مفاتيح الغيب — فخر الدين الرازي
عن الكتاب
الحكم الثالث : في الخمر
قوله عز وجل :﴿يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما﴾.
اعلم أن قوله :﴿يسألونك عن الخمر والميسر﴾ ليس فيه بيان أنهم عن أي شيء سألوا، فإنه يحتمل أنهم سألوا عن حقيقته وماهيته، ويحتمل أنهم سألوا عن حل الانتفاع به، ويحتمل أنهم سألوا عن حل شربه وحرمته إلا أنه تعالى لما أجاب بذكر الحرمة دل تخصيص الجواب على أن ذلك السؤال كان وقعا عن الحل والحرمة.
وفي الآية مسائل :
المسألة الأولى : قالوا : نزلت في الخمر أربع آيات، نزل بمكة قوله تعالى :﴿ومن ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه سكرا ورزقا حسنا﴾ وكان المسلمون يشربونها وهي حلال لهم، ثم إن عمر ومعاذا ونفرا من الصحابة قالوا : يا رسول الله أفتنا في الخمر، فإنها مذهبة للعقل، مسلبة للمال، فنزل فيها قوله تعالى :﴿قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس﴾ فشربها قوم وتركها آخرون، ثم دعا عبد الرحمن بن عوف ناسا منهم، فشربوا وسكروا، فقام بعضهم يصلي فقرأ : قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون، فنزلت :﴿لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى﴾ فقل من شربها، ثم اجتمع قوم من الأنصار وفيهم سعد بن أبي وقاص، فلما سكروا افتخروا وتناشدوا الأشعار حتى أنشد سعد شعرا فيه هجاء للأنصار، فضربه أنصاري بلحى بعير فشجه شجة موضحة، فشكا إلى رسول الله ﷺ فقال عمر : اللهم بين لنا في الخمر بيانا شافيا فنزل :﴿إنما الخمر والميسر﴾ إلى قوله :﴿فهل أنتم منتهون﴾ فقال عمر : انتهينا يا رب، قال القفال رحمه الله : والحكمة في وقوع التحريم على هذا الترتيب أن الله تعالى علم أن القوم قد كانوا ألفوا شرب الخمر، وكان انتفاعهم بذلك كثيرا، فعلم أنه لو منعهم دفعة واحدة لشق ذلك عليهم، فلا جرم استعمل في التحريم هذا التدريج، وهذا الرفق، ومن الناس من قال بأن الله حرم الخمر والميسر بهذه الآية، ثم نزل قوله تعالى :﴿لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى﴾ فاقتضى ذلك تحريم شرب الخمر وقت الصلاة، لأن شارب الخمر لا يمكنه أن يصلي إلا مع السكر، فكان المنع من ذلك منعا من الشرب ضمنا، ثم نزلت آية المائدة فكانت في غاية القوة في التحريم، وعن الربيع بن أنس أن هذه الآية نزلت بعد تحريم الخمر.
المسألة الثانية : اعلم أن عندنا أن هذه الآية دالة على تحريم الخمر فنفتقر إلى بيان أن الخمر ما هو ؟ ثم إلى بيان أن هذه الآية دالة على تحريم شرب الخمر.
أما المقام الأول : في بيان أن الخمر ما هو ؟ قال الشافعي رحمه الله : كل شراب مسكر فهو خمر، وقال أبو حنيفة : الخمر عبارة عن عصير العنب الشديد الذي قذف بالزبد، حجة الشافعي على قوله وجوه أحدها : ما روى أبو داود في «سننه » : عن الشعبي عن ابن عمر رضي الله عنهما، قال : نزل تحريم الخمر يوم نزل وهي من خمسة : من العنب، والتمر، والحنطة، والشعير، والذرة، والخمر ما خامر العقل، وجه الاستدلال به من ثلاثة أوجه أحدها : أن عمر رضي الله عنه أخبر أن الخمر حرمت يوم حرمت وهي تتخذ من الحنطة والشعير، كما أنها كانت تتخذ من العنب والتمر، وهذا يدل على أنهم كانوا يسمونها كلها خمرا وثانيها : أنه قال : حرمت الخمر يوم حرمت، وهي تتخذ من هذه الأشياء الخمر، وهذا كالتصريح بأن تحريم الخمر يتناول تحريم هذه الأنواع الخمسة وثالثها : أن عمر رضي الله عنه ألحق بها كل ما خامر العقل من شراب، ولا شك أن عمر كان عالما باللغة، وروايته أن الخمر اسم لكل ما خامر العقل فغيره.
الحجة الثانية : روى أبو داود عن النعمان بن بشير رضي الله عنه قال : قال رسول الله ﷺ :« إن من العنب خمرا، وإن من التمر خمرا، وإن من العسل خمرا، وإن من البر خمرا، وإن من الشعير خمرا » والاستدلال به من وجهين أحدهما : أن هذا صريح في أن هذه الأشياء داخلة تحت اسم الخمر فتكون داخلة تحت الآية الدالة على تحريم الخمر والثاني : أنه ليس مقصود الشارع تعليم اللغات، فوجب أن يكون مراده من ذلك بيان أن الحكم الثابت في الخمر ثابت فيها، أو الحكم المشهور الذي اختص به الخمر هو حرمة الشرب، فوجب أن يكون ثابتا في هذه الأشربة، قال الخطابي رحمه الله : وتخصيص الخمر بهذه الأشياء الخمسة ليس لأجل أن الخمر لا يكون إلا من هذه الخمسة بأعيانها، وإنما جرى ذكرها خصوصا لكونها معهودة في ذلك الزمان، فكل ما كان في معناها من ذرة أو سلت أو عصارة شجرة، فحكمها حكم هذه الخمسة، كما أن تخصيص الأشياء الستة بالذكر في خبر الربا لا يمنع من ثبوت حكم الربا في غيرها.
الحجة الثالثة : روى أبو داود أيضا عن نافع عن ابن عمر، قال : قال رسول الله ﷺ :« كل مسكر خمر، وكل مسكر حرام » قال الخطابي : قوله عليه السلام « كل مسكر خمر » دل على وجهين أحدهما : أن الخمر اسم لكل ما وجد منه السكر من الأشربة كلها، والمقصود منه أن الآية لما دلت على تحريم الخمر، وكان مسمى الخمر مجهولا للقوم حسن من الشارع أن يقال : مراد الله تعالى من هذه اللفظة هذا إما على سبيل أن هذا هو مسماه في اللغة العربية، أو على سبيل أن يضع اسما شرعيا على سبيل الأحداث كما في الصلاة والصوم وغيرهما.
والوجه الآخر : أن يكون معناه أنه كالخمر في الحرمة، وذلك لأن قوله هذا خمر فحقيقة هذا اللفظ يفيد كونه في نفسه خمرا فإن قام دليل على أن ذلك ممتنع وجب حمله مجازا على المشابهة في الحكم، الذي هو خاصية ذلك الشيء.
الحجة الرابعة : روى أبو داود عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت : سئل رسول الله ﷺ عن البتع، فقال :" كل شراب أسكر فهو حرام " قال الخطابي : البتع شراب يتخذ من العسل، وفيه إبطال كل تأويل يذكره أصحاب تحليل الأنبذة، وإفساد لقول من قال : إن القليل من المسكر مباح، لأنه عليه السلام سئل عن نوع واحد من الأنبذة فأجاب عنه بتحريم الجنس، فيدخل فيه القليل والكثير منها، ولو كان هناك تفصيل في شيء من أنواعه ومقاديره لذكره ولم يهمله.
الحجة الخامسة : روى أبو داود عن جابر بن عبد الله، قال : قال رسول الله ﷺ :" ما أسكر كثيره فقليله حرام "
الحجة السادسة : روي أيضا عن القاسم عن عائشة، قالت : سمعت رسول الله ﷺ يقول :" كل مسكر حرام وما أسكر منه الفرق فملء الكف منه حرام " قال الخطابي :«الفرق » مكيال يسع ستة عشر رطلا، وفيه أبين البيان أن الحرمة شاملة لجميع أجزاء الشراب.
الحجة السابعة : روى أبو داود عن شهر بن حوشب، عن أم سلمة، قالت : نهى رسول الله ﷺ عن كل مسكر ومفتر، قال الخطابي : المفتر كل شراب يورث الفتور والخدر في الأعضاء، وهذا لا شك أنه متناول لجميع أنواع الأشربة، فهذه الأحاديث كلها دالة على أن كل مسكر فهو خمر، وهو حرام.
النوع الثاني : من الدلائل على أن كل مسكر خمر التمسك بالاشتقاقات، قال أهل اللغة : أصل هذا الحرف التغطية، سمي الخمار خمارا لأنه يغطي رأس المرأة، والخمر ما واراك من شجر وغيره، من وهدة وأكمة، وخمرت رأس الإناء أي غطيته، والخامر هو الذي يكتم شهادته، قال ابن الأنباري : سميت خمرا لأنها تخامر العقل، أي تخالطه، يقال : خامره الداء إذا خالطه، وأنشد لكثير :
هنيئا مريئا غير داء مخامر ***. . .
ويقال خامر السقام كبده، وهذا الذي ذكره راجع إلى الأول، لأن الشيء إذا خالط الشيء صار بمنزلة الساتر له، فهذه الاشتقاقات دالة على أن الخمر ما يكون ساترا للعقل، كما سميت مسكرا لأنها تسكر العقل أي تحجزه، وكأنها سميت بالمصدر من خمره خمرا إذا ستره للمبالغة، ويرجع حاصله إلى أن الخمر هو السكر، لأن السكر يغطي العقل، ويمنع من وصول نوره إلى الأعضاء، فهذه الاشتقاقات من أقوى الدلائل على أن مسمى الخمر هو المسكر، فكيف إذا انضافت الأحاديث الكثيرة إليه لا يقال هذا إثبات للغة بالقياس، وهو غير جائز، لأنا نقول : ليس هذا إثباتا للغة بالقياس، بل هو تعيين المسمى بواسطة هذه الاشتقاقات، كما أن أصحاب أبي حنيفة رحمهم الله يقولون إن مسمى النكاح هو الوطء ويثبتونه بالاشتقاقات، ومسمى الصوم هو الإمساك، ويثبتونه بالاشتقاقات.
النوع الثالث : من الدلائل الدالة على أن الخمر هو المسكر، أن الأمة مجمعة على أن الآيات الواردة في الخمر ثلاثة واثنان منها وردا بلفظ الخمر أحدهما : هذه الآية والثانية : آية المائدة والثالثة : وردت في السكر وهو قوله :﴿لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى﴾ وهذا يدل على أن المراد من الخمر هو المسكر.
النوع الرابع : من الحجة أن سبب تحريم الخمر هو أن عمر ومعاذا قالا : يا رسول الله إن الخمر مسلبة للعقل، مذهبة للمال، فبين لنا فيه، فهما إنما طلبا الفتوى من الله ورسوله بسبب كون الخمر مذهبة للعقل، فوجب أن يكون كل ما كان مساويا للخمر في هذا المعنى إما أن يكون خمرا وإما أن يكون مساويا للخمر في هذا الحكم.
النوع الخامس : من الحجة أن الله علل تحريم الخمر بقوله تعالى :﴿إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة﴾ ولا شك أن هذه الأفعال معللة بالسكر، وهذا التعليل يقيني، فعلى هذا تكون هذه الآية نصا في أن حرمة الخمر معللة بكونها مسكرة، فإما أن يجب القطع بأن كل مسكر خمر، وإن لم يكن كذلك فلا بد من ثبوت هذا الحكم في كل مسكر، وكل من أنصف وترك العناد، علم أن هذه الوجوه ظاهرة جلية في إثبات هذا المطلوب حجة أبي حنيفة رحمه الله من وجوه أحدها : قوله تعالى :﴿ومن ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه سكرا ورزقا حسنا﴾ من الله تعالى علينا باتخاذ السكر والرزق الحسن، وما نحن فيه سكر ورزق حسن، فوجب أن يكون مباحا لأن المنة لا تكون إلا بالمباح.
والحجة الثانية : ما روى ابن عباس أنه عليه الصلاة والسلام أتى السقاية عام حجة الوداع فاستند إليها، وقال : اسقوني، فقال العباس : ألا أسقيك مما ننبذه في بيوتنا ؟ فقال : ما تسقي الناس، فجاءه بقدح من نبيذ فشمه، فقطب وجهه ورده، فقال العباس : يا رسول الله أفسدت على أهل مكة شرابهم، فقال : ردوا علي القدح، فردوه عليه، فدعا بماء من زمزم وصب عليه وشرب، وقال : إذا اغتلمت عليكم هذه الأشربة فاقطعوا منتها بالماء.
وجه الاستدلال به أن التقطيب لا يكون إلا من الشديد، ولأن المزج بالماء كان لقطع الشدة بالنص، ولأن اغتلام الشراب شدته، كاغتلام البعير سكره.
الحجة الثالثة : التمسك بآثار الصحابة.
والجواب عن الأول : أن قوله تعالى :﴿تتخذون منه سكرا ورزقا حسنا﴾ نكرة في الإثبات، فلم قلتم : إن ذلك السكر والرزق الحسن هو هذا النبيذ ؟ ثم أجمع المفسرون على أن تلك الآية كانت نازلة قبل هذه الآيات الثلاث الدالة على تحريم الخمر، فكانت هذه الثلاثة إما ناسخة، أو مخصصة لها.
وأما الحديث فلعل ذلك النبيذ كان ماء نبذت تمرات فيه لتذهب الملوحة فتغير طعم الماء قليلا إلى الحموضة، وطبعه عليه السلام كان في غاية اللطافة، فلم يحتمل طبعه الكريم ذلك الطعم، فلذلك قطب وجهه، وأيضا كان المراد بصب الماء فيه إزالة ذلك القذر
قوله عز وجل :﴿يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما﴾.
اعلم أن قوله :﴿يسألونك عن الخمر والميسر﴾ ليس فيه بيان أنهم عن أي شيء سألوا، فإنه يحتمل أنهم سألوا عن حقيقته وماهيته، ويحتمل أنهم سألوا عن حل الانتفاع به، ويحتمل أنهم سألوا عن حل شربه وحرمته إلا أنه تعالى لما أجاب بذكر الحرمة دل تخصيص الجواب على أن ذلك السؤال كان وقعا عن الحل والحرمة.
وفي الآية مسائل :
المسألة الأولى : قالوا : نزلت في الخمر أربع آيات، نزل بمكة قوله تعالى :﴿ومن ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه سكرا ورزقا حسنا﴾ وكان المسلمون يشربونها وهي حلال لهم، ثم إن عمر ومعاذا ونفرا من الصحابة قالوا : يا رسول الله أفتنا في الخمر، فإنها مذهبة للعقل، مسلبة للمال، فنزل فيها قوله تعالى :﴿قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس﴾ فشربها قوم وتركها آخرون، ثم دعا عبد الرحمن بن عوف ناسا منهم، فشربوا وسكروا، فقام بعضهم يصلي فقرأ : قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون، فنزلت :﴿لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى﴾ فقل من شربها، ثم اجتمع قوم من الأنصار وفيهم سعد بن أبي وقاص، فلما سكروا افتخروا وتناشدوا الأشعار حتى أنشد سعد شعرا فيه هجاء للأنصار، فضربه أنصاري بلحى بعير فشجه شجة موضحة، فشكا إلى رسول الله ﷺ فقال عمر : اللهم بين لنا في الخمر بيانا شافيا فنزل :﴿إنما الخمر والميسر﴾ إلى قوله :﴿فهل أنتم منتهون﴾ فقال عمر : انتهينا يا رب، قال القفال رحمه الله : والحكمة في وقوع التحريم على هذا الترتيب أن الله تعالى علم أن القوم قد كانوا ألفوا شرب الخمر، وكان انتفاعهم بذلك كثيرا، فعلم أنه لو منعهم دفعة واحدة لشق ذلك عليهم، فلا جرم استعمل في التحريم هذا التدريج، وهذا الرفق، ومن الناس من قال بأن الله حرم الخمر والميسر بهذه الآية، ثم نزل قوله تعالى :﴿لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى﴾ فاقتضى ذلك تحريم شرب الخمر وقت الصلاة، لأن شارب الخمر لا يمكنه أن يصلي إلا مع السكر، فكان المنع من ذلك منعا من الشرب ضمنا، ثم نزلت آية المائدة فكانت في غاية القوة في التحريم، وعن الربيع بن أنس أن هذه الآية نزلت بعد تحريم الخمر.
المسألة الثانية : اعلم أن عندنا أن هذه الآية دالة على تحريم الخمر فنفتقر إلى بيان أن الخمر ما هو ؟ ثم إلى بيان أن هذه الآية دالة على تحريم شرب الخمر.
أما المقام الأول : في بيان أن الخمر ما هو ؟ قال الشافعي رحمه الله : كل شراب مسكر فهو خمر، وقال أبو حنيفة : الخمر عبارة عن عصير العنب الشديد الذي قذف بالزبد، حجة الشافعي على قوله وجوه أحدها : ما روى أبو داود في «سننه » : عن الشعبي عن ابن عمر رضي الله عنهما، قال : نزل تحريم الخمر يوم نزل وهي من خمسة : من العنب، والتمر، والحنطة، والشعير، والذرة، والخمر ما خامر العقل، وجه الاستدلال به من ثلاثة أوجه أحدها : أن عمر رضي الله عنه أخبر أن الخمر حرمت يوم حرمت وهي تتخذ من الحنطة والشعير، كما أنها كانت تتخذ من العنب والتمر، وهذا يدل على أنهم كانوا يسمونها كلها خمرا وثانيها : أنه قال : حرمت الخمر يوم حرمت، وهي تتخذ من هذه الأشياء الخمر، وهذا كالتصريح بأن تحريم الخمر يتناول تحريم هذه الأنواع الخمسة وثالثها : أن عمر رضي الله عنه ألحق بها كل ما خامر العقل من شراب، ولا شك أن عمر كان عالما باللغة، وروايته أن الخمر اسم لكل ما خامر العقل فغيره.
الحجة الثانية : روى أبو داود عن النعمان بن بشير رضي الله عنه قال : قال رسول الله ﷺ :« إن من العنب خمرا، وإن من التمر خمرا، وإن من العسل خمرا، وإن من البر خمرا، وإن من الشعير خمرا » والاستدلال به من وجهين أحدهما : أن هذا صريح في أن هذه الأشياء داخلة تحت اسم الخمر فتكون داخلة تحت الآية الدالة على تحريم الخمر والثاني : أنه ليس مقصود الشارع تعليم اللغات، فوجب أن يكون مراده من ذلك بيان أن الحكم الثابت في الخمر ثابت فيها، أو الحكم المشهور الذي اختص به الخمر هو حرمة الشرب، فوجب أن يكون ثابتا في هذه الأشربة، قال الخطابي رحمه الله : وتخصيص الخمر بهذه الأشياء الخمسة ليس لأجل أن الخمر لا يكون إلا من هذه الخمسة بأعيانها، وإنما جرى ذكرها خصوصا لكونها معهودة في ذلك الزمان، فكل ما كان في معناها من ذرة أو سلت أو عصارة شجرة، فحكمها حكم هذه الخمسة، كما أن تخصيص الأشياء الستة بالذكر في خبر الربا لا يمنع من ثبوت حكم الربا في غيرها.
الحجة الثالثة : روى أبو داود أيضا عن نافع عن ابن عمر، قال : قال رسول الله ﷺ :« كل مسكر خمر، وكل مسكر حرام » قال الخطابي : قوله عليه السلام « كل مسكر خمر » دل على وجهين أحدهما : أن الخمر اسم لكل ما وجد منه السكر من الأشربة كلها، والمقصود منه أن الآية لما دلت على تحريم الخمر، وكان مسمى الخمر مجهولا للقوم حسن من الشارع أن يقال : مراد الله تعالى من هذه اللفظة هذا إما على سبيل أن هذا هو مسماه في اللغة العربية، أو على سبيل أن يضع اسما شرعيا على سبيل الأحداث كما في الصلاة والصوم وغيرهما.
والوجه الآخر : أن يكون معناه أنه كالخمر في الحرمة، وذلك لأن قوله هذا خمر فحقيقة هذا اللفظ يفيد كونه في نفسه خمرا فإن قام دليل على أن ذلك ممتنع وجب حمله مجازا على المشابهة في الحكم، الذي هو خاصية ذلك الشيء.
الحجة الرابعة : روى أبو داود عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت : سئل رسول الله ﷺ عن البتع، فقال :" كل شراب أسكر فهو حرام " قال الخطابي : البتع شراب يتخذ من العسل، وفيه إبطال كل تأويل يذكره أصحاب تحليل الأنبذة، وإفساد لقول من قال : إن القليل من المسكر مباح، لأنه عليه السلام سئل عن نوع واحد من الأنبذة فأجاب عنه بتحريم الجنس، فيدخل فيه القليل والكثير منها، ولو كان هناك تفصيل في شيء من أنواعه ومقاديره لذكره ولم يهمله.
الحجة الخامسة : روى أبو داود عن جابر بن عبد الله، قال : قال رسول الله ﷺ :" ما أسكر كثيره فقليله حرام "
الحجة السادسة : روي أيضا عن القاسم عن عائشة، قالت : سمعت رسول الله ﷺ يقول :" كل مسكر حرام وما أسكر منه الفرق فملء الكف منه حرام " قال الخطابي :«الفرق » مكيال يسع ستة عشر رطلا، وفيه أبين البيان أن الحرمة شاملة لجميع أجزاء الشراب.
الحجة السابعة : روى أبو داود عن شهر بن حوشب، عن أم سلمة، قالت : نهى رسول الله ﷺ عن كل مسكر ومفتر، قال الخطابي : المفتر كل شراب يورث الفتور والخدر في الأعضاء، وهذا لا شك أنه متناول لجميع أنواع الأشربة، فهذه الأحاديث كلها دالة على أن كل مسكر فهو خمر، وهو حرام.
النوع الثاني : من الدلائل على أن كل مسكر خمر التمسك بالاشتقاقات، قال أهل اللغة : أصل هذا الحرف التغطية، سمي الخمار خمارا لأنه يغطي رأس المرأة، والخمر ما واراك من شجر وغيره، من وهدة وأكمة، وخمرت رأس الإناء أي غطيته، والخامر هو الذي يكتم شهادته، قال ابن الأنباري : سميت خمرا لأنها تخامر العقل، أي تخالطه، يقال : خامره الداء إذا خالطه، وأنشد لكثير :
هنيئا مريئا غير داء مخامر ***. . .
ويقال خامر السقام كبده، وهذا الذي ذكره راجع إلى الأول، لأن الشيء إذا خالط الشيء صار بمنزلة الساتر له، فهذه الاشتقاقات دالة على أن الخمر ما يكون ساترا للعقل، كما سميت مسكرا لأنها تسكر العقل أي تحجزه، وكأنها سميت بالمصدر من خمره خمرا إذا ستره للمبالغة، ويرجع حاصله إلى أن الخمر هو السكر، لأن السكر يغطي العقل، ويمنع من وصول نوره إلى الأعضاء، فهذه الاشتقاقات من أقوى الدلائل على أن مسمى الخمر هو المسكر، فكيف إذا انضافت الأحاديث الكثيرة إليه لا يقال هذا إثبات للغة بالقياس، وهو غير جائز، لأنا نقول : ليس هذا إثباتا للغة بالقياس، بل هو تعيين المسمى بواسطة هذه الاشتقاقات، كما أن أصحاب أبي حنيفة رحمهم الله يقولون إن مسمى النكاح هو الوطء ويثبتونه بالاشتقاقات، ومسمى الصوم هو الإمساك، ويثبتونه بالاشتقاقات.
النوع الثالث : من الدلائل الدالة على أن الخمر هو المسكر، أن الأمة مجمعة على أن الآيات الواردة في الخمر ثلاثة واثنان منها وردا بلفظ الخمر أحدهما : هذه الآية والثانية : آية المائدة والثالثة : وردت في السكر وهو قوله :﴿لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى﴾ وهذا يدل على أن المراد من الخمر هو المسكر.
النوع الرابع : من الحجة أن سبب تحريم الخمر هو أن عمر ومعاذا قالا : يا رسول الله إن الخمر مسلبة للعقل، مذهبة للمال، فبين لنا فيه، فهما إنما طلبا الفتوى من الله ورسوله بسبب كون الخمر مذهبة للعقل، فوجب أن يكون كل ما كان مساويا للخمر في هذا المعنى إما أن يكون خمرا وإما أن يكون مساويا للخمر في هذا الحكم.
النوع الخامس : من الحجة أن الله علل تحريم الخمر بقوله تعالى :﴿إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة﴾ ولا شك أن هذه الأفعال معللة بالسكر، وهذا التعليل يقيني، فعلى هذا تكون هذه الآية نصا في أن حرمة الخمر معللة بكونها مسكرة، فإما أن يجب القطع بأن كل مسكر خمر، وإن لم يكن كذلك فلا بد من ثبوت هذا الحكم في كل مسكر، وكل من أنصف وترك العناد، علم أن هذه الوجوه ظاهرة جلية في إثبات هذا المطلوب حجة أبي حنيفة رحمه الله من وجوه أحدها : قوله تعالى :﴿ومن ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه سكرا ورزقا حسنا﴾ من الله تعالى علينا باتخاذ السكر والرزق الحسن، وما نحن فيه سكر ورزق حسن، فوجب أن يكون مباحا لأن المنة لا تكون إلا بالمباح.
والحجة الثانية : ما روى ابن عباس أنه عليه الصلاة والسلام أتى السقاية عام حجة الوداع فاستند إليها، وقال : اسقوني، فقال العباس : ألا أسقيك مما ننبذه في بيوتنا ؟ فقال : ما تسقي الناس، فجاءه بقدح من نبيذ فشمه، فقطب وجهه ورده، فقال العباس : يا رسول الله أفسدت على أهل مكة شرابهم، فقال : ردوا علي القدح، فردوه عليه، فدعا بماء من زمزم وصب عليه وشرب، وقال : إذا اغتلمت عليكم هذه الأشربة فاقطعوا منتها بالماء.
وجه الاستدلال به أن التقطيب لا يكون إلا من الشديد، ولأن المزج بالماء كان لقطع الشدة بالنص، ولأن اغتلام الشراب شدته، كاغتلام البعير سكره.
الحجة الثالثة : التمسك بآثار الصحابة.
والجواب عن الأول : أن قوله تعالى :﴿تتخذون منه سكرا ورزقا حسنا﴾ نكرة في الإثبات، فلم قلتم : إن ذلك السكر والرزق الحسن هو هذا النبيذ ؟ ثم أجمع المفسرون على أن تلك الآية كانت نازلة قبل هذه الآيات الثلاث الدالة على تحريم الخمر، فكانت هذه الثلاثة إما ناسخة، أو مخصصة لها.
وأما الحديث فلعل ذلك النبيذ كان ماء نبذت تمرات فيه لتذهب الملوحة فتغير طعم الماء قليلا إلى الحموضة، وطبعه عليه السلام كان في غاية اللطافة، فلم يحتمل طبعه الكريم ذلك الطعم، فلذلك قطب وجهه، وأيضا كان المراد بصب الماء فيه إزالة ذلك القذر