء للمجهول) : أي قمر ماله وخسره، فاختلع منه، أي انتزع. والمخالع المقامر، والمخلوع: المقمور ماله. يقول: إنه بات ليلته حزينًا كاسفًا مطرقًا، إطراق المقامر الذي خسر كل شيء، فأخذ يقلب في كفيه قداحه مطرقًا متحسرا على ما أصابه ونكبه.
(٥) لم أجد البيت في شعر النابغة الذبياني، ولست أدري أهو لغيره من النوابغ، أم هو لغيرهم.
أَوْ يَاسِرٌ ذَهَبَ القِدَاح بوَفْرِهِأَسِفٌ تآكَلَهُ الصِّدِيقُ مُخَلَّعُ (١)
يعني"بالياسر": المقامر. وقيل للقمار"ميسر".
* * *
وكان مجاهد يقول نحو ما قلنا في ذلك.
٤١٠٦ - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله:" يسألونك عن الخمر والميسر" قال: القمار، وإنما سمّي"الميسر" لقولهم:"أيْسِروا واجْزُرُوا"، كقولك: ضع كذا وكذا.
٤١٠٧- حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا سفيان، عن ليث، عن مجاهد قال: كل القمار من الميسر، حتى لعب الصبيان بالجوز.
٤١٠٨ - حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا سفيان، عن عبد الملك بن عمير، عن أبي الأحوص قال: قال عبد الله: إياكم وهذه الكِعاب الموسومة التي تزجرون بها زجرًا، فإنهن من الميسر. (٢)
٤١٠٩ - حدثنا محمد بن المثنى قال، حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا شعبة، عن عبد الملك بن عمير، عن أبي الأحوص مثله.
٤١١٠ - حدثنا محمد بن المثنى قال، حدثنا محمد بن نافع قال، حدثنا شعبة، عن يزيد بن أبي زياد، عن أبي الأحوص، عن عبد الله أنه قال: إياكم وهذه الكعاب التي تزجرون بها زَجرًا، فإنها من الميسر.
(١) الوفر: المال الكثير الواسع. وأسف: حزين بالغ الحزن على ما فاته، يقال هو: أسف وآسف وأسفان وأسيف. وفي المطبوعة: "بآكله"، رجحت قراءتها"تآكله". والصديق، واحد وجمع. ومخلع: قد قمر مرة بعد مرة، فهلك ماله وفني. وقوله: " تآكله الصديق"، تناهبوه بينهم في الميسر وهم أصدقاؤه، وذلك أشد لحزنه لما يرى من سرورهم، ولما يؤسفه من ضياع ماله، ويحزنه من لؤم صديقه.
(٢) الكعاب والكعبات، جمع كعب وكعبة: وهي فصوص النرد وقوله: "تزجرونها زجرًا" من الزجر، وهو الحث والدفع، أو من زجر الطير، هو ضرب من العيافة والتكهن. يريد ما يكون معها من توقع الغيب وتطلبه. والموسومة: التي وسمت بسمة تميزها تكون علامة فيها.
٤١١١ - حدثني علي بن سعيد الكندي قال، حدثنا علي بن مسهر، عن عاصم، عن محمد بن سيرين قال: القمار ميسرٌ.
٤١١٢ - حدثنا ابن بشار، قال: حدثنا أبو عامر قال، حدثنا سفيان، عن عاصم الأحول، عن محمد بن سيرين قال: كل شيء له خَطَرٌ = أو: في خَطَر، أبو عامر شك = فهو من الميسر. (١)
٤١١٣ - حدثنا الوليد بن شجاع أبو همام قال، حدثنا علي بن مسهر، عن عاصم، عن محمد بن سيرين قال: كل قمار ميسر، حتى اللعب بالنَّرد على القيام والصِّياح والريشة يجعلها الرجل في رأسه.
٤١١٤ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير، عن عاصم، عن ابن سيرين قال: كل لعب فيه قمار من شُرب أو صياح أو قيام، فهو من الميسر.
٤١١٥ - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا خالد بن الحارث قال، حدثنا الأشعث، عن الحسن أنه قال: الميسر القمار.
٤١١٦ - حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا المعتمر، عن ليث، عن طاوس وعطاء قالا كل قمار فهو من الميسر، حتى لعب الصبيان بالكعاب والجوز.
٤١١٧ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا حكام، عن عمرو، عن عطاء، عن سعيد قال: الميسر القمار.
٤١١٨ - حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا هشيم قال، أخبرنا عبد الملك بن عمير، عن أبي الأحوص، عن عبيد الله قال: إياكم وهاتين الكَعْبتين يُزجر بهما زجرًا، فإنهما من الميسر. (٢)
٤١١٩ - حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا ابن عليه، عن ابن أبي
(١) الخطر: الرهن يخاطر عليه، ويقال له"السبق، والندب" (بالتحريك فيهما)، وهو كله الذي يوضع في الرهان، فمن سبق أو غلب أخذه.
(٢) انظر التعليق السالف ص: ٣٢٢، تعليق: ٢.
عروبة، عن قتادة قال: أما قوله:"والميسر"، فهو القمار كله.
٤١٢٠ - حدثني يونس بن عبد الأعلى قال، أخبرنا ابن وهب قال، أخبرني يحيى بن عبد الله بن سالم، عن عبيد الله بن عمر: أنه سمع عمر بن عبيد الله يقول للقاسم بن محمد: النرد" ميسر"، أرأيت الشطرنج؟ ميسر هو؟ فقال القاسم: كل ما ألهى عن ذكر الله وعن الصلاة فهو ميسر.
٤١٢١ - حدثني علي بن داود قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس قال: الميسر القمار. كان الرجل في الجاهلية يخاطر على أهله وماله، فأيهما قمر صاحبه ذهب بأهله وماله. (١)
٤١٢٢ - حدثني موسى بن هرون قال، حدثنا عمرو بن حماد قال، حدثنا أسباط، عن السدي قال: الميسر القمار.
٤١٢٣ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرازق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة قال: الميسر القمار.
٤١٢٤ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرازق قال، أخبرنا معمر، عن الليث، عن مجاهد وسعيد بن جبير قالا الميسر القمار كله، حتى الجوز الذي يلعب به الصبيان.
٤١٢٥ - حدثت عن الحسين قال، سمعت أبا معاذ الفضل بن خالد قال، سمعت عبيد الله بن سليمان يحدث، عن الضحاك قوله:" والميسر"، قال: القمار.
٤١٢٦ - حدثنا بشر بن معاذ قال: حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قال: الميسر القمار.
٤١٢٧ - حدثنا المثنى قال، حدثنا إسحق قال، حدثنا أبو بدر شجاع
(١) المخاطرة: المراهنة، وقمر الرجل صاحبه يقمره (بكسر الميم) قمرًا: إذا لاعبه في القمار فغلبه.
بن الوليد قال، حدثنا موسى بن عقبة، عن نافع: أن ابن عمر كان يقول: القمار من الميسر.
٤١٢٨ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد قال: الميسرُ، قداح العرب وكِعابُ فارس = قال: وقال ابن جريج: وزعم عطاء بن ميسرة: أن الميسر القمار كله.
٤١٢٩ - حدثنا ابن البرقي قال، حدثنا عمرو بن أبي سلمة، عن سعيد بن عبد العزيز قال، قال مكحول: الميسر القمار.
٤١٣٠ - حدثنا الحسين بن محمد الذارع قال، حدثنا الفضل بن سليمان وشجاع بن الوليد، عن موسى بن عقبة، عن نافع، عن ابن عمر قال: الميسر القمار.
* * *
وأما قوله:" قل فيهما إثم كبيرٌ ومنافع للناس"، فإنه يعني بذلك جل ثناؤه: قل يا محمد لهم:" فيهما"، يعني في الخمر والميسر" إثم كبير"، فالإثم الكبير الذي فيهما ما ذكر عن السدي فيما:-
٤١٣١ - حدثني به موسى بن هرون قال، حدثنا عمرو بن حماد قال، حدثنا أسباط، عن السدي: أما قوله:" فيهما إثمٌ كبير"، فإثم الخمر أنّ الرجل يشرَب فيسكر فيؤذي الناس. وإثم الميسر أن يُقامر الرجلُ فيمنعَ الحق ويظلم.
٤١٣٢ - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد:" قل فيهما إثم كبير"، قال: هذا أوَّل ما عِيبَتْ به الخمر.
٤١٣٣ - حدثني علي بن داود قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله:" قل فيهما إثم كبير"، يعني ما ينقُص من الدين عند من يشربها.
* * *
قال أبو جعفر: والذي هو أولى بتأويل" الإثم الكبير" الذي ذكر الله جل ثناؤه أنه في الخمر والميسر: (١) في"الخمر" ما قاله السدي: (٢) زوال عقل شارب الخمر إذا سكر من شربه إياها حتى يعزب عنه معرفة ربه، وذلك أعظمُ الآثام. وذلك معنى قول ابن عباس إن شاء الله. وأما في"الميسر"، فما فيه من الشغل به عن ذكر الله وعن الصلاة، ووقوع العداوة والبغضاء بين المتياسرين بسببه، كما وصف ذلك به ربنا جل ثناؤه بقوله: (إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ) [سورة المائدة: ٩١]
* * *
وأما قوله:" ومنافع للناس"، فإن منافعَ الخمر كانت أثمانها قبل تحريمها، وما يصلون إليه بشربها من اللذة، كما قال الأعشى في صفتها.
لَنَا مِنْ ضُحَاها خُبْثُ نَفْسٍ وَكَأْبَةٌ... وذِكْرَى هُمُوم مَا تُغِبُّ أَذَاتُهَا... وَعِنْد العِشَاءِ طِيبُ نَفْسٍ وَلَذَّةٌ... وَمَالٌ كَثِير، عِزَّةٌ نَشَوَاتُهَا (٣)
وكما قال حسان:
(١) في المطبوعة: "والذي هو أولى بتأويل الآية الإثم الكبير" بزيادة"الآية" سبق بها قلم ناسخ، وصواب العبارة في حذفها.
(٢) في المطبوعة: "فالخمر ما قاله السدي... "، وسياق عبارته يقتضي ما أثبت.
(٣) ديوانه: ٦١، والأشربة لابن قتيبة: ٧٠ والبيتان مصحفان تصحيفًا قبيحًا في المطبوعة، في البيت الأول"صحاها" بالصاد المهملة، و"ما تفك أداتها". وفي البيت الثاني"عده نشواتها" وفي الأشربة"عدة"، وفي الديوان"غدوة نشواتها" (بضم الغين ونصب التاء بفتحتين). ونسخة الديوان أيضًا كثيرة التصحيف، فآثرت قراءة الكلمة"عزة". وذلك أن الأعشى يقول قبل البيتين:
لَعَمْرُكَ إنَّ الرَّاحَ إِنْ كُنْتَ شاربًالَمُخْتَلِفٌ آصَالُها وَغَدَاتُها
ثم بين في البيت الثاني أنها في"الضحى" -وهو الغدوة- تعقب خبث النفس والكآبة والهموم المؤذية. ثم أتبع ذلك بما يكون عند العشي من طيب النفس واللذة - فلا معنى لإعادة ذكر"الغدوة" مرة أخرى، بل إنه لو فعل لنقض على نفسه البيت السالف، فصارت الخمر في الغدوة أو الضحى، مخبثة للنفس، ومبهجة لها في وقت واحد، وهذا باطل.
فالصواب عندي أن تقرأ"عزة لنشواتها"، كقوله أيضًا:
مِنْ قَهْوَةٍ بَاتَتْ بِبَابِلَ صَفْوَةٍتَدَعَ الفَتَى مَلِكًا يَمِيلُ مُصَرَّعًا
ويؤيد ذلك أن ابن قتيبة قدم قبل الأبيات السالفة: "وقال في الخمر أنها تمد في الأمنية" ثم ذكر الأبيات، فمعنى ذلك أنها تريه أنه صار ملكًا عزيزًا يهب المال الكثير إذا انتشى.
وقوله: "ما تغب أذاتها" من قولهم: "غب الشيء" أي بعد وتأخر. تقول: "ما يغبك لطفي" أي ما يتأخر عنك يومًا، بل يأتيك كل يوم، تعني متتابعًا.
فَنَشْرَبُهَا فَتَتْرُكُنَا مُلُوكًاوَأُسْدًا، مَا يُنَهْنِهُنَا اللِّقَاءُ (١)
وأما منافع الميسر، فما يصيبون فيه من أنصِباء الجزور. وذلك أنهم كانوا يياسرون على الجزور، وإذا أفلجَ الرجلُ منهم صاحبَه نحره، ثم اقتسموا أعشارًا على عدد القداح، (٢) وفي ذلك يقول أعشى بني ثعلبة:
وَجَزُورِ أَيْسَارٍ دَعَوْتُ إلَى النَّدَىوَنِيَاطِ مُقْفِرَةٍ أَخَافُ ضَلالَهَا (٣)
* * *
(١) ديوانه: ٤، والكامل ١: ٧٤، وغيرهما، ونهنهه عن الشيء: زجره عنه وكفه ومنعه. أي: لا نخاف لقاء العدو.
(٢) الأنصباء جمع نصيب. والمياسرة: المقامرة. وفلج سهم المقامر وأفلج: فاز. وأعشار الجزور: الأنصباء. وكانوا يقسمونه عشرة أجزاء.
(٣) ديوانه: ٢٣. الأيسار جمع يسر: وهو الذي يضرب القداح، واللاعب أيضًا، وهو المراد هنا. ورواية الديوان"دعوت لحتفها" والمقفرة: المفازة المقفرة. ونياط المفازة: بعد طريقها، كأنها نيطت -أي وصلت- بمفازة أخرى، لا تكاد تنقطع. وهو بيت من أبيات جياد يتمدح فيها الأعشى بفعله، يقول:
وَسَبِيئَةٍ ممّا تُعَتِّقُ بَابِلٌكَدَمِ الذَّبِيحِ، سَلَبْتُهَا جِرْيالَهَا
وَغَرِيبَةٍ تَأتِي المُلُوكَ حَكِيمَةٍ... قَد قُلْتُهَا لِيُقَالَ: مَنْ ذَا قالَهَا!!
وجَزُورِ أيْسَارٍ........................
وكان الميسر عندهم من كرم الفعال.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك:
٤١٣٤ - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قال: المنافع ههنا ما يصيبون من الجَزور.
٤١٣٥ - حدثني موسى بن هرون قال، حدثنا عمرو بن حماد قال، حدثنا أسباط، عن السدي: أما منافعهُما، فإن منفعة الخمر في لذته وثمنه، ومنفعة الميسر فيما يُصاب من القمار.
٤١٣٦ - حدثنا أبو هشام الرفاعي قال حدثنا ابن أبي زائدة، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد:" قل فيهما إثمٌ كبيرٌ ومنافعُ للناس"، قال: منافعهما قبل أن يحرَّما.
٤١٣٧ - حدثنا علي بن داود قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثني معاوية عن علي، عن ابن عباس:" ومنافع للناس"، قال: يقول فيما يصيبون من لذتها وفرَحها إذا شربوها.
* * *
واختلف القرأة في قراءة ذلك:
فقرأه عُظْم أهل المدينة وبعضُ الكوفيين والبصريين:" قل فيهما إثم كبيرٌ" بالباء، بمعنى قل: في شرب هذه، والقمار هذا، كبيرٌ من الآثام.
وقرأه آخرون من أهل المصرين البصرة والكوفة:"قل فيهما إثمٌ كثيرٌ"، بمعنى الكثرة من الآثام. وكأنهم رأوا أن"الإثم" بمعنى"الآثام"، وإن كان في اللفظ واحدًا، فوصفوه بمعناه من الكثرة. (١)
(١) انظر معنى"الإثم" فيما سلف ٣: ٤٠٦ وما بعدها / ثم ص ٥٥٠.
قال أبو جعفر: وأولى القراءتين في ذلك بالصواب قراءة من قرأه "بالباء":" قل فيهما إثم كبير"، لإجماع جميعهم على قوله:" وإثمهما أكبر من نفعهما"، وقراءته بالباء. وفي ذلك دلالة بيّنة على أن الذي وُصف به الإثم الأول من ذلك، هو العظم والكبَر، لا الكثرة في العدد. ولو كان الذي وصف به من ذلك الكثرة، لقيل: وإثمهما أكثر من نفعهما.
* * *

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾


قال أبو جعفر: يعني بذلك عز ذكره: والإثم بشرب [الخمر] هذه والقمار هذا، أعظمُ وأكبرُ مضرة عليهم من النفع الذي يتناولون بهما. وإنما كان ذلك كذلك، لأنهم كانوا إذا سكروا وثب بعضهم على بعض، وقاتَل بعضهم بعضًا، وإذا ياسرُوا وقع بينهم فيه بسببه الشرُّ، فأدَّاهم ذلك إلى ما يأثمون به.
* * *
ونزلت هذه الآية في الخمر قبل أن يُصرَّح بتحريمها، فأضاف الإثم جل ثناؤه إليهما، وإنما الإثم بأسبابهما، إذ كان عن سببهما يحدث.
* * *
وقد قال عددٌ من أهل التأويل: معنى ذلك: وإثمهما بعد تحريمهما أكبر من نفعهما قبل تحريمهما.
* ذكر من قال ذلك:
٤١٣٨ - حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس:" وإثمهما أكبر من نفعهما"، قال: منافعهما قبل التحريم، وإثمهما بعدَ ما حرِّما.
٤١٣٩ - حدثت عن عمار قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع:"
ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما" ينزل المنافعَ قبل التحريم، والإثم بعد ما حرِّم.
٤١٤٠ - حدثت عن الحسين قال، سمعت أبا معاذ قال، أخبرني عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول في قوله:" وإثمهما أكبرُ من نفعهما"، يقول: إثمهما بعد التحريم، أكبر من نفعهما قبل التحريم.
٤١٤١ - حدثني علي بن داود قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله:" وإثمهما أكبرُ من نفعهما"، يقول: ما يذهب من الدِّين والإثمُ فيه، أكبر مما يصيبون في فرحها إذا شربوها.
* * *
قال أبو جعفر: وإنما اخترنا ما قلنا في ذلك من التأويل لتواتر الأخبار وتظاهُرها بأن هذه نزلت قبل تحريم الخمر والميسر، فكان معلومًا بذلك أن الإثم الذي ذكره الله في هذه الآية فأضافه إليهما، إنما عنى به الإثم الذي يحدث عن أسبابهما - على ما وصفنا - لا الإثم بعد التحريم.
* * *
* ذكر الأخبار الدالة على ما قلنا من أن هذه الآية نزلت قبل تحريم الخمر:
٤١٤٢ - حدثنا أحمد بن إسحق قال، حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا قيس، عن سالم، عن سعيد بن جبير قال: لما نزلت:" يسألونك عن الخمر والميسر قل فيها إثمٌ كبير ومنافع للناس" فكرهها قوم لقوله:" فيها إثم كبير"، وشربها قوم لقوله:" ومنافع للناس"، حتى نزلت: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ) [سورة النساء: ٤٣]، قال: فكانوا يدعونها في حين الصلاة ويشربونها في غير حين الصلاة، حتى نزلت: (إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأنْصَابُ وَالأزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ) [سورة المائدة: ٩٠] فقال عمر: ضَيْعَةً لك! اليوم قُرِنْتِ بالميسر!
٤١٤٣ - حدثني محمد بن معمر قال، حدثنا أبو عامر قال، حدثنا محمد بن أبي حميد، عن أبي توبة المصري، قال، سمعت عبد الله بن عمر يقول: أنزل الله عز وجل في الخمر ثلاثًا، فكان أول ما أنزل:" يسألونك عن الخمر والميسر قُل فيهما إثم كبير" الآية، فقالوا: يا رسول الله، ننتفع بها ونشربها كما قال الله جل وعز في كتابه! ثم نزلت هذه الآية: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى) الآية، قالوا: يا رسول الله، لا نشربها عند قرب الصلاة. قال: ثم نزلت: (إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأنْصَابُ وَالأزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ) الآية، قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حُرِّمت الخمر". (١)
(١) الحديث: ٤١٤٣ - أبو عامر: هو العقدي -بفتح العين والقاف- عبد الملك بن عمرو، وهو ثقة مأمون، روى عنه أحمد، وإسحاق، وابن المديني، وغيرهم.
محمد بن أبي حميد الأنصاري الزرقي، واسم أبيه"إبراهيم": ضعيف منكر الحديث، اتفقوا على تضعيفه.
أبو توبة المصري: لا يوجد راو بهذا الاسم، وإنما هو من تخليط محمد بن أبي حميد. وصحته"أبو طعمة الأموي" بضم الطاء وسكون العين المهملة، وهو مولى عمر بن عبد العزيز، شامي سكن مصر، وكان قارئًا، يقرئ القرآن بمصر. وهو تابعي ثقة.
وهذا الحديث رواه الطيالسي في مسنده: ١٩٥٧، عن محمد بن أبي حميد"عن أبي توبة المصري"، عن ابن عمر. وزاد في آخره قصة شق روايا الخمر، شقها رسول الله ﷺ ومعه أبو بكر وعمر. ثم لعن شاربها وعاصرها. إلخ.
ونقل ابن كثير في التفسير ٣: ٢٢٦، القسم الذي هنا فقط، عن مسند الطيالسي. ولكنه حين رأى الغلط في الإسناد"عن أبي توبة المصري" -تصرف تصرفًا سديدًا، فأثبته: "عن المصري"، ثم قال: "يعني أبا طعمة". فلم يغير في أصل الإسناد، وأشار إلى ما هو الصواب.
وذكره السيوطي في الدر المنثور ٢: ٣١٤- ٣١٥، ونسبه للطيالسي، والطبري، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، والبيهقي في شعب الإيمان.
والحديث الصحيح من رواية أبي طعمة: ما رواه أحمد في المسند: ٥٣٩٠، في قصة شق زقاق الخمر، ثم قوله صلى الله عليه وسلم: "لعنت الخمر، وشاربها، وساقيها، وبائعها، ومبتاعها، وحاملها، والمحمولة إليه، وعاصرها، ومعتصرها، وآكل ثمنها"- من طريق ابن لهيعة، عن أبي طعمة وقد فصلنا تخريجه في الاستدراك، رقم: ١٧٦٥ في المسند.
ورواه ابن عبد الحكم، في فتوح مصر، أطول قليلا من رواية المسند، ص ٢٦٤ بإسنادين من طريق أبي شريح عبد الرحمن بن شريح، عن شرا حيل بن بكيل- ومن طريق ابن لهيعة، عن أبي طعمة، كلاهما عن ابن عمر. وشراحيل بن بكيل: تابعي ثقة، ترجمه البخاري في الكبير ٢/٢/٢٥٦. وابن أبي حاتم ٢/١/٣٧٣. ولم يذكرا فيه جرحًا.
٤١٤٤ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا يحيى بن واضح قال، حدثنا الحسين، عن يزيد النحوي، عن عكرمة والحسن قالا قال الله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ) = و" يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبيرٌ ومنافعُ للناس وإثمهما أكبر من نفعهما"، فنسختها الآية التي في المائدة، فقال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ)، الآية.
٤١٤٥ - حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الوهاب قال، حدثنا عوف، عن أبي القَمُوص زيد بن علي قال: أنزل الله عز وجلّ في الخمر ثلاثَ مرات. فأول ما أنزل قال الله:" يسألونك عن الخمر والميسر قُل فيهما إثمٌ كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبرُ من نفعهما"، قال: فشربها من المسلمين من شاء الله منهم على ذلك، حتى شرب رجلان فدخلا في الصلاة فجعلا يَهْجُران كلامًا لا يدري عوف ما هو، فأنزل الله عز وجل فيهما: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ)، فشربها من شربها منهم، وجعلوا يتقونها عند الصلاة، حتى شربها - فيما زعم أبو القموص - رجلٌ، فجعل ينوح على قتلى بدر:
تُحَيِّي بِالسَّلامَةِ أُمُّ عَمْروٍوَهَلْ لَكِ بَعْدَ رَهْطِكِ مِنْ سَلامِ (١)
(١) سيأتي في تخريج هذا الأثر، أن رواية هذا الخبر تنسب هذا الشعر لأبي بكر الصديق، ونفي عائشة لذلك. وهذه الأبيات بعض أبيات من شعر لأبي بكر بن شعوب، اختلطت بشعر بحير بن عبد الله بن عامر القشيري. ومراجع الأبيات جميعًا هي: سيرة ابن هشام ٣: ٣٠ وتاريخ ابن كثير ٣: ٣٤١، والوحشيات لأبي تمام: ٤٢٥، والاشتقاق: ٦٣، ونسب قريش: ٣٠١، ومن نسب لأمه (نوادر) : ٨٢، وكنى الشعراء (نوادر) : ٢٨٢، والبخاري ٥: ٦٥، وفتح الباري ٧: ٢٠١، والإصابة (ترجمة أبي بكر بن شعوب)، وغيرها.
والبيت الأول والرابع والخامس، من أبيات رواها ابن هشام، والبخاري لأبي بكر بن شعوب، من الشعر الذي ذكر فيه قتلى بدر، والذي يقول في آخره:وكان أبو بكر قد أسلم فيما يقال. أما البيتان الثاني والثالث فهما من أبيات قالها بحير بن عبد الله القشيري، يرثي هشام بن المغيرة، وكان شريفًا مذكورًا، وكانت قريش تؤرخ بموته، ولما مات نادى مناد بمكة: "اشهدوا جنازة ربكم"! فقال بحير يرثيه أبياتًا أولها:
يُحَدِّثُنَا الرّسُولُ بأَنْ سَنَحْيَاوَكَيفَ حَيَاةُ أَصْدَاءٍ وَهَامِ!
ذَرِيني أَصْطَبحْ يَا بَكْرُ، إِنِّيرَأَيْتُ المَوْتَ نَقَّبَ عَنْ هِشَامِ
وقد رواها لبحير بن عبد الله، الآمدي في المؤتلف والمختلف، وأبو تمام في الوحشيات، وابن دريد في الاشتقاق، ولكن المصعب في نسب قريش روى هذا البيت والذي يليه لأبي بكر بن شعوب في رثاء هشام. والصواب فيما أرجح مع من خالف المصعب. فإن البيتين الثاني والثالث، ظاهر أنهما مقحمان هنا، وهما ليسا في رواية الثقات، وفيهما ذكر هشام ورثاؤه، وهشام مات قبل الإسلام وقبل يوم بدر بدهر طويل. وشهد بدرًا ولداه الحارث بن هشام، وأبو جهل بن هشام = فلا معنى لذكره في رثاء قتلى بدر. هذا خلط في الرواية، حتى لو صح أن البيتين لأبي بكر بن شعوب.
ذَرِيني أَصْطَبِحْ بَكْرًا، فَإنِّي... رَأَيْتُ المَوْتَ نَقَّبَ عَنْ هِشَامِ (١) وَوَدَّ بَنُو المُغِيرَةِ لَوْ فَدَوْهُ... بِأَلْفٍ مِنْ رِجَالٍ أَوْ سَوَامِ... كَأَيٍّ بالطَّو... مِنْ الشِّيزَى يُكَلَّلُ بالسَّنَامِ (٢) كَأَيٍّ بالطَّوِىِّ طَوِيِّ بَدْرٍ... مِنَ الفِتْيَانِ والحُلَلِ الكِرَامِ (٣)
قال: فبلغ ذلك رسولَ الله صلى الله عليه وسلم، فجاء فزِعًا يجرُّ رداءه من الفزع، حتى انتهى إليه، فلما عاينه الرجل، فرفع رسول الله ﷺ شيئًا كان بيده ليضربه، قال: أعوذ بالله من غضب الله ورسوله! والله لا أطعمُها
(١) يروى: "يا بكر إني" و"يا هند إني".
(٢) في المطبوعة: "كأني"، والصواب"كأي" أي: كم. ويروى"وكم لك بالطوى" و"ماذا بالطوى". والطوى: البئر المطوية. والشيزى: خشب أسود تعمل منه القصاع والجفان. والسنام سنام البعير من ظهره. يقول: كم ألقي في هذه البئر من كريم مطعم. فجعل جفانه هي التي ألقيت في القليب، كأن لا أحد بعده يخلفه في كرمه وفعاله وإطعامه الضيف والفقير.
(٣) في المطبوعة"كأني" وانظر التعليق السالف. ويروى: "من القينات" جمع قينة، يقول ذهب اللهو فلا لهو بعدهم ولا منادمة، ويروى، "والشرب الكرام".
هذا وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم، أمر بعد النصر في بدر أن تطرح القتلى في القليب (البئر). في خبر مذكور في السير.
أبدًا! فأنزل الله تحريمها: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأنْصَابُ وَالأزْلامُ رِجْسٌ) إلى قوله: (فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ)، فقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: انتهينا، انتهينا!! (١)
٤١٤٦ - حدثنا سفيان بن وكيع قال: حدثنا إسحق الأزرق، عن زكريا، عن سماك، عن الشعبي قال: نزلت في الخمر أربعُ آيات:" يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس"، فتركوها، ثم نزلت: (تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا) [سورة النحل: ٦٧]، فشربوها ثم نزلت الآيتان في"المائدة": (إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأنْصَابُ وَالأزْلامُ) إلى قوله: (فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ)
٤١٤٧ - حدثني موسى بن هرون قال، حدثنا عمرو بن حماد قال، حدثنا أسباط، عن السدي: قال نزلت هذه الآية:" يسألونك عن الخمر والميسر" الآية، فلم يزالوا بذلك يشربونها، حتى صنع عبد الرحمن بن عوف طعامًا، فدعا ناسًا من أصحاب النبي ﷺ فيهم علي بن أبي طالب، فقرأ: (قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ)، ولم يفهمها. فأنزل الله عز وجل يشدد في الخمر: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ)، فكانت لهم حلالا يشربون من صلاة الفجر حتى يرتفع النهار، أو ينتصف، فيقومون إلى صَلاة الظهر وهم مُصْحُون، (٢) ثم لا يشربونها حتى يُصَلوا العَتَمة - وهي
(١) الحديث: ٤١٤٥ -عبد الوهاب: هو ابن عبد المجيد الثقفي، ترجمناه في: ٢٠٣٩. "عوف" هو ابن أبي جميلة الأعرابي، مضى في ٢٩٠٥. زيد بن علي أبو القموص، بفتح القاف وضم الميم: تابعي ثقة قليل الحديث.
وروايته هذه مرسلة، لا تقوم بها حجة. وقد أشار إليها الحافظ في الإصابة ٧: ٢١، وأنه رواها الفاكهي في تاريخ مكة، عن يحيى بن جعفر، عن علي بن عاصم، عن عوف بن أبي جميلة، عن أبي القموص. وأشار إليها أيضًا في الفتح ٧: ٢٠١ وجزم بتضعيفها، لمعارضتها بما رواه الفاكهي نفسه، من وجه صحيح، عن عائشة، قالت: "والله ما قال أبو بكر بيت شعر في الجاهلية ولا الإسلام، ولقد ترك هو وعثمان شرب الخمر في الجاهلية". ثم قال الحافظ: "وهي أعلم بشأن أبيها من غيرها. وأبو القموص لم يدرك أبا بكر، فالعهدة على الواسطة. فلعله كان من الروافض". وهذا هو الحق.
(٢) صحا السكران يصحو فهو صاح، وأصحى فهو مصح: ذهب سكره وأفاق.
العشاء - ثم يشربونها حتى ينتصف الليل، وينامون، ثم يقومون إلى صلاة الفجر وقد صحوا - فلم يزالوا بذلك يشربونها حتى صنع سعد بن أبي وقاص طعامًا، فدعا ناسًا من أصحاب النبي ﷺ فيهم رجل من الأنصار، فشوى لهم رأس بعير ثم دعاهم عليه، فلما أكلوا وشربوا من الخمر، سكروا وأخذوا في الحديث. فتكلم سعد بشيء فغضب الأنصاري، فرفع لَحْي البعير فكسر أنف سعد، (١) فأنزل الله نَسْخ الخمر وتحريمها وقال: (إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأنْصَابُ وَالأزْلامُ) إلى قوله: (فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ)
٤١٤٨ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة - وعن رجل، عن مجاهد - في قوله:" يسألونك عن الخمر والميسر"، قال: لما نزلت هذه الآية شربها بعض الناس وتركها بعضٌ، حتى نزل تحريمها في"سورة المائدة".
٤١٤٩ - حدثنا محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد:" قل فيهما إثمٌ كبير"، قال: هذا أول ما عِيبت به الخمر. (٢)
٤١٥٠ - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد بن زريع قال حدثنا سعيد، عن قتادة قوله:" يسألونك عن الخمر والميسر قُل فيهما إثم كبير ومنافع للناس"، فذمَّهما الله ولم يحرِّمهما، لما أراد أن يبلغ بهما من المدة والأجل. ثم أنزل الله في"سورة النساء" أشد منها: (لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ)، فكانوا يشربونها، حتى إذا حضرت الصلاة سكتوا عنها، فكان السكر عليهم
(١) اللحى (بفتح اللام وسكون الحاء) حائط الفم، وهما العظم الذي فيه الأسنان من داخل الفم، وللبعير والإنسان وغيرهما: لحيان، أعلى وأسفل.
(٢) الأثر: ٤١٤٩ - مضى بنصه هذا برقم: ٤١٣٢.
حرامًا. ثم أنزل الله جل وعز في"سورة المائدة" بعد غزوة الأحزاب: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ) إلى (لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) فجاء تحريمها في هذه الآية، قليلها وكثيرها، ما أسكر منها وما لم يسكر. وليس للعرب يومئذ عيش أعجبُ إليهم منها. (١)
٤١٥١ - حدثت عن عمار بن الحسن قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه عن الربيع قوله:" يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما"، قال: لما نزلت هذه الآية قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن ربكم يُقدِّم في تحريم الخمر، قال: ثم نزلت: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ)، قال النبي صلى الله عليه وسلم: إنّ ربكم يقدِّم في تحريم الخمر. قال: ثم نزلت: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأنْصَابُ وَالأزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ)، فحرّمت الخمر عند ذلك.
٤١٥٢ - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله:" يسألونك عن الخمر والميسر" الآية كلها، قال: نسخت ثلاثةً، (٢) في"سورة المائدة"، وبالحدّ الذي حدَّ النبي صلى الله عليه وسلم، وضَرْب النبيِّ صلى الله عليه وسلم. قال: كان النبي ﷺ يضربهم بذلك حدًّا، ولكنه كان يعمل في ذلك برأيه، ولم يكن حدًّا مسمًّى وهو حَدٌّ، وقرأ: (إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ) الآية. (٣)
(١) قوله: "عيش" مجاز حسن، لم تقيده كتب اللغة، ويعني به: المتاع واللذة. وأصل"العيش": المطعم والمشرب وما تكون به الحياة. فنقل إلى المتاع، ومثله ما جاء في الأثر: "لا عيش إلا عيش الآخرة"، فأولى أن يفسر بالمتاع واللذة.
(٢) يقال: "نسخت ثلاثًا"، أي ثلاث مرات من النسخ، ويجوز"نسخت ثلاثة" كما هنا، أي ثلاثة نسوخ، لتذكير"النسخ".
(٣) يعني أن آية البقرة هذه، نسختها آية المائدة نسخًا واحدًا، ثم جعل الله حدها الضرب غير مسمى العدد، فكان نسخًا ثانيًا، ثم اجتهد رسول الله ﷺ رأيه في عدد الضرب وصورته، فكان اجتهاده نسخًا ثالثًا.

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ﴾


قال أبو جعفر: يعني جل ذكره بذلك: ويسألك يا محمد أصحابك: أيّ شيء ينفقون من أموالهم فيتصدقون به؟ فقل لهم يا محمد: أنفقوا منها العفوَ.
* * *
واختلف أهل التأويل في معنى:" العفو" في هذا الموضع.
فقال بعضهم: معناه: الفضل.
* ذكر من قال ذلك:
٤١٥٣ - حدثنا عمرو بن علي الباهلي قال، حدثنا وكيع = ح، وحدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي = عن ابن أبي ليلى، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس قال: العفوُ ما فضل عن أهلك.
٤١٥٤ - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة:"قل العفو"، أي الفضْل.
٤١٥٥ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة قال: هو الفضل.
٤١٥٦ - حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا هشيم قال، أخبرنا عبد الملك، عن عطاء في قوله:"العفو"، قال: الفضل.
٤١٥٧ - حدثنا موسى بن هرون قال، حدثنا عمرو بن حماد قال، حدثنا أسباط، عن السدي قال:"العفو"، يقول: الفضل.
٤١٥٨ - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله:" يسألونك ماذا ينفقون قل العفو"، قال: كان القوم يعملون في كل
يوم بما فيه، فإن فضَل ذلك اليوم فَضْل عن العيال قدَّموه، ولا يتركون عِيالهم جُوَّعًا ويتصدقون به على الناس.
٤١٥٩ - حدثنا عمرو بن علي قال، حدثنا يزيد بن زريع قال، حدثنا يونس، عن الحسن في قوله:" ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو"، قال: هو الفضل، فضل المال.
* * *
وقال آخرون: معنى ذلك: ما كان عفوًا لا يَبين على من أنفقه أو تصدّق به.
* ذكر من قال ذلك:
٤١٦٠ - حدثني علي بن داود قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح، عن علي، عن ابن عباس:" ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو"، يقول: ما لا يتبيَّن في أموالكم.
٤١٦١ - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن جريج، عن طاوس في قول الله جل وعز:" ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو"، قال: اليسير من كل شيء.
* * *
وقال آخرون: معنى ذلك: الوسط من النفقة، ما لم يكن إسرافًا ولا إقتارًا.
* ذكر من قال ذلك:
٤١٦٢ - حدثنا محمد بن عبد الله بن بزيع قال، حدثنا بشر بن المفضل، عن عوف، عن الحسن في قوله:" ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو"، يقول: لا تجهَد مالك حتى ينفد للناس.
٤١٦٣ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قال: سألت عطاء عن قوله:" يسألونك ماذا ينفقون قل العفو"، قال: العفو في النفقة: أن لا تجهدَ مالك حتى ينفد فتسأل الناس.
٤١٦٤ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا حجاج، عن ابن جريج، قال سألت عطاء عن قوله:" يسألونك ماذا ينفقون قل العفو"، قال: العفو ما لم يسرفوا ولم يَقتروا في الحق = قال: وقال مجاهد: العفو صدقة عن ظَهْر غنى.
٤١٦٥ - حدثنا عمرو بن علي قال، حدثنا يحيى بن سعيد قال، حدثنا عوف، عن الحسن في قوله:" يسألونك ماذا ينفقون قل العفو"، قال: هو أن لا تجهد مالك.
* * *
وقال آخرون: معنى ذلك:" قل العفو"، خذ منهم ما أتوك به من شيء قليلا أو كثيرًا.
* ذكر ذلك من قال ذلك:
٤١٦٦ - حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس:" ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو"، يقول: ما أتوك به من شيء قليل أو كثير فاقبله منهم.
* * *
وقال آخرون: معنى ذلك: ما طابَ من أموالكم.
* ذكر من قال ذلك:
٤١٦٧ - حدثت عن عمار قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع قوله:" يسألونك ماذا ينفقون قل العفو"، قال: يقول: الطيِّبَ منه، يقول: أفضلَ مالك وأطيبَه.
٤١٦٨ - حدثت عن عمار بن الحسن قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن قتادة قال: كان يقول: العفو، الفضل، يقول: أفضل مالك.
* * *
وقال آخرون: معنى ذلك: الصدقة المفروضة.
* ذكر من قال ذلك:
٤١٦٩ - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن قيس بن سعد = أو عيسى، عن قيس، عن مجاهد - شك أبو عاصم = قول الله جل وعز:" قل العفو"، قال: الصدقة المفروضة.
* * *
قال أبو جعفر: وأولى هذه الأقوال بالصواب قول من قال: معنى"العفو": الفضلُ من مالِ الرجل عن نفسه وأهله في مؤونتهم ما لا بد لهم منه. وذلك هو الفضل الذي تظاهرت به الأخبار عن رسول الله ﷺ بالإذن في الصدقة، وصَدقته في وجوه البر: (١)
* ذكر بعض الأخبار التي رويت عن رسول الله ﷺ بذلك:
٤١٧٠ - حدثنا علي بن مسلم قال، حدثنا أبو عاصم، عن ابن عجلان، عن المقبري، عن أبي هريرة قال: قال رجل: يا رسول الله، عندي دينار! قال:"أنفقه على نفسك. قال: عندي آخر! قال:"أنفقه على أهلك. قال: عندي آخر! قال: أنفقه على ولدك! قال: عندي آخر؛ قال: فأنتَ أبْصَرُ! (٢)
(١) في المطبوعة: "وصدقة في وجوه البر". والصواب ما أثبت، يعني أن التصدق بالعفو في وجوه البر، أما الزكاة المفروضة، فلها شأن آخر، كما سيأتي بعد.
(٢) الحديث: ٤١٧٠ -علي بن مسلم بن سعيد أبو الحسن الطوسي، نزيل بغداد: ثقة، روى عنه البخاري في صحيحه، وابن معين، وأبو داود، وغيرهم، مترجم في التهذيب، وتاريخ بغداد ١٢ ١٠٨- ١٠٩. أبو عاصم: هو النبيل، الضحاك بن مخلد. ابن عجلان: هو محمد: مضت ترجمته: ٣٠٤. المقبري: هو سعيد بن أبي سعيد.
والحديث رواه أحمد في المسند: ٧٤١٣، بزيادة في أوله، عن يحيى -وهو القطان- عن ابن عجلان، به، نحوه. وقد بينا هناك تخريجه في أبي داود، والنسائي، والمستدرك للحاكم، وابن حبان.
وذكره السيوطي ١: ٢٥٣، ونسبه لهؤلاء والطبري، عدا المسند. ونقله ابن كثير ١: ٥٠٣ عن الطبري، ثم قال: "وقد رواه مسلم في صحيحه". وقد وهم رحمه الله. فإن الحديث ليس في صحيح مسلم، على اليقين. بعد طول التتبع مني ومن أخي السيد محمود.
٤١٧١ - حدثني محمد بن معمر البحراني قال، حدثنا روح بن عبادة قال، حدثنا ابن جريج، قال، أخبرني أبو الزبير: أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا كان أحدكم فقيرًا فليبدأ بنفسه، فإن كان له فضل فليبدأ مع نفسه بمن يعول، ثم إن وجد فضلا بعد ذلك فليتصدق على غيرهم". (١)
٤١٧٢ - حدثنا عمرو بن علي قال، حدثنا يزيد بن هرون قال، حدثنا محمد بن إسحاق، عن عاصم بن عمر بن قتادة، عن محمود بن لبيد، عن جابر بن عبد الله قال: أتى رسولَ الله ﷺ رجلٌ ببيضة من ذهب أصابها في بعض المعادن، فقال: يا رسول الله، خذ هذه مني صدقة، فوالله ما أصبحت أملك غيرها! فأعرض عنه، فأتاه من ركنه الأيمن فقال له مثل ذلك، فأعرض عنه. ثم قال له مثل ذلك، فأعرض عنه. ثم قال له مثل ذلك، فقال: هاتها! مغضبًا، فأخذها فحذفه بها حذفة لو أصابه شجَّه أو عقَره، ثم قال:"يجيء أحدكم بماله كله يتصدق به، ويجلس يتكفف الناس!! إنما الصدقة عن ظهر غِنًى. (٢)
(١) الحديث: ٤١٧١ -رواه أحمد في المسند: ١٤٣٢٣ (٣: ٣٠٥ حلبي)، بنحوه، مع قضة في أوله - من طريق أيوب، عن أبي الزبير، عن جابر.
ورواه مسلم ١: ٢٧٤، نحو رواية المسند - من طريق الليث بن سعد، عن أبي الزبير. ثم من طريق أيوب، عن أبي الزبير.
وذكره ابن كثير ١: ٥٠٣، ونسبه لمسلم. وذكره السيوطي ١: ٢٥٤، ونسبه لمسلم والنسائي.
(٢) الحديث: ٤١٧٢ - عاصم بن عمر بن قتادة: مضى في: ١٥١٩. ووقع في المطبوعة"عاصم عن عمر بن قتادة". وهو خطأ واضح.
والحديث رواه أبو داود: ١٦٧٣، عن موسى بن إسمعيل، عن حماد -وهو ابن سلمة- عن ابن إسحاق، بهذا الإسناد. ورواه الحاكم في المستدرك ١: ٤١٣، من طريق موسى بن إسمعيل، به وقال: "هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه". ووافقه الذهبي.
وذكره السيوطي ١: ٢٥٣- ٢٥٤، وزاد نسبته لابن سعد، وهو في طبقات ابن سعد ٤/٢/١٩، من وجه آخر، من رواية"عمر بن الحكم بن ثوبان"، عن جابر.
حذفه بالشيء رماه به. تكفف الناس: تعرض لمعروفهم باسطا يده، ليتلقى منهم ما يتصدقون به عليه. وقوله: "عن ظهر غني" أي عن غنى يستقيم به أمره ويقوى.
٤١٧٣ - حدثنا محمد بن المثنى قال، حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا شعبة، عن إبراهيم المخرّمي قال: سمعت أبا الأحوص يحدث، عن عبد الله، عن النبي ﷺ أنه قال: ارضَخْ من الفضل، وابدأ بمن تعول، ولا تُلام على كَفاف". (١)
* * *
= وما أشبه ذلك من الأخبار التي يطول باستقصاء ذكرها الكتاب.
فإذا كان الذي أذن ﷺ لأمته، الصدقةَ من أموالهم بالفضل
(١) الحديث: ٤١٧٣ - إبراهيم المخرمي: هكذا ثبت في المطبوعة، ولا يوجد راو -فيما أعلم- بهذا الاسم. والراجح عندي، بل الذي أكاد أوقن به، أنه محرف عن"إبراهيم الهجري"، فالحديث حديثه. والرسم مقارب. والهجري: هو إبرهيم بن مسلم العبدي الكوفي، وهو ضعيف. ضعفه ابن عيينة، والبخاري، وأبو زرعة، وأبو حاتم، وغيرهم.
وهذا الحديث جزء من حديث، ذكره السيوطي ١: ٢٥٤، قال: "أخرج أبو يعلى، والحاكم وصححه، عن عبد الله بن مسعود، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الأيدي ثلاثة، فيد الله العليا، ويد المعطي التي تليها، ويد السائل السفلى إلى يوم القيامة، فاستعفف عن السؤال وعن المسألة ما استطعت، فإن أعطيت خيرًا فلير عليك، وابدأ بمن تعول، وارضخ من الفضل، ولا تلام على الكفاف".
وكذلك ذكره المنذري في الترغيب والترهيب ٢: ١٠، وقال: "رواه أبو يعلى، والغالب على روايته التوثيق. ورواه الحاكم، وصحح إسناده".
وهكذا حكى السيوطي والمنذري تصحيح الحاكم إياه. ولنا على ذلك تعقيب: أنه ليس في المستدرك تصحيحه -كما سيأتي. فإن لم يكن السيوطي نقل عن المنذري وقلده، يكن في نسخة المستدرك المطبوعة سقط التصحيح الذي حكياه.
وأول الحديث إلى قوله"ويد السائل السفلى" -رواه أحمد في المسند: ٤٢٦١، عن القاسم بن مالك، عن الهجري، عن أبي الأحوص، عن عبد الله -وهو ابن مسعود- مرفوعًا. وذكر الهيثمي في مجمع الزوائد ٣: ٩٧ أوله عن المسند وأبي يعلى، وزيادة آخره عن أبي يعلى. وقال: "ورجاله موثقون".
ورواية الحاكم إياه - هي في المستدرك ١: ٤٠٨، بثلاثة أسانيد، لم يذكر لفظه فيها كاملا. بل ذكر في أولها أنه سقط عليه تمام الحديث، ثم ذكر في الآخرين بعض الحديث، ولم يذكره كله. ولم يذكر فيه تصحيحًا ولا تضعيفًا، ولا قال الذهبي شيئًا في ذلك في مختصره.
رضخ له من ماله يرضخ رضخًا، ورضخ له رضيخة: أعطاه القليل اليسير. والكفاف: هو الذي يكف المرء عن سؤال الناس: يقول: إذا لم يكن عندك فضل مال تبذله، لم تلم على أن لا تعطي أحدًا.
عن حاجة المتصدق، فالفضل من ذلك هو"العفو" من مال الرجل، (١) إذْ كان"العفو"، في كلام العرب، في المال وفي كل شيء: هو الزيادة والكثرة - ومن ذلك قوله جل ثناؤه:" حتى عَفَوْا" بمعنى: زادوا على ما كانوا عليه من العدد وكثروا، (٢) ومنه قول الشاعر: (٣)
وَلكِنَّا نُعِضُّ السَّيْفَ منابِأَسْوُقِ عَافِيَاتِ الشَّحْمِ كُومِ (٤)
يعني به: كثيرات الشحوم. ومن ذلك قيل للرجل:"خذ ما عفا لك من فلان"، يراد به ما فضل فصفا لك عن جُهده بما لم يَجْهده = (٥) كان بيِّنًا أنّ الذي أذن الله به في قوله:" قل العفو" لعباده من النفقة، فأذنهم بإنفاقه إذا أرادوا إنفاقه، هو الذي بيّن لأمته رسولُ الله ﷺ بقوله:"خير الصدقة ما أنفقت عن غنى"، وأذِنهم به.
* * *
فإن قال لنا قائل: وما تنكر أن يكون ذلك"العفو" هو الصدقة المفروضة؟ (٦)
(١) في المطبوعة: "الفضل من ذلك... " بحذف الفاء، والفاء لا بد منها ليستقيم الكلام.
(٢) انظر ما قاله في معنى"عفا" فيما سلف: ٣: ٣٧٠.
(٣) هو لبيد بن ربيعة.
(٤) ديوانه قصيدة ٢: ١٩، ثم يأتي في التفسير ٩: ٦ (بولاق)، وفي المطبوعة هنا"يعض السيف منا" وهو خطأ، والصواب ما في الموضع الآخر والديوان. وهذا البيت من أبيات يفخر فيها بإكرامهم الضيف، ولا سيما في الشتاء، يقول إذا جاء الشتاء ببرده وقحطه:
فَلاَ نَتَجَاوَزُ العَطِلاتِ مِنْهاإلى البَكْرِ المُقَارِبِ والكَزُوم
ولكنّا نُعِضّ السَّيْف......................
والضمير في"منها" للإبل. يقول: لا نتجاوز عند الذبح فندع النوق الطوال الأعناق السمينات، إلى بكر دنيء أو بكر هرم، ولكننا نعض السيف، أي نضرب بالسيف حتى يعض في اللحم -بعراقيب السمينات العظام الأسنمة، وهي الكوم، جمع كوماء.
(٥) قوله: "كان بينا... " جواب قوله: "فإذا كان الذي أذن صلى الله عليه وسلم... " كان بينا... "، وأذن هنا بمعنى: أعلم وأخبر.
(٦) "الصدقة المفروضة" يعني: الزكاة المفروضة.
قيل: أنكرنا ذلك لقيام الحجة على أنّ من حلَّت في ماله الزكاة المفروضة فهلكَ جميعُ ماله إلا قَدْرُ الذي لَزِم مالَه لأهل سُهْمان الصدقة، أنّ عليه أن يسلمه إليهم، إذا كانَ هلاكُ ماله بعد تفريطه في أداء الواجب كان لهم في ماله، إليهم. (١) وذلك لا شك أنه جُهْده - إذا سلّمه إليهم - لا عفوُه. وفي تسمية الله جل ثناؤه ما علَّم عبادَه وَجْه إنفاقهم من أموالهم"عفوا"، ما يبطل أن يكون مستحقًا اسم"جهد" في حالة. وإذا كان ذلك كذلك، فبيِّنٌ فسادُ قول من زعم أن معنى"العفو" هو ما أخرجه رب المال إلى إمامه فأعطاه، كائنًا ما كان من قليل ماله وكثيره، وقولِ من زعم أنه الصدقة المفروضة. وكذلك أيضًا لا وَجه لقول من يقول إن معناه:"ما لم يتبيّن في أموالكم"، (٢) لأن النبي ﷺ لما قال له أبو لبابة:"إنّ من توبتي أن أنخلع إلى الله ورسوله من مالي صدقة"، قال النبي صلى الله عليه وسلم:"يكفيك من ذلك الثلث! "، وكذلك روي عن كعب بن مالك أن النبي ﷺ قال له نحوًا من ذلك. (٣) والثلث لا شك أنه بيِّنٌ فَقْدُه من مال ذي المال، ولكنه عندي كما قال جل ثناؤه: (وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا) [سورة الفرقان: ٦٧]، وكما قال جل ثناؤه لمحمد صلى الله عليه وسلم: (وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا) [سورة الإسراء: ٢٩]، وذلك هو ما حدَّه ﷺ فيما دون ذلك على قدر المال واحتماله.
* * *
ثم اختلف أهل العلم في هذه الآية: هل هي منسوخة أم ثابتة الحكم على العباد؟ فقال بعضهم: هي منسوخة، نسختها الزكاة المفروضة.
* ذكر من قال ذلك:
٤١٧٤ - حدثني علي بن داود قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله:" يسألونك ماذا ينفقون قل العفو"، قال: كان هذا قبل أن تفرض الصدقة.
٤١٧٥ - حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس:" يسألونك ماذا ينفقون قل العفو"، قال: لم تفرض فيه فريضة معلومة. ثم قال: (خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ) [سورة الأعراف: ١٩٩]، ثم نزلت الفرائض بعد ذلك مسمَّاةً.
٤١٧٦ - حدثني موسى بن هرون قال حدثنا عمرو بن حماد قال، حدثنا أسباط، عن السدي قوله:" يسألونك ماذا ينفقون قل العفو"، هذه نسختها الزكاة.
* * *
وقال آخرون: بل مُثْبَتة الحكم غير منسوخة.
* ذكر من قال ذلك:
٤١٧٧ - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن قيس بن سعد = أو عيسى، عن قيس = عن مجاهد - شكّ أبو عاصم قال - قال: العفو الصدقة المفروضة.
* * *
قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك ما قاله ابن عباس على ما رواه عنه عطية، من أن قوله:" قل العفو" ليس بإيجاب فرض فُرض من الله حقًا في ماله، ولكنه إعلامٌ منه ما يرضيه من النفقة مما يُسخطه، جوابًا منه لمن سأل نبيه
(١) في المطبوعة: "الواجب كان لهم ما له إليهم"، وزيادة"في" واجبة لتمام المعنى واستقامته يعني:... أداء الواجب في ماله إليهم، وقوله: "كان لهم" صفة لقوله"الواجب".
(٢) انظر هذا القول فيما سلف قريبًا ص: ٣٣٨.
(٣) حديث توبة أبي لبابة بن المنذر، وانخلاعه من ماله في المسند ٣: ٤٥٢، ٥٠٢ قال، لما تاب الله عليه في أمر غزوة بني قريظة (انظر سيرة ابن هشام ٣: ٢٤٧، ٢٤٨) يا رسول الله إن من توبتي أن أهجر دار قومي، وأن أنخلع من مالي صدقة لله ولرسوله؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يجزئ عنك الثلث.
وأما خبر كعب بن مالك، فهو خبر الثلاثة الذين خلفوا (رواه البخاري في غزوة بني قريظة ٦: ٧)، فلما تاب الله عليه قال: إن من توبتي أن أنخلع من مالي صدقة إلى رسوله! فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك.
محمدًا ﷺ عما فيه له رضًا. فهو أدبٌ من الله لجميع خلقه على ما أدَّبهم به في الصدقات غير المفروضات ثابتُ الحكم، غيرُ ناسخ لحكم كان قبله بخلافه، ولا منسوخ بحكم حدث بعده. فلا ينبغي لذي ورع ودين أن يتجاوز في صدقات التطوعَ وهباته وعطايا النفل وصدقته، ما أدَّبهم به نبيه ﷺ بقوله:"إذا كان عند أحدكم فضل فليبدأ بنفسه، ثم بأهله، ثم بولده"، ثم يسلك حينئذ في الفضل مسالكه التي ترضي الله ويحبها. وذلك هو"القَوام" بين الإسراف والإقتار، الذي ذكره الله عز وجل في كتابه = إن شاء الله تعالى.
* * *
ويقال لمن زعم أن ذلك منسوخ: ما الدلالة على نسخه، وقد أجمع الجميعُ لا خلاف بينهم: على أن للرجل أن ينفق من ماله صدقةً وهِبهً ووصيةً، الثلثَ؟ فما الذي دل على أن ذلك منسوخ؟
فإن زعم أنه يعني بقوله:"إنه منسوخ"، أنّ إخراج العفو من المال غير لازم فرضًا، وإن فرض ذلك ساقطٌ بوجود الزكاة في المال =
= قيل له: وما الدليل على أن إخراج العفو كان فرضًا فأسقطه فرضُ الزكاة، ولا دلالة في الآية على أن ذلك كان فرضًا، إذ لم يكن أمرٌ من الله عز ذكره، بل فيها الدلالة على أنها جوابُ ما سأل عنه القوم على وَجه التعرف لما فيه لله الرضا من الصدقات؟
ولا سبيل لمدَّعي ذلك إلى دلالة توجب صحة ما ادَّعى.
* * *
قال أبو جعفر: وأما القرأة فإنهم اختلفوا في قراءة"العفو". فقرأته عامة قرأة الحجاز وقرأة الحرمين وعُظم قرأة الكوفيين:" قل العفو" نصبًا. وقرأه بعض قرأة البصريين:"قل العفو" رفعًا.
فمن قرأه نصبًا جعل"ماذا" حرفًا واحدًا، ونصبه بقوله:" ينفقون"، على ما قد بيَّنت قبل
- (١) ثم نصب"العفو" على ذلك. فيكون معنى الكلام حينئذ: ويسألونك أيّ شيء ينفقون؟
ومن قرأ رفعًا جعل"ما" من صلة"ذا"، ورفعوا"العفو". فيكون معنى الكلام حينئذ: ما الذي ينفقون؟ قل: الذي ينفقون، العفو.
ولو نصب"العفو"، ثم جعل"ماذا" حرفين، بمعنى: يسألونك ماذا ينفقون؟ قل: ينفقون العفو = ورفع الذين جعلوا"ماذا" حرفًا واحدًا، بمعنى: ما ينفقون؟ قل: الذي ينفقون، خبرًا = (٢) كان صوابًا صحيحًا في العربية.
وبأي القراءتين قرئ ذلك، فهو عندي صواب، (٣) لتقارب معنييهما، مع استفاضة القراءة بكل واحدة منهما. غير أن أعجبَ القراءتين إليّ، وإن كان الأمر كذلك، قراءةُ من قرأه بالنصب، لأن من قرأ به من القرأة أكثر، وهو أعرف وأشهرُ.
* * *

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (٢١٩) فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ﴾


قال أبو جعفر: يعني بقوله عز ذكره:" كذلك يُبين الله لكم الآيات"، هكذا يبين = أي: ما بينت لكم أعلامي وحُججي - وهي"آياته" - في هذه السورة، وعرَّفتكم فيها ما فيه خلاصكم من عقابي، وبينت لكم حدودي وفرائضي، ونبَّهتكم فيها على الأدلة على وحدانيتي، ثم على حُجج رسولي إليكم، فأرشدتكم إلى ظهور
(١) انظر ما سلف في هذا الجزء: ٢٩٢، ٢٩٣.
(٢) يعني: ورفعوه على أنه خبر"الذي ينفقون".
(٣) في المطبوعة: "قرئ ذلك عندي صواب" والصواب زيادة"فهو"، أو يقول: "كان عندي صوابا"..
الهدى = فكذلك أبين لكم في سائر كتابي الذي أنزلته على نبيِّي محمد ﷺ آياتي وحُججي وأوضحها لكم، لتتفكروا في وعدي ووعيدي، وثوابي وعقابي، فتختاروا طاعتي التي تنالون بها ثوابي في الدار الآخرة، والفوز بنعيم الأبد، (١) على القليل من اللذات واليسير من الشهوات، بركوب معصيتي في الدنيا الفانية، التي من ركبها كان معاده إليّ، ومصيره إلى ما لا قِبَل له به من عقابي وعذابي.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك:
٤١٧٨ - حدثنا علي بن داود قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثني معاوية بن صالح، عن علي، عن ابن عباس:" كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تتفكرون في الدنيا والآخرة"، قال: يعني في زوال الدنيا وفنائها، وإقبال الآخرة وبقائها.
٤١٧٩ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله:" لعلكم تتفكرون في الدنيا والآخرة"، قال يقول: لعلكم تتفكرون في الدنيا والآخرة، فتعرفون فضل الآخرة على الدنيا.
٤١٨٠ - حدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قال: قوله:" كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تتفكرون في الدنيا والآخرة"، قال: أما الدنيا، فتعلمون أنها دار بلاء ثم فناء، والآخرة دارُ جزاء ثم بقاء، فتتفكرون فتعملون للباقية منهما = قال: وسمعت أبا عاصم يذكر نحو هذا أيضًا.
٤١٨١ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة
(١) في المطبوعة: "فتجاوزوا طاعتي... " وهو خطأ، والصواب ما أثبت. يقال: "اخترت فلانًا على فلان"، بمعنى آثرته عليه. وعدي"الاختيار" بقوله"على" لتضمنها معنى: "فضلت".
قوله: " كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تتفكرون في الدنيا والآخرة"، وأنه من تفكر فيهما عرف فضل إحداهما على الأخرى، وعرف أن الدنيا دار بلاء ثم دار فناء، وأن الآخرة دار جزاء ثم دار بقاء، فكونوا ممن يَصْرم حاجة الدنيا لحاجة الآخرة.
* * *

تفسير القرآن العظيم — ابن كثير

عن الكتاب
قال الإمام أحمد : حدثنا خلف بن الوليد، حدثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن أبي ميسرة، عن عمر أنَّه قال : لما نزل تحريم الخمر قال : اللهم بَيِّن لنا في الخمر بيانًا شافيًا. فنزلت هذه الآية التي في البقرة :﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ [ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ ](١) فدُعي عمر فقرئتْ عليه، فقال : اللهم بين لنا في الخمر بيانًا شافيًا. فنزلت الآية التي في النساء :﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ [النساء: ٤٣]، فكان منادي رسول الله ﷺ إذا أقام الصلاة نادى : ألا يقربنّ الصلاة سكرانُ. فدُعي عمر فقرئت عليه، فقال : اللهم بين لنا في الخمر بيانًا شافيًا. فنزلت الآية التي في المائدة. فدعي عمر، فقرئت عليه، فلما بلغ :﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [المائدة: ٩١] ؟ قال عمر : انتهينا، انتهينا(٢).
وهكذا رواه أبو داود، والترمذي، والنسائي من طرق، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق(٣). وكذا رواه ابن أبي حاتم وابن مَرْدويه من طريق الثوري، عن أبي إسحاق، عن أبي ميسرة، واسمه عمرو بن شُرَحْبِيل الهَمْداني الكوفي، عن عمر. وليس له عنه سواه، لكن قال أبو زُرْعَة : لم يسمع منه. والله أعلم. وقال علي بن المديني : هذا إسناد صالح وصحّحه الترمذي. وزاد ابن أبي حاتم - بعد قوله : انتهينا - : إنها تذهب المال وتذهب العقل. وسيأتي هذا الحديث أيضا مع ما رواه أحمد من طريق أبي هريرة أيضًا(٤) - عند قوله في سورة المائدة :﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأنْصَابُ وَالأزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة: ٩٠] الآيات.
فقوله :﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ﴾ أما الخمر فكما قال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب : إنه كل ما خامر العقل. كما سيأتي بيانُه في سورة المائدة، وكذا الميسر، وهو القمار.
وقوله :﴿قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ أما إثمهما فهو في الدين، وأما المنافع فدنيوية، من حيث إن(٥) فيها نفع البدن، وتهضيم الطعام، وإخراجَ الفضلات، وتشحيذ بعض الأذهان، ولذّة الشدّة المطربة التي فيها، كما قال حسان بن ثابت في جاهليته :
ونشربها فتتركنا ملوكًاوأسْدًا لا يُنَهْنهها اللقاءُ
وكذا بيعها والانتفاع بثمنها. وما كان يُقَمِّشه بعضهم من الميسر فينفقه على نفسه أو عياله. ولكن هذه المصالح لا توازي مضرّته ومفسدته الراجحة، لتعلقها بالعقل والدين، ولهذا قال :﴿وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾ ؛ ولهذا كانت هذه الآية ممهدة لتحريم الخمر على البتات، ولم تكن مصرحة بل معرضة ؛ ولهذا قال عمر، رضي الله عنه، لما قرئت عليه : اللهم بَين لنا في الخمر بيانًا شافيًا، حتى نزل التصريح بتحريمها في سورة المائدة :﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأنْصَابُ وَالأزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [المائدة: ٩٠، ٩١] وسيأتي الكلام على ذلك في سورة المائدة إن شاء الله، وبه الثقة.
قال ابن عمر، والشعبي، ومجاهد، وقتادة، والرّبيع بن أنس، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم : هذه(٦) أوّل آية نزلت في الخمر :﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ [ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ ](٧) ثم نزلت الآية التي في سورة النساء، ثم التي في المائدة، فحرمت الخمر(٨).
وقوله :﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ﴾ قُرئ بالنصب وبالرفع (٩) وكلاهما حسن متَّجَه قريب.
قال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي، حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا أبان، حدثنا يحيى أنه بلغه : أنّ معاذ بن جبل وثعلبة أتيا رسول الله ﷺ فقالا يا رسول الله، إن لنا أرقاء وأهلين [ فما ننفق ](١٠) من أموالنا. فأنزل الله :﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ﴾(١١).
وقال الحكم، عن مِقْسَم، عن ابن عباس :﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ﴾ قال : ما يفضل عن أهلك.
وكذا روي عن ابن عمر، ومجاهد، وعطاء، وعكرمة، وسعيد بن جبير، ومحمد بن كعب، والحسن، وقتادة، والقاسم، وسالم، وعطاء الخراساني، والربيع بن أنس، وغير واحد : أنهم قالوا في قوله :﴿قُلِ الْعَفْوَ﴾ يعني الفضل.
وعن طاوس : اليسير من كل شيء، وعن الربيع أيضًا : أفضل مالك، وأطيبه. والكل يرجع إلى الفضل.
وقال عبد بن حميد في تفسيره : حدثنا هوذة بن خليفة، عن عوف، عن الحسن :﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ﴾ قال : ذلك ألا تجهد مالك ثم تقعد تسأل الناس.
ويدل على ذلك ما رواه ابنُ جرير : حدثنا علي بن مسلم، حدثنا أبو عاصم، عن ابن عَجْلان، عن المَقْبُريّ، عن أبي هريرة قال : قال رجل : يا رسول الله، عندي دينار ؟ قال :" أنفقه على نفسك ". قال : عندي آخر ؟ قال :" أنفقه على أهلك ". قال : عندي آخر ؟ قال :" أنفقه على ولدك ". قال : عندي آخر ؟ قال :" فأنت أبصَرُ ".
وقد رواه مسلم في صحيحه(١٢). وأخرج مسلم أيضًا عن جابر : أن رسول الله ﷺ قال لرجل :" ابدأ بنفسك فتصدّق عليها، فإن فَضَل شيء فلأهلك، فإن فضل شيء عن أهلك فلذي قرابتك، فإن فضل عن ذي قرابتك شيء فهكذا وهكذا " (١٣).
وعنده عن أبي هريرة، رضي الله عنه، قال : قال رسول الله ﷺ :" خير الصدقة ما كان عن ظَهْر غنى، واليد العليا خير من اليد السفلى، وابدأ بمن تعول " (١٤).
وفي الحديث أيضًا :" ابن آدم، إنك إن تبذُل الفضلَ خيرٌ لك، وإن تمسكه شر لك، ولا تُلام على كَفَافٍ " (١٥).
ثم قد قيل : إنها منسوخة بآية الزكاة، كما رواه علي بن أبي طلحة، والعوفي عن ابن عباس، وقاله عطاء الخراساني والسدي، وقيل : مبينة بآية الزكاة، قاله مجاهد وغيره، وهو أوجه.
وقوله :﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ * فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ﴾ أي : كما فصَّل لكم هذه الأحكام وبينَها وأوضحها، كذلك يبين لكم سائر الآيات في أحكامه ووعده، ووعيده، لعلكم تتفكرون في الدنيا والآخرة.
قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس : يعني في زوال الدنيا وفنائها، وإقبال الآخرة وبقائها.
وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي، حدثنا علي بن محمد الطَّنَافسي، حدثنا أبو أسامة، عن الصعَّق العيشي(١٦) قال : شهدت الحسن –
وقرأ هذه الآية من البقرة :﴿لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ * فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ﴾ قال : هي والله لمن تفكر فيها، ليعلم أن الدنيا دار بلاء، ثم دار فناء، وليعلم أن الآخرة دار جزاء، ثم دار بقاء.
وهكذا قال قتادة، وابن جُرَيْج، وغيرهما.
وقال عبد الرزاق عن مَعْمَر، عن قتادة : لتعلموا فضل الآخرة على الدنيا. وفي رواية عن قتادة : فآثرُوا الآخرة على الأولى.
[ وقد ذكرنا عند قوله تعالى في سورة آل عمران :﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لأولِي الألْبَابِ﴾ [آل عمران: ١٩٠] آثارًا كثيرة عن السلف في معنى التفكر والاعتبار ](١٧).
١ زيادة من جـ..
٢ المسند (١/٥٣)..
٣ سنن أبي داود برقم (٣٦٧٠) وسنن الترمذي برقم (٣٠٤٩) وسنن النسائي (٨/٢٨٦)..
٤ في جـ: "عنه"..
٥ في و: "إن كان فيها"..
٦ في أ: "هذا"..
٧ زيادة من جـ..
٨ في أ: "فحرمت الخمر فلله الحمد"..
٩ في جـ: "بالرفع والنصب"..
١٠ زيادة من أ..
١١ وهذا منقطع، فإن يحيى بن سعيد بينه وبين معاذ قرن من الزمان..
١٢ تفسير الطبري (٤/٣٤٠)، وأما قول الحافظ بأنه في صحيح مسلم، فقد قال الشيخ أحمد شاكر - رحمه الله -: "وهم - رحمه الله - فإن الحديث ليس في صحيح مسلم على اليقين بعد طول التتبع مني ومن أخي السيد محمود". قلت: لم يذكره المزي في تحفة الأشراف معزوا لمسلم، وإنما عزاه لأبي داود وغيره..
١٣ صحيح مسلم برقم (٩٩٧)..
١٤ هو في صحيح البخاري برقم (١٤٢٨) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، وهو في صحيح مسلم برقم (١٠٣٤) من حديث حكيم بن حزام رضي الله عنه..
١٥ رواه مسلم في صحيحه برقم (١٠٣٦) من حديث أبي أمامة رضي الله عنه..
١٦ في جـ، أ، و: "التميمي"..
١٧ زيادة من جـ..
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
الدَّمَ، وَأَخَذُوا فِيهِ الْمَالَ، وَأَسَرُوا فِيهِ الرِّجَالَ. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: هِيَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَحْشٍ:
تَعُدّون قَتْلا فِي الْحَرَامِ عَظِيمَةً... وَأَعْظَمُ مِنْهُ لَوْ يَرى الرُّشْدَ رَاشِدُ...
صدودُكمُ عَمَّا يَقُولُ مُحَمَّدٌ... وَكُفْرٌ بِهِ وَاللَّهُ راءٍ وشاهدُ...
وإخراجُكمْ مِنْ مَسْجِدِ اللَّهِ أهلَه... لِئَلَّا يُرَى لِلَّهِ فِي الْبَيْتِ ساجدُ...
فإنَّا وَإِنْ عَيَّرْتمونا بِقَتْلِهِ... وَأَرْجَفَ بِالْإِسْلَامِ باغٍ وحاسدُ...
سَقَيَنْا مِنَ ابْنِ الْحَضْرَمِيِّ رماحَنَا... بنخلةَ لمَّا أوقَدَ الحربَ واقدُ...
دَمًا وابنُ عَبْدِ اللَّهِ عثمانُ بَيْنَنَا... يُنَازِعُهُ غُلٌّ مِنَ الْقَدِّ عاندُ...
﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (٢١٩)﴾

تيسير الكريم الرحمن — السعدي

عن الكتاب
ثم قال تعالى :﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ * فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾
أي : يسألك - يا أيها الرسول - المؤمنون عن أحكام الخمر والميسر، وقد كانا مستعملين في الجاهلية وأول الإسلام، فكأنه وقع فيهما إشكال، فلهذا سألوا عن حكمهما، فأمر الله تعالى نبيه، أن يبين لهم منافعهما ومضارهما، ليكون ذلك مقدمة لتحريمهما، وتحتيم تركهما.
فأخبر أن إثمهما ومضارهما، وما يصدر منهما من ذهاب العقل والمال، والصد عن ذكر الله، وعن الصلاة، والعداوة، والبغضاء - أكبر مما يظنونه من نفعهما، من كسب المال بالتجارة بالخمر، وتحصيله بالقمار والطرب للنفوس، عند تعاطيهما، وكان هذا البيان زاجرا للنفوس عنهما، لأن العاقل يرجح ما ترجحت مصلحته، ويجتنب ما ترجحت مضرته، ولكن لما كانوا قد ألفوهما، وصعب التحتيم بتركهما أول وهلة، قدم هذه الآية، مقدمة للتحريم، الذي ذكره في قوله :﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾ إلى قوله :﴿مُنْتَهُونَ﴾ وهذا من لطفه ورحمته وحكمته، ولهذا لما نزلت، قال عمر رضي الله عنه : انتهينا انتهينا.
فأما الخمر : فهو كل مسكر خامر العقل وغطاه، من أي نوع كان، وأما الميسر : فهو كل المغالبات التي يكون فيها عوض من الطرفين، من النرد، والشطرنج، وكل مغالبة قولية أو فعلية، بعوض(١)  سوى مسابقة الخيل، والإبل، والسهام، فإنها مباحة، لكونها معينة على الجهاد، فلهذا رخص فيها الشارع.
﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾
وهذا سؤال عن مقدار ما ينفقونه من أموالهم، فيسر الله لهم الأمر، وأمرهم أن ينفقوا العفو، وهو المتيسر من أموالهم، الذي لا تتعلق به حاجتهم وضرورتهم، وهذا يرجع إلى كل أحد بحسبه، من غني وفقير ومتوسط، كل له قدرة على إنفاق ما عفا من ماله، ولو شق تمرة.
ولهذا أمر الله رسوله ﷺ، أن يأخذ العفو من أخلاق الناس وصدقاتهم، ولا يكلفهم ما يشق عليهم. ذلك بأن الله تعالى لم يأمرنا بما أمرنا به حاجة منه لنا، أو تكليفا لنا [ بما يشق ](٢)  بل أمرنا بما فيه سعادتنا، وما يسهل علينا، وما به النفع لنا ولإخواننا فيستحق على ذلك أتم الحمد.
١ - زيادتان في ب بخط مغاير..
٢ - في أ: لمع..
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
{٢١٩} ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾.
أي: يسألك - يا أيها الرسول - المؤمنون عن أحكام الخمر والميسر، وقد كانا مستعملين في الجاهلية وأول الإسلام، فكأنه وقع فيهما إشكال، فلهذا سألوا عن حكمهما، فأمر الله تعالى نبيه، أن يبين لهم منافعهما ومضارهما، ليكون ذلك مقدمة لتحريمهما، وتحتيم تركهما.
فأخبر أن إثمهما ومضارهما، وما يصدر منهما من ذهاب العقل والمال، والصد عن ذكر الله، وعن الصلاة، والعداوة، والبغضاء - أكبر مما يظنونه من نفعهما، من كسب المال بالتجارة بالخمر، وتحصيله بالقمار والطرب للنفوس، عند تعاطيهما، وكان هذا البيان زاجرا للنفوس عنهما، لأن العاقل يرجح ما ترجحت مصلحته، ويجتنب ما ترجحت مضرته، ولكن لما كانوا قد ألفوهما، وصعب التحتيم بتركهما أول وهلة، قدم هذه الآية، مقدمة للتحريم، الذي ذكره في قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأنْصَابُ وَالأزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾ إلى قوله: ﴿مُنْتَهُونَ﴾ وهذا من لطفه ورحمته وحكمته، ولهذا لما نزلت، قال عمر رضي الله عنه: انتهينا انتهينا.
فأما الخمر: فهو كل مسكر خامر العقل وغطاه، من أي نوع كان، وأما الميسر: فهو كل المغالبات التي يكون فيها عوض من الطرفين، من النرد، والشطرنج، وكل مغالبة قولية أو فعلية، بعوض (١) سوى مسابقة الخيل، والإبل، والسهام، فإنها مباحة، لكونها معينة على الجهاد، فلهذا رخص فيها الشارع.
(١) زيادتان في ب بخط مغاير.

{٢١٩ - ٢٢٠} ﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ * فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ﴾.
وهذا سؤال عن مقدار ما ينفقونه من أموالهم، فيسر الله لهم الأمر، وأمرهم أن ينفقوا العفو، وهو المتيسر من أموالهم، الذي لا تتعلق به حاجتهم وضرورتهم، وهذا يرجع إلى -[٩٩]- كل أحد بحسبه، من غني وفقير ومتوسط، كل له قدرة على إنفاق ما عفا من ماله، ولو شق تمرة.
ولهذا أمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم، أن يأخذ العفو من أخلاق الناس وصدقاتهم، ولا يكلفهم ما يشق عليهم. ذلك بأن الله تعالى لم يأمرنا بما أمرنا به حاجة منه لنا، أو تكليفا لنا [بما يشق] (١) بل أمرنا بما فيه سعادتنا، وما يسهل علينا، وما به النفع لنا ولإخواننا فيستحق على ذلك أتم الحمد.
ولما بيّن تعالى هذا البيان الشافي، وأطلع العباد على أسرار شرعه قال: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآيَاتِ﴾ أي: الدالات على الحق، المحصلات للعلم النافع والفرقان، ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ﴾ أي: لكي تستعملوا أفكاركم في أسرار شرعه، وتعرفوا أن أوامره، فيها مصالح الدنيا والآخرة، وأيضا لكي تتفكروا في الدنيا وسرعة انقضائها، فترفضوها وفي الآخرة وبقائها، وأنها دار الجزاء فتعمروها.
(١) في أ: لمع.
جميع كتب التفسير لهذه الآية (١٢٨ كتابًا)
جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري تفسير القرآن العظيم — ابن كثير تفسير القرآن العظيم — ابن كثير تيسير الكريم الرحمن — السعدي أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — الشنقيطي - أضواء البيان تيسير العلي القدير لاختصار تفسير ابن كثير — محمد نسيب الرفاعي أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير — أبو بكر الجزائري التفسير الميسر — مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور — حكمت بشير ياسين المختصر في تفسير القرآن الكريم — مركز تفسير للدراسات القرآنية تفسير مجاهد — مجاهد بن جبر غريب القرآن — زيد بن علي تفسير مقاتل بن سليمان — مقاتل بن سليمان تفسير الإمام مالك — مالك بن أنس معاني القرآن — الفراء معاني القرآن للفراء — الفراء مجاز القرآن — أبو عبيدة معمر بن المثنى مجاز القرآن — أبو عبيدة تفسير القرآن — الصنعاني معاني القرآن — الأخفش غريب القرآن — ابن قتيبة الدِّينَوري تفسير التستري — سهل التستري معاني القرآن وإعرابه للزجاج — الزجاج تفسير ابن أبي حاتم — ابن أبي حاتم الرازي تأويلات أهل السنة — أبو منصور المَاتُرِيدي أحكام القرآن — الجصاص بحر العلوم — أبو الليث السمرقندي تفسير القرآن العزيز — ابن أبي زَمَنِين الكشف والبيان عن تفسير القرآن — الثعلبي الهداية الى بلوغ النهاية — مكي بن أبي طالب النكت والعيون — الماوردي النكت والعيون — الماوردي تفسير القشيري — القشيري لطائف الإشارات — القشيري التفسير البسيط — الواحدي الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — الواحدي تفسير السمعاني — أبو المظفر السمعاني تفسير الراغب الأصفهاني — الراغب الأصفهاني أحكام القرآن — إلكيا الهراسي معالم التنزيل — البغوي معالم التنزيل — البغوي الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — الزمخشري المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز — ابن عطية أحكام القرآن — ابن العربي إيجاز البيان عن معاني القرآن — بيان الحق النيسابوري أحكام القرآن — ابن الفرس تذكرة الاريب في تفسير الغريب — ابن الجوزي زاد المسير في علم التفسير — ابن الجوزي مفاتيح الغيب — فخر الدين الرازي تفسير العز بن عبد السلام — عز الدين بن عبد السلام جهود القرافي في التفسير — القرافي أنوار التنزيل وأسرار التأويل — البيضاوي مدارك التنزيل وحقائق التأويل — أبو البركات النسفي التسهيل لعلوم التنزيل — ابن جُزَيِّ لباب التأويل في معاني التنزيل — الخازن البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي النهر الماد من البحر المحيط — أبو حيان الأندلسي الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحداد اليمني كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحداد اليمني تفسير ابن عرفة — ابن عرفة تفسير ابن عرفة — ابن عرفة التبيان في تفسير غريب القرآن — ابن الهائم تنوير المقباس من تفسير ابن عباس — الفيروزآبادي غرائب القرآن ورغائب الفرقان — نظام الدين القمي النيسابوري تفسير الجلالين — المَحَلِّي الجواهر الحسان في تفسير القرآن — الثعالبي نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — برهان الدين البقاعي جامع البيان في تفسير القرآن — الإيجي محيي الدين الدر المنثور في التأويل بالمأثور — السُّيوطي الدر المنثور في التأويل بالمأثور — السُّيوطي الصراط المستقيم في تبيان القرآن الكريم — الكَازَرُوني فتح الرحمن بكشف ما يلتبس في القرآن — زكريا الأنصاري فتح الرحمن في تفسير القرآن — مجير الدين العُلَيْمي السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير — الشربيني إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم — أبو السعود روح البيان — إسماعيل حقي التفسير المظهري — المظهري البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — ابن عجيبة البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — ابن عجيبة حاشية الصاوي على تفسير الجلالين — الصاوي فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني فتح البيان في مقاصد القرآن — صديق حسن خان محاسن التأويل — جمال الدين القاسمي روح المعاني — الألوسي تفسير المنار — محمد رشيد رضا تفسير المنار — رشيد رضا تفسير المراغي — أحمد بن مصطفى المراغي تفسير المراغي — المراغي المصحف المفسّر — فريد وجدي التفسير القرآني للقرآن — عبد الكريم يونس الخطيب تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد — ابن عاشور زهرة التفاسير — محمد أبو زهرة زهرة التفاسير — أبو زهرة بيان المعاني — ملا حويش أوضح التفاسير — محمد عبد اللطيف الخطيب إعراب القرآن وبيانه — محيي الدين الدرويش التفسير الحديث — محمد عزة دروزة التفسير الحديث — دروزة تيسير التفسير — إبراهيم القطان تيسير التفسير — إبراهيم القطان صفوة البيان لمعاني القرآن — حسنين مخلوف الموسوعة القرآنية — إبراهيم الإبياري التيسير في أحاديث التفسير — المكي الناصري تفسير الشعراوي — الشعراوي تفسير الشعراوي — الشعراوي تفسير القرآن الكريم — ابن عثيمين تفسير القرآن الكريم — عبد الله محمود شحاتة التفسير الوسيط — محمد سيد طنطاوي التفسير المنير — وهبة الزحيلي التفسير الوسيط — وهبة الزحيلي حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن — محمد الأمين الهرري فتح الرحمن في تفسير القرآن — تعيلب التفسير الشامل — أمير عبد العزيز الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور — بشير ياسين التفسير الميسر — التفسير الميسر المنتخب في تفسير القرآن الكريم — المنتخب أيسر التفاسير — أسعد حومد التفسير الميسر — مجموعة من المؤلفين التفسير الواضح — محمد محمود حجازي المنتخب في تفسير القرآن الكريم — مجموعة من المؤلفين تفسير غريب القرآن - الكواري — كَامِلَة بنت محمد الكَوارِي صفوة التفاسير — محمد علي الصابوني كتاب نزهة القلوب — أبى بكر السجستاني كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحدادي اليمني مختصر تفسير ابن كثير — محمد علي الصابوني معاني الكلمات من كتاب السراج في بيان غريب القرآن — محمد الخضيري

غريب الكلمات ومعانيها

معاني الكلمات الغريبة في الآية

السراج في بيان غريب القرآن
وَالْمَيْسِرِ
القِمَارِ، وَهُوَ أَخْذُ المَالِ، أَوْ إِعْطَاؤُهُ بِطَرِيقِ المُغَالَبَاتِ الَّتِي فِيهَا عِوضٌ مِنَ الطَّرَفَيْنِ.

إعراب الآية ٢١٩ من سورة البقرة

من كتاب: إعراب القرآن

فأمّا قتال فيه بالرفع فغامض في العربية. والمعنى فيه يسألونك عن الشهر الحرام أجائز قتال فيه فقوله: «يسألونك» يدلّ على الاستفهام كما قال: [الطويل] ٤٩-
أصاح ترى برقا أريك وميضهكلمع اليدين في حبي مكلّل «١»
فالمعنى أترى برقا فحذف ألف الاستفهام لأن الألف التي في أصاح بدل منها وتدلّ عليها وإن كانت حرف النداء وكما قال «٢» :[المتقارب] ٥٠-
تروح من الحيّ أم تبتكر
والمعنى: أتروح فحذف الألف لأن أم تدلّ عليها. قُلْ قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ ابتداء وخبر. وَصَدٌّ ابتداء. عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ خفض بعن. وَكُفْرٌ بِهِ عطف على صدّ. وَالْمَسْجِدِ الْحَرامِ عطف على سبيل الله. وَإِخْراجُ أَهْلِهِ مِنْهُ عطف على صدّ وخبر الابتداء. أكرم عند الله ووَ الْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ ابتداء وخبر أي أعظم إثما من القتال في الشهر الحرام، وقيل: في المسجد الحرام عطف على الشهر أي ويسألونك عن المسجد فقال تعالى وإخراج أهله منه أكبر عند الله وهذا لا وجه له لأن القوم لم يكونوا في شكّ من عظيم ما أتى المشركون إلى المسلمين في إخراجهم من منازلهم بمكة فيحتاجوا إلى المسألة عنه هل كان ذلك لهم، ومع ذلك فإنه قول خارج عن قول العلماء لأنهم أجمعوا أنها نزلت في سبب قتل ابن الحضرمي «٣».

[سورة البقرة (٢) : آية ٢١٨]

إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هاجَرُوا وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢١٨)
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا اسم إن. وَالَّذِينَ هاجَرُوا عطف عليه: أُولئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ ابتداء وخبر في موضع خبر إنّ.

[سورة البقرة (٢) : آية ٢١٩]

يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُما أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِما وَيَسْئَلُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (٢١٩)
يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ هذه قراءة أهل الحرمين وأبي
(١) الشاهد للأسود بن يعفر في ديوانه ص ٥٧، وشرح المفصّل ١/ ٤٦، ولسان العرب (خلد)، و (حجا)، ونوادر أبي زيد ص ١٦٠، ولامرئ القيس في ديوانه ص ٢٤، ولسان العرب (كلل)، وبلا نسبة في الاشتقاق ص ٢٤٤، وإصلاح المنطق ص ٤٠٣، وأمالي ابن الحاجب ص ٣٢٨، وجمهرة اللغة ص ٤٤٢، ٦٥٧، ١٠٣٧.
(٢) مرّ الشاهد رقم (٧). [.....]
(٣) ابن الحضرميّ: هو عمرو بن الحضرمي وهو أول قتيل من المشركين (البحر المحيط ٢/ ١٥٥).
الإعراب الكامل من جميع الكتب مع تحليل الكلمات ←

سبب نزول الآية ٢١٩ من سورة البقرة

من كتاب: أسباب نزول القرآن - الواحدي

قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ﴾ الآية [٢١٩].
نزلت في عمر بن الخطاب، ومُعَاذ بن جبل، ونفر من الأنصار أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: أفتنا في الخمر والميسر فإنهما مَذْهَبَةٌ للعقل مَسْلَبَةٌ للمال، فأنزل الله تعالى هذه الآية.

القراءات في الآية ٢١٩ من سورة البقرة

اختلاف القراء العشرة في كلمات الآية

فِيهِمَآ إِثْمٌ

(فِيهِمَآ إِثمٌ) بكسر الهاء ومد المنفصل 3 حركات

قالون عن نافع الدوري عن أبي عمرو

(فِيهِمَآ إثمٌ) بكسر الهاء ومد المنفصل 4 أو 5 حركات

حفص عن عاصم شعبة عن عاصم

(فِيهِمَآ إِثمٌ) بكسر الهاء ومد المنفصل 4 حركات

الدوري عن الكسائي أبو الحارث عن الكسائي إسحاق عن خلف ابن ذكوان عن ابن عامر هشام عن ابن عامر إدريس عن خلف

(فِيهِمَآ إثمٌ) بكسر الهاء ومد المنفصل 6 حركات

ورش عن نافع خلاد عن حمزة خلف عن حمزة

(فِيهُمَا إِثمٌ) بضم الهاء ومد المنفصل حركتين

رويس عن يعقوب روح عن يعقوب

(فِيهِمَا إِثمٌ) بكسر الهاء ومد المنفصل حركتين

البزي عن ابن كثير الدوري عن أبي عمرو قنبل عن ابن كثير ابن جمّاز عن أبي جعفر السوسي عن أبي عمرو ابن وردان عن أبي جعفر قالون عن نافع

قُلِ الْعَفْوَ

(العفوُ) برفع الواو

الدوري عن أبي عمرو السوسي عن أبي عمرو

(العفوَ) بنصب الواو

الدوري عن الكسائي رويس عن يعقوب خلف عن حمزة ورش عن نافع خلاد عن حمزة روح عن يعقوب أبو الحارث عن الكسائي قالون عن نافع حفص عن عاصم ابن وردان عن أبي جعفر ابن جمّاز عن أبي جعفر قنبل عن ابن كثير البزي عن ابن كثير إسحاق عن خلف ابن ذكوان عن ابن عامر إدريس عن خلف شعبة عن عاصم هشام عن ابن عامر

كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ

(كبير ومنافع) بالباء وترقيق الراء وادغام التنوين في الواو بغنة

ورش عن نافع

(كبير ومنافع) بالباء وتفخيم الراء وادغام التنوين في الواو بغنة

إسحاق عن خلف الدوري عن أبي عمرو رويس عن يعقوب ابن وردان عن أبي جعفر السوسي عن أبي عمرو ابن جمّاز عن أبي جعفر قنبل عن ابن كثير قالون عن نافع هشام عن ابن عامر البزي عن ابن كثير روح عن يعقوب ابن ذكوان عن ابن عامر حفص عن عاصم إدريس عن خلف شعبة عن عاصم

(كثير ومنافع) بالثاء وتفخيم الراء وادغام التنوين في الواو بغنة

أبو الحارث عن الكسائي خلاد عن حمزة الدوري عن الكسائي

(كثير ومنافع) بالثاء وتفخيم الراء وادغام التنوين في الواو بلا غنة

خلف عن حمزة

لِلنَّاسِ

بالإمالة

الدوري عن أبي عمرو

بالفتح

إدريس عن خلف رويس عن يعقوب روح عن يعقوب إسحاق عن خلف ابن جمّاز عن أبي جعفر ابن وردان عن أبي جعفر الدوري عن الكسائي أبو الحارث عن الكسائي خلاد عن حمزة خلف عن حمزة حفص عن عاصم شعبة عن عاصم ابن ذكوان عن ابن عامر هشام عن ابن عامر السوسي عن أبي عمرو قنبل عن ابن كثير البزي عن ابن كثير ورش عن نافع قالون عن نافع
صفحة القراءات الكاملة لهذه الآية ←

عدّ الآي — ترقيم الآية عند مذاهب العدّ

كيف رقّمت مذاهب العدّ الستة هذه الآية

عَدُّ هذه الآية في مذاهبِ العدِّ الستَّة

سورة البقرة، الآيةُ ٢١٩ في العدِّ الكوفيّ

رقمُ الآية في كلِّ عدّ

٢١٩ الكوفيّ والبصريّ المرجِع
٢١٧–٢١٨ المدَنيّ الأوَّل والمكِّيّ
٢١٧ المدَنيّ الأخير
٢١٨ الدِمَشقيّ

مواضعُ الخلافِ في هذه الآية

في أثنائها ﴿ ينفقون

يَعُدُّه رأسَ آية

المدَنيّ الأوَّل المكِّيّ

لا يَعُدُّه رأسَ آية

المدَنيّ الأخير الكوفيّ البصريّ الدِمَشقيّ

﴿ينفقون﴾ في أثناءِ هذه الآية: يَعُدُّه المدَنيّ الأوَّل والمكِّيّ رأسَ آية، فتكونُ عندَه آيتَين، ولا يَعُدُّه المدَنيّ الأخير والكوفيّ والبصريّ والدِمَشقيّ، فهي عندَه آيةٌ واحدة.

مصادرُ التوثيق "البيان في عدّ آي القرآن" (ص 140) "نفائس البيان — شرح الفرائد الحسان" (ص 30) "الفرائد الحسان في عدّ آي القرآن" (ص 30)
عند آخِرِها ﴿ تتفكرون

يَعُدُّه رأسَ آية

المدَنيّ الأخير الكوفيّ الدِمَشقيّ

لا يَعُدُّه رأسَ آية

المدَنيّ الأوَّل المكِّيّ البصريّ

﴿تتفكرون﴾ آخِرُ هذه الآية: يَعُدُّه المدَنيّ الأخير والكوفيّ والدِمَشقيّ رأسَ آية، ولا يَعُدُّه المدَنيّ الأوَّل والمكِّيّ والبصريّ؛ فيَجعَلُها مع ما بعدَها آيةً واحدة.

مصادرُ التوثيق "البيان في عدّ آي القرآن" (ص 140) "نفائس البيان — شرح الفرائد الحسان" (ص 30) "الفرائد الحسان في عدّ آي القرآن" (ص 30)
ما مذاهبُ العدِّ الستَّة؟

مذاهبُ العدِّ الستَّةُ أوجُهٌ مرويَّةٌ في عدِّ آي القرآن الكريم عن أهلِ المدينةِ ومكَّةَ والكوفةِ والبصرةِ والشام، والخلافُ بينها إنَّما هو في مواضعِ الفواصلِ ورؤوسِ الآي، لا في شيءٍ من حروفِ القرآن ولا كلماتِه.

القراءاتُ التي تأخُذُ بكلِّ عدّ

  • الكوفيّ: عاصم (شعبة وحفص) وحمزة (خلف وخلّاد) والكسائي (أبو الحارث والدوري الكسائي) وخلف العاشر (إسحاق وإدريس)
  • المدَنيّ الأخير: نافع (قالون وورش)
  • المدَنيّ الأوَّل: أبو جعفر (عيسى بن وردان وابن جمّاز)
  • المكِّيّ: ابن كثير (البزي وقنبل)
  • البصريّ: أبو عمرو (الدوري والسوسي) ويعقوب (رويس وروح)
  • الدِمَشقيّ: ابن عامر (هشام وابن ذكوان)

والرقمُ المعتمَدُ في الموسوعة هو رقمُ العدِّ الكوفيّ؛ وهو عدُّ مصحفِ المدينةِ النبويَّةِ برواية حَفصٍ عن عاصم.

الموضوعات القرآنية للآية ٢١٩ من سورة البقرة

١١ موضوعًا تتناولها هذه الآية

أقوال المفسرين في الآية — التفسير بالمأثور

١١٣ قولًا من موسوعة التفسير بالمأثور

تفسير

٤٨ قولًا
١
عن عبد الله بن عباس -من طريق علي بن أبي طلحة- قال: ما رأيتُ قومًا كانوا خيرًا من أصحاب رسول الله - ﷺ -؛ ما سألوه إلا عن ثلاث عشرة مسألة حتى قُبِض، كلُّهن في القرآن، منهن: ﴿يسألونك عن الخمر والميسر﴾ [البقرة: ٢١٩]، و﴿يسألونك عن الشهر الحرام﴾ [البقرة: ٢١٧]، و﴿يسالونك عن اليتامى﴾ [البقرة: ٢٢٠]، و﴿يسألونك عن المحيض﴾ [البقرة: ٢٢٢]، و﴿يسألونك عن الأنفال﴾ [الأنفال: ١]، و﴿يسألونك ماذا ينفقون﴾، ما كانوا يسألون إلا عمّا كان ينفعهم١
التخريج
  1. ١أخرجه الدارمي ١/ ٥٠ - ٥١، والبزار -كما في تفسير ابن كثير ١/ ٣٨١ -، والطبراني في المعجم الكبير (١٢٢٨٨)، والثعلبي في تفسيره ٢/ ١٥٥. وعزاه السيوطي إلى ابن المنذر.
٢
عن عبد الله بن عباس -من طريق علي بن أبي طلحة- في قوله: ﴿كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تتفكرون في الدنيا والآخرة﴾، يعني: في زَوالِ الدنيا وفَنائِها، وإقْبالِ الآخرة وبَقائِها١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٣‏/‏٦٩٧، وابن أبي حاتم ٢‏/‏٣٩٤، وأبو الشيخ في العَظَمَة (٢٥). وعزاه السيوطي إلى ابن المنذر.
٣
عن الصَّعِقِ بن حَزْنٍ التَّمِيميِّ، قال: شهِدتُ الحسنَ وقرأ هذه الآية من البقرة: ﴿لعلكم تتفكرون في الدنيا والآخرة﴾، قال: هي والله لِمَن تفَكَّرَ فيها، لَيَعْلَمَنَّ أنّ الدنيا دارُ بلاء، ثم دارُ فَناء، وليَعْلَمَنَّ أنّ الآخرةَ دارُ جَزاء، ثم دارُ بقاء١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ٢‏/‏٣٩٤. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد.
٤
عن قتادة بن دِعامة -من طريق مَعْمَر- في قوله: ﴿لعلكم تتفكرون في الدنيا والآخرة﴾، قال: لِتَعْلَموا فضلَ الآخرةِ على الدنيا١
التخريج
  1. ١أخرجه عبد الرزاق ١‏/‏٨٨، وابن جرير ٣‏/‏٦٩٧، وابن أبي حاتم ٢‏/‏٣٩٤.
٥
عن قتادة بن دِعامة -من طريق سعيد- في الآية، قال: مَن تَفَكَّر في الدنيا والآخرة عَرَف فَضْلَ إحداهما على الأخرى؛ عَرَف أنّ الدنيا دارُ بلاء، ثم دارُ فناء، وأنّ الآخرةَ دارُ بقاء، ثم دارُ جزاء، فكونوا مِمَّن يَصْرِمُ١ حاجةَ الدنيا لحاجةِ الآخرة٢
التخريج
  1. ١يَصْرِمُ: يقْطَعُ. لسان العرب (صرم).
  2. ٢أخرجه ابن جرير ٣‏/‏٦٩٨. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد. وذكر يحيى بن سلام -كما في تفسير ابن أبي زمنين ١‏/‏٢٢٠- نحوه.
٦
قال مقاتل بن سليمان: ﴿كَذلِكَ﴾ يعظكم هكذا ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآياتِ﴾ يعني: أمر الصدقات؛ ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ﴾ يقول: لكي تتفكروا في أمر الدنيا؛ فتقولون: هي دارُ بلاء، وهي دارُ فَناء. ثُمَّ تتفكروا في الآخرة؛ فتعرِفُون فضلَها، فتقولون: هي دارُ خير، ودارُ بقاء. فتعملون لها في أيام حياتكم، فهذا التفكر فيهما١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ١‏/‏١٨٣.
٧
عن عبد الملك ابن جُرَيْج -من طريق حَجّاج- قال: قوله: ﴿كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تتفكرون في الدنيا والآخرة﴾، قال: أمّا الدنيا فتعلمون أنها دارُ بلاء ثم فناء، والآخرة دارُ جزاء ثم بقاء، فتَتَفَكَّرُون؛ فتعملون للباقية منهما١٢
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٣‏/‏٦٩٨. وجاء عقِبه: قال: وسمعتُ أبا عاصم يذكر نحو هذا أيضًا.
تعليقات المحققين
  1. ٢ذكَر ابنُ عطية (١/٥٣٥-٥٣٦) أن قوله: ﴿في الدنيا﴾ متعلِّق على هذا القول بـ﴿تتفكرون﴾. وذكر أنّ مكيًّا قال بأن المعنى: يُبَيِّن للمؤمنين آيات في الدنيا والآخرة تدُلُّ عليهما، وعلى مَنزَلَتَيْهِما، لعلهم يتفكرون في تلك الآيات، وعلَّق عليه بقوله: «فقوله: ﴿في الدنيا﴾ متعلِّق -على هذا التأويل- بالآيات».
٨
عن عبد الله بن عباس -من طريق علي بن أبي طلحة- في قوله: ﴿وإثْمُهُما أكْبَرُ مِن نَفْعِهِما﴾، يقول: ما يُذِهِبُ من الدين، والإثمُ فيه أكبرُ مما يُصِيبُون من فرحتها، ولذَّتها١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ٢‏/‏٣٩٢ (٢٠٦٦).
٩
عن عبد الله بن عباس -من طريق العوفي- في قوله: ﴿قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس﴾، قال: منافعُهما قبلَ التحريم، وإثمُهما بعدَ ما حُرِّما١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٣‏/‏٦٧٩، وابن أبي حاتم ٢‏/‏٣٩٢. وعزاه السيوطي إلى ابن المنذر.
١٠
عن الضحاك بن مُزاحِم -من طريق عبيد بن سليمان- في قوله: ﴿وإثمهما أكبرُ من نفعهما﴾، قال: إثمهما بعد التحريم أكبرُ من نفعهما قبل التحريم١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٣‏/‏٦٨٠.
١١
عن الربيع بن أنس -من طريق أبي جعفر-: ﴿ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما﴾، يُنَزِّل المنافعَ قبل التحريم، والإثم بعد ما حرِّم١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٣‏/‏٦٧٩.
١٢
قال مقاتل بن سليمان:... فلَمّا حرَّمهما الله عز وجل قال: ﴿وإثْمُهُما﴾ بعد التحريم ﴿أكْبَرُ مِن نَفْعِهِما﴾ قبل التحريم، وأنزل الله عز وجل تحريمهما بعد هذه الآية بسنة١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ١‏/‏١٨٨.
١٣
عن مقاتل بن حَيّان -من طريق بُكَيْر بن معروف- قوله: ﴿واثمهما أكبر من نفعهما﴾، يقول: إثمهما اليوم بعد التحريم أكبرُ من منفعتهما قبل التحريم١٢
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ٢‏/‏٣٩٣ (٢٠٦٧).
تعليقات المحققين
  1. ٢رَجَّح ابنُ جرير (٣/٦٨٠) هذا القول، وأنّ المراد بالإثم في هذه الآية: ما يَحْدُثُ من اقتتال وشرور بسبب تعاطي الخمر والميسر، مستندًا إلى أحوال النزول، فقال: «وإنّما اخترنا ما قلنا في ذلك من التأويل؛ لتواتر الأخبار وتظاهرها بأنّ هذه الآية نزلت قبل تحريم الخمر والميسر، فكان معلومًا بذلك أنّ الإثم الذي ذكره الله في هذه الآية فأضافه إليهما إنّما عنى به: الإثم الذي يحدث عن أسبابهما على ما وصفنا، لا الإثم بعد التحريم».
١٤
عن قتادة بن دِعامة -من طريق مَعْمَر- قال: والميسر: القِمار١
التخريج
  1. ١أخرجه عبد الرزاق ١‏/‏٨٨. وعلَّقه ابن أبي حاتم ٢‏/‏٣٨٨ (عقب ٢٠٤٢).
١٥
قال مَكْحُول -من طريق سعيد بن عبد العزيز-: الميسر: القمار١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٣‏/‏٦٧٤.
١٦
عن محمد بن كعب القُرَظِيِّ، في الميسر، قال: كانوا يشترون الجَزُور، فيجعلونها أجزاءً، ثم يأخذون القِداحَ فيُلْقونها، ويُنادى: يا ياسِرَ١ الجَزُور، يا ياسِرَ الجَزُور. فمن خَرَج قِدْحُه أخذ جُزْءًا بغيرِ شيءٍ، ومَن لم يَخرُجْ قِدْحُه غَرِم ولم يأخُذ شيئًا٢
التخريج
  1. ١الياسِرُ: الجازِرُ الذي يلي قسمة جزور الميسر. لسان العرب (يسر).
  2. ٢عزاه السيوطي إلى ابن المنذر.
١٧
عن أبي الأَعْرَج -من طريق ابن شهاب- قال: الميسر: الضرب بالقِدْح على الأموال والثمار١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ٤‏/‏١١٩٧. وسيأتي مزيد تفصيل عن الميسر، وتحريمه، عند آية سورة المائدة [٩٠]: ﴿إنما الخمر والميسر﴾ الآية.
١٨
قال مقاتل بن سليمان: ﴿يسْئَلُونَكَ عَنِ الخَمْرِ والمَيْسِرِ﴾، يعني: القمار.... وذلك أنّ الرجل كان يقول في الجاهِلِيَّة: أين أصحاب الجَزُور؟ فيقوم نفر، فيشترون الجَزور، فيجعلون لكل رجل منهم [سهمًا]، ثُمَّ يُقْرِعون، فمَن خرج سهمُه يَبْرَأُ من الثمن، حتّى يبقى آخرُهم رَجُلًا، فيكون ثمن الجَزُور كله عليه وحده، ولا حَقَّ له في الجَزُور، ويقتسم الجزورَ بقيتُّهم بينهم. فذلك المَيْسِر، ... وإنما سُمِّي الميسر لأنهم قالوا: يَسِّرُوا لنا ثَمَنَ الجَزُور. يقول الرجل: أفعل كذا وكذا١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ١‏/‏١٨٨.
١٩
عن عبد الله بن وهب، قال: سألتُ مالكًا عن الميسِر: ما هو؟ قال: كلُّ ما قُومِر عليه فهو حرام١
التخريج
  1. ١أخرجه عبد الله بن وهب في الجامع - تفسير القرآن ٢‏/‏١٣٩ (٢٨١).
٢٠
عن عبد الله بن عباس -من طريق علي بن أبي طلحة- في قوله: ﴿قل فيهما إثم كبير﴾، يعني: ما يَنقُصُ مِن الدِّين عند شُرْبِها١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٣‏/‏٦٧٦، وابن أبي حاتم ٢‏/‏٣٩١. وعزاه السيوطي إلى ابن المنذر.
٢١
عن سعيد بن جبير -من طريق عطاء بن دينار- قال الله: ﴿فيهما إثم كبير﴾؛ لأنّ في شُرْب الخمر والقِمار تَرْكُ الصلاة، وتَرْكُ ذِكْرِ الله١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ٢‏/‏٣٩١ (٢٠٦٠).
٢٢
عن مجاهد بن جبر -من طريق ابن أبي نجيح- في قوله: ﴿قُلْ فِيهِما إثْمٌ كَبِيرٌ﴾، قال: هذا أوَّلُ ما عِيبَت به الخمرُ١
التخريج
  1. ١تفسير مجاهد ص٢٣٢، وأخرجه ابن جرير ٣‏/‏٦٧٦، ٦٨٥. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد.
٢٣
عن إسماعيل السدي -من طريق أسباط- أمّا قوله: ﴿فيهما إثمٌ كبير﴾ فإثْمُ الخمرِ: أنّ الرجل يشرب فيسكر؛ فيؤذي الناس. وإثمُ الميسِر: أن يُقامِر الرجلُ؛ فيمنعَ الحق، ويظلم١٢. (ز)
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٣‏/‏٦٧٥.
تعليقات المحققين
  1. ٢بيَّنَ ابنُ جرير (٣/٦٧٦) أنّ قول ابن عباس في تأويل «الإثم الكبير» أولى من قول السدي، فقال: «والذي هو أوْلى بتأويل الآية بالإثم الكبير الذي ذكر الله -جلَّ ثناؤُه- أنّه في الخمر والميسر مِمّا قاله السديُّ: زوالُ عقلِ شارب الخمر إذا سَكِر من شُرْبِه إيّاها حتى يَعْزِب عنه معرفةُ ربه، وذلك أعظم الآثام. وذلك معنى قول ابن عباس -إن شاء الله-، وأمّا في الميسِر فما فيه من الشُّغل به عن ذكر الله، وعن الصلاة، ووقوع العداوة والبغضاء بين المتياسرين بسببه، كما وصف ذلك به ربُّنا -جل ثناؤه- بقوله: ﴿إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة﴾ [المائدة:٩١]». وذكَر ابنُ عطية (١/٥٣٣) أن قوله: ﴿فيهما إثم﴾ يحتمل احتمالين: الأوَّل: أن يُراد في استعمالهما بعد النهي. الثاني: خِلالُ السُّوء التي فيها.
٢٤
قال مقاتل بن سليمان: ﴿قُلْ فِيهِما إثْمٌ كَبِيرٌ﴾ في ركوبهما؛ لأن فيهما تركَ الصَّلاة، وتركَ ذكر الله عز وجل، وركوبَ المحارم١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ١‏/‏١٨٨.
٢٥
عن عبد الله بن عباس -من طريق علي بن أبي طلحة- في قوله: ﴿ومنافع للناس﴾، يقول: فيما يُصِيبون مِن لذَّتها وفَرَحِها إذا شَرِبوها١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٣‏/‏٦٧٨، وابن أبي حاتم ٢‏/‏٣٩٢. وعزاه السيوطي إلى ابن المنذر.
٢٦
عن سعيد بن جبير -من طريق عطاء بن دينار- في قول الله: ﴿ومنافع للناس﴾ يعني:... ، ﴿أكبر من نفعهما﴾، يعني: قبل التحريم، فذَمَّها ولم يُحَرِّمها، وكان المسلمون يشربونها على المنافع، وهي يومئذ لهم حلال١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ٢‏/‏٣٩١ (٢٠٦٤) وفيه سقط.
٢٧
عن مجاهد بن جَبْر -من طريق عيسى، عن ابن أبي نَجِيح- في قوله: ﴿ومنافع للناس﴾، قال: ثمنها، وما يُصِيبُون من السُّرور١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٣‏/‏٦٧٧. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد.
٢٨
عن مجاهد بن جبر -من طريق ورْقاء، عن ابن أبي نجيح- ﴿قل فيهما إثمٌ كبيرٌ ومنافعُ للناس﴾، قال: منافعهما قبل أن يُحَرَّما١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٣‏/‏٦٧٨، وابن أبي حاتم ٢‏/‏٣٩٢ (٢٠٦٣) بلفظ: ثمنها قبل أن تحرم. وفي تفسير مجاهد ص٢٣٢: ما يصيبون فيها زمن الميسر.
٢٩
عن الضَّحاك بن مُزاحِم -من طريق جُوَيْبِر- في قوله تعالى: ﴿يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس﴾، قال: المنافع قبل التحريم١
التخريج
  1. ١أخرجه النحاس في ناسخه (ت: اللاحم) ١‏/‏٥٧٥.
٣٠
عن قتادة بن دِعامة: ﴿قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس﴾، قال: فذَمَّهما ولم يُحَرِّمهما، وهي لهم حلالٌ يومئذ...١
التخريج
  1. ١ذكره يحيى بن سلام -كما في تفسير ابن أبي زمنين ١‏/‏٢١٩-. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد.
٣١
عن إسماعيل السدي -من طريق أسباط-: أمّا منافعهُما فإنّ منفعة الخمر في لذَّتِه وثَمَنِه، ومنفعةَ الميسِر فيما يُصاب من القِمار١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٣‏/‏٦٧٨.
٣٢
قال مقاتل بن سليمان: ثُمَّ قال سبحانه: ﴿ومَنافِعُ لِلنّاسِ﴾، يعني بالمنافع: اللذَّة، والتجارة في ركوبهما قبل التحريم، ... والمنفعة في الميسر: أنّ بعضهم ينتفع به، وبعضهم يخسر، يعني: المُقامِر١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ١‏/‏١٨٨.
٣٣
عن سعيد بن جبير -من طريق ليث-، مثله١
التخريج
  1. ١أخرجه عبد الرزاق ١‏/‏٨٨، وابن جرير ٣‏/‏٦٧٤.
٣٤
عن مجاهد بن جبر -من طريق الليث- قال: الميسِر: القِمار. وإنما سُمِّي الميْسر لقولِهم: أيْسِروا جَزُورًا. كقولِك: ضعْ كذا وكذا١٢
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٣‏/‏٦٧١، وابن أبي حاتم ٢‏/‏٣٩٠. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد. وهو في تفسير مجاهد ص٢٣٣ من طريق ابن أبي نجيح.
تعليقات المحققين
  1. ٢بيَّن ابنُ جرير (٣/٦٧٠) أنّ الميسِر مأخوذٌ من يَسَرَ لي هذا الأمرُ: أمر إذا وجب، والياسر: الواجب. ثم ذكر أنّ مجاهدًا يقول بنفس هذا القول، فقال: «وكان مجاهد يقول نحو ما قلنا في ذلك». وانتَقَدَ ابنُ عطية (١/٥٣٠-٥٣١ بتصرف) ما ذكر الطبريُّ من أمر مجاهد بقوله: «وقال الطبري:... ، ونَسَبَ القول إلى مجاهد، ثم جَلَبَ من نَصِّ كلام مجاهد ما هو خلافٌ لقوله، بل أراد مجاهد: الجزر».
٣٥
عن عبد الله بن مسعود، وعبد الله بن عباس، وسعيد بن جبير، وطاووس، والحسن البصري، وابن سيرين، وعطاء بن أبي رباح، وعطاء الخراساني، نحو ذلك١
التخريج
  1. ١علَّقه ابن أبي حاتم ٢/ ٣٨٨ (عقب ٢٠٤٢).
٣٦
عن إسماعيل السدي -من طريق أسباط-، ومقاتل بن حيان -من طريق بُكَيْر بن معروف-، نحو ذلك١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ٢/ ٣٨٨ (عقب ٢٠٤٢).
٣٧
عن الضحاك بن مُزاحِم -من طريق عبيد بن سليمان- قوله: ﴿والميسر﴾، قال: القِمار١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٣‏/‏٦٧٤.
٣٨
عن القاسم بن محمد -من طريق عبيد الله بن عمر- أنّه سُئِل عن النَّرْد١، أهي مِن الميسِر؟ قال: كلُّ ما ألْهى عن ذكر الله وعن الصلاة فهو ميسر٢
التخريج
  1. ١النَّرْد: شيء يُلعب به معروف، فارسي معرّب وليس بعربي، وهو النَّرْدشِير. لسان العرب (نرد).
  2. ٢أخرجه ابن أبي حاتم ٤‏/‏١١٩٧.
٣٩
عن عطاء [بن أبي رباح]، وطاووس -من طريق ليث- قالوا: كلُّ شيءٍ فيه قِمارٌ فهو من الميسر، حتى لَعِبُ الصبيان بالكِعاب١ والجَوْز٢
التخريج
  1. ١الكعاب: فصوص النرد. ينظر: النهاية في غريب الحديث والأثر (كعب).
  2. ٢أخرجه ابن أبي شيبة ٨/ ٥٥٣، وابن أبي الدنيا (١١٥)، وابن أبي حاتم ٤/ ١١٩٧. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد، وابن المنذر، وأبي الشيخ.
٤٠
عن محمد بن سيرين -من طريق علي بن مُسْهِرٍ، عن عاصم- قال: كلُّ قِمار مَيْسِر، حتى اللعب بالنَّرْد على القيام، والصِّياح، والرِّيشة يجعلها الرجل في رأسه١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير الطبري ٣‏/‏٦٧٢، وروى ٣‏/‏٦٧٢ نحوه أيضًا عنه من طريق علي بن سعيد الكندي، قال: حدثنا علي بن مسهر به.
٤١
عن محمد بن سيرين -من طريق عاصم الأحْوَل- قال: كلُّ شيء له خَطَرٌ فهو من المَيْسِر١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٣‏/‏٦٧٢.
٤٢
عن يزيد بن شُرَيح -من طريق يحيى بن جابر- قال: ثلاث من الميسر: القمار، والضرب بالكِعاب، والصَفْرُ١ بالحمام٢
التخريج
  1. ١الصَفْرُ بالحمام: التصويت له بالفم والشفتين بآلة تسمى الصَفّارة أو بدونها. لسان العرب (صفر).
  2. ٢أخرجه عبد الله بن وهب في الجامع - تفسير القرآن ٢‏/‏١٢٨ (٢٥٢).
٤٣
عن عمر بن الخطاب -من طريق ابن عمر- أنّه قام على المِنبَر، فقال: أمّا بعدُ، فإنّ الخمرَ نزل تحريمُها يومَ نزل وهي من خمسة: مِن العِنَبِ، والتمر، والبُرِّ، والشعير، والعسل. والخَمْرُ: ما خامَر العقلَ١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي شيبة ٧‏/‏٤٦٤، ٨‏/‏١٠٦، والبخاري (٤٦١٩، ٥٥٨١، ٥٥٨٨، ٥٥٨٩)، ومسلم (٣٠٣٢)، وأبو داود (٣٦٦٩)، والترمذي (١٨٧٤)، والنسائي (٥٥٩٤)، وأبو عوانة (٥٣٥٠)، والطحاوي في معاني الآثار ٤‏/‏٢١٣، وابن أبي حاتم ٤‏/‏١١٩٦، وابن حبان (٥٣٥٣، ٥٣٥٨)، والدار قطني ٤‏/‏٢٤٨، ٢٥٢، والبيهقي في شعب الإيمان (٥٥٧٧). وعزاه السيوطي إلى ابن مردويه.
٤٤
عن عمر بن الخطاب -من طريق أبي بُرْدَة- قال: إنّ هذه الأَنبِذَةَ تُنبَذُ مِن خمسةِ أشياء: مِن التمر، والزَّبِيب، والعسل، والبُرِّ، والشعير، فما خَمَّرْتَه منها ثُمَّ عَتَّقْتَه١ فهو خَمر٢
التخريج
  1. ١عَتَّقْتَه: حبسته زمانًا في ظرفه. لسان العرب (عتق).
  2. ٢أخرجه ابن أبي شيبة ٧‏/‏٤٦٣.
٤٥
عن سعيد بن المسيب -من طريق قتادة- قال: إنما سُمِّيَت الخمر لأنّها صَفا صَفْوُها، وسَفَل كَدَرُها١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ٢‏/‏٣٩٠. وسيأتي مزيد تفصيلٍ عن الخمر، وتحريمها عند آية سورة المائدة [٩٠]: ﴿إنما الخمر والميسر﴾ الآية.
٤٦
عن عبد الله بن عباس -من طريق علي بن أبي طلحة- في قوله: ﴿يسألونك عن الخمر والميسر﴾، قال: الميسِر: القِمار. كان الرجل في الجاهلية يُخاطِرُ عن أهلِه ومالِه، فأيُّهما قَمَرَ صاحبَه ذهَب بأهله وماله١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٣‏/‏٦٧٤، وابن أبي حاتم ٢‏/‏٣٩١، والنحاس في ناسخه ص١٨٦. وعزاه السيوطي لابن المنذر.
٤٧
عن عبد الله بن عمر -من طريق نافع- قال: الميسِر: القِمار١
التخريج
  1. ١أخرجه عبد الله بن وهب في الجامع - تفسير القرآن ٢/ ١٢٨ (٢٥٢)، والبخاري في الأدب المفرد (١٢٦٠)، وابن جرير ٣/ ٦٧٥، وابن أبي حاتم ٢/ ٣٩٠، والبيهقي في سننه ١٠/ ٢١٣. وعزاه السيوطي لأبي عبيد، وابن المنذر.
٤٨
عن مجاهد بن جبر -من طريق لَيْث- قال: الميسرُ: القِمارُ كلُّه، حتى الجَوْزُ الذي يَلعَبُ به الصِّبْيانُ١
التخريج
  1. ١أخرجه عبد الرزاق ١‏/‏٨٨، وابن جرير ٣‏/‏٦٧٤، والبيهقي في سننه ١٠‏/‏٢١٣.

آثار متعلقة بالآية

٩ أقوال
١
عن مالك بن نَضْلَةَ، قال: قال رسول الله ﷺ: «الأيدي ثلاثة: فيد الله العليا، ويد المعطي التي تليها، ويد السائل السفلى؛ فأَعْطِ الفَضْلَ، ولا تَعْجِزْ عن نفسِك»١
التخريج
  1. ١أخرجه أحمد ٢٥‏/‏٢٢٥ (١٥٨٩٠)، ٢٨‏/‏٤٦٧ (١٧٢٣٢)، وأبو داود ٣‏/‏٨٧ (١٦٤٩)، وابن حبان ٨‏/‏١٤٨ (٣٣٦٢)، والحاكم ١‏/‏٥٦٦ (١٤٨٣)، وابن خزيمة ٤‏/‏١٦٤ (٢٤٤٠). قال الحاكم: «هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه، وشاهده الحديث المحفوظ المشهور عن عبد الله بن مسعود». وقال ابن القطان في بيان الوهم والإيهام ٤‏/‏٢١٥-٢١٦ (١٧٠٨): «وهو حديث في طريقه عبيدة بن حميد». وقال فيه أيضًا ٥‏/‏٧٢٠: «وسكت -أبو داود- عنه، وهو لا ينبغي له أن يسكت عنه لِما قُدِّم في بعض رواته، فأمّا أنا فهو عندي جيد». وقال ابن حجر في الإصابة ٥‏/‏٥٥٨ (٧٧٠٨) في ترجمة مالك بن نَضْلَة: «وسنده صحيح». وقال الألباني في صحيح أبي داود ٥‏/‏٣٤٨ (١٤٥٥): «إسناده صحيح».
٢
عن أبي أُمامة، أنّ رسول الله ﷺ قال: «يا ابن آدم، إنّك أن تَبْذُل الفضلَ خيرٌ لك، وأن تُمْسِكه شَرٌّ لك، ولا تُلامُ على كَفاف، وابْدَأْ بِمَن تَعُول، واليدُ العليا خيرٌ من اليد السفلى»١
التخريج
  1. ١أخرجه مسلم ٢‏/‏٧١٨ (١٠٣٦).
٣
عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: «دينارٌ أنفقتَه في سبيل الله، ودينارٌ أنفقتَه في رَقَبَة، ودينارٌ تَصَدَّقْتَ به على مسكين، ودينارٌ أنفَقْتَه على أهلك، أعظمُها أجرًا الذي أنفقتَه على أهلك»١
التخريج
  1. ١أخرجه مسلم ٢‏/‏٦٩٢ (٩٩٥). وقد ذكر السيوطي ٢‏/‏٥٥٠- ٥٥٦ أيضًا آثارًا أخرى عديدة في فضل الإنفاق على الأهل والأقربين، وأنّ اليد العليا خير من السفلى.
٤
عن أبي هريرة، أنّ رسول الله ﷺ قال: «خير الصدقة ما كان عن ظَهْرِ غِنًى، وابْدَأْ بمَن تَعُول»١
التخريج
  1. ١أخرجه البخاري ٢‏/‏١١٢ (١٤٢٦)، ٧‏/‏٦٣ (٥٣٥٥، ٥٣٥٦).
٥
عن أبي هريرة، قال: أمَر رسولُ الله ﷺ بالصدقة، فقال رجلٌ: يا رسول الله، عندي دينار. قال: «تَصَدَّقْ به على نفسك». قال: عندي آخر. قال: «تَصَدَّقْ به على ولدك». قال: عندي آخر. قال: «تَصَدَّقْ به على زوجتك». قال: عندي آخر. قال: «تَصَدَّقْ به على خادمك». قال: عندي آخر. قال: «أنت أبْصَرُ»١
التخريج
  1. ١أخرجه أحمد ١٢‏/‏٣٨١ (٧٤١٩)، ١٦‏/‏١٠٤ (١٠٠٨٦)، وأبو داود ٣‏/‏١١٧-١١٨ (١٦٩١)، والنسائي ٥‏/‏٦٢ (٢٥٣٥)، وابن حبان ٨‏/‏١٢٦-١٢٧ (٣٣٣٧)، ١٠‏/‏٤٦ (٤٢٣٣)، ١٠‏/‏٤٧-٤٨ (٤٢٣٥)، والحاكم ١‏/‏٥٧٥ (١٥١٤)، وابن جرير ٣‏/‏٦٩٠. وأورده الثعلبي ٢‏/‏١٥٢-١٥٣. قال البَزّارُ في مسنده ١٥‏/‏١٥٥ (٨٤٩٠): «وهذا الحديثُ لا نعلمه يروى إلا عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ بهذا الإسناد. وقد رواه الثَّوْرِيُّ، عن ابن عجلان». وقال الدارقطني في العلل ١٠‏/‏٣٣٩ (٢٠٤٣): «يرويه محمد بن عجلان، واختلف عنه». وقال الحاكم: «هذا حديث صحيح، على شرط مسلم، ولم يخرجاه». وقال البيهقي كما في مختصر خلافيات البيهقي ٤‏/‏٣١١ لأبي العباس الإشبيلي: «رواته ثقات». وقال الألباني في صحيح أبي داود ٥‏/‏٣٧٥ (١٤٨٤): «إسناده حسن».
٦
عن جابر بن عبد الله، قال: كُنّا عند رسول الله ﷺ إذ جاءه رجل -وفي لفظ ابن سعد: قَدِم أبو حُصَيْن السُّلَمِيّ- بمِثْلِ بيضةٍ مِن الحمامة مِن ذهب، فقال: يا رسول الله، أصَبْتُ هذه من مَعْدِن، فخذها فهي صدقة، ما أملك غيرها. فأَعْرَض عنه رسول الله ﷺ، ثم أتاه من قبل رُكْنِه الأيمن، فقال مثل ذلك، فأَعْرَض عنه، ثم أتاه من رُكْنِه الأيسر، فأعرض عنه، ثم أتاه مِن خلفه، فأخذها رسول الله ﷺ، فحَذَفَهُ بها، فلو أصابته لأوجعته أو لَعَقَرَتْه، فقال: «يأتي أحدُكم بما يملك، فيقول: هذه صدقة. ثم يقعد يَسْتَكِفُّ الناسَ! خَيْرُ الصَّدقة ما كان عن ظَهْرِ غِنًى، وابْدَأْ بِمَن تَعُولُ»١
التخريج
  1. ١أخرجه أبو داود ٣‏/‏١٠٤-١٠٥ (١٦٧٣)، وابن حبان ٨‏/‏١٦٥-١٦٦ (٣٣٧٢)، والحاكم ١‏/‏٥٧٣ (١٥٠٧)، وابن خزيمة ٤‏/‏١٦٤-١٦٥ (٢٤٤١)، وابن سعد في الطبقات ٤‏/‏٢٠٨-٢٠٩ في ترجمة أبي حصين السلمي، وابن جرير ٣‏/‏٦٩١. قال الحاكم: «هذا حديث صحيح، على شرط مسلم، ولم يخرجاه». وقال ابن الملقن في البدر المنير ٧‏/‏٤١٥: «هذا الحديث حسن». وحكم على رواية أبي داود بقوله: «إسناده جَيِّد، لولا عنعنة ابن إسحاق». وقال الألباني في ضعيف أبي داود ٢‏/‏١٣٣-١٣٤ (٢٩٩): «إسناده ضعيف؛ لعنعنة ابن إسحاق».
٧
عن حكيم بن حِزام، عن النبي ﷺ، قال: «اليَدُ العُلْيا خيرٌ من اليَدِ السُّفْلى، وابدأ بِمَن تَعُول، وخيرُ الصدقة ما كان عن ظَهْرِ غِنًى، ومَن يَسْتَعِفَّ يُعِفُّه الله، ومن يستغن يُغْنِه الله»١
التخريج
  1. ١أخرجه البخاري ٢‏/‏١١٢ (١٤٢٧)، ومسلم ٢‏/‏٧١٧ (١٠٣٤) دون قوله: «ومن يستعف...» إلى آخره.
٨
عن جابر، أنّ رسول الله ﷺ قال لرجل: «ابدأ بنفسك فتَصَدَّقْ عليها، فإن فَضَل شيءٌ فلأهلك، فإن فضَل شيءٌ عن أهلك فلِذي قرابتك، فإن فضَل عن ذي قرابتك شيءٌ فهكذا وهكذا»١
التخريج
  1. ١أخرجه مسلم ٢‏/‏٦٩٢ (٩٩٧)، وذكر فيه قصة.
٩
عن عبد الله بن مسعود، قال: قال رسول الله ﷺ: «الأيدي ثلاثة: فيدُ الله العليا، ويدُ المُعْطِي التي تليها، ويدُ السائل السُّفْلى إلى يوم القيامة؛ فاسْتَعْفِفْ عن السؤال وعن المسألة ما اسْتَطَعْتَ، فإن أُعْطِيتَ خيرًا فلْيُرَ عليك، وابْدَأْ بِمَن تعول، وارْضَخْ١ مِن الفَضْلِ، ولا تُلامُ على الكَفاف»٢
التخريج
  1. ١ارْضَخ: اعْطِ أو ابذل. لسان العرب (رضخ).
  2. ٢أخرجه أحمد ٧‏/‏٢٩٥ (٤٢٦١)، والحاكم ١‏/‏٥٦٦-٥٦٧ (١٤٨٤، ١٤٨٥)، وابن خزيمة ٤‏/‏١٦١ (٢٤٣٥)، وأبو يعلى في مسنده ٩‏/‏٦٠-٦١ (٥١٢٥) واللفظ له. قال الحاكم عقب حكمه على حديث مالك بن نضلة: «وشاهده الحديث المحفوظ المشهور عن عبد الله بن مسعود». وقال المنذري في الترغيب ١‏/‏٣٣٢ (١٢١٩): «رواه أبو يعلى، والغالب على رواته التوثيق، ورواه الحاكم، وصحح إسناده». وقال الهيثمي في المجمع ٣‏/‏٩٧ (٤٤٣٣): «رواه أحمد، وأبو يعلى.. ورجاله موثقون». وقال البوصيري في إتحاف الخيرة ٣‏/‏٤١ (٢١٣٦): «ومدار أسانيدهم على إبراهيم بن مسلم الهجري، وهو ضعيف، لكن لم ينفرد بها الهجري؛ فقد رواه البزار والطبراني من طريق يحيى بن وثاب- وهو ثقة- عن مسروق، عن عبد الله به».

تفسير الآية

٢٦ قولًا
١
عن إسماعيل السدي -من طريق أسباط- قال: ﴿العفو﴾، يقول: الفَضْل١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٣‏/‏٦٨٧.
٢
عن الربيع بن أنس -من طريق أبي جعفر- قوله: ﴿يسألونك ماذا ينفقون قل العفو﴾، قال: يقول: الطَيِّب منه. يقول: أفضل مالِك وأطيبَه١٢
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٣‏/‏٦٨٩، وابن أبي حاتم ٢‏/‏٣٩٣ (٢٠٧١).
تعليقات المحققين
  1. ٢ذكر ابنُ كثير (٢/٢٩٢) أنّ قول الربيع، وكذا ما ورد عن طاووس يَرْجِعان إلى قولِ من قال بأنّ المراد بالعفو: الفضل.
٣
قال مقاتل بن سليمان: ﴿قُلِ العَفْوَ﴾، يعني: فَضْل قُوتِك، فَإن كان الرَّجُل مِن أصحاب الذهب والفضة أمْسَكَ الثُّلُث، وتَصَدَّق بسائِرِه، وإن كان مِن أصحاب الزَّرْع والنَّخْلِ أمْسَك ما يكفيه في سَنَتِه، وتَصَدَّق بسائِره، وإن كان مِمَّن يعمل بيده أمْسَك ما يَكْفِيه يومَه ذلك، وتَصَدَّق بسائره. فبَيَّنَ الله عز وجل ما يُنفِقُون في هذه الآية، فقال: ﴿قُلِ العَفْوَ﴾، يعني: فَضْلَ القُوت١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ١‏/‏١٨٣.
٤
عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم -من طريق ابن وهْب- في قوله: ﴿يسألونك ماذا ينفقون قل العفو﴾، قال: كان القومُ يعملون في كلِّ يوم بما فيه، فإن فَضَل ذلك اليوم فَضْلٌ عن العِيال قَدَّموه، ولا يتركون عِيالهم جُوَّعًا، ويَتَصَدَّقُون به على الناس١٢
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٣‏/‏٦٨٧.
تعليقات المحققين
  1. ٢رَجَّح ابنُ جرير (٣/٦٩٠-٦٩٢ بتصرف) هذا القولَ الذي قال به ابن عباس من طريق مِقْسم، وقتادة من طريقي مَعْمَر وسعيد، وعطاء من طريق عبد الملك، والسُّدِّي، وابن زيد، والحسن من طريق يونس، مستندًا إلى السُّنَّةِ، واللغة، فقال: «وذلك هو الفَضْلُ الذي تظاهرت به الأخبارُ عن رسول الله ﷺ بالإذن في الصدقة، وصدقته في وجوه البِرِّ. فإذا كان الذي أذِن ﷺ لأُمَّتِه الصدقة من أموالهم الفضلَ عن حاجةِ المتصدِّقِ، فالفضلُ من ذلك هو العفوُ من مالِ الرجل؛ إذ كان العَفْوُ في كلام العرب في المال وفي كلِّ شيء: هو الزِّيادة والكثرة؛ كان بَيِّنًا أنّ الذي أذِن اللهُ به في قوله: ﴿قل العفو﴾ لعباده من النفقة، فأذِنهم بإنفاقِه إذا أرادوا إنفاقَه، هو الذي بَيَّن لأُمَّتِه رسولُ الله ﷺ بقوله: «خير الصدقة ما أنفقت عن غنى». وآذَنَهم به». وذكَر ابنُ عطية (١/٥٣٤) أن العفو هو ما ينفقه المرء دون أن يُجهد نفسه وماله، ثم علَّق بقوله: «ونحو هذا هي عبارة المفسرين». ثم قال: «وهو مأخوذ من عفا الشيء: إذا كَثُر، فالمعنى: أنفقوا ما فضل عن حوائجكم، ولم تؤذوا فيه أنفسكم فتكونوا عالَةً».
٥
عن مجاهد بن جَبْر -من طريق ابن جُرَيْج- قال: العفوُ: صدقةٌ عن ظَهْر غِنًى١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٣‏/‏٦٩٠.
٦
عن طاووس -من طريق ورْقاء، عن ابن أبي نَجِيح- قال: العَفْوُ: اليُسْرُ مِن كُلِّ شيء١
التخريج
  1. ١أخرجه آدم ابن أبي إياس -كما في تفسير مجاهد ص٢٣٣-، وابن أبي حاتم ٢‏/‏٣٩٣ (٢٠٧٠). وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد.
٧
عن طاووس -من طريق عيسى، عن ابن أبي نَجِيح- قال: العَفْوُ: اليسيرُ مِن كل شيء١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٣‏/‏٦٨٨.
٨
عن خالد بن أبي عمران: أنّه سأل القاسم [بن محمد]، وسالِم [بن عبد الله بن عمر] عن قول الله: ﴿ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو﴾. قالا: العَفْوُ: فَضْلُ المال، ما تَصَدَّق به عن ظَهْر غِنًى١
التخريج
  1. ١أخرجه عبد الله بن وهب في الجامع - تفسير القرآن ١/ ١٠١ (٢٣٠)، والنحاس في ناسخه (ت: اللاحم) ١/ ٦٣٤. وعلَّق ابن أبي حاتم ٢/ ٣٩٣ (عقب ٢٠٦٩) نحوه مختصرًا.
٩
عن الحسن البصري -من طريق عوف- في قوله: ﴿قل العفو﴾، قال: ذلك ألّا تُجهِدَ مالَك، ثُمَّ تَقْعُد تَسْأَلُ الناس١
التخريج
  1. ١أخرجه عبد بن حميد -كما في تفسير ابن كثير ١‏/‏٥٨٣، والفتح ٩‏/‏٤٩٨-.
١٠
عن الحسن البصري -من طريق يونس- في قوله: ﴿ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو﴾، قال: هو الفَضْلُ؛ فَضْلُ المال١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٣‏/‏٦٨٧. وعلَّقه ابن أبي حاتم ٢‏/‏٣٩٣ (عقب ٢٠٦٩).
١١
عن الحسن البصري -من طريق يزيد بن إبراهيم-: العَفْو: الفَضْلُ، ولا لَوْم على الكفاف١
التخريج
  1. ١أخرجه عبد بن حميد، وعبد الله بن أحمد في زيادات الزهد -كما في الفتح ٩‏/‏٤٩٧، وتغليق العليق ٤‏/‏٤٨٠-.
١٢
عن الحسن البصري: يعني: ما فَضَلَ عن نفقتك، أو نفقة عيالك١
التخريج
  1. ١ذكره يحيى بن سلام -كما في تفسير ابن أبي زمنين ١‏/‏٢٢٠-.
١٣
عن عطاء بن أبي رباح -من طريق عبد الملك- في قوله: ﴿قل العفو﴾، قال: الفَضْل١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٣‏/‏٦٨٧. وعلَّقه ابن أبي حاتم ٢‏/‏٣٩٣ (عقب ٢٠٦٩). وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد.
١٤
عن ابن جُرَيْج، قال: سألتُ عطاء [بن أبي رباح] عن قوله: ﴿يسألونك ماذا ينفقون قل العفو﴾. قال: العَفْوُ: ما لم يُسْرِفوا ولم يَقْتروا في الحق١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٣‏/‏٦٩٠.
١٥
عن ابن جُرَيْج، قال: سألتُ عطاء [بن أبي رباح] عن قوله: ﴿يسألونك ماذا ينفقون قل العفو﴾. قال: العَفْوُ في النفقة: أن لا تَجْهَدَ مالك حتى يَنفَد؛ فتسأل الناس١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٣‏/‏٦٨٨.
١٦
عن قتادة بن دِعامة -من طريق أبي جعفر- قال: كان يقول: ﴿العفو﴾: الفضل. يقول: أفضل مالِك١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٣‏/‏٦٨٩.
١٧
عن قتادة بن دِعامة -من طريق مَعْمَر- في قوله تعالى: ﴿قل العفو﴾، قال: هو الفَضْل١
التخريج
  1. ١أخرجه عبد الرزاق ١‏/‏٨٨، وابن جرير ٣‏/‏٦٨٧، كذلك أخرجه من طريق سعيد. وعلَّقه ابن أبي حاتم ٢‏/‏٣٩٣ (عقب الأثر ٢٠٦٩).
١٨
عن عكرمة مولى ابن عباس، ومحمد بن كعب، وعطاء الخراساني، والربيع بن أنس -من طريق أبي جعفر-، نحو ذلك١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ٢/ ٣٩٣ (عقب ٢٠٦٩) عن الربيع، وعلَّقه عن الباقين.
١٩
عن عمرو بن دينار: الوَسَط من النفقة: ما لم يكن إسرافًا، ولا إقتارًا١
التخريج
  1. ١تفسير الثعلبي ٢‏/‏١٥٢، وتفسير البغوي ١‏/‏٢٥٣.
٢٠
عن عبد الله بن عمرو بن العاص -من طريق أبي قَبِيلٍ، عن رجل- قال: ﴿يسألونك ماذا يـنفقون قل العفو﴾، قال عبد الله: العَفْوُ: فَضْلُ المال١
التخريج
  1. ١أخرجه عبد الله بن وهب في الجامع - تفسير القرآن ٢‏/‏١٤٥ (٢٩٤).
٢١
عن عبد الله بن عباس -من طريق علي بن أبي طلحة- في قوله: ﴿ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو﴾، قال: هو ما لا يَتَبَيَّنُ في أموالِكم١٢
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٣‏/‏٦٨٨، وابن أبي حاتم ٢‏/‏٣٩٤، والنحاس في ناسخه ص١٨٨. وعزاه السيوطي إلى ابن المنذر.
تعليقات المحققين
  1. ٢انتَقَدَ ابنُ جرير (٣/٦٩٣ بتصرف) هذا القولَ الذي قال به ابن عباس من طريق علي، وطاووس من طريق ابن جريج، مستندًا إلى السنة والنظائر، فقال: «لا وجْهَ لقولِ من يقول:... ؛ لأن النبيَّ ﷺ لَمّا قال له أبو لُبابة: إنّ مِن توبتي أن أنْخَلِع إلى الله ورسوله من مالي صدقةً. قال النبي ﷺ: «يكفيك من ذلك الثلثُ». وكذلك رُوِي عن كعب بن مالك: أنّ النبي ﷺ قال له نحوًا من ذلك. والثلثُ لا شك أنه بَيِّنٌ فقدُه من مال ذي المال. ولكنه عندي كما قال -جل ثناؤه-: ﴿والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما﴾ [الفرقان:٦٧]، وكما قال -جلَّ ثناؤه- لمحمد ﷺ: ﴿ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوما محسورا﴾ [الإسراء:٢٩]، وذلك هو ما حدَّه ﷺ فيما دون ذلك على قَدْرِ المالِ واحتمالِه».
٢٢
عن عبد الله بن عباس -من طريق عطية العوفي- ﴿ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو﴾، يقول: ما أتَوْك به من شيءٍ قليلٍ أو كثيرٍ فاقْبَلْهُ منهم١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٣‏/‏٦٨٩.
٢٣
عن عبد الله بن عباس -من طريق مِقْسَم- في قوله: ﴿ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو﴾، قال: ما يَفْضُلُ عن أهلِك. وفي لفظ: قال: الفَضْلُ عن العِيال١
التخريج
  1. ١أخرجه سعيد بن منصور (٣٦٥ - تفسير)، وابن جرير ٣‏/‏٦٨٦، وابن أبي حاتم ٢‏/‏٣٩٣، والنحاس في ناسخه ص١٨٩، والطبراني (١٢٠٧٥)، والبيهقي في شعب الإيمان (٣٤١٥). وعزاه السيوطي إلى وكيع، وعبد بن حميد، وابن المنذر.
٢٤
عن عبد الله بن عمر، وسعيد بن جبير، ومجاهد بن جبر، نحو ذلك١
التخريج
  1. ١علَّقه ابن أبي حاتم ٢/ ٣٩٣ (عقب ٢٠٦٩).
٢٥
عن عطاء بن دينار الهُذَلي: أنّ عبد الملك بن مروان كتَب إلى سعيد بن جبير يَسْأَلُه عن العفو. فقال: العَفْوُ على ثلاثة أنْحاءٍ: نَحْوٌ تَجاوُزٌ عن الذَّنب، ونَحْوٌ في القصدِ في النفقة: ﴿ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو﴾، ونَحْوٌ في الإحسان فيما بينَ الناس: ﴿إلا أن يعفون أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح﴾ [البقرة:٢٣٧]١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى ابن المنذر.
٢٦
عن ابن أبي نَجِيح، قال: كان مجاهد يقول: العَفْوُ: الصدقةُ المفروضة١٢
التخريج
  1. ١تفسير مجاهد ص٢٣٣، وأخرجه ابن جرير ٣‏/‏٦٩٠، وابن أبي حاتم ٢‏/‏٣٩٣ (٢٠٧٢). وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد.
تعليقات المحققين
  1. ٢انتَقَدَ ابنُ جرير (٣/٦٩٢-٦٩٣) هذا القولَ الذي قال به مجاهد، وكذا قول ابن عباس من طريق عطية العوفي أنّ العفو هو: ما أخرجه ربُّ المالِ إلى إمامه قليلًا أو كثيرًا. مستندًا إلى دلالة عقلية، ومخالفته ظاهر لفظ الآية، فقال: «فإن قال لنا قائلٌ: وما تُنكِرُ أن يكون ذلك العَفْوُ هو الصدقةَ المفروضةَ؟ قيل: أنكرنا ذلك لقيام الحُجَّة على أن مَن حَلَّت في ماله الزكاةُ المفروضةُ، فهلك جميعُ مالِه إلا قَدْرَ الذي لزم مالَه لأهلِ سُهمانِ الصدقة؛ أنّ عليه أن يُسَلِّمه إليهم، إذا كان هلاكُ ماله بعد تفريطه في أداء الواجب كان لهم في ماله إليهم، وذلك لا شكَّ أنه جُهدُه -إذا سلَّمه إليهم- لا عَفْوُه، وفي تسمية الله -جل ثناؤه- ما علَّم عباده وجهَ إنفاقِهم من أموالهم: عَفْوًا، ما يُبْطِل أن يكون مُسْتَحِقًّا اسمَ جُهْدٍ في حالة. وإذا كان ذلك كذلك فبَيِّنٌ فسادُ قولِ مَن زعم أنّ معنى العفوِ هو: ما أخرجه ربُّ المال إلى إمامه فأعطاه كائنًا ما كان من قليل ماله وكثيره، وقول من زعم أنّه: الصدقة المفروضة».

النسخ في الآية

٦ أقوال
١
عن عبد الله بن عباس -من طريق علي بن أبي طلحة- في قوله: ﴿ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو﴾، قال: كان هذا قبل أن تُفْرَضَ الصدقة١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٣‏/‏٦٩٤، وابن أبي حاتم ٢‏/‏٣٩٤، والنحاس في ناسخه ص١٨٨. وعزاه السيوطي إلى ابن المنذر.
٢
عن عبد الله بن عباس -من طريق عطية العوفي- في قوله: ﴿قل العفو﴾، قال: لم تُفْرَضْ فيه فريضةٌ معلومة١. ثم قال: ﴿خذ العفو وأمر بالعرف﴾ [الأعراف:١٩٩]، ثُمَّ نزَلَت الفرائضُ بعد ذلك مُسَمّاة٢
التخريج
  1. ٢أخرجه ابن جرير ٣‏/‏٦٩٤.
تعليقات المحققين
  1. ١اخْتُلِف في هذه الآية هل هي منسوخة أم لا؟ فرَجَّح ابنُ جرير (٣/٦٩٥) قولَ ابن عباس من طريق عطية مستندًا إلى السُّنَّة، وظاهر القرآن، فقال: «والصوابُ من القول في ذلك ما قاله ابن عباس على ما رواه عنه عطيةُ، مِن أنّ قوله: ﴿قل العفو﴾ ليس بإيجاب فرْضٍ فُرِض من الله حقًّا في ماله، ولكنَّه إعلامٌ منه ما يُرضيه من النفقة مِمّا يُسْخِطُه، جوابًا معه لِمَن سأل نبيَّه محمدًا ﷺ عَمّا فيه له رِضًا، فهو أدبٌ من الله لجميع خلقه على ما أدَّبهم به في الصدقة غير المفروضات، ثابتُ الحكمِ، غيرُ ناسخٍ لحكمٍ كان قبلَه بخلافِه، ولا منسوخٍ بحكمٍ حدَث بعده، فلا ينبغي لِذي ورَعٍ ودينٍ أن يتجاوز في صدقاتِه التطوعِ وهباتِه وعطايا النفلِ وصدقتِه ما أدَّبهم به نبيُّه ﷺ بقوله: «إذا كان عند أحدكم فضْلٌ فليبدأ بنفسه، ثم بأهله، ثم بولده». ثم يسلُك حينئذٍ في الفضل مسالِكَهُ التي تُرضي اللهَ ويحبها، وذلك هو القوام بين الإسراف والإقتار الذي ذكره الله عز وجل في كتابه». وكذا رَجَّحَ ابنُ كثير (٢/٢٩٤) عدمَ النسخ. وقد أوْرَد ابنُ جرير قولَ ابن عباس بعَدم النسخ الذي رَجَّحه تحت القول بالنسخ.
٣
عن إسماعيل السُّدِّيِّ -من طريق أسباط- في قوله: ﴿قل العفو﴾، قال: هذا نَسَخَتْهُ الزَّكاة١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٣‏/‏٦٩٤، وابن أبي حاتم ٢‏/‏٣٩٤ (٢٠٧٤).
٤
قال محمد بن السائب الكلبي: كان الرجلُ بعد نزول هذه الآية إذا كان له مالٌ من ذهب أو فضة أو زَرْعٍ أو ضَرْعٍ نظر إلى ما يكفيه وعياله نفقة سنة أمْسَكَه، وتَصَدَّق بسائِره، وإن كان مِمَّن يعمل بيده أمْسَك ما يكفيه وعيالَه يومه ذلك، وتصدّق بالباقي، حتى نزلت آيةُ الزكاة المفروضة، فنَسَخَتْ هذه الآية وكُلَّ صدقة أُمِرُوا بها قبل نزول الزكاة١٢
التخريج
  1. ١تفسير الثعلبي ٢‏/‏١٥٣.
تعليقات المحققين
  1. ٢انتَقَدَ ابنُ جرير (٣/٦٩٥-٦٩٦) هذا القول مستندًا إلى الإجماع، فقال: «ويُقال لِمَن زعَم أنّ ذلك منسوخ: ما الدَّلالةُ على نسخِه؟ وقد أجمع الجميعُ -لا خلافَ بينهم- على أنّ للرجل أن يُنفِقَ من مالِه صدقةً وهِبةً ووَصِيَّةً الثلث، فما الذي دلَّ على أنّ ذلك منسوخ؟ فإن زعم أنّه يعني بقوله:»إنه منسوخ«أنّ إخراج العَفْوِ من المال غيرُ لازم فَرْضًا، وأنّ فرض ذلك ساقطٌ بوجود الزكاة في المال. قيل له: وما الدليل على أنّ إخراج العَفْوِ كان فرضًا فأسقطه فرْضُ الزكاة؟ ولا دلالةَ في الآية على أنّ ذلك كان فرضًا؛ إذ لم يكن أمْرٌ من الله -عَزَّ ذِكْرُه-، بل فيها الدلالةُ على أنّها جوابُ ما سأل عنه القومُ على وجْهِ التَّعَرُّف لِما فيه لله الرِّضا من الصدقات، ولا سبيل لِمُدِّعي ذلك إلى دلالة تُوجِب صِحَّة ما ادَّعى».
٥
قال مقاتل بن سليمان:... فشَقَّ عَلى الناس حين أمرهم أن يَتَصَدَّقوا بالفضل، حَتّى نزلت آيةُ الصدقات في براءة [٦٠]، فكان لهم الفَضْل وإن كثر إذا أدَّوُا الزَّكاةَ١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ١‏/‏١٨٣.
٦
قال يحيى بن سلام: وكان هذا قبل أن تنزِل آية الزكاة١
التخريج
  1. ١تفسير ابن أبي زمنين ١‏/‏٢٢٠.

نزول الآية

٣ أقوال
١
عن عبد الله بن عباس -من طريق ابن إسحاق بسنده-: أنّ نفرًا من الصحابة حين أُمِروا بالنفقة في سبيل الله أتَوُا النبيَّ ﷺ، فقالوا: إنّا لا نَدْرِي ما هذه النفقة التي أُمِرْنا بها في أموالنا، فما نُنفِقُ منها؟ فأنزل الله: ﴿ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو﴾. وكان قبل ذلك يُنفِقُ ماله حتى ما يَجِدُ ما يَتَصَدَّق به ولا ما يأكل، حتى يُتَصَدَّقَ عليه١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ٢‏/‏٣٨١ (٢٠٠٦). إسناده جيد. وينظر: مقدمة الموسوعة.
٢
عن يحيى، أنّه بلَغَه: أنّ معاذ بن جبل وثَعْلَبَةَ أتَيا رسولَ الله ﷺ، فقالا: يا رسول الله، إنّ لنا أرِقَّاء وأَهْلِين، فما نُنفِقُ مِن أموالنا؟ فأنزل الله: ﴿ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو﴾١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ٢‏/‏٣٩٣ (٢٠٦٨). قال ابن حجر في فتح الباري ٩‏/‏٤٩٨، والعيني في عمدة القاري٢١‏/‏١٢: «من مرسل يحيى بن أبي كثير، بسند صحيح». وقال ابن حجر في العُجاب ١‏/‏٥٤٦: «بسند صحيح».
٣
قال مقاتل بن سليمان: وأُنزِل -في قول عمرو١: يا رسول الله، كم نُنفِق مِن أموالنا، وعلى مَن ننفُق؟- قولُ الله عز وجل: ﴿قُلِ العَفْوَ﴾٢
التخريج
  1. ١أي: عمرو بن الجموح الأنصاري، حين قال: يا رسول الله، كم نُنفِق، وعلى مَن نُنفِق؟ فأنزل الله عز وجل: ﴿يَسْأَلُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ قُلْ ما أنْفَقْتُمْ مِن خَيْرٍ فَلِلْوالِدَيْنِ والأَقْرَبِينَ واليَتامى والمَساكِينِ وابْنِ السَّبِيلِ﴾ [البقرة:٢١٥]. ونزلت هذه الآية أيضًا. ينظر: تفسير مقاتل بن سليمان ١‏/‏١٨٣.
  2. ٢تفسير مقاتل بن سليمان ١‏/‏١٨٣.

نزول الآية، ونسخها

٢١ قولًا
١
عن عكرمة مولى ابن عباس، والحسن البصري -من طريق يزيد النحوي- قالا: قال الله: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وأَنْتُمْ سُكارى حَتّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ﴾ [النساء: ٤٣]، و﴿يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبيرٌ ومنافعُ للناس وإثمهما أكبر من نفعهما﴾، فنسختها الآية التي في المائدة، فقال: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنَّما الخَمْرُ والمَيْسِرُ﴾ الآية١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٣/ ٦٨٢.
٢
عن عامر الشعبي -من طريق سِماك- قال: نزلت في الخمر أربعُ آيات: ﴿يسألونك عن الخمر والميسر﴾ الآية، فتركوها، ثم نزلت: ﴿تتخذون منه سكرا ورزقا حسنا﴾ [النحل:٦٧]، فشَرِبوها، ثم نزلت الآيتان في المائدة [٩١-٩٢]: ﴿إنما الخمر والميسر﴾ إلى قوله: ﴿فهل أنتم منتهون﴾١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٣‏/‏٦٨٣.
٣
عن أبي القَمُوص زيد بن علي، قال: أنزل الله عز وجل في الخمر ثلاثَ مرات: فأول ما أنزل قال الله: ﴿يسألونك عن الخمر والميسر قُل فيهما إثمٌ كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبرُ من نفعهما﴾. قال: فشربها من المسلمين مَن شاء الله منهم على ذلك، حتى شرب رجلان، فدخلا في الصلاة، فجعلا يَهْجُران١ كلامًا لا يدري عوفٌ ما هو؛ فأنزل الله عز وجل فيهما: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وأَنْتُمْ سُكارى حَتّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ﴾ [النساء:٤٣]. فشربها مَن شربها منهم، وجعلوا يَتَّقُونَها عند الصلاة، حتى شربها -فيما زعم أبو القَمُوص- رجلٌ، فجعل يَنُوح على قَتْلى بدر: تُحَيِّي بِالسَّلامَةِ أُمُّ عمروٍ وهل لكِ بعد رَهْطِكِ مِن سَلامِ ذَرِيني أصْطَبِحْ٢ بِكْرًا٣، فَإنِّي رأيتُ الموت نَقَّب عن هِشامِ ووَدَّ بنو المُغِيرَة لو فَدَوْه بِأَلْفٍ مِن رجال أو سَوامِ٤ كَأَيٍّ بالطَّويِّ٥ طَوِيِّ بدر مِن الشِّيزى٦ يُكَلَّلُ بالسَّنامِ كَأَيٍّ بالطَّوِىِّ طَوِيِّ بَدْرٍ مِن الفِتْيانِ والحُلَلِ الكِرامِ. قال: فبلغ ذلك رسولَ الله ﷺ، فجاء فزِعًا يجرُّ رداءه من الفَزَع، حتى انتهى إليه، فلمّا عاينه الرجل -فرفع رسول الله ﷺ شيئًا كان بيده ليضربه- قال: أعوذ بالله من غضب الله ورسوله، واللهِ، لا أطْعَمُها أبدًا. فأنزل الله تحريمها: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنَّما الخَمْرُ والمَيْسِرُ والأنْصابُ والأزْلامُ رِجْسٌ﴾ إلى قوله: ﴿فَهَلْ أنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [المائدة:٩٠-٩١]. فقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: انتَهَيْنا، انتَهَيْنا٧
التخريج
  1. ١هَجَرَ يَهْجُر هَجْرًا: إذا خَلَطَ في كلامه، وإذا هذى. لسان العرب (هجر).
  2. ٢أي: أشرب الصَّبُوح، وهو كل ما شُرب غُدْوَة، وهو خلاف الغّبُوق. لسان العرب (صبح).
  3. ٣البِكْر: هي الكَرْمُ الذي حمل أول حمله. لسان العرب (بكر).
  4. ٤السَّوام: هي الإبل الراعية، والسوام والسائمة بمعنى، وهو المال الراعي. لسان العرب (سوم).
  5. ٥الطُّوِيُّ: البئر المطويَّة بالحجارة. لسان العرب (طوى).
  6. ٦الشِّيزى -بالكسر-: خشب أسود. لسان العرب (شيز).
  7. ٧أخرجه ابن جرير ٣‏/‏٦٨٢.
٤
عن عطاء، قال: أول ما نزل تحريم الخمر ﴿يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير﴾ الآية؛ قال بعض الناس: نشرَبُها لمنافعِها التي فيها. وقال آخرون: لا خيرَ في شيءٍ فيه إثم. ثم نزَلت: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى﴾ الآية [النساء:٤٣]. فقال بعض الناس: نَشرَبُها، ونجلس في بيوتِنا. وقال آخرون: لا خيرَ في شيءٍ يحُولُ بيننا وبين الصلاة مع المسلمين. فنزلت: ﴿يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر﴾ الآية [المائدة: ٩٠] فانتَهُوا. فنهاهم، فانتَهَوْا١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى عبد بن حميد.
٥
عن قتادة بن دِعامة: ﴿يسألونك عن الخمر والميسر﴾ قال: الميسر: هو القمار كلُّه، ﴿قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس﴾ قال: فذَمَّهما ولم يُحَرِّمهما، وهي لهم حلالٌ يومئذ، ثم أنزَل هذه الآية في شأن الخمر، وهي أشدُّ منها، فقال: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى﴾ [النساء:٤٣]، فكان السُّكْرُ منها حرامًا، ثم أنزَل الآية التي في المائدة [٩٠]: ﴿يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر﴾ إلى قوله: ﴿فهل أنتم منتهون﴾، فجاء تحريمُها في هذه الآية؛ قليلِها وكثيرِها، ما أسْكَرَ منها وما لم يُسْكِر١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى عبد بن حميد.
٦
عن محمد بن كعب القُرَظِي، قال: نزل أربعُ آياتٍ في تحريم الخمر: أولهن التي في البقرة، ثم نزَلت الثانية: ﴿ومن ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه سكرا ورزقا حسنا﴾ [النحل:٦٧]، ثم أُنزِلت التي في النساء [٤٣]، بَيْنا رسول الله ﷺ يُصلِّي بعضَ الصلواتِ إذ غَنّى سكرانُ خلفَه؛ فأنزَل الله: ﴿لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى﴾ الآية. فشَرِبها طائفةٌ من الناس، وترَكها طائفة، ثم نزَلت الرابعةُ التي في المائدة [٩٠]، فقال عمر بن الخطاب: انتهَيْنا، يا رَبَّنا١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى ابن المنذر.
٧
قال محمد ابن شهاب الزهري: وقال تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون﴾ [النساء:٤٣]، وقال تعالى: ﴿يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما﴾. فنسخها الله عز وجل بقوله سبحانه: ﴿يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون﴾ [المائدة:٩٠]١
التخريج
  1. ١الناسخ والمنسوخ للزهري ص٢٤.
٨
عن إسماعيل السدي -من طريق أسباط- قال: نزلت هذه الآية: ﴿يسألونك عن الخمر والميسر﴾ الآية، فلم يزالوا بذلك يشربونها، حتى صنع عبدُ الرحمن بن عوف طعامًا، فدَعا ناسًا فيهم عليُّ بن أبي طالب، فقرأ: ﴿قل يا أيها الكافرون﴾. فلم يَفهَمها؛ فأنزَل اللهُ يشدِّدُ في الخمر: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون﴾ [النساء:٤٣]. فكانت حلالًا، يشرَبونها من صلاة الغداة حتى يرتفعَ النهار، فيقومون إلى صلاة الظهر وهم مُصْحُون، ثم لا يشربونها حتى يُصَلُّوا العَتَمة، ثم يقومون إلى صلاة الفجر وقد صَحَوا، فلم يزالوا بذلك يشربونها، حتى صنع سعد بن أبي وقاص طعامًا، فدعا ناسًا فيهم رجلٌ من الأنصار، فشَوى لهم رأسَ بعير، ثم دعاهم عليه، فلمّا أكلوا وشرِبوا من الخمر سَكِروا، وأخذوا في الحديث، فتكلم سعدٌ بشيءٍ، فغَضِب الأنصاري، فرفَع لَحْيَ١ البعير، فكَسَر أنفَ سعد؛ فأنزَل الله نسخَ الخمر وتحريمها: ﴿إنما الخمر والميسر﴾ إلى قوله: ﴿فهل أنتم منتهون﴾ [المائدة:٩٠-٩١]٢
التخريج
  1. ١اللَّحْيُ: مفرد اللَّحْيين، وهما حائطا الفم، وهما العظمان اللذان فيهما الأسنان من داخل الفم من كل ذي لحى، يكون للإنسان والدابة. لسان العرب (لحى).
  2. ٢أخرجه ابن جرير ٣‏/‏٦٨٣-٦٨٤.
٩
عن عطاء الخراساني -من طريق ابنه عثمان- ﴿يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس﴾، قال: نسختها ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى﴾ [النساء:٤٣] يعني: المساجد، ثم أنزل: ﴿ومن ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه سكرا ورزقا حسنا﴾ [النحل:٦٧]، ثم أنزل: ﴿يا أيها الذين ءامنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان﴾ [المائدة:٩٠]١
التخريج
  1. ١أخرجه النحاس في ناسخه (ت: اللاحم) ١‏/‏٥٧٦.
١٠
عن زيد بن أسلم -من طريق القاسم بن عبد الله بن عمر بن حفص- أنّه قال: قال في سورة النساء [٤٣]: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون﴾، وقال في سورة البقرة: ﴿يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما﴾، فنُسِخَت في المائدة [٩٠]، فقال: ﴿يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون﴾١
التخريج
  1. ١أخرجه عبد الله بن وهب في الجامع - علوم القرآن ٣‏/‏٧٠ (١٥٧).
١١
عن محمد بن قيس -من طريق أبي مَعْشَرٍ المدني- قال: لَمّا قَدِم رسول الله ﷺ المدينةَ أتاه الناس، وقد كانوا يشرَبون الخمر ويأكلون المَيْسِر، فسأَلوه عن ذلك؛ فأنزل الله: ﴿يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما﴾. فقالوا: هذا شيءٌ قد جاء فيه رُخصةٌ؛ نأكل الميسر، ونشرب الخمر، ونستغفر من ذلك. حتى أتى رجلٌ صلاةَ المغرب، فجعَل يقرأ: ﴿قل يا أيها الكافرون * لا أعبد ما تعبدون * ولا أنتم عابدون ما أعبد﴾ [الكافرون:١-٣]. فجعَل لا يَجُوزُ ذلك، ولا يدري ما يقرأ؛ فأنزل الله: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى﴾ [النساء:٤٣]. فكان الناسُ يشربون الخمر حتى يجيءَ وقتُ الصلاة، فيَدَعُون شُربَها، فيأتون الصلاة وهم يعلمون ما يقولون، فلم يَزالوا كذلك حتى أنزل الله: ﴿إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام﴾ إلى قوله: ﴿فهل أنتم منتهون﴾ [المائدة:٩٠-٩١]. فقالوا: انتَهَيْنا، يا ربِّ١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٨‏/‏٦٥٨.
١٢
قال مقاتل بن سليمان: ﴿يسْئَلُونَكَ عَنِ الخَمْرِ والمَيْسِرِ﴾، يعني: القِمار. نزلت في عبد الرحمن بن عَوْف، وعمر بن الخطّاب، وعلي بن أبي طالب، ونفرٍ من الأَنْصار رضي الله عنهم، وذلك أنّ الرجل كان يقول في الجاهِلِيَّة: أين أصحاب الجَزُور؟ فيقوم نفرٌ فيشترون الجَزُور، فيجعلون لكلِّ رجل منهم [سهمًا]، ثُمَّ يُقْرِعون، فمَن خرج سهمُه يبرأُ من الثمن، حتّى يبقى آخرهم رَجُلًا؛ فيكون ثمن الجَزُور كله عليه وحده، ولا حقَّ له في الجَزُور، ويَقْتَسِم الجَزور بقيتُهم بينهم، فذلك المَيْسِر١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ١‏/‏١٨٨.
١٣
عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم -من طريق ابن وهْب- في قوله: ﴿يسألونك عن الخمر والميسر﴾ الآية كلها، قال: نُسِخَتْ ثلاثةٌ: في سورة المائدة، وبالحَدِّ الذي حَدَّ النبيُّ ﷺ، وضَرْبِ النبيِّ ﷺ. قال: كان النبيُّ ﷺ يضربهم بذلك حدًّا، ولكنه كان يعمل في ذلك برأيه، ولم يكن حدًّا مسمًّى وهو حَدٌّ، وقرأ: ﴿إنَّما الخَمْرُ والمَيْسِرُ﴾ الآية [المائدة:٩٠]١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٣‏/‏٦٨٦.
١٤
عن عمر بن الخطاب -من طريق أبي ميسرة عمرو بن شرحبيل- أنّه قال: اللَّهُمَّ، بَيِّن لنا في الخمر بيانًا شافيًا؛ فإنّها تَذْهَبُ بالمال والعقل. فنزَلت: ﴿يسألونك عن الخمر والميسر﴾ التي في سورة البقرة. فدُعِيَ عمر، فَقُرِئَتْ عليه، فقال: اللَّهُمَّ، بَيِّن لنا في الخمرِ بيانًا شافيًا. فنزَلت الآيةُ التي في سورة النساء [٤٣]: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى﴾. فكان مُنادِي رسول الله ﷺ إذا أقام الصلاة نادى أن: لا يَقْرَبَنَّ الصلاةَ سَكْرانُ. فدُعِي عمر، فقُرِئَت عليه، فقال: اللَّهُمَّ، بَيِّن لنا في الخمر بيانًا شافيًا. فنزلت الآية التي في المائدة [٩٠-٩١]، فدُعِي عمر، فقُرِئَت عليه، فلمّا بلَغَ: ﴿فهل أنتم منتهون﴾. قال عمر: انتَهَيْنا انتَهَيْنا١
التخريج
  1. ١أخرجه أحمد ١‏/‏٤٤٢-٤٤٣ (٣٧٨)، وأبو داود ٥‏/‏٥١٤ (٣٦٧٠)، والترمذي ٥‏/‏٢٩٢-٢٩٤ (٣٣٠١، ٣٣٠٢)، والنسائي ٨‏/‏٢٨٦ (٥٥٤٠)، والحاكم ٢‏/‏٣٠٥ (٣١٠١)، ٤‏/‏١٥٩ (٧٢٢٣)، وابن جرير ٨‏/‏٦٥٧-٦٥٨، وابن المنذر ٢‏/‏٧١٨ (١٧٩٦)، وابن أبي حاتم ٢‏/‏٣٨٨-٣٨٩ (٢٠٤٤)، ٣‏/‏٩٥٨ (٥٣٥١)، ٤‏/‏١٢٠٠ (٦٧٦٩). قال الترمذي في الموضع الأول: «وقد روي عن إسرائيل هذا الحديث مرسلًا». وقال في الموضع الثاني: «وهذا أصحُّ من حديث محمد بن يوسف». وقال الحاكم في الموضع الأول: «هذا حديث صحيح، على شرط الشيخين، ولم يخرجاه». وقال في الموضع الثاني: «هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه». وقال ابن كثير في مسند الفاروق ٢‏/‏٥٦٧: «وهكذا رواه علي بن المديني، عن عبيد الله بن موسى وإسحاق بن منصور، كلاهما عن إسرائيل به. وعن ابن مهدي، عن سفيان، عن أبي إسحاق به، وقال: هذا حديث كوفي صالح الإسناد». وقال الزَّيْلَعِيُّ في تخريج أحاديث الكشاف ١‏/‏١٣١-١٣٢: «غريب بهذا اللفظ، وذكره الثعلبي هكذا من غير سند». وقال ابن حجر في فتح الباري ٨‏/‏٢٧٩، والعيني في عمدة القاري ٢١‏/‏١٦٣: «صحّح هذا الحديث علي بن المديني».
١٥
عن عائشة -من طريق مسروق- قالت: لَمّا نزلت سورة البقرة نَزَل فيها تحريمُ الخمر، فنَهى رسولُ الله ﷺ عن ذلك١٢
التخريج
  1. ١أخرجه الخطيب في تاريخه ٩‏/‏٣٢٤ (٤٤١٠) في ترجمة داود بن الزبرقان. إسناده ضعيف جِدًّا؛ فيه داود بن الزبرقان الرقاشي، قال ابن حجر عنه في التقريب (١٧٨٥): «متروك، وكذّبه الأزدي». وقال ابن القيسراني في أطراف الغرائب والأفراد ٥‏/‏٥٣١ (٦٣٠٩): «تَفَرَّد به داود بن الزبرقان، عن عبد الأعلى، عن الحجاج بن أرطاة، عن أبي الضُّحى».
تعليقات المحققين
  1. ٢نَقَل ابنُ عطية (١/٥٣٤) قولًا يُشْبِهُ ما ورد في أثر عائشة، فقال: «قال الفارسي: وقال بعض أهل النظر: حُرِّمَت الخمر بهذه الآية؛ لأنّ الله تعالى قال: ﴿قُلْ إنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنها وما بَطَنَ والإثْمَ﴾ [الأعراف:٣٣]، وأخبر في هذه الآية أنّ فيها إثمًا؛ فهي حرام». ثُمَّ انتَقَدَه (١/٥٣٤) مستندًا إلى دلالة عقلية، فقال: «ليس هذا النظر بجيد؛ لأنّ الإثم الذي فيها هو الحرام، لا هي بعينها على ما يقتضيه هذا النظر».
١٦
عن عبد الله بن عباس -من طريق عكرمة- في قوله: ﴿يسألونك عن الخمر﴾ الآية، قال: نسَخَتْها: ﴿إنما الخمر والميسر﴾ الآية [المائدة:٩١]١٢
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ٢‏/‏٣٨٩، والبيهقي ٨‏/‏٢٨٥.
تعليقات المحققين
  1. ٢بيَّنَ ابنُ عطية (١/٥٣٠) أنّ المراد بقول ابن عباس هذا نَسْخُ ما في قوله ﴿ومَنافِعُ لِلنّاسِ﴾ من الإباحة، والإشارة إلى الترخيص.
١٧
عن عبد الله بن عباس -من طريق علي بن أبي طلحة- في قوله: ﴿يسألونك عن الخمر والميسر﴾ قال: الميسرُ: القِمار. كان الرجلُ في الجاهلية يُخاطِرُ عن أهلِه ومالِه، فأيُّهما قَمَرَ١ صاحبَه ذهَب بأهله وماله. وفي قوله: ﴿قل فيهما إثم كبير﴾ يعني: ما يَنقُصُ مِن الدِّين عند شُرْبِها، ﴿ومنافع للناس﴾ يقول: فيما يُصِيبون مِن لذَّتِها وفرحِها إذا شرِبوها، ﴿وإثمهما أكبر من نفعهما﴾ يقول: ما يَذْهَبُ مِن الدين والإثمُ فيه أكبرُ مما يُصِيبُون مِن لذَّتها وفرَحِها إذا شرِبوها؛ فأنزَل الله بعد ذلك: ﴿لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى﴾ الآية [النساء:٤٣]. فكانوا لا يَشْرَبونها عند الصلاة، فإذا صلَّوُا العشاءَ شرِبوها، فما يأتي الظهرُ حتى يَذْهَبَ عنهم السُّكْرُ، ثم إنّ ناسًا مِن المسلمين شرِبوها، فقاتَل بعضُهم بعضًا، وتكَلَّموا بما لا يَرْضى اللهُ مِن القول؛ فأنزَل الله: ﴿إنما الخمر والميسر والأنصاب﴾ الآية [المائدة:٩٠]. فحرَّم الخمرَ، ونهى عنها٢
التخريج
  1. ١قَمَرْتُ الرجلَ أقْمِرُهُ -بالكسر- قَمْرًا: إذا لاعَبْته فيه فَغَلَبْته. لسان العرب (قمر).
  2. ٢أخرجه النحاس في ناسخه ص١٨٦، والآجري في تحريم النَرْدِ والشَّطَرَنْجِ ص١٦٦ (٤٥) كلاهما مختصرًا، وابن جرير ٣‏/‏٦٧٤، ٦٧٦، ٦٧٨-٦٧٩، ٦٨٠، وابن أبي حاتم ٢‏/‏٣٩١، ٣٩٢ (٢٠٥٩، ٢٠٦١، ٢٠٦٦). وأورده الثعلبي ٢‏/‏١٥٠. إسناده جيد. وينظر: مقدمة الموسوعة.
١٨
عن عبد الله بن عمر -من طريق أبي توبة المصري- قال: نزَل في الخمر ثلاثُ آياتٍ؛ فأولُ شيءٍ نزل: ﴿يسألونك عن الخمر والميسر﴾ الآية. فقيل: حُرِّمت الخمرُ. فقالوا: يا رسول الله، دَعْنا ننتفِعُ بها كما قال الله عز وجل. فسَكَتَ عنهم، ثُمَّ نزلت هذه الآية: ﴿لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى﴾ [النساء:٤٣]. فقيل: حُرِّمت الخمر. فقالوا: يا رسول الله، لا نشربُها قُرْبَ الصلاة. فسَكَت عنهم، ثم نزَلت: ﴿يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر﴾ الآية [المائدة:٩٠]. فقال رسول الله ﷺ: «حُرِّمتِ الخمرُ»١
التخريج
  1. ١أخرجه أبو داود الطيالسي ٣‏/‏٤٦٢-٤٦٣ (٢٠٦٩)، والبيهقي في الشعب ٧‏/‏٣٩٤ (٥١٨١)، وابن جرير ٣‏/‏٦٨١، وابن أبي حاتم عن أبي طُعْمَةَ المصري ٢‏/‏٣٨٩ (٢٠٤٦)، ٤‏/‏١١٩٩ (٦٧٦٢). قال ابن أبي حاتم في العلل ٤‏/‏٤٨١-٤٨٢ (١٥٨٣): «قال أبي -في أبي توبة-: هذا خطأ، إنما هو أبو طعمة قارئ مصر، عن ابن عمر». وقال البوصيري في إتحاف الخيرة ٤‏/‏٣٤٦ (٣٧٢٠): «هذا إسناد ضعيف؛ لضعف محمد بن أبي حميد». وقال ابن عساكر في تاريخه ٦٦‏/‏٨٢ (٨٤١٢) في ترجمة أبي توبة المصري: «وأبو توبة هذا لم أجد له ذِكْرًا في كتاب من الكتب المشهورة، ومحمد بن أبي حميد سيء الحفظ».
١٩
عن أنس -من طريق عبد الحكم القَسْمَليِّ- قال: كنا نَشْرَبُ الخمر؛ فأُنزِلَت: ﴿يسألونك عن الخمر والميسر﴾ الآية. فقلنا: نَشْرَبُ منها ما يَنفَعُنا؛ فأُنزِلَت في المائدة [٩٠]: ﴿إنما الخمر والميسر﴾ الآية. فقالوا: اللهُمَّ، قد انتَهَيْنا١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ٢‏/‏٣٨٩-٣٩٠ (٢٠٤٨)، من طريق عبد الحكم القسملي، عن أنس به. إسناده ضعيف؛ فيه عبد الحكم بن عبد الله القسملي، قال ابن حجر عنه في التقريب (٣٧٤٩): «ضعيف».
٢٠
عن سعيد بن جبير -من طريق سالم- قال: لَمّا نَزَلت: ﴿يسألونك عن الخمر والميسر﴾ الآية؛ كَرِهها قومٌ لقوله: ﴿فيهما إثم كبير﴾، وشَرِبها قومٌ لقوله: ﴿ومنافع للناس﴾، حتى نزَلت: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى﴾. فكانوا يَدَعُونَها في حينِ الصلاة، ويشربونها في غير حِينِ الصلاة، حتى نزلت: ﴿إنما الخمر والميسر﴾ الآية. فقال عمرُ: ضَيْعَةً لكِ، اليومَ قُرِنتِ بالميسِر١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٣‏/‏٦٨٠-٦٨١.
٢١
عن مجاهد بن جبر -من طريق معمر عن رجل-، وعن قتادة بن دِعامة -من طريق مَعْمَر- في قوله: ﴿يسئلونك عن الخمروالميسر﴾، قالا: لَمّا نزلت هذه الآية شربها بعضُ الناس، وتركها بعضهم، حتى نزل تحريمُها في سورة المائدة١
التخريج
  1. ١أخرجه عبد الرزاق ١/ ٨٨، وابن جرير ٣/ ٦٨٤.
التفسير بالمأثور لسورة البقرة كاملة ←

وقفات تدبرية في الآية ٢١٩ من سورة البقرة

١٥ وقفةً في هذه الآية

  • (و يسألونك ماذا ينفقون قل الْعَفْوَ﴾ " العفو هنا : هو الفضل والزيادة ، أي : أنفقوا مما فضل وزاد ، وليس التجاوز والمغفرة ".

    — عبدالمحسن المطيري

  • ﴿يَسْأَلُوْنَكَ عَنِ الخَمْرِ وَالمَيْسِرِ﴾ قال القاسم بن محمّد: كل ما ألهى عن ذكر الله وعن الصلاة فهو مَيْسر.

    — فوائد القرآن

  • "قل..." إذا سمعت كلمة قل في القرآن فليزد تعظيمك لهذا النبي الذي اختاره الله من بين البشر ليقول لك ويخبرك عنه سبحانه.

    — علي الفيفي

  • ﴿يَسْأَلُوْنَكَ عَنِ الخَمْرِ وَالمَيْسِرِ﴾ قال القاسم بن محمّد: كل ما ألهى عن ذكر الله وعن الصلاة فهو مَيْسر.

    — محاسن التاويل

  • {وإثمهما أكبر من نفعهما} الإثم الكبير بعد التحريم والمنافع قبل التحريم وهي التجارة [القرطبي]

    — محاسن التاويل

  • حتى الخمر الخبيثة الملعونة أنصفها الكتاب العظيم ، . " قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس " هب الناس خمراً وأنصفهم !

    — عبدالله بلقاسم

  • مجالس في تدبر القرآن سورة البقرة - آيه 219

    — خالد السبت

  • سلسلة ( ختمة تعارف) سورة البقرة آية 219

    — حازم شومان

  • سلسلة ( ختمة تعارف) سورة البقرة آية 219.

    — حازم شومان

  • آية (٢١٩) : (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَآ أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذَلِكَ يُبيِّنُ اللّهُ لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ) * الخمر فعله خَمَر. نقول: خمره الشيء أي ستره ولذلك سمي خمراً لأنه يستر العقل ويحجبه عن التصرف والعمل.

    — مختصر لمسات بيانية

  • * ما الفرق بين (يبين الله لكم آياته) و(يبين الله لكم الآيات)في قوله تعالى (كذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (187) البقرة) (كَذَلِكَ يُبيِّنُ اللّهُ لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (219)) (وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (221))؟ آياته مضافة إلى لفظ الجلالة لتشريفها وتعظيمها. كلمة الآيات عامة من حيث اللغة أما (آياته) فخاصة إذن الإضافة إلى ضمير الله سبحانه وتعالى فيها تشريف وتعظيم. الآيات عامة من هذا يبدو لنا أنه في المواطن التي تضاف فيها إلى ضميره معناها أنها أهمّ وآكد، يعني المواطن التي يقول فيها (آياته) بالإضافة إلى ضميره سبحانه معناها أهم وآكد مما لم يضاف. إذن الآيات أعم أولاً والأمر الآخر أن آياته تكون في محل أهمّ وآكد لتشريفها. الأحكام المختصة بالحلال والحرام يقول آياته والتي الأقل منها يقول الآيات. (أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نسائكم هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ عَلِمَ اللّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتانُونَ أَنفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنكُمْ فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُواْ مَا كَتَبَ اللّهُ لَكُمْ وَكُلُواْ وَاشْرَبُواْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّواْ الصِّيَامَ إِلَى الَّليْلِ وَلاَ تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ فَلاَ تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (187) هذه أحكام، حلال وحرام قال آياته. (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَآ أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذَلِكَ يُبيِّنُ اللّهُ لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (219) البقرة) قال الآيات لأن هذه ليس فيها حلال وحرام (وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ) هذه في المندوبات وليست في الفروض، وحتى في (يسألونك عن الخمر والميسر) لم يكن فيها تحريم بعد. (وَلاَ تَنكِحُواْ الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلأَمَةٌ مُّؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلاَ تُنكِحُواْ الْمُشِرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُواْ وَلَعَبْدٌ مُّؤْمِنٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُوْلَـئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللّهُ يَدْعُوَ إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (221) هذه أحكام ومحرمات فقال (آياته)، مع الأحكام والحدود يقول آياته بإضافتها للفظ الجلالة وحسب الأهمية.

    — برنامج ورتل القران ترتيلا

  • مسات بيانية ما الفرق بين كذلك يبين الله لكم آياته و كذلك يبين الله لكم الآيات ؟ سورة البقرة آية 187

    — دريد ابراهيم الموصلي

و٣ وقفات أخرى لهذه الآية في الوقفات التدبرية.

الناسخ والمنسوخ في الآية ٢١٩ من سورة البقرة

من كتاب: الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه

﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلْخَمْرِ وَٱلْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَآ إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَٰفِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَآ أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ ٱلْعَفْوَ كَذٰلِكَ يُبيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمُ ٱلأيَٰتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ ﴾

قوله تعالى: ﴿يَسْألونَكَ عَن الخَمْرِ والمَيْسِر﴾ الآية:
أكثرُ العلماءِ على أنها ناسخةٌ لما كان مباحاً من شُربِ الخمر؛ لأنه تعالى أخبرنا أن في الخمر إثماً، وأخبرنا أن الإِثم محرمٌ بقوله تعالى:﴿قُلْ إنّما حَرّم رَبّي الفَوَاحِشَ ما ظَهَرَ مِنْهَا ومَا بَطَنَ والإِثمَ والبَغيَ بغير الحق﴾ [الأعراف: ٣٣] فنصَّ على أن الإِثم محرمٌ، وأخبر أن في شربِ الخمر إثماً، فهي محرّمةٌ بالنصّ الظّاهر الذي لا إشكالَ فيه. وما حَرُمْ: كثيرُه وقليلُه حرام، كلحم الخنزير والميتة والدّم.
وسورة البقرة مدنيةٌ، فلا يعترضُ على ما فيها (بما) نزل في الأنعام المكية (في قوله): ﴿قُلْ لاَ أجدُ فِيمَا أُوحِيَ إليَّ محرماً عَلَى طَاعِمٍ يطعمه إلا أن يَكُونَ﴾ [الآنعام: ١٤٥] الآية -؛ لأن هذا تحريمٌ نزل بمكّة (والخمر نزل تحريمها بالمدينة).
وزادنا (الله تأكيداً في تحريم الخمرِ بقوله: ﴿فهل أنتُم منتهون!!!﴾فهذا تهديدٌ ووعيدٌ يَدلاَّن على تأكيد التحريم للخمر. وزاد ذلك بياناً قولُ النبي - صلى الله عليه وسلم -: "حُرِّمَت الخمرُ بعينها والسَّكر من غيرها".
وأكَّد اللهُ ذلك وحقَّقَه بقوله تعالى: ﴿فاجْتَنِبُوه لعلكم تفلحون﴾ [المائدة: ٩٠]. و "لعلّ" من الله واجبةٌ، فضمانُ الفلاح في اجتنابها، فنظيرُه الخسرانُ مع مواقعتِها.
وكما أنه تعالى حرَّمَ أكلَ لحم الخنزير، وقليلُه ككثيرهِ حرام بإجماع - كذلك يجبُ أن يكونَ الخمرُ والمسكرُ من (غيرها في التحريم قليلُها ككثيرِها في التحريم)، وزادَ ذلك بياناً قولُه - عليه السلام -:"ما أسكرَ كثيرُه فقليلُه حرام".
قال ابنُ جُبَيْر: لما نزلت: ﴿قُلْ فِيهِمَا إثمٌ كَبِيرٌ ومنافع للناس﴾ [البقرة: ٢١٩] كَرِهَ الخمرَ قومٌ للإِثم، وشربَها قومٌ للمنافع، حتى نزل: ﴿لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وأنتم سُكارى﴾ [النساء: ٤٣] فتركوها عندَ الصَّلاة حتى نزلَت:﴿فَاجْتَنِبُوه لعلّكُمْ تُفْلِحُون﴾ [المائدة: ٩٠] فحرِّمَت.
فهذا يدلّ على أن آيةَ البقرةِ منسوخةٌ بآيةِ المائدة، والمائدةُ نزلت بعد البقرة بلا شك.
وقوله تعالى: ﴿ومنافعُ للناس﴾: منسوخٌ إباحةُ منافعِها بِنَسْخِ الخمر. والمنافعُ: هي ما كانوا ينحرون على الميسر من الجزور للضعفاء ولأنفسهم، وذلك قِمار، حرَّمه الله لأنه من أكل المال بالباطل المحرم بنص القرآن.
وقال ابنُ حبيب: المنافعُ التي في الخمر: هي أنّ الرّجلَ كان إذا أصابتْهُ مصيبةٌ تُكْرِبُه وتُغِمُّه، سُقِيَ الخمرَ فذهب عنه ذلك الغمّ.
وقيل: المنافعُ في الخمر: ما يصيبون من لذّتها وسرورها عندَ شُربها.
قوله تعالى: ﴿ويَسْألُونَكَ ماذا يُنفِقُون، قل العَفوَ﴾ [البقرة: ٢١٩].
قال ابنُ عباس: [هي منسوخةٌ بفرض الزكاة].
وقيل: هي محكمةٌ غيرُ منسوخةٍ والمراد بالعفو: الزّكاةُ بعينِها.
وقيل: هي محكمةٌ مخصوصةٌ في التطوّع. والعفو - عند ابن عباس -: القليلُ الذي لا يتبينُ خروجُه من المال.
وقال طاووس: العفو: اليسيرُ من كُلّ شيء.
وقال الحسنُ وعطاء: العفو: ما لا يكون إسرافاً ولا إقتاراً.
وقال مجاهد: العفو: الصدقةُ عن ظهرِ غنى.
وقال الربيعُ: العفو: ما طاب من المال.
وقال قتادةُ: العفو أفضلُ المال وأطيبُه.

فتاوى متعلقة بالآية ٢١٩ من سورة البقرة

فتوى واحدة تتعلق بهذه الآية

ترجمات معاني الآية ٢١٩ من سورة البقرة

ترجمة معاني الآية إلى ٦٠ لغةً

(219) They ask you about wine[80] and gambling. Say, "In them is great sin and [yet, some] benefit for people. But their sin is greater than their benefit." And they ask you what they should spend. Say, "The excess [beyond needs]." Thus Allāh makes clear to you the verses [of revelation] that you might give thought
[80]- The word "khamr" (wine) includes all intoxicants. The final prohibition is given in 5:90-91.
— الترجمة الإنجليزية - صحيح انترناشونال