الهداية الى بلوغ النهاية — مكي بن أبي طالب

عن الكتاب
قوله(١٤) :( قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ ) [ ٢١٧ ].
من قرأ بالثاء(١٥) فقراءته(١٦) مختارة، لأن الكثرة تشتمل على العظم(١٧) والكبر، والكبر(١٨) والعظم لا يشتمل على الكثرة فبالثاء(١٩) أعم وأولى. وكل ما كثر فقد عظم وليس كل ما عظم بكثير، فوصف الإثم بالكثرة أبلغ من وصفه بالعظم، وقد قال تعالى :( وَادْعُوا ثُبُوراً كَثِيراً )(٢٠)، وأيضاً فإن الإثم الأول بمعنى الآثام لقوله : " ومنافع " ولم يقرأ " ومنفعة ". والآثام فبالكثرة توصف أولى من العِظم. وأما الثاني فهو إجماع بالباء لأنه يراد به التوحيد لا الجمع(٢١).
ومن قرأ(٢٢) بالباء(٢٣) فحجته إجماعهم(٢٤) على ( أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا )(٢٥) بالباء(٢٦)، أي أعظم. وقوله :( حُوباً كَبِيراً )(٢٧)(٢٨)، وقول العرب : " إِثْمٌ صَغِيرٌ "، يدل على جواز " كبير " وَحُسْنِهِ وترك استعمالهم " لإثم قليل "، يدل على بعد " كثير ". وإجماع المسلمين على قولهم : " صغائر وكبائر "، يدل على حسن " كبير ". ونزلت الآية جواباً لمن سأل النبي [ عليه السلام ](٢٩) عن الخمر والميسر.
والخمر : ما خامر العقل أي ستره، فكل شراب ستر العقل وأحاله فهو خمر، يقال : " دخل(٣٠) فِي خِمَارِ النَّاسِ " أي هو مستتر في الناس، ويقال للضبع : " خَامِرِي أُمِّ عَامِر " (٣١)، أي استتري(٣٢). وخمار المرأة قناعها لأنه يسترها. وقولهم : " اخْتَمَرَ العَجِينُ "، أي غطى فطورته الاختمار(٣٣).
والميسر القمار سمي بذلك لما كانوا ييسرون من الجزور وغيرها للقمار عليها(٣٤).
وقال مجاهد : " كل القمار من الميسر حتى لعب الصبيان بالجوز(٣٥) " (٣٦).
وقال عطاء : " حتى لعب الصبيان بالكعاب " (٣٧).
وقال القاسم : " كل ما أنهى عن ذكر الله وعن الصلاة فهو ميسر " (٣٨).
قال(٣٩) ابن عباس : " كان الرجل في الجاهلية يخاطر عن أهله وماله، فأيهما قامر صاحبه ذهب بأهل الآخر(٤٠) وماله " (٤١).
وأشعار العرب : تدل على أن الميسر كان قماراً بينهم في الجزور(٤٢) خاصة(٤٣).
وقيل : سمي ميسراً لأنهم كانوا يجزرون(٤٤) الجزور. وكل/شيء جزرته فقد يسرته والياسر الجازر. فقيل للضاربين بالقداع : ياسرون، لأنه سبب لتجزئة(٤٥) الجزور(٤٦).
ويقال للضارب بالقداح " يَسَرٌ وأَيْسَارٌ " (٤٧).
وقيل : إن " يَسْراً " جمع " لِيَاسِرٍ "، ثم يجمع " يَسَرٌ " على " أَيْسَارٍ "، وكانت العرب(٤٨) أهل المقدرة منهم يقامرون على الإبل في الشدائد، ويجعلون لحومها للفقراء/منهم لتعدل أحوال الناس، ولذلك قال(٤٩) :( وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ )(٥٠) " (٥١).
والقداع التي كانوا يقامرون بها عشرة : منها سبعة ذوات خطوط، على واحد علامة يعرف بها، وهي : الفذ، والتوأم، والرقيب، والحلس، والنافس، والمسبل(٥٢)، والمعلى. ومنها ثلاثة لا خطوط فيها، يقال لها : الأغفال/والغفل من الدواب الذي لا سمعة له ؛ وهي : السفيح والمنيح، والوغد(٥٣) وليس لها سهام. والسبعة الأول للفذ منها نصيب، وللتوأم نصيبان، وللرقيب ثلاثة، وللحلس(٥٤) أربعة، وللنافس خمسة، وللمسبل ستة، وللمعلى سبعة، وعلى كل واحد من العلامة على قدر ماله من الأنصباء(٥٥).
وقوله :( وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ )(٥٦) [ ٢١٧ ].
هي أثمانها(٥٧) وما كانوا يصيبون من الجزور.
( وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَّفْعِهِمَا ) [ ٢١٧ ].
أي(٥٨) الإثم فيهما بعد التحريم أكبر من النفع قبل التحريم. قال(٥٩) سعيد بن جبير : " لما نزلت :( قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ ) كره الخمر قوم للإثم، وشربها قوم للمنافع وهو الفرح الذي فيها حتى نزلت ( لاَ تَقْرَبُوا الصَّلاَةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى )(٦٠)، فتركوها عند الصلاة حتى نزلت/( إِنَّمَا الخَمْرُ وَالمَيْسِرُ وَالاَنْصَابُ والاَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ )(٦١) فحرمت(٦٢) " (٦٣).
فهذا يدل على أنها منسوخة بما في " المائدة " (٦٤).
وروي أن عمر رضي الله عنه كان يقول : " اللهم بيّن لنا في الخمر "، فنزلت :( يَسْئَلُونَكَ عَنِ الخَمْرِ )(٦٥) الآية [ البقرة ٢١٨ ]، فقرئت عليه، فقال :[ اللهم بين لنا في الخمر بياناً شافياً، فإنها تذهب العقل والمال ](٦٦)، فنزلت ( لاَ تَقْرَبُوا الصَّلاَةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى )، فقرئت عليه(٦٧)، فقال : اللهم بين لنا في الخمر بياناً شافياً، فنزلت :( إِنَّمَا الخَمْرُ وَالمَيْسِرُ ) الآية التي في المائدة فقال عمر : انتهينا، انتهينا(٦٨) " (٦٩).
فالخمر محرمة بنص القرآن لأن الله جل ذكره أخبرنا في هذه(٧٠) السورة أن فيها إثماً كبيراً، وحرم(٧١) تعالى اكتساب(٧٢) الإثم بقوله تعالى(٧٣) :( قُلِ اِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالاِثْمَ )(٧٤) أي واكتساب الإثم(٧٥). فهذا نص ظاهر في التحريم مع قوله :( فَهَلَ اَنْتُمْ مُّنْتَهُونَ )(٧٦). فهذا تهدد ووعيد ؛ وذلك لا يكون إلا في المحرمات مع قوله :( لاَ تَقْرَبُوا الصَّلاَةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى )(٧٧)، فتحريم المسكر منصوص بَيِّنٌ في كتاب الله [ جل وعز ](٧٨)، وكل ما أسكر فهو خمر، لأن كل مسكر يخامر العقل، وكل ما خامر العقل فهو خمر وهو مسكر(٧٩).
وإنما سميت الخمر خمراً لأنها تخامر العقل، أي تخالطه.
وقيل : سميت بذلك لأنها تخمر، أي تغطي من الخمار الذي تغطى به.
وقيل : سميت بذلك لأنها تخمر العقل، أي تستره(٨٠) من الخمار الذي يغطى(٨١) به الرأس(٨٢).
قوله :( قُلِ العَفْوَ ) [ ٢١٧ ]. أي تتصدق بما فضل عن أهلك(٨٣).
قال السدي : " كانوا يعملون كل يوم بما فيه، فإن فضل في ذلك اليوم فضْلٌ عن العيال قدموه " (٨٤).
وقال ابن عباس : " العفو(٨٥) مالا يتبين/خروجه من المال(٨٦) ".
وقال طاوس : " العفو اليسير من كل شيء " (٨٧).
وقال اليزيدي(٨٨) : العفو هو ما أطقته من غير أن تجهد(٨٩) فيه نفسك(٩٠) ".
وقيل : ما فضل عن أهلك(٩١).
وروي أن هذه الآية ( وَيَسْئَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ ) نزلت في رجل أتى إلى النبي [ ﷺ ](٩٢) فقال : " إن(٩٣) لي ديناراً "، فقال : أَنْفِقْهُ عَلَى نَفْسِكَ. فقال : إن لي دينارين. فقال : أَنْفِقْهُمَا(٩٤) عَلَى أَهْلِكَ، فقال : إن لي ثلاثة، قال(٩٥) أَنْفِقْهَا(٩٦) عَلَى خَادِمِكَ. [ قال : إن ](٩٧) لي أربعة، قال(٩٨) : أَنْفِقْهَا عَلَى وَالِدَيْكَ(٩٩)، قال : إِنَّ لي خمسة. قال : أَنْفِقْهَا عَلَى قَرَابَتِكَ قال : إن لي ستة. قال أَنْفِقْهَا فِي سَبِيلِ اللهِ " (١٠٠).
يريد لي الدينار غير الدينار، ولي اثنان غير الاثنين/، وثلاثة غير الثلاثة، وكذلك ما بعده.
وقيل : العفو ما لا يكون إسرافاً ولا إقتاراً(١٠١). قاله عطاء والحسن(١٠٢) وقاله مجاهد : " العفو الصدقة عن ظهر غنى(١٠٣) " (١٠٤).
وروي عن ابن عباس في حد العفو : أمر النبي ﷺ [ أن يأخذ ](١٠٥) ما أتوا به من قليل(١٠٦) أو كثير(١٠٧).
وقال الربيع : " العفو/ما(١٠٨) طاب من المال " (١٠٩).
وقال قتادة : " العفو أفضل المال، وأطيبه(١١٠) أفضله " (١١١).
قال(١١٢) ابن عباس : " هي منسوخة بالزكاة " (١١٣).
وقيل : إنما هي الزكاة، وليست منسوخة(١١٤).
وقيل : إنما في التطوع، سألوا عنه فأجيبوا، فهي محكمة وليست بغرض(١١٥).
قوله :( كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الاَيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ. فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ ) [ ٢١٧-٢١٨ ].
معناه : مثل( $ $ $٠١١٦ ) ما بين لكم الخمر والميسر وما فيهما يبين لكم الآيات( $ $ $٠١١٧ ) لعلكم تتفكرون في نفاذ الدنيا وزوالها وبقاء الآخرة ونعيمها فتعملون للباقية( $ $ $٠١١٨ ) منهما.
وقيل : معناه : لعلكم تتفكرون في فضل ما بينهما( $ $ $٠١١٩ ).
وقيل :/في الكلام تقديم وتأخير، وتقديره : " يبين الله( $ $ $٠١٢٠ ) لكم الآيات في الدنيا والآخرة "، أي في أمرهما لعلكم تتفكرون( $ $ $٠١٢١ ).

تفسير هذه الآية من كتب أخرى